بلترة العمل الذهني

Posted: 19 فبراير 2013 in مختاراتي السياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
إرنست ماندل
خطاب ألقي في جامعة مكسيكو عام 1972. الفصل الثالث من كتاب “الطلبة والمثقفون وصراع الطبقات”
منشورات لابريش- 1979
ترجمة: جريدة المناضل-ة
1. بلترة العمل الذهني

ترتكز الرأسمالية الجديدة، بما هي طور ثالث من تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، على ثورة تكنولوجية شأن الطورين السابقين. ومحور هذه الثورة هو الأتمتة والالكترونيك والطاقة النووية، بينما كان قطب الثورة التكنولوجية الأولى هو المحرك البخاري وقطب الثانية هو المحرك الكهربائي. إن ما أتاحته الرأسمالية الجديدة من تطور جديد في نمو قوى الإنتاج -وهو نمو تضاءل تدريجيا منذ 1966/1968- لا يناقض بأي وجه اعتبار العصر الذي افتتحته الحرب العالمية الأولى عصر انحطاط الرأسمالية. إن الثورة التكنولوجية الثالثة لا تشكل حجة على حيوية الرأسمالية العالمية. فهي ليست مجرد نتاج للعلم بل أيضا نتاجا لصراع الطبقات.

إن محرك نمط الإنتاج الرأسمالي هو تراكم رأس المال بواسطة تحقيق ورسملة الربح. والاكتشافات العلمية لا تجد مجالا للتطبيق في سيرورة الإنتاج إلا إذا كانت مربحة. لذا لا يصح اعتبار العلم في ظل الرأسمالية الجديدة قوة منتجة مباشرة. فتطبيقه على الإنتاج خاضع اليوم أكثر من ذي قبل لضرورات الربح. فعديدة هي الاكتشافات العلمية المؤسسة للثورة التكنولوجية الثالثة والتي تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية. ويعود عدم تطبيقها آنذاك ليس إلى وجود عوائق تكنولوجية بل إلى مردوديتها الضعيفة. إن الهزائم الكبرى للطبقة العاملة العالمية أمام الفاشية و”الحرب الباردة” هي التي أتاحت نهوض الإمبريالية بدءا من 1945 بعد 20 أو 25 سنة من الركود. فقد أتاحت تلك الهزائم نموا كبيرا لمعدل فائض قيمة الرأسماليين ومن ثمة بالضبط لمعدل الربح. وهذا الارتفاع في معدل الربح هو الذي أتاح انتعاش النمو الاقتصادي.

باتت الرأسمالية الجديدة، بما هي ثمرة الهزائم التاريخية للطبقة العاملة في الثلاثينات والأربعينات، تواجه حاليا الصعود الجديد للحركة العمالية العالمية خلال سنوات الستين والذي يرمز إليه الانفجار الثوري سنة 1968. وهذا الانفجار نفسه هو في آخر المطاف ثمرة الثورة التكنولوجية الجديدة التي تتطلب، بفعل منطقها نفسه، اختيارا ثابتا للأسبقيات الاقتصادية والاجتماعية وتخطيطا اجتماعيا عالميا للتشغيل وللمواد المادية. وليس بوسع الرأسمالية الجديدة إلا أن تفاقم كل التناقضات الملازمة للرأسمالية. وتعلمون انتم المكسيكيون (هذا النص خطاب القي في مكسيكو عام 1972) إحدى مظاهرها الأساسية: عجزها عن ضمان نمو متوازن ولو جزئي لاقتصاد بلدان أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. ويشهد على ذلك الفضيحة الكبرى الكامنة في التبذير المتزايد للموارد المادية في النصف الشمالي من الأرض، والبؤس والأمية والبطالة المزمنة لدى السواد الأعظم من سكان النصف الجنوبي. يحتم النمو الإمبريالي ويغذي تخلف البلدان شبه المستعمرة. وليس التمرد شبه الدائم لبلدان العالم الثالث ضد الاستغلال الاستعماري الجديد غير نتيجة حتمية للتوسع الإمبريالي.

لن نتطرق هنا سوى إلى إحدى أوجه انحطاط نمط الإنتاج الرأسمالي على المستوى العالمي: أزمة علاقات الإنتاج الرأسمالية وبخاصة التناقضات المتنامية الناتجة عن بلترة العمل الذهني. فقد خلف أفول الرأسمالية، على المستوى التاريخي، ظاهرتين أساسيتين ومتكاملتين لعصرنا: العجز عن تطوير ما يسمى العالم الثالث والعجز عن إدماج متناسق وبناء للعمل الذهني أي للعلم في سيرورة الإنتاج على وجه يفيد البشرية.

إن الرأسمالية لا تطور الإنتاج إلا بحفز من ضرورات الربح. وتنزع المنافسة إلى تساوي معدل ربح المقاولات الرأسمالية. ويولد تطور قوى الإنتاج ميلا إلى تقليص إجمالي لمتوسط معدل الربح ويؤدي تركيز الرساميل من قبل الاحتكارات الكبرى إلى سباق دائم نحو تحقيق أرباح فائضة. كانت الأرباح الفائضة الاستعمارية خلال حقبة الإمبريالية الكلاسيكية، أي خلال 25 سنة الأخيرة من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى حدود الحرب العالمية الأولى، هي الشكل الرئيسي للربح الفائض العام. وهي لا زالت موجودة اليوم بل إنها عند بعض الاحتكارات أهم بالأرقام المطلقة، مما كانت عليه قبل 1939 أو حتى 1914. بيد أن الإفقار النسبي لشعوب البلدان شبه المستعمرة، الذي ساهم في خلق هذه الأرباح الفائضة، وتوسع الثورة المعادية للإمبريالية وتحولها إلى ثروة دائمة ستقلص حتما الوزن النسبي للأرباح الفائضة الاستعمارية في مجموع أرباح الاحتكارات الإمبريالية. أما اليوم فإن الأرباح الفائضة الاحتكارية المرتكزة على الريوع التكنولوجية هي التي تتصدر الأرباح الفائضة.

هكذا برزت الرأسمالية الجديدة كطور من نمط الإنتاج الرأسمالي يميزه سباق دائم للحصول على الريوع التكنولوجية. وهذا ما أدى إلى تسريع الابتكار التكنولوجي منذ سنوات الأربعين بالولايات المتحدة ومنذ 1948 بباقي البلدان الإمبريالية. ومع هذا التسريع يبرز وجهان هامان للرأسمالية الجديدة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي.

فمن جهة يؤدي هذا التسارع إلى تقادم سريع للآلات والتجهيزات. ويمكن طبعا للاحتكارات الإمبريالية أن تصدر تلك الآلات البالية إلى بلدان العلم الثالث لكنها تضطر تحت ضغط المنافسة الاحتكارية المتزايدة إلى استيفاء رأسمالها القار في وقت وجيز جدا. ومن هنا تنبع ضرورة تخطيط أدق للاستيفاءات والاستثمارات والأكلاف والأرباح داخل كل احتكار. وهذا ما يؤدي إلى مجهود برمجة اقتصادية من طرف الدول البرجوازية أي محاولة تنسيق وطني للخطط الخاصة بالاحتكارات. ومن هنا أيضا تنبع ضرورة تدخل متزايد للدولة في الحياة الاقتصادية عموما.

ومن جهة أخرى يستتبع السباق نحو الريع التكنولوجي نموا ضخما لنفقات البحث والتنمية. ففي الولايات المتحدة انتقلت هذه النفقات من 100 مليون دولار عام 1928 إلى 5 مليار في 1953 وإلى 12 مليار عام 1959 ثم إلى 12 مليار عام 1970. ويترافق هذا النمو الضخم لاستثمار الرساميل في قطاع البحث مع نمو مماثل للعاملين في البحث وفي تطبيقاته التكنولوجية. فليس صدفة أن يرتفع عدد العلماء الأمريكيين العاملين في البحث من 87 ألف عام 1941 إلى 387 ألف في 1967 ثم ما يفوق نصف مليون عام 1970.

