هناك فكرتان يتم تلقينهما لنا باستمرار منذ زمن: أولا، أن الأفكار العظيمة هي من إنتاج أشخاص عظام قاموا بإخراجها من أذهانهم؛ وثانيًا، أن الأفكار هي القوة الدافعة للتاريخ. التراث الماركسي يرى بالعكس: أن الأفكار لا تتواجد بمعزل عن الشروط التي يعيش فيها البشر أو عن الصراعات التي ينخرطون فيها. لذلك، فالأفكار التي طورت في فترات تاريخية مختلفة مرتبطة أساسًا بالحياة الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية والعملية للبشر. فكما يقول ماركس: “ليس الوعي هو الذي يحدد الوجود، بل الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي”.

المشكلة في الادعاء بأن الأفكار هي التي تغير المجتمع هي أننا يمكننا أن نظل نتساءل: من أين تأتي هذه الأفكار؟ على سبيل المثال، الأفكار المسيطرة المتداولة اليوم هي أفكار تدافع عن المجتمع الرأسمالي. لكن لو كانت هذه هي القصة كلها، فكيف خرجت الأفكار الاشتراكية للوجود؟

لقد حددت الثورات الثلاثة العظيمة في أواخر القرن الثامن عشر شخصية المجتمع الحديث: الثورة الأمريكية ضد الحكم الاستعماري البريطاني، الثورة الفرنسية العظمى ضد الملكية المطلقة والإقطاع، والثورة الصناعية. لقد دمرت كل من الثورة الفرنسية والأمريكية النظام القديم، لكنهما انتهيا بظهور شكل جديد للسيطرة الطبقية وهو الرأسمالية الصناعية التي خلقت الثورة الصناعية أساسها المادي.

مارست الثورتان العظيمتان ضد النظام القديم تأثيرًا حاسما على الأفكار في وقتهما. وقتها أصبح التفكير في التاريخ يتم بطريقة جديدة أكثر حيوية بكثير. فلقد رأي الفيلسوف الألماني هيجل التاريخ مثل الحلبة التي تتصارع فيها قوى متعارضة مع بعضها البعض في بحث لا ينتهي عن الحرية. يتحرك التاريخ للأمام من خلال صراع الأضداد ثم من خلال هذه الأضداد على مستوى أعلى كيفيا. لكن بالنسبة هيجل بقيت هذه الأضداد محض نظرية.

ومع ذلك اشتركت رؤية هيجل مع رؤية ماركس في فكرتين: أن البشر يجب أن يناضلوا من أجل الحصول على الحرية، وأن المجتمع الحديث يتضمن عوائق تمنع التطور الكامل للقدرات البشرية الكامنة. وقد استلهمت كلتا الفكرتان من الثورات العظيمة في أواخر القرن الثامن عشر.

طبقًا للنظرية الاقتصادية المسيطرة وقتها – الاقتصاد السياسي الكلاسيكي الذي وضعه آدم سميث وديفيد ريكاردو – كان يجب أن يكون للمنافسة في السوق الحرة أعلى سلطان.

جادل سميث وريكاردو أيضًا بأن العمل هو مصدر كل ثروة، وهي الرؤية التي ناسبت احتياجات الرأسماليين الصناعيين الجدد. إذ شجعتهم ليحاولوا القضاء على القيود الباقية على حرية الحكرة للعمل التي تفرضها الدولة والطبقات القديمة من مالكي الأرض والتجار. في نفس الوقت، جادل ريكادرو بأن العمال يحصلون، في صورة أجور على القيمة الكاملة لوسائل إعاشتهم – الطعام، الملبس، المأوى – وأن قوى السوق ستمنعهم من الحصول على أكثر أو أقل من هذا.

وكان الاشتراكيون المثاليون من الطبقة الوسطى مثل روبرت أوين مسيطرين على النشاط السياسي للطبقة العاملة. أعتقد المثاليون أنه لتجاوز الفقر وعدم العدالة، فإنه من الضروري إقناع الأعضاء المستنيرين من الطبقة الحاكمة بإعادة تشكيل المجتمع طبقًا لقواعد منطقية وعادلة. كانت نخبويتهم هي التي قادتهم لنبذ فكرة التحرر الذاتي للعمال.

