كتاب (نقد الاقتصاد السياسي) كارل ماركس 1 ـ مقدمة

Posted: 12 أغسطس 2011 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , ,
كارل ماركس
1859
ترجمة: د. راشد البراوي
الناشر: دار النهضة العربية

إني أبحث نظام الاقتصاد البورجوازي وفقًا للترتيب التالي: رأس المال، الملكية الزراعية، الأجور؛ الدولة التجارة الخارجية، السوق العالمية. وتحت العناوين الثلاثة الأولى أبحث الأحوال الاقتصادية التي توجد فيها الطبقات الكبرى الثلاث التي تشكل المجتمع البورجوازي الحديث. وعلى الفور يتراءى ارتباط البنود الثلاثة الأخرى. ويتضمن القسم الأول من الكتاب الأول الذي يعالج موضوع رأس المال، الفصول التالية: (1) السلعة؛ (2) النقود أو التداول البسيط؛ (3) رأس المال بوجه عام. ومن الفصلين الأولين تتكون مادة المجلد الحالي. ومجموع المواد معد تمامًا على صورة مقالات كتبتها في لحظات جد متباعدة عن بعضها البعض، لفائدتي الخاصة وليس النشر. وسوف تقرر الظروف إذا كانت سأنشرها يومًا وقد صنفت تمامًا وفق الخطة التي سلف بيانها.

وأحذف مقدمة عامة كنت قد سطرتها على الورق. وإذ رحت أفكر عن كثب فإن كل استباق للنتائج التي يراد إثباتها لم يكن ليعمل إلا على وضع العراقيل. وعلى القارئ إن أراد متابعتي. أن ينتقل من الخاص إلى العام. ولكن في إمكاني أم أقدم هنا بضع دلائل عن سير دراساتي للاقتصاد السياسي.

كان فقة القانون مادة تخصصي، ولكني لم أضعه إلا في المرتبة الثانية بعد الفلسفة والتاريخ. وفي 1843 – 43 وبينما كنت أحرر Rheinische Zeitung، ألفيتني لأول مرة في الموقف المحير الذي يتطلب مني إبداء الرأي بصدد ما يطلق عليه أسم المصالح المادية. فالمناقشات التي درات في لاندتاج الراين حول المخالفات المتعلقة بالغابات وحول تجزئة الملكية الزراعية، والجدل الرسمي الذي أثاره السيد فون شابر وكان آنذاك الرئيس الأعلى لإقليم الراين، ضد صحيفة Rheinische Zeitung  (1 – الاقتصاد) حول موقف فلاحي الموزل، وأخيرًا المناقشات حول حرية التجارة والحماية الجمركية، هذه كلها أتاحت لي الفرص الأولى للإهتمام بالمسائل الاقتصادية. ومن جهة أخرى، ففي تلك الحقبة حيث الإدارة الطيبة “في السير إلى الأمام، كانت تعوض كثيرًا المعارف الفنية، أسمعت الاشتراكية والشيوعية الفرنسية على صفحات راينيش زايتونج، صدى تلونه الفلسفة تاوينًا خفيفًا. واعترضت على هذا التخريب ولكني في نفس الوقت، وفي جدل مع Allegemeine Augsburger Zeitung أعلنت صراحة أن دراساتي قبل ذلك لم تسمح لي بأن أخاطر أنا نفسي بإبداء رأس حول الأساس الذي تقوم عليه حقيقة الاتجاهات الفرنسية. وإذ كان المسئولون عن إدارة Reinische Zeitung غارقين في الوهم اللطيف، وعن طريق موقف أكثر اعتدالاً، بالعمل على إصدار حكم الإعدام علينا، واتخذت في نهم هذه الذريعة لنبذ المشهد العام والانسحاب إلى مكتبي.