بيد أنه من الحتمي في مجتمع رأسمالي، مجتمع الإنتاج السلعي المعمم، أن يفضي توسع من هذا الحجم إلى تقسيم جديد للعمل داخل المنشآت الاحتكارية. هكذا لا يظهر داخل كل احتكار كبير جناح مختص في البحث فحسب، بل قد تصبح هذه الأجنحة مستقلة كمختبرات تبيع اختراعاتها واكتشافاتها لمن يدفع أكثر. هكذا يتحقق تنبؤ ماركس الوارد في “الغرندريسة” حيث أبرز ميل الرأسمالية إلى جعل كل العلوم أسيرة الرأسمال وتحويل الاختراع إلى مجال مستقل للاستثمار.

إن لمظهري الرأسمالية الجديدة اللذين أكدنا عليهما، مضاعفات هامة على ميلها المميز لبلترة متزايدة للعمل الذهني.

إذ أن تسارع الاختراع التكنولوجي يستتبع إدماجا واسع النطاق للعمل الذهني في سيرورة الإنتاج. فبينما كان العمل الذهني في سابق حقب الرأسمالية منحصرا إلى حد كبير في البنية الفوقية الاجتماعية نراه اليوم متجها بشكل متزايد نحو البنية التحتية للمجتمع. إن إعادة إدماج العمل الذهني في سيرورة الإنتاج لا ينعكس فقط في تزايد عدد مهندسي الكيمياء والفيزياء والاقتصاد وعلماء الاجتماع والأطباء والإداريين الذين تشغلهم المنشآت الرأسمالية الكبرى. فأنشطة هؤلاء الجامعيين مرتبطة، وإن بتفاوت فيما بينهم، بسيرورة الإنتاج بحصر المعنى. بيد أن إعادة إدماج العمل الذهني تنعكس أيضا في ارتفاع عدد الأشخاص المنخرطين في الإنتاج بالمعنى الدقيق للكلمة (وهم غالبا من ذوي التكوين الثانوي والعالي لكن غير الجامعي) ولا شك أن أسطع مثال يكمن في إحدى أكبر النجاحات التي شهدتها المنافسة العالمية بين الإمبرياليات خلال العقد الأخير: فصناعة السفن اليابانية، التي تمكنت من كسب نصف الطلبات العالمية في هذا القطاع، تشغل مستخدمين نصفهم من ذوي تكوين جامعي أو شبه جامعي.

من جهة أخرى تؤدي ضرورات التخطيط المتزايد داخل المقاولة الاحتكارية وضرورات البرمجة الاقتصادية على مستوى الدول إلى نمو لا يقل أهمية للعمل الذهني في مجالات إعادة الإنتاج وكذا إلى تغيير جذري في وضعه الاعتباري. فمن قبل كان المثقف النشيط في هذا المجال عاملا مستقلا، وممثلا للمهن الحرة، أما اليوم فقد أصبح أجيرا.

تستتبع الرأسمالية الجديدة ميلا على تنظيم منهجي لكل دوائر البنية الفوقية، وهنا أيضا يتغلغل العلم بشكل واسع، ولو أن الأمر يتعلق بالعلوم الطبيعية اقل مما هو بالعلوم الاجتماعية التي مازالت في أغلبها إيديولوجية طبقية.

وتتجلى هذه الملاحظة بوضوح في مجال إدارة المنشآت. فما كان في السابق من اختصاص رب عمل-مدير واحد أو مجلس إدارة شركة أسهم أصبح تنظيما مبنيا وتراتبيا. وأصبحت كل دوائر نشاط الإدارة تنتج تخصصاتها. فمهندسو الإنتاج والمختصون في تنظيم العمل يتلقون تكوينا جامعيا مغايرا لتكوين تقني دراسة السوق أو “الماركتينغ”. والخبراء في الأنشطة النقدية والبنكية والمالية ومنظمو المضاربة الدائمة في العملات الأجنبية -وهم صنف لا تستغني عنه أي من كبريات الشركات متعددة القويات- لا علاقة لهم بالعلماء المشتغلين في مختلف مجالات البحث التطبيقي، ناهيك عن المشتغلين في الدزاين design (1) الصناعي وجمالية الأشكال، الخ. إن الحاجات التي يجب أن يستجيب لها أطباء الشغل وسيكولوجيو الشغل والمختصون المزعومون في “العلاقات الإنسانية” تتعارض والمتطلبات المحددة لأنشطة المختصين في إعادة إنتاج رأس المال، أي أولئك الذين يجوبون العالم لتحديد البلد أو الجهة أو المدينة المواتية لإقامة فرع جديد، أو لتحديد مشاكل التواصل والنقل بين هذا الفرع والشركة الأم، ولأجل فحص حسابات التمويل التي يجب في النظام الرأسمالي أن تتحكم في هذا الاختيار.

كل هؤلاء الخبراء مدمجون مباشرة في دائرة الإنتاج. غير أن ضرورات البرمجة والتنظيم الاقتصادي، النابعة في ظل الرأسمالية من تسارع الاختراع التكنولوجي، تمتد حتما لتصبح ضرورات لبرمجة وتنظيم لكل دوائر النشاط الاجتماعي، أي باختصار كل المجتمع.

لا يمكن للرأسمالية الجديدة أن تخطط كل التكاليف دون أن تخطط في نفس الوقت تكاليف الأجور. فلا مجال لبرمجة اقتصادية دون برمجة ارتفاع الأجور. يجب جعل العمال يقبلون هذه البرمجة الخاضعة دوما في النظام الرأسمالي لمتطلبات الربح الرأسمالي. يجب إذن إخضاع وسائل الاتصال الكبرى والإعلام الجماهيري (تلفزة – راديو -صحافة – إشهار…) والتعليم وحتى البيروقراطية النقابية للرقابة وللتنظيم الرأسمالي الاحتكاري. يجب إذن تنظيمها بطريقة تمكن من التلاعب والتحكم في قناعات وحاجات وآمال وأحلام العمال وتوجيهها وفق متطلبات إعادة الإنتاج الموسع للرأسمال بهدف دمج البروليتاريا وتفادي تفكك المجتمع البرجوازي.

لكن هنا تتجلى مرة أخرى حدود النظام الرأسمالي وعجزه على تجاوز تناقضاته. فجميع تقنيات الإدماج تلك، التي لا شك في فعاليتها النسبية والعابرة، لا يمكن تطبيقها دون تحويل متزايد للمثقفين إلى عمال أجراء، أي دون توسيع هائل للعمل المأجور وزيادة عدد البروليتاريا وتأهيلها. إن الميل إلى توسيع دائم للعمل الذهني المؤهل، سواء في مجال الإنتاج أو إعادة الإنتاج أو على مستوى البنية الفوقية- وهو ميل مميز للرأسمالية الجديدة- هو أيضا ميل إلى بلترة متزايدة للعمل الذهني. إن الرأسمالية الجديدة هي حقبة تطور الرأسمالية التي يبدأ فيها نظام العمل المأجور بالتوسع ليعم حتى خارج دائرة الإنتاج. ليست الرأسمالية الجديدة بأي وجه مجتمعا “ما بعد صناعي” بل هي تعني تصنيعا ناجزا باستمرار لكل الأنشطة البشرية.

إن الخصائص الأساسية للتصنيع هي: المكننة واستعمال تجهيزات متنامية التعقيد، وتقسيم العمل وبالتالي تجريد عمل الفرد من كل طابع خاص ومستقل وذلك بتجزئته وإضفاء الطابع الاجتماعي عليه. إذا نظرنا من حولنا سنلاحظ أن هذه الظواهر قد برزت في 25 سنة الأخيرة في جملة مجالات من الحياة الاجتماعية ظلت منعدمة فيها قبل الحرب العالمية الثانية أو تكاد.