في هذا الوقت كانت الطبقة العاملة لا تزال صغيرة جدًا؛ دورها الاجتماعي والاقتصادي غير منظور، ووعيها الطبقي جنيني جدًا إلى الدرجة التي تجعلها لا تستطيع ترك علامة حاسمة على نتيجة الصراعات الكبيرة في نهاية القرن الثامن عشر.

فبالرغم من أن الثورات الأمريكية والفرنسية أظهرتا أن الجماهير يمكن أن تعمل لتحويل مسار التاريخ، إلا أنهما أديا إلى صعود طبقة حاكمة رأسمالية جديدة وشكل جديد للاستغلال. ولهذا السبب لم يستطيع هيجل الارتفاع بتفسيره للتاريخ وصراعاته فوق مستوى مجرد. كان ما زال من الضروري ومن الممكن أن ترتدي العملية التاريخية رداء صوفي.

لنفس السبب، كان ماركس – كطالب شاب بين عامي 1838 و1843 – عضوا في مجموعة الهيجليين الشباب الديمقراطية الثورية التي كان هدفها الصراع السياسي للقضاء على الملكية الأوتوقراطية البروسية. لكن في 1843 كتب مقالا أشار فيه للمرة الأولى إلى الطبقة العاملة بوصفها الوسيلة “لجعل الفلسفة أمرًا واقعًا” ولتحقيق “تحرير البشر الكامل”.

وفي السنوات التالية جادل ماركس بصرامة ضد الهيجليين، قائلا بأن الأفكار المجردة ليست هي القوة الدافعة للتاريخ، بل إن البشر، منظمين في طبقات اجتماعية تصارع ضد بعضها البعض هم القوة الدافعة الحقيقية، وجادل أيضًا بأن الأفكار تنبع من الواقع المادي للمجتمع البشري. أما ضد المثاليين والمصلحين فقد جادل بأن التاريخ لم يصنعه أشخاص عظام بل صنعته الجماهير.

ما الذي مكن ماركس من القيام بهذه القفزة؟ الذي مكنه هو أنه مع التصنيع السريع في أواخر عشرينات القرن التاسع عشر في إنجلترا وخاصة وإلى حد ما في فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، أصبح من الممكن الحديث عن طبقة عاملة جديدة ذات درجة من الوعي الطبقي.

وما الذي خلق الوعي الطبقي الجديد؟ الذي خلقه أنه منذ أواخر القرن الثاني عشر، بدأ الرأسماليون في إجبار المزارعين المستأجرين الصغار المستقلين سابقًا وحرفيي الطوائف على هجرة أراضيهم الصغيرة أو ورشهم ليعملوا بالأجر في المصانع الحضرية الجديدة. لقد كان أولئك عرضة لأبشع استغلال وقهر. إذا رفضوا أن يعملوا، كانوا يموتون جوعًا.

اشمئزاز الطبقة العاملة الجديدة من المصانع الحضرية الجديدة التي سيقوا إليها كالقطيع كان قويًا جدًا لدرجة أن القوانين سنت ضد التشرد لإبقاء العمال في المصانع. لكن أيضًا ومنذ البداية قاوم العمال. إذ تجمعوا في نقابات عمال، وواجهوا محاولات الحكومة الرأسمالية لتجريم نشاطهم عن طريق من قوانين النقابات في 1799 و1800. واستمرت النقابات رغم القوانين القاسية وأحكام السجن. إذ نظمت الطبقة العاملة الجديدة نفسها وردت الهجوم؛ من تمردات اللادية في 1811 و1812 إلى مذبحة بيترلو في 1819 إلى تعميم النقابات في 1830 – 1834. هذه الهجمات المضادة أدت إلى ظفر العمال بمطلب إلغاء قوانين النقابات في عام 1824.

بهذا اكتشف العمال قوة جديدة هي قوة وجودهم معًا في مكان يفرضه عليهم صاحب العمل الرأسمالي. لقد وحدتهم ونظمتهم نفس أدوات الإنتاج التي أجبرتهم على الطاعة. ففي 1831 و1834 انتفض غازلو الحرير في ليون. بعدها بعشر سنوات في 1844 ثار غازلو الكتان في سيليسيا ضد رؤسائهم الجدد.