وكان أول عمل قمت به من أجل فض الشكوك التي كانت تهاجمني، إجراء مراجعة نقدية لفلسفة القانون عند هيجل، وهو عمل ظهرت مقدمته عام 1844 في Deutsch – franzosische Jarbucher المنشور في باريس. ووصلت أبحاثي إلى النتيجة التالية: لا تستطيع الأحوال القانونية والأشكال السياسية أن تفسر نفسها بنفسها ولا عن طريق ما يدعي التطور العام للعقل البشري؛ إن أساسها بالعكس هو في ظروف الحياة المادية، التي يطلق عليها هيجل وهو يجذر حذو الإنجليز والفرنسيين في القرن الثامن عشر، اسمًا من نوع خاص هو “المجتمع المدني”؛ ويجب أن نبحث في الاقتصاد السياسي عن تشريح المجتمع المدني. وبعد أن بدأت في باريس دراسة الاقتصاد السياسي واصلتها في بروكسل حيث التجأت إليها نتيجة قرار أتخذه المسيو جيزو بطردي. ويمكن أن ألخص على النحول التالي النتيجة العامة التي وصلت إليها والتي أفادتني كخيط موصل في دراساتي: في إنتاج الناس الاجتماعي لحياتهم يدخلون في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم، وهي علاقات إنتاج تطابق درجة معينة من تطور قواهم الإنتاجية المادية. ويشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي يشكل الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه صرح علوي قانوني وسياسي وتتمشى معه أشكال اجتماعية. فأسلوب إنتاج الحياة المادية هو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية للحياة بوجه عام. ليس وعي الناس بالذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. فعندما تصل قوى المجتمع الإنتاجية المادية إلى درجة معينة من تطورها تدخل في صراع مع أحوال الإنتاج القائمة أو بالتعبير القانوني مع أحوال الملكية التي كانت تعمل في ظلها حتى ذلك الوقت. وتتغير هذه الأحوال التي هي قيد على الأشكال التطورية من القوى الإنتاجية. وفي هذه اللحظة تحل حقبة من الثورة الاجتماعية. فتعديل القاعدة الاقتصادية يجر في أذياله قلبًا سريعًا بدرجة أكثر أو أقل، لكل الصرح العلوي الهائل. وعند دراسة الانقلابات التي من هذا النوع يجب دائمًا أن نفرق بين القلب المادي الذي يحدث في أحوال الإنتاج الاقتصادية والتي يمكن تقريرها بدقة علية، وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية أو بكلمة واحدة الأشكال الأيديولوجية التي يدرك الناس في ظلها هذا الصراع ويجاهدون في سبيل فضه. إذا لم يكن في الإمكان الحكم على فرد طبقًا لما يراه هو عن نفسه، فلن يكون في الإمكان الحكم على حقبة مشابهة من الثورة على أساس وعيها بنفسها؛ وإنما بالعكس يجب تفسير هذا الوعي بمتناقضات الحياة المادية في أحشاء المجتمع القديم. وهذا هو السبب الذي من أجله لا تكلف البشرية نفسها إلى بمهام تستطيع تحقيقها. والواقع، لو نظرنا عن كثب لاكتشفنا دائمًا أن المهمة لا تظهر إلى إذا كانت الظروف المادية اللازمة لتحقيقها قائمة أو في سبيل التكون على الأقل. من ناحية الخطوط العريضة نستطيع أن نعتبر أساليب الإنتاج الأسيوية والقديمة والإقطاعية وفي المجتمع البورجوازي الحديث كأنها حقب متدرجة في التكوين الاقتصادي للمجتمع. وتشكل أحوال الإنتاج البورجوازية الشكل المتناقض الأخير من عملية الإنتاج الاجتماعي. ولكن التناقض ليس فرديًا، ولكنه ينبعث من الأحوال الاجتماعية التي يعيش فيها الأفراد. أو أن القوى الإنتاجية التي تنشأ في أحشاء المجتمع البورجوازي تخلق في الوقت نفسه الأحوال المادية التي تسمح بفض هذا التناقض، ومن ثم فبهذا التكوين الاجتماعي ينتهي عصر ما قبل التاريخ للمجتمع البشري.