إن تصنيع الزراعة في البلدان الرأسمالية معروف بشكل واسع. ففي الولايات المتحدة تجاوز الرأسمال المستثمر في الآلات الزراعية في عشر سنوات قيمة الرأسمال المستثمر في أراضي الفلاحة. كما أن مكننة العمل المكتبي أضحت معروفة جدا. فالحاسوبات الالكترونية والآلات المحاسبة وآلات تفحص شيكات البنوك تتكاثر باستمرار. أما في التجارة فإن الموزعات الالكترونية تتكاثر من يوم لآخر ودخلت الأغذية الجاهزة مجال التغذية. وغذت شركات الاستشارة القانونية تعوض مكاتب المحامين وتحل فرق المختصين في المصحات محل طبيب العائلة. وتدخل المكننة مجال الفن مع السينما والتلفزيون ومستقبلا مع الفيديو- كاسيت. وعبر نفس التقنيات تلج المكننة ميدان التعليم أيضا.

ونجد، إلى جانب بلترة العمل الذهني، تعميما للعمل المأجور وللاقتصاد السلعي والنقدي. فالعديد من الخدمات الشخصية كانت في القرن التاسع عشر خارج نطاق قوانين الربح وأصبحت حاليا مقاولات رأسمالية. وأسطع مثال في هذا المجال هو الخادمة بالبيت التي عوضتها الثلاجة وآلة الغسيل والتسخين والهواء المكيف. لكن هذا الميل يذهب أبعد من ذلك، فحتى الخدمات الشخصية ، التي اعتبرت نبيلة مثل الطب والثقافة والفن، جرفتها دوامة الإنتاج الممكنن وأضحت عرضة لأوسع تسويق.

بفعل التصنيع الشامل لكل نشاط إنساني في ظل الرأسمالية الجديدة، أصبحت كل السمات التقليدية لبترة العمل، المنطبقة أصلا على العمل اليدوي في المصنع الكبير العصري، سارية اليوم أكثر فأكثر على العمل الذهني أي على عمل مأجور داخل وحتى خارج دائرة الإنتاج بحصر المعنى. تستتبع بلترة العمل الذهني تخصه وحتى تجزئته وتذريره الأقصى. وفي عصر تمجيد الخبراء يستحيل بلوغ مثل هذا التأهيل إلا في مجالات معرفة ضيقة أكثر فأكثر. إن المصير المحتوم للعامل الذهني هو أن يلم بعمق بقسم صغير لأحد الفروع العلمية مع معلومات مبهمة حول مجمل ذلك الفرع وانعدام أي معرفة بباقي مجالات المعرفة العلمية. ومثل هذا العمل الذهني المجزأ، والفاقد لكل رؤية إجمالية للأنشطة الاجتماعية التي يندرج فيها، لا يمكن أن يكون إلا عملا مستلبا. إن بلترة العمل الذهني في شروط العمل المأجور تفضي حتما إلى استيلابه.

وهذا ما تمكن البرهنة عليه على المستوى المادي المباشر. إذ تستتبع بلترة العمل الذهني ظهور سوق خاصة به ويصبح موضوع بيع وشراء كأي بضاعة أخرى شأن قوة العمل اليدوية منذ بدايات الرأسمالية. ويصبح لقوة العمل الذهني سعر سوق يحوم حسب قوانين السوق، أي حسب قوانين العرض والطلب، حول محور هو قيمة قوة العمل تلك.

علاوة على أنه يجب الإقرار بكون الاقتصاد السياسي البرجوازي يواكب ويعكس تلك البلترة، إذ ظهرت فروع جديدة لتلك الإيديولوجية صاغت مع الأستاذ شولتز، مفهوم “الرأسمال البشري” وقامت بحساب “القيمة المضافة” لذلك “الرأسمال” خلال “سيرورة إنتاج التأهيل الذهني” أي خلال الدراسات الجامعية. وقام الأستاذ “بالوج” بقياس “فعالية” و”إنتاجية” “الإنتاج الجامعي”. ويقوم آخرون وبالخصوص الأساتذة “هاري جونسون” و”كيرشاو” باستخلاص” الناتج الحدي” المتغير للمؤهلات الذهنية انطلاقا من العرض والطلب الخاصين بها.

هنا نلمس وهما من أوهام جميع محاميي ونقاد التكنوقراطية قصيري النظر بدءا بالأستاذ “غالبرايت” الذي تسرع واستنتج من الأهمية المتزايدة للعمال الذهنيين هيمنة تلك “البنية التقنية” في مجتمع الرأسمالية الجديدة. وقد جاءت التجربة المؤلمة التي يمر منها حاليا بالولايات المتحدة مدراء وعلماء ومهندسو قطاع الملاحة الفضائية المحكوم على عشرات الآلاف منهم بالبطالة، بمن فيهم مدراء سابقين للمصانع اضطروا لإعالة أبنائهم إلى العيش بالمساعدة العمومية، وإرسال مواد غذائية يابانية إلى مركز “سيتل” الأكثر تضررا من تلك البطالة الذهنية، جاءت هذه التجربة لتؤكد القانون الأساسي للنظام الرأسمالي الذي نسيه عدة إيديولوجيون خلال سنوات الازدهار: لا يمكن لأي أجير في منشأة رأسمالية مهما بلغت مرتبه ومؤهلاته، أن يحافظ على منصبه. لا يوجد في النظام الرأسمالي أي ضمان لمستوى العيش سوى ذلك النابع من ملكية الرأسمال النقدي لثروة خاصة. لهذا السبب، وخلافا لمزاعم المدافعين عن “ثورة المدراء” ليس للمستخدمين في أرقى المراكز في الاحتكارات وحتى لأقوى الإداريين غير حافز أساسي: شراء أسهم أو غيرها من أشكال الملكية الرأسمالية القادرة على حمايتهم من عدم الاستقرار والتقلبات الظرفية وما ينتج عنها من عدم استقرار الشغل.

بيد أن استيلاب العمل الذهني وتحويله إلى بضاعة لا يعبر عن نفسه فقط في عدم استقرار الوجود الكلاسيكي للبروليتاريا الذي يمس اليوم المثقف أيضا، فله في حد ذاته عواقب شديدة الأهمية على مستوى إيديولوجية وأخلاق ووعي المثقفين.

إن الرأسمالية الجديدة بما هي محاولة للجمع بين الاقتصاد السلعي المعمم والتسويق الشامل والتنظيم الذي تقتضيه البرمجة الاقتصادية والرقابة على كل الأنشطة الاجتماعية، وكل ذلك تحت إشراف الاحتكارات الكبرى، تشكل تركيبا هجينا ومليئا بالتناقضات بين العقلانية التكنوقراطية الجزئية واللاعقلانية الاقتصادية الاجتماعية الإجمالية. إن تمجيد الخبراء يسير منطقيا مع رفض السؤال حول ما هو “باعث” نشاطهم؟ فهو سؤال مرفوض قطعا باعتباره مندرجا في “الإيديولوجية والتسييس” أو “أحكام القيمة”. إن الفلسفة الوضعية الجديدة هي التعبير الأكثر كمالا في مجال الأفكار “المتسامية” عن ذلك التركيب التبريري واللاإنساني.

تمتد جذور فلسفة الوضعية الجديدة إلى طبيعة البضاعة نفسها وإلى الإنتاج البضاعي والإنتاج من أجل الربح. إن تشيؤ العلاقات الإنسانية المترتب عن الإنتاج البضاعي يعني اعتبار كل نشاط جزئي هدفا في حد ذاته، وتزييف كل الديالكتيك الأساسي بين الأهداف والوسائل، هذا الديالكتيك الملازم لكل نشاط الإنسان الاجتماعي.

إن أكثر الأمثلة مأساوية عن هذا التناقض بين العقلانية الجزئية داخل المقاومة الاحتكارية واللاعقلانية الاجتماعية الإجمالية، هو جهود الرئيس التكنوقراطي السابق لتروست “فورد” مالك نامارا الساعية إلى ترشيد إنتاج الأسلحة بالولايات المتحدة، إذ كلف البانتغون فريقا من ألمع الاقتصاديين للقيام بأدق حساب للمردودية سواء من وجهة النظر المالية أو من زاوية القوة المدمرة لمختلف الأنظمة العسكرية بما فيها أنظمة الأسلحة النووية. يتساءل أحد أولئك الأساتذة فريدريك شرير عن وجود معنى ما لجعل إنتاج الأسلحة المرعبة أكثر فعالية أي جعل الانتحار المحتمل للبشرية أكثر “عقلانية” و”أقل كلفة”. وهو إذ يطرح السؤال يتركه دون جواب ثم ينشر نتائج أعماله دون انشغال بالعلاقة بين الغاية والوسائل رغم كونها أولية ورغم وضوحها التام في هذه الحالة بالذات.