تمرد العمال ضد قوة الرأسمالي. ناضلوا من أجل أجور أعلى، من أجل التفتيش على المصانع، من أجل شروط أفضل؛ ومن أجل وضع حد لساعات العمل. ثم استداروا ضد المشرعين الرأسماليين. في إنجلترا، منذ 1837 – 1848 ناضلوا من أجل حق الاقتراع العام خلال حركة الشارتية، وبعد ذلك ناضلوا من خلال نقابات العمال من أجل إقرار قانون العشر ساعات عمل.

لكن الطبقة العاملة ففي بداياتها الأولى مضت إلى أبعد من تحدي قوة الرأسماليين. من خبرتها الخاصة في التعاون أثناء الإنتاج وفي الصراع الجماعي أوجدت الإمكانية لبديل. في 1833 كتب عامل بناء في يوركشاير بإنجلترا: “لن تضرب نقابات العمال فقط من أجل عمل أقل وأجور أعلى، ولكنها في النهاية ستقضي على نظام الأجور ليصبح العمال سادة أنفسهم وليعملوا من أجل بعضهم البعض”. بدأت فكرة ديمقراطية العمال تقرر بالفعل. نفس عامل البناء استكمل مناديًا: “ببرلمان من الطبقات المنتجة أو بمجلس للفروع الصناعية المختلفة ينتخب مباشرة من الورش والمصانع فيرسل الناخبون ممثلين من المجالس المحلية إلى مجالس المناطق ومن مجالس المناطق إلى المجالس القومية. ومرتكزًا على الاقتراع العام والانتخابات السنوية سيستبدل مثل هذا الكيان البرلمان. “أيضًا نصت قواعد جمعية غازلي يوركشاير التي تكونت في 1832 على الآتي:” خلقت الطبقات العاملة كلل الثروة لكن بدلا من كونها الأغنى فهي الأفقر في المجتمع”. والبديل هو”الحياة في مجتمع على أسس التعاون المشترك والملكيات المتحدة”.

في نفس الوقت، جاءت الرأسمالية الصناعية بأزمات. الأولى تفجرت في 1825 والثانية في 1837. كانت أفكار الاقتصاد السياسي الكلاسيكية تتلقى صدمات الأزمات من ناحية وصدمات انتفاضات العمال من ناحية أخرى.

لقد شككت ضمنها الصراعات الأولى من أجل أجور أعلى وظروف أفضل في المبدأ الرأسمالي: “أجر يوم عادل في مقابل يوم عمل عادل”. كان العمال يتساءلون: “إذا كان العمل هو مصدر كل ثروة، لماذا يصبح العمال أفقر كلما أنتجوا أكثر؟” بمعنى آخر، كانوا يكشفون حقيقة الاستغلال المختفي تحت الرأسمالية والتي كانت تحاول الأفكار الكلاسيكية للاقتصاد السياسي إخفاؤه.

كانت أربعينات القرن التاسع عشر حقبة تعمقت فيها أزمة الرأسمالية الصناعية. فقد شهدت موجة صاعدة من الصراع الطبقي على جبهة أوروبية واسعة. وفي منفاه في فرنسا من 1843 حتى 1845 تاثر ماركس بشدة باتصاله مع عمال فرنسيين منظمين ومناضلين. وفي 1844 قابل إنجلز الذي عاش في مانشستر ونقل له بؤس عمالها.

انتقد الفلاسفة الهيجليون في ألمانيا، والذين أثروا في ماركس الشاب، افتقاد الديمقراطية في الدولة البروسية النصف إقطاعية، لكنهم لم يشتبكوا مع انتفاضات عمال الغزل السيليسيين في 1844. ماركس، على النقيض، تأثر بشدة بالحركة الحية للعمال وكتب: “حكمة الفقراء الألمان تقف في تناسب عكسي مع حكمة ألمانيا البائسة. الانتفاضات السياسية بدأت من عند نفس النقطة التي انتهت عندها العصيانات الفرنسية والإنجليزية، وهي نقطة ظهور وعي البروليتاريا كطبقة”.

خلال هذه السنوات العاصفة اكتشف ماركس أهمية الطبقة العاملة: أنها الحامل الممكن لنظام اشتراكي جديد، ليس فقط لأنها مقهورة ولكن لأن دورها في الإنتاج يجبرها على النضال بشكل جماعي.