وكان فردريك إنجلز الذي لم أتوقف عن تبادل الرسائل معه منذ أن نشر مشروعه العبقري عن نقد الفئات الاقتصادية في Deutsch – franzosische jahrbucher، وقد وصل إلى النتيجة نفسها ولكن بطريق مختلف (أنظر مؤلفه حالة الطبقات العاملة في إنجلترا). وعندما وفد في ربيع عام 1845 ليستقر بالمثل في بروكسل، قررنا أن نصنف بالتعاون بيننا الاختلافات التي كانت بين أفكارنا وتصور الفلسفة الألمانية الأيديولوجي. أردنا في الواقع تصفية نظرياتنا الفلسفية القديمة. وحققنا مشروعنا بأن كتبنا دراسة نقدية للفلسفة بعد عصر هيجل. ووصل المخطوط وكان في مجلدين، إلى ناشر في وستفاليا عندما أبلغنا أن تغييرًا في الظروف لم تسمح بنشره. وتخلينا بقدر ما كان ذلك متفقًا مع إرادتنا، عن المخطوط لتقرضه الجرذان، إذ كنا قد بلغنا هدفنا الرئيسي؛ ذلك أن الرؤية وضحت أمامنا. ومن بين مختلف الأعمال التي قدمنا بها في تلك الحقبة أفكارنا للجمهور لن أذكر سوى “البيان الشيوعي” الذي تعاونا في كتابته، وكذلك “حديث عن حرية التجارة “وكتبته أنا وحدي. ووجدت النقاط الحاسمة من نظريتنا أو تعبير علمي عنها وإن حدث هذا على صورة جدل، في الكراسة التي نشرتها في عام 1847 ضد برودون بعنوان “فقر الفلسفة الخ” ([1])وهذه الدراسة المكتوبة بالألمانية والتي عالجت فيها مسألة الأجور وجمعت فيها محاضرات كنت قد ألقيتها حول هذه المسألة في الدائرة العمالية الألمانية بيروكسل، كانت في طريقها إلى المطبعة عندما أوقفتها ثورة فبراير حيث اضطررت إلى مغادرة بروكسل.

وبسبب صدور Neue Reinsche Zeitung في 1848، 1849، والأحداث التي تلت ذلك، توقفت دراساتي الاقتصادية التي لم أتمكن من استئنافها في لندن على في عام 1850. ذلك الحشد الهائل من الوثائق المتعلقة بتاريخ الاقتصاد السياسي والمكدسة في المتحف البريطاني، ومكان المشاهدة الممتاز الذي تهيؤه لندن لمن يرغب في مراقبة المجتمع البرجوازي، وأخيرًا تلك المرحلة الجديدة من التطور حيث بدأ أن اكتشاف مناجم الذهب في كاليفورنيا وأستراليا جعل هذا المجتمع يدخلها، كل هذا جعلني أقرر أن أبدأ من جديد ومنذ البداية الأولى، وأن أقوم بدراسة نقدية لكل هذه المواد الجديدة. وهذه الدراسات ساقتني في حد ذاتها وإلى حد معين، نحو قوانين ونظم جد مختلفة في الظاهر تطلبت مني أن أعني بها لوقت طويل بدرجة أكبر أو أقل. ولكن الذي قلل بدرجة بالغة من وقت الفراغ المتاح لي، كان الضروري الملحة والقاضية بكسب العيش. إن مساهمتي التي بدأت منذ ثماني سنوات بالكتابة في “نيويورك تربيون” وهي أول صحيفة أنجلو – أمريكية، اضطرتني إلى توزيع دراساتي بصورة غير عادية، لأني لا أزاول الأنشطة الصحفية إلا بصفة استثنائية، ولكن مقالات معينة جعلتني الصحيفة أكتبها عن حقائق اقتصادية لها أهمية بوجه خاص وحدثت سواء في انجلترا أو في القارة، شكلت جزءًا بالغ القدر من كتاباتي وجعلتني مضطرًا إلى الإطلاع والتعرف على تفاصيل عملية لا تدخل في إطار الاقتصاد السياسي الصحيح.

هذا العرض الموجز للطريقة التي سارت بها دراساتي في ميدان الاقتصاد السياسي، لم أقدمه إلا لكي أبرهن على الآتي: إن أفكاري وإن كانت لا تتفق كثيرًا مع أهواء الطبقات الحاكمة، هي نتيجة سنوات طويلة من الأبحاث. ولكن الشرط الذي يتطلبه الدخول في العلم، شأنه شأن الدخول في الجحيم، هو:

يحسن أن نترك هنا كل فكر مسبق، وكل جبن، ويحسن هنا أن يكون ميتًا (دانتي: الجحيم)

لندن، يناير 1859

كارل ماركس


([1] ) راجع في هذا الصدد كتابنا “المذاهب الاشتراكية المعاصرة” (المترجم).

About these ads

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s