عديدة هي الأمثلة الممكنة إلى جانب هذا المثال الأقصى. فحين تعوض الصناعة الكيماوية الصابون بالمطهرات فإنها لا تسعى إلى نظافة أفضل للنوع البشري، بل إلى رفع أرباح بعض التروستات. حين تحل الصناعة الكيماوية المشاكل التقنية الجزئية الناجمة عن إدخال آلات الغسيل حلا في اتجاه رفع الأرباح الخاصة إلى أقصاها، فإنها تتغاضى عن تلوث الأنهار والمحيطات وحتى الجو ما دام ذلك التلوث لا يرفع التكاليف المباشرة.

إن من يحسب “مردودية” المستشفيات ونفقات الضمان الاجتماعي لا يسعى إلى تأمين مستوى أرقى من الصحة بل إلى استعمال أفضل لنفقات الميزانية. وبذلك يصل إلى الحالة العبثية التي فضحها منذ مدة طبيب فرنسي كبير والتي تفرض على المستشفيات أن تبقى في السرير نفس الشخص أطول مدة ممكنة مع أقل العلاجات لأن هذا هو الذي يعطي أفضل “مردود مالي”.

بيد أن طبيعة العمل الذهني نفسه تجعل القائمين به، ما لم يسقطوا في الخضوع والخمول، شديدي الإحساس بالطابع العبثي لذلك التجزيء والاستيلاب الذي يميز العمل في مجالهم. توجد بيم مضمون العمل الذهني وتنفيذه صلة أوثق مما بين مضمون العمل اليدوي وتنفيذه. فمن المستحيل تقريبا بلوغ تأهيل في بعض مجالات العلم، ومن المستحيل عمليا بلوغ تأهيل فني دون وجود علاقة اهتمام وثيقة بمضمون العمل.

غير أن تجزيء ومكننة العمل الذهني قد تؤدي فيما يخص شكل وموضوع العمل الخاصين إلى نفس اللامبالاة التي تميز منذ أمد طويل العمل اليدوي المبلتر. لا يمكن للشبيبة المثقفة أن تقبل هذا التدهور بقدر ما لا ينحصر في المجلات ذات مضمون محافظ بحكم طبيعتها والتي يشكل استخراج فائض القيمة الرأسمالي والدفاع عنه موضوعها.

إن التمرد الطلابي ظاهرة شاملة في عالم اليوم، بارزة الجذور الاقتصادية والاجتماعية وموجهة أساسا ضد العواقب الاستيلابية لبلترة العمل الذهني في المجتمع الرأسمالي.

ليس مفاجئا أن ينطلق هذا التمرد أولا من كليات ومدارس العلوم الاجتماعية. فطلبة هذا الفرع، بفضل مضمون دراساتهم، أقل عرضة لتجزئ العمل وتشتيت الرؤية الاجتماعية مما هو حال طلبة العلوم الطبيعية. إذ يسهل عليهم أكثر بلوغ رؤية إجمالية للمجتمع ووضع بؤسهم الخاص ومميزاتهم في إطار مجموع البؤس الاجتماعي وربط استيائهم بالمشاكل الاجتماعية.

لكن إذا كان طلبة العلوم الاجتماعية هم المبادرون على وجه العموم، إلى هذا التمرد فليسوا محركيه الوحيدين. فهذه الانتفاضة تمتد تدريجيا إلى مجموع الطلبة ووصلت في بلدان إمبريالية عديدة إلى كليات العلوم الطبيعية وحتى الطب والهندسة وهي قلاع تقليدية لنزعة المحافظة، وذلك بنفس كيفية كليات الفلسفة، او علم الاجتماع، اوالاقتصاد.

هكذا نصل إلى صلب تناقض آخر هام من تناقضات الرأسمالية الجديدة. لقد أكدنا على ميل الرأسمالية الجديدة إلى تسويق كل الأنشطة الإنسانية بما فيها أنشطة البنية الفوقية. وقد استنتج بعض نقاد الرأسمالية المعاصرة المتشائمين مثل ماركوز قدرة الرأسمالية على إدماج كل نشاط اجتماعي بما فيها الانتفاضات والتمردات المعادية للرأسمالية. بيد أن هذه الاستنتاجات تعكس إحدى مميزات الرأسمالية وكل مجتمع بضاعي وهي الخلط بين القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية.

وقد عبر لينين فيما مضى على هذا التناقض بسخرية حين قال بأن تعطش الرأسماليين إلى الأرباح سيجعل الرأسمالي ما قبل الأخير يبيع للثورة حبل شنق الرأسمالي الأخير.

من باب المبالغة اعتبار ذلك حجة على قدرة الرأسمالية على الاندماج في الثورة. فالقيمة التبادلية لهذا الحبل الذي يتيح للرأسمالي ما قبل الأخير الحصول على الربح شيء، لكن الرأسمالي الأخير سيكون بكل تأكيد أكثر اهتماما بالقيمة الاستعمالية للحبل أكثر مما بقيمته التبادلية.

ويمكن التعليق بنفس الطريقة على دور كتب وبرامج التلفزة في تحويل النظرية الثورية إلى مادة للاستهلاك. فهذه النظرية تحصل الآن على قيمة تبادلية يغتني منها دون شك قسم من البرجوازية. لكن القيمة الاستعمالية لهذه البضاعة الخاصة هي نشر النظرية وتعميق الوعي وإلهاب المشاعر المعادية للرأسمالية. إن هذه القيمة الاستعمالية بسيطرتها المتعاظمة على جموع غفيرة تكتسب منطقا خاصا يفضي إلى حركات تعبئة معادية للرأسمالية لا تتعلق في شيء بقيمتها التبادلية. إن عدم فهم هذا التناقض يعني السقوط ضحية للمظاهر السطحية للمجتمع البضاعي، والسقوط في الخمول والانصياع وعدم إدراك الطلقة الكامنة المعادية للإمبريالية والبيروقراطية التي يساهم العلم والتقنية المعاصران في مراكمتها.

ليس صدفة كل ما توليه الرأسمالية الجديدة من أهمية لمشاكل التلاعب بالجماهير والتنظيم التوتاليتاري للحياة الاجتماعية. فتلك طريقتها الخاصة في الاعتراف بصواب صيغة تروتسكي التي ترى أن العامل الحاسم في التاريخ في حقبة انحطاط الرأسمالية هو العامل الذاتي.

تنطوي البروليتاريا حاليا على طاقة اجتماعية جبارة شرط أن يكون فعلها ضد المجتمع البرجوازي موحدا وجماعيا وواعيا. لذا تستطيع استمالة باقي شرائح السكان بقوة لا تقهر وتلغي كل عقبة على الطريق الاشتراكي في البلدان الإمبريالية. يجب أن نأخذ بالاعتبار القوة الجبارة للإضراب العام في فرنسا في ماي 1968 لندرك الهامش الضيق الذي يفصلنا عن القدوم العالمي للاشتراكية.

ولا يمكن هذا الهامش الضيق في قوة المستغلين ولا في جبروت جهاز قمعهم، مع أن الاستخفاف بهذه العوامل هو من قبيل انعدام المسؤولية، لكن العقبة الأساسية بوجه الانتصار العالمي للاشتراكية تمكن بالأحرى في نقص تطور وعي الطبقة العاملة وفي ضعف طليعتها وتنظيمها الثوري. هذا علاوة على أن الزمن والتجربة ضروريان لتخطي تلك الصعوبات. وهنا يكمن للانتفاضة الطلابية أن تقوم بدور هام وعليها أن تفعل ذلك.