لقد استطاع ماركس أيضًا تجاوز الاقتصاد الليبرالي. في قلب نظريته الاقتصادية الاشتراكية توجد فكرة أن النظام الرأسمالي يرتكز على استغلال العمال. لقد كان من السهل رؤية أنه في مجتمعات طبقية سابقة كان المنتجون مستغلين – على سبيل المثال، في ظل العبودية أو الإقطاع. لكن الاقتصاديون الكلاسيكيون ادعوا أنه في ظل الرأسمالية، كان العامل حرًا: هو أو هي يتفق على أجر مع صاحب العمل، ويمكنه أن يختار العمل أو عدم العمل عند هذا الرأسمالي أو ذاك.

ولكن بالتأكيد كان المجتمع الحديث مختلفًا – إذ كان مرتكزًا على التبادل الحر للعمل في مقابل الأجور، ولكن ماركس أثبت أنه في ظل الرأسمالية يتم استغلال العمال تمامًا مثلما كان يحدث في ظل العبودية أو الإقطاع. ولكن الفارق هو أنه بينما كان العبد مرتبطًا بمالكه الفرد والقن بمالك الأرض والأرض فإن العامل في ظل الرأسمالي مرتبط ليس بالرأسمالي الفرد ولكن بالطبقة الرأسمالية ككل.

طور ماركس لذلك نظرية مادية للتاريخ: لفهم أي حقبة تاريخية يجب علينا أن ننظر أولا إلى الطريقة التي ينتج بها البشر وسائل إعاشتهم. هذا بدوره دائمًا ما يكون مرتبطًا بأنواع محدد من العلاقات الاجتماعية أو أشكال الاستغلال. الملامح الرئيسية للإقطاع كانت: أولا، العملف الزراعي المرتكز على وسائل إنتاج منخفضة نقديًا، وثانيًا، نظام علاقات اجتماعية يستغل فيها اللورد الإقطاعي القن. وبينما أغدق ماركس الثناء على الرأسماليين الصناعيين الذين أطاحوا بالإقطاع، وثوروا وسائل الإنتاج التقليدية وبهذا حولوا المجتمع، إلا أنه جادل بأن أعظم إنجازاتهم كان هو تشكيل وصهر الطبقة العاملة الثورية نفسها – حفارة قبر الرأسماليين. هكذا، للمرة الأولى تصبح ثورة الأغلبية من أجل مصالح الأغلبية ممكنة.

هذه الثورة هي الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للعمال تغيير ليس فقط المجتمع ولكن أيضًا أنفسهم، بإلقاء قذارة العصور الماضية” جانبًا من أجل أن تصبح قادرة على إدارة المجتمع الجديد.

كانت ثورة 1848 هي الأولى التي ظهرت فيها الطبقة العاملة كفاعل مستقل على المسرح التاريخي. أقام العمال في فرنسا متاريس وقدموا مطالب اقتصادية ليس فقط ضد الملك ولكن ضد الرأسماليين كذلك، الرأسماليون الذين اتحدوا مع العمال ضد الملكية، انقلبوا الآن ضد العمال وذبحوهم بقواتم العسكرية. في 1848 اكتشفت أوروبا حقيقة العداء الطبقي بين الرأسماليين والعمال.

وفي البيان الشيوعي، الذي نشر قبل أسابيع من انفجار ثورة فبراير في فرنسا، طرح ماركس وإنجلز أن هذا الصراع هو محرك الرأسمالية الصناعية وهي التربة التي تنمو فيها بذرة الاشتراكية. المجتمع الاشتراكي يجب أن يكون أمميًا كما أن الثورة لا يمكن أن تحد نفسها داخل الحدود القومية.

ومع هزيمة الثورة الأوروبية في 1850، قضى ماركس الكثير من وقته في المتحف البريطاني. لكنه لم يكن أبدًا مفكرًا في برج عاجي. بالنسبة له، كانت النظرية دائمًا مرتبطة بنشاط الطبقة العاملة إذ تسعى لتنويره من أجل أن تكون مرشدًا للتحرك المستقبلي: “لقد فسر الفلاسفة العالم، بينما الفكرة هي في تغييره”. وحتى نهاية أيامه، ظل ماركس – أساسًا وقبل كل شيء – مناضلاً ثوريًا.

ـــــــــ

* ترجمة مقال: “تكوين ماركس” المنشور في مجلة: السوشياليست ريفيو عدد فبراير 1996 بقلم: سابي ساجال

About these ads

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s