لا يمكن أن يطيح الطلبة بمفردهم بالرأسمالية فقوتهم الاجتماعية لا تكفي بتاتا. بيد أن باستطاعتهم المشاركة في بعض المراحل الحاسمة بمساهمتهم الهامة في إيقاظ البروليتاريا التي ألقت بها هزائم الماضي ودور البيروقراطية في خمول جزئي. يمكن للطلبة أن يساهموا بطريقة هامة في تسريع تكوين الأطر الثورية داخل الطبقة العاملة. يمكنهم أن يسرعوا تكون منظمة ثورية كما فعل الطلبة والمثقفون في روسيا عهد لينين. يمكن للطلبة اليوم أن يعينوا الطبقة العاملة على الإفلات من ضيق الأفق والنزعة الحرفية الناتجين عن تجزء العمل وأن يساعدوا على تسريع بلوغ وعي طبقي أرقى، أي الوعي الطبقي السياسي والثوري. يمكن للطلبة أن يرتقوا بالنضالات العمالية بفضل معارفهم العلمية، وكذا قسم المثقفين الشباب الذين يجهدون لنهج سياسة ثورية بعد مغادرة الجامعة.

بهذا المعنى يمكن لبلترة العمل الذهني، التي تبدو اليوم كأكبر انتصار للرأسمالية الجديدة، أن تساهم في تسريع سقوطها. إن الرأسمالية ببلترتها للعمل الذهني تمنح البروليتاريا قدرة أكبر على الانتفاض الواعي ضد الاستغلال والاضطهاد. والانتفاض الذي يغدو واعيا بعد أن كان عفويا وأوليا ينبئ بالثورة الاشتراكية.

2- أزمة الجامعة البرجوازية

تظهر أزمة الجامعة البرجوازية في البدء كنتيجة للانفجار الجامعي. فقد شهدت الجامعات، في ظرف بضع سنوات، تدفقا خارقا لأعداد الطلبة. فهي معامل جبارة لإنتاج المعارف العلمية استقطبت عشرات ومئات آلاف الطلبة. تضم جامعة روما 100 ألف طالب وجامعة مدريد 50 ألف وهنا في مكسيكو أكثر من 100 ألف. ويبلغ العدد الإجمالي للطلبة في الولايات المتحدة ستة ملايين وفي اليابان 2 مليون، وفي فرنسا 600 ألف وكذا إيطاليا و100 ألف في بعض البلدان الصغيرة كالسويد وهولندا، وهذا للإشارة فقط إلى أبرز الأمثلة.

ينتج الانفجار الجامعي في مجتمع الرأسمالية الجديدة عن تحول اقتصادي اجتماعي مزدوج: تعاظم متزامن لعرض وطلب قوة العمل المؤهلة ذهنيا.

فنمو عرض قوة العمل الذهنية ليس نتاج تغيرات اقتصادية فحسب بل أيضا تغيرات على الصعيد النفسي-الاجتماعي أي على صعيد حوافز العمل. وهو يعكس نزوعا للجهود الهائلة نحو الارتقاء الاجتماعي الفردي. وإن كان هذا الجهد تقليديا عند الطبقات الوسطى، فهو حديث العهد لدى البروليتاريا على الأقل في بلدان الوعي الطبقي المرتفع نسبيا شأن أغلب البلدان الأوربية.

كان للجيل العمالي الذي أدرك النضج قبل الحرب العمالية الثانية موقف عداء صريح من الدراسات الجامعية لأبنائه، فقد نظر إليها كخطر محقق يهدد بالقطيعة مع الانتماء الطبقي: “لا نريد أن يخجل أطفالنا من آبائهم” هكذا كان العمال يقولون آنذاك، “لا نريد أن يصبح أطفالنا أعداء طبقيين يستغلون آباءهم ورفاقهم” يضيف آخرون كثيرون.

تغير هذا الموقف خلال 20 سنة الأخيرة لأسباب عديدة، منها الأفول النسبي والعابر للوعي الطبقي وصعود “مجتمع الاستهلاك” مع متعته الرخيصة وتوافر مزيد من الوقت الفارغ وكذا التفكك المتسارع للأسرة وحيدة الخلية. كما كان للارتفاع النسبي لمستوى عيش العمال وتبدل مكانة المثقفين في المجتمع، وهما عاملان قلصا الهوة بين العمل اليدوي والفكري، ودور هام في بلوغ تلك النتيجة. كما أن سرعة ارتفاع عرض الشغل لدى الجامعيين، مع بطء تقدمه، أو حتى استقراره أو تراجعه، لدى العمال المؤهلين، كان له أثر في توجيه العرض العام لقوة العمل. وبدأت الأسر العمالية ترى أكثر فأكثر في تمديد دراسات أبنائها الوسيلة الوحيدة لتأمين مستقبل يقي من بؤس نقص الشغل ومن نقص الشغل الدوري ومن حياة بروليتاريا رثة ومهمشة. هنا تكمن أحد الأسباب التي جعلت النضال ضد التمييز والانتقاء في مجال التعليم يؤدي دورا هاما في النهوض السياسي للجماهير الزنجية والمكسيكية بالولايات المتحدة.

غير أن بلترة العمل الذهني، بما هي ظاهرة موضوعية، هي التي حددت تبدل موقف البروليتاريا من الدراسات العليا. فبقدر ما تجري تلك البلترة لا يستتبع الارتقاء الفردي بواسطة الدراسات قطيعة آلية مع الطبقة الأصل، أي قطيعة اجتماعية بحصر المعنى. بل على العكس يمكن ويجب أن يستتبع ذلك تقوية البروليتاريا، تاريخيا على الأقل، سواء عدديا أو من زاوية التأهيل والمعارف.

لا يجب طبعا المبالغة في سعة ظاهرة أبناء وبنات العمال الصناعيين الذين ولجوا الجامعة… فعددهم ما زال في أغلب البلدان الإمبريالية ضئيلا جدا. وهو يدل بوضوح على الاضطهاد الاجتماعي والتمييز الذي يعانيه العمال. فمع أنهم يمثلون 50 بالمائة من السكان النشيطين، فإن أبناءهم لا يشكلون سوى خمسة بالمائة من طلبة الجامعات في أغلب البلدان الإمبريالية. وهو معدل أكبر على نحو ظاهر في الولايات المتحدة والسويد. إن توسع قوة العمل الذهني قد بلغ بالخصوص الشرائح ذات الامتيازات من البروليتاريا والشرائح الفلاحية وأبناء مستخدمي المكاتب والتقنيين وصغار الموظفين.

لا شك أن التغيير الاجتماعي الذي طرأ على الوسط الطلابي من جراء هذا التحول هو تغير عميق ولا رجعة فيه. فقبل الحرب العالمية الأولى كان أغلب الطلبة ينحدرون من الأرستقراطية والبرجوازية وفي أحسن حال من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة. ولم يكن أبدا بمستطاع أبناء وبنات الشرائح ذات الامتياز من البروليتاريا أن يصلوا إلى الجامعة. أما اليوم فقد غذا أبناء الأرستقراطية والبرجوازية الكبيرة والمتوسطة أقلية في الجامعات بل وأقلية ضئيلة في بعض البلدان.

كما سبق تحليله في القسم الأول، ترتبط التغيرات في طلب قوة العمل الذهني ارتباطا وثيقا بالتحولات التكنولوجية والاجتماعية المترتبة عن الرأسمالية الجديدة. لكن لا بد هنا من الإشارة إلى عامل شديد الأهمية غالبا ما سنصادفه خلال تحليلنا: تستتبع بلترة العمل الذهني في ظل الرأسمالية الجديدة، وعلى الأقل من طورها الأول إلى يومنا هذا، فرقا جوهريا مع بلترة العمل اليدوي كما جرى في فجر الرأسمالية. فينما أدت بلترة العمل اليدوي إلى مبالاة متعاظمة لدى البرجوازية إزاء الشكل الخاص للتأهيل العمالي، استتبعت بلترة العمل الذهني على العكس تحول الطلب على قوة العمل الذهني إلى طلب خصوصي أكثر فأكثر. ومن هنا تنبع ظواهر التجزيء التدريجي للعمل الذهني وكذا إنتاج أسواق قوة عمل ذهني مختلفة معزولة عن بعضها البعض والتي تتقلب فيها الأسعار بعنف. وقد يؤدي “فائض” في أساتذة السوسيولوجيا إلى انهيار رواتبهم ومداخيلهم وفي نفس الوقت يمكن لـ”خصاص” في المهندسين أن يرفع فجأة أجور هذه الفئة المهنية. ويمكن لوفرة وبطالة تقنيي الكهرباء أن يرافق نقصا في أطباء الأسنان ويمكن أن يتزامن فائض من مهندسي المناجم والطيران مع نقص حاد في مهندسي “الهيدروليك” والقناطر والطرقات.

في ما مضى اكتشف أخصائيو دراسة التقلبات الظرفية في النظام الرأسمالي “دورة الخنزير” الشهيرة. فبما أن رد فعل الإنتاج يتأخر دوما عن تقلبات الطلب والأسعار، نظرا لما يلزم من وقت بيولوجي لإنتاج الخنازير، يجري الانتقال بانتظام من نقص إلى فيض الإنتاج دون بلوغ التوازن أبدا. ودون السعي إلى مقارنات فظة نرى أن دورة التأهيل الذهني تقترب كثيرا من دورة الخنزير. فالخصاص في قطاع ما يؤدي إلى ارتفاع الأجور ويستتبع تدفق الطلبة، لكن هؤلاء ينهون دراساتهم بعد أربع أو خمس سنوات فقط ويتقدمون إلى سوق عمل ذهني يكاد الطلب فيه يكون مشبعا. وبما أن العرض يتجاوز الطلب تظهر البطالة وتنخفض الأجور ويتجه الطلبة صوب قطاعات إنتاج أخرى. لقد شهدت فرنسا وبلجيكا وبريطانيا والولايات المتحدة حركات عديدة من هذا القبيل منذ الحرب العالمية الثانية.

إن آثار هذا على الطبيعة الاجتماعية للطالب لذات مدلول. وبما أن اختيار الدراسات تحدده أكثر فأكثر قوانين السوق أي حاجات الرأسمالية الجديدة، وليس الميول والمواهب والمصالح الشخصية للطلبة، فإن هؤلاء يصبحون متعلمين ذهنيين مستلبين أكثر فأكثر. ونصل هنا إلى ملاحظة أن التمرد الطلابي ليس فقط نتيجة استيلاب العمل الذهني بحصر المعنى بل أيضا استيلاب العمل الطلابي بحد ذاته.

نتج عن تعريف الطبيعة الاجتماعية الصائبة سجالات عديدة بين الماركسيين من جهة والسوسيولوجيين بصفة عامة من جهة أخرى. فمن الخطأ الفادح، من جهة النظرية الاقتصادية الماركسية، اعتبار الطالب برجوازي صغيرا لكونه لا ينتج قيمة ويعيش من فائض القيمة.

أكد ماركس بوضوح أن كل عمل منتج ليس بالضرورة عملا مأجورا وأن كل عمل مأجور ليس بالضرورة عملا منتجا. فالفلاح الذي ينتج أغذية للسوق ويملك أرضه هو منتج قيمة وبالتالي عامل منتج لكنه ينتمي للبرجوازية الصغيرة وليس للبروليتريا لأنه ليس أجيرا، وعلى العكس لا ينتج سائق حافلة أي قيمة لكنه بروليتاري أي أجير وليس برجوازيا صغيرا.

إن التعريف الدقيق لطبيعة الطلبة الاجتماعية صعب للغاية بفعل مظهرين لوضعهم: فمن جهة وضع الطلبة انتقالي بامتياز. إذ غالبا ما تستمر الفترة الطلابية 3 أو 4 أو 7 سنوات على الأكثر. فهل من الملائم تحديد الطبيعية الاجتماعية للطالب حسب أصوله الاجتماعية بدل مستقبله الاجتماعي؟ فابن الفلاح، الذي دخل الجامعة ليخرج منها تقنيا صناعيا، يبدو منتميا للبرجوازية الصغيرة بحكم أصوله وللبروليتاريا بحكم مستقبله. وهو طبعا لم يعد فلاحا ولم يصبح بعد بروليتاريا وهنا مكمن صعوبة تعيين دقيق للطبيعة الاجتماعية للطالب.

من جهة أخرى يتسم نشاط الطالب بالهجانة إذ لا يمكن القول إنه أصبح منتجا لأن إنتاج تأهيل العمل هو ثمرة نشاط الأساتذة وليس نشاطه الخاص. لكن لا يمكن تأكيد أنه مجرد مستهلك سلبي للدراسات والمعارف. فالطبيعة الخاصة للدراسات الجامعية العليا تستتبع نشاطا خاصا ونوعا من الاستقلال مختلفا عن الاستهلاك السلبي للدراسات الابتدائية والثانوية. هذا ما يجعل الطالب يقترب دون شك من فئة المتعلم، وهو ما يدفعنا لنستعمل غالبا صيغة متعلم-عامل-ذهني. ويمكن تطبيق تلك الصيغة بحسب لحظة الدراسات وبحسب التأهيلات الخاصة. فطالب الطب أو البولتكنيك في الأقسام النهائية منشغل أكثر فأكثر بالعمل النافع والضروري اجتماعيا رغم أنه في بعض الحالات ليس عملا منتجا لقيمة تبادلية كعمل الطبيب مثلا وليس ذلك طبعا شأن طلبة الآداب في بداية دراساتهم.

تتجلى هجانة طبيعة النشاط الطلابي بوضوح عند التمعن في الإدماج التدريجي لبعض الكليات في الإنتاج العادي للبضائع، وهو إدماج مرعب أحيانا: إدماج المختبرات الجامعية بالولايات المتحدة وبريطانيا في إنتاج الأسلحة البيولوجية للجيش. فطلبة هذه المختبرات يشاركون في الإنتاج الحالي والمستقبلي دون اضطرار بعد لبيع قوة عملهم. وتتيح لهم حريتهم النسبية مقارنة بالبروليتاريا قدرة تمرد دائمة ومستمرة منتفية لدى البروليتاريا.

يستتبع تعريفنا للوسط الطلابي كوسط متعلمين-عمال-ذهنيين تداخل عناصر رئيسية:

1- كان صائبا فيما مضى اعتبار المثقفين برجوازيين صغار، لكنه حاليا خاطئ بفعل تبدل طبيعة العمل الذهني الاجتماعية. فأغلب الطلبة لن يصيروا مستقبلا برجوازيين صغارا، بل عمالا ذهنيين مبلترين.

2- الوجود الطلابي وجود مؤقت وعابر وهجين وذي خصائص متغيرة وغالبا متناقضة وسيكون إجحافا للحقيقة أن نستنتج منه خصائص سلوك اجتماعي نهائية. صحيح أن قسما هاما من الطلبة قد يتماثل مع البروليتاريا والفلاحين الفقراء، وهذا تغير عظيم الأهمية. فمن 1848 إلى 1948 كان الكلية في أوربا واليابان وجزئيا في الولايات المتحدة قوة متجهة نحو اليمين وقوة متزايدة العداء للعمال وللاشتراكية. فغالبا ما تخل الطلبة لكسر الاضرابات، لكن الوضع انقلب جذريا منذ عشر سنوات، فقد تدخل الطلبة في كل مكان تقريبا كمنظمي اضرابات وحواجز إضراب ولم يتدخلوا أبدا لكسر الاضرابات. ويبدو لي هذا أمرا لا رجعة فيه.

لكن إلى جانب الطلبة الذين ينجزون، حسب تمردهم المتزايد وعيا، نحو طبقتهم المستقبلية، هناك أيضا طلبة سيظلون في الجانب الآخر من المتراس سواء لأسباب إيديولوجية شخصية أو بفعل محتوى دراساتهم نفسها. ففي النظام الرأسمالي يصعب أن تكون قاضيا وتعمل في الآن لصالح السجناء وضد الإجراءات القمعية للمجتمع البرجوازي. ولا يمكن أن نطلب من مراقب أوقات وحركات الشغيلة في المصنع أن يسعى منهجيا لتخفيض وتائر العمل.

لا بد من إدراك الطبيعة الاجتماعية الهجينة لمحتوى الدراسات الجامعية والعليا لفهم ما يعانيه جمهور الطلبة من انقسامات حتمية، ولفهم ما لدى البرجوازية من إمكانات محدودة، لكن فعلية، لتقسيم الحركة الطلابية وإدماج ولو قسم منها على المدى البعيد.

3- يتجه الوسط الطلابي نفسه، بعد التوسع الجماهيري للجامعة ودمقرطتها، نحو إضفاء التناغم على كتلة تفتقده سواء من جهة أصولها أو مستقبلها الاجتماعي. وكان هذا الميل إلى خلق وسط طلابي خصوصي ومنسجم رغم تجزئه العميق إحدى عوامل انفجار التمرد الطلابي. وهنا أيضا إنما يؤكد الاستثناء للقاعدة. ففي إحدى البلدان التي حاولت البرجوازية بها عن قصد تفادي جماهيرية الجامعة بتشتيت الكتلة الطلابية لم يتجاوز التمرد الطلابي عتبة بداية متواضعة، نقصد هنا بريطانيا العظمى.

ومن الانسجام المؤقت للوسط الطلابي تنبع أحد المظاهر الأساسية لعدم تطابق الجامعة مع حاجات الطلبة وهي إحدى عوامل التمرد الطلابي الرئيسية.

في ما مضى كانت الجامعة البرجوازية جامعة الطلبة البرجوازيين المنظمة لخدمة أبناء البرجوازية، برجوازيي المستقبل أو الأطر المستقبلية لمجموع البرجوازية. كان كل شيء منطقيا ومطابقا لهذا الهدف وكان الكل متناغما بشكل طبيعي، ولم توجد بنية تحتية مادية لإرضاء حاجات الطلبة الآنية. فأسرهم كانت تفي بالغرض. وعلى العكس وجدت بنية تحتية تقنية كبيرة للغاية وافرة أحيانا تؤدي حاجات الدراسة. وكانت الوظائف الاجتماعية المطلوب أداؤها في المجتمع مرتبطة بهذه الموارد.

ولما شهد استقطاب الطلبة الاجتماعي تبدلا جذريا برز بقوة نقص البنية التحتية المادية. كان لأغلب الطلبة، لا بل لكلهم، منح دراسية وكانوا في حاجة إلى السكن والغذاء والترفيه ولم تكن بنيات الجامعة البرجوازية التقليدية قادرة على إرضائها. كما برز نقص البنية التحتية التقنية نظرا لعدم ملاءمتها للتوسع الجامعي. وهنا جذر شكل آخر لاستيلاب الطلبة: “الصراع من أجل الحياة” بفعل نقص المقاعد في المختبرات والمدرجات وقاعات الجراحة ونقص الكتب في المكتبات. إجمالا إنه نقص مزمن في الموارد ونقص في الامكانات غالبا ما يكون مصدر أولي الانفجارات الطلابية.

كان على الجامعة البرجوازية الكلاسيكية أن تنشئ برجوازيي الغد أو كلاب حراسة البرجوازية وكانت منصبة كليا على هذه الوظيفة. وكانت مراكمة المعارف الدقيقة أقل أهمية من تكوين قدرات إدراك وتمييز تطابق قيم المجتمع البرجوازي ومن إنماء قدرة التصرف طبقا لإيديولوجية الطبقة السائدة. كانت الجامعة الليبرالية الكلاسيكية مفيدة للبرجوازية خلافا للمزاعم الحالية لبعض التكنوقراطيين قصيري النظر. فالنسبة لرجل صناعة أو بنك أو تصدير من القرن الماضي، كانت قدرة الإدراك والتمييز بمنظار برجوازي، وخاصة القدرة على التصرف بثقة في النفس وبـ”حس أعمال” في وسط جديد ومجهول وفي أوضاع لا سابق لها، أنفع بكثير من مراكمة الموجود من معارف في ميدان الكيمياء أو الفيزياء أو التاريخ.

أما في عصر الرأسمالية الجديدة فللجامعة البرجوازية وظيفة مخالفة وعليها أن تستجيب لحاجات أخرى لدى البرجوازية. فالسابق نحو الاختراعات التكنولوجية والتنظيم المنهجي لكل مجالات الحياة الاجتماعية تستدعيان تخصصا متزايدا في تكوين الخبراء التكنوقراطيين. ولأجل هذا يعوض الموقف الوضعي الجديد الليبرالية الكلاسيكية. وهكذا تصبح الجامعة البرجوازية الجماهيرية “آلة دبلومات” حقيقية، ومصنعا حقيقيا للتخصصات. وبما أن الأمر لا يتعلق بتخصصات مجزأة أكثر فأكثر فحسب بل ومتقلبة أكثر فأكثر، فإن ذلك ينتج، من وجهة نظر الطبقة الرأسمالية نفسها، أزمة عميقة للجامعة التقليدية. إذ لم تعد بنياتها الإدارية ومحتوى تعليمها ورتابتها وتنظيمها ملائمة لحاجات الاحتكارات الكبرى ولا لحاجات جماهير الطلبة.

وهذا مصدر تصادف غير عرضي بين التمرد الطلابي ونزوع الرأسمال الكبير إلى القيام بإصلاح تكنوقراطي شامل للجامعة. فكلا الحركتان تستجيب لضرورات مغايرة جذريا، لكن تظافر جهودهما دمر عمليا الجامعة البرجوازية القديمة، الليبرالية والتقليدية.

أيدل هذا على أن التمرد الطلابي قد ساعد موضوعيا، وحتى عن قصد، على إنجاز الإصلاح التكنوقراطي للجامعة؟ من السابق لأوانه استنتاج خلاصة بهذا القدر من التشاؤم والكلبية. لحد الآن تتقاطع الحركتان وأحيانا تتدعمان لكنهما غالبا ما تتصارعان. بل يمكن التأكيد على أن الحركة الطلابية تشهد في بلدان عديدة، خاصة فرنسا وبلجيكا وألمانيا، “نفسا ثانيا” في نضالهما ضد العواقب الاستيلابية لإصلاح الجامعة التكنوقراطي.

وهدف هذا الإصلاح جلي للغاية: إنه تحويل الجامعة البرجوازية الجماهيرية أي تحويل مصنع غير ملائم لسوق العمل الذهني إلى مشغل مطابق بالتمام لتلك الحاجات، أي حاجات المقاولات الكبرى والدولة في طورها الاحتكاري. يتعلق الأمر بصنع التأهيلات الذهنية التي تحتاجها البرجوازية بنسب مطابقة لتقلبات السوق متغاضية عن كل ميل أو طموح فردي لدى الطالب. كما أن التقنيات الاقتصادية والمالية والتنظيمية المترتبة عن هذا الإصلاح التكنوقراطي معروفة أيضا وسنوردها لمجرد الإشارة: المردودية المنهجية للاستثمارات الجامعية أي توزيع النفقات بين مختلف الكليات ومختلف التخصصات حسب “حاجات سوق العمل” والمداخيل المرتقبة لحاملي دبلومات مختلف فروع الجامعة وانتقاء متزايد الصرامة هدفه إغلاق أبواب الجامعة في وجه كتلة من الطامحين وإجبار قسم هام من الطلبة على وقف دراساتهم إن لم تكلل بالنجاح “المطلوب” بعد فترة زمنية محدودة. إضافة إلى الشروط القاسية المفروضة على عدد متعاظم دوما من الكليات بغية صون وتوسيع الامتيازات المادية المفرطة لبعض المهن (مثال الأطباء في الولايات المتحدة يكاد لا يصدق). وعوض ملاءمة التوسع الجامعي مع الحاجات الاجتماعية تجري ملاءمته مع المردودية المالية القصوى للتجهيز التقني الموجود بالجامعة.

كل هذه الجوانب تجعل إصلاح الجامعة البرجوازية التكنوقراطي يصطدم ليس بالمصالح المادية لعدد كبير من الطلبة وحسب، بل أيضا وعلى نحو خاص بتوجههم الاجتماعي-السياسي وبمصالح السواد الأعظم من الجماهير العاملة. وتجدر الإشارة هنا مرة أخرى إلى ظهور تناقض جديد للرأسمالية الجديدة يفاقم الانفجار الممكن للنظام على الأقل من زاوية البنية الفوقية.

نظرا لهيمنة السعي إلى ريوع تكنولوجية ونظرا لتسارع وتيرة الاختراع التكنولوجي، يخلق مجتمع الرأسمالية الجديدة حتما اهتماما متعاظما وشاملا بالعلم. ويكفي أن نلاحظ مثلا تطور لعب الأطفال وأدب الخيال العلمي والولع الشديد بالأسفار الفضائية. كما نجد تقديسا للعلم الطبيعي على كل المستويات الواقع الاجتماعي المعاصر. ومثال ذلك الإشهار التجاري الذي يستعمل بكثافة تقنية الإحالة على الصفات العلمية المزعومة قصد بيع سلع رديئة.

وكما هو شأن كل حركة إيديولوجية أساسية لا يتعلق الأمر طبعا بمؤامرة جهنمية حبكها ارباب عمل الاحتكارات المتعطشين إلى الربح بل إعادة إنتاج في أذهان الناس لواقع اجتماعي محسوس. وهي إعادة إنتاج إيديولوجية وليست علمية لأنها تمر عبر مصفاة البنيات الذهنية المشكلة حسب مصالح طبقية محددة.

إن ولع نسبة كبيرة من الشبيبة المعاصرة بالعلم ظاهرة سليمة على نحو عميق رغم ما يقوله بعض المتشائمين. فالشبيبة تدرك ما للعلم والتقنية من إمكانيات تحررية عظيمة وهي إمكانات لا علاقة لها بالأشكال المشوهة والمدمرة والمستعبدة التي تكتسيها تلك التقنية وذلك العلم تحت هيمنة مجتمع السلع والإنتاج من أجل الربح.

لكن في مناخ مشبع بالعلموية، يسد كل من إصلاح الجامعة التكنوقراطي والشرط العددي سبل المعارف العلمية وينضاف ذلك إلى تجزيء وتفتيت متزايدين للتعليم الجامعي مما سيولد ردود فعل عميقة ومستديمة من لدن قطاع الطلبة على الأقل. ويجذب نداء وسائل الإعلام الجماهيري الجميع نحو عجائب العلم لكن الانتقاء المسبق يصد نصف المجتذبين أو أكثر: “لا هذه العجائب ليست لكم”.

هكذا فإن الإصلاح التكنوقراطي للتعليم يولد لدى الشبيبة ما يولده الإشهار التجاري لدى الكبار: شعور دائم بالحرمان يفضي حتما إلى أزمة ضمير وأخلاق إن لم يكن إلى قلق دائم.

وقد يسلك هذا القلق مجريين: التمرد المفضي إلى الوعي والنشاط والتنظيم الثوريين، وهو المخرج الإيجابي. أو إلى الإحباط والمخدرات والإجرام والإنهاك العصبي وهو المخرج السلبي. لكن كلاهما ابن شرعي لأزمة التربية في مجتمع الرأسمالية الجديدة وإذا حاولت البرجوازية إيجاد المسؤولين عن هذه الميول فلا يمكنها أن تجرم لا المحرضين ولا أنبياء الشيوعية الملحدة بل عليها أن تنظر إلى المرآة وتعترف: “أنا من ينجب الثوريين وأنا من ينتج إحباطا وعنفا اجتماعيين بحجم لم يشهده العالم منذ انحطاط النظام شبه الإقطاعي”.

هكذا من خلال التمرد على عدم ملاءمة الجامعة البرجوازية لحاجات الطلبة ينمو تمرد ضد ملاءمة التعليم الجامعي مع حاجات رفع الربح الاحتكاري إلى إقصاء، سواء كان تمردا ضد التفتيت المفرط لتعليم العلوم الطبيعية وقطيعتها الكلية مع كل منظور شمولي للمجتمع، أو كان تمردا ضد الاستعمال والإخضاع الكلبي لأجزاء من هذا التعليم للحاجات الأنانية لمقاولات خاصة أو لمشاريع لا إنسانية لدى الدولة، أو كان تمردا على تشوه الوضع الإيديولوجي التبريري الجديد لتعليم العلوم الاجتماعية، فإنه هو الذي يمنح الحركة الطلابية مدلولا أعم وأعمق يميزها كليا عن حملة مطلبية بسيطة تروم مصالح فئوية ضيقة.

بقدر ما تطالب حركات الطلاب بمزيد من الاقامات والمطاعم الجامعية المجانية أو الرخيصة وبمزيد من المختبرات والمكتبات وبسهولة وحرية أوسع في بلوغ وسائل التعليم التقنية الراقية، فإنها تنحصر في ما يمكن تسميته بمعادل النزعة الاقتصادية الخاصة بالنضالات العمالية. وهذه النضالات العمالية. وهذه النضالات هي تقدمية وضرورية مطلقا لبلوغ مستوى أولى من الوعي والتنظيم، لكنها في حد ذاتها غير كافية لإدماج التمرد الطلابي في حركة تحرر ثورية شاملة.

وينفتح في هذا السياق مجريان يتقاطعان أحيانا، أولهما التسييس الحاد الذي يدفع الطليعة الطلابية إلى تبني القضايا السياسية العامة التي لم تضطلع بها بما يكفي المنظمات العمالية إما لانحطاطها أو ضعفها. وفي هذا الاتجاه كان للحركة الطلابية بفرنسا دور طليعي في النضال ضد الحرب الاستعمارية التي خاضتها الإمبريالية الفرنسية في الجزائر. وكان لها في العالم أجمع وفي المقال الأول بالولايات المتحدة، دور مفجر النضال ضد العدوان الإمبريالي الأمريكي على شعوب الهند الصينية. ويفضي تسييس حركة الطلبة، التقدمي للغاية، إلى بناء وتدعيم منظمة ثورية. وسنعود إلى هذا المشكل فيما بعد.

إن هذا المخرج الأول للحركة الطلابية، بعيدا عن إطار النضال الاقتصادي الفئوي، يبقى بالضرورة منحصرا في طليعة محدودة. بيد أن التمرد الطلابي، خاصة إذا كان ردا على الأشكال التكنوقراطية للجامعة، ينطوي على ميل إلى تعبئة شرائح طلابية أوسع بكثير من الطليعة المسيسة جدا والمتجذرة. إن المخرج الذي يوصل إلى أبعد من الاقتصادية والمطالب الآنية بالنسبة لهذه الشرائح الطلابية الهامة، حتى وإن كانت أقلية فقط ضمن جماهير الطلبة، هو النضال ضد الإدارة وشكل التعليم وهما مصادر استيلاب شأن مضمونها. باختصار أنه النضال من أجل الجامعة الحمراء كما سماها رفاقنا بالولايات المتحدة واليابان ونحن أيضا بأوربا.

إن محالة إقامة جامعة اشتراكية في حضن المجتمع البرجوازي هدف يماثل في طوباويته محاولة إقامة مصانع اشتراكية معزولة يسيرها العمال وسط اقتصاد رأسمالي. لا تنتج الجامعة مواردها الخاصة بل تعيش من تلك التي يوفرها لها المجتمع. وهذا المجتمع تديره الطبقة السائدة، وتتميز سيادتها بالتحكم في مراقبة النتاج الاجتماعي الفائض الذي يمول بالضبط أنشطة البنية الفوقية كالتعليم.

وبالتالي لا يمكن للجامعة على المدى الطويل أن تفلت من رقابة الطبقة السائدة دون أن تسحب منها هذه وسائل وجودها. إن جامعة يديرها الطلبة والملاك التقني والمدرسون في المجتمع البرجوازي هي جامعة سيضطر طلبتها لتسييرها بوسائل أكثر فأكثر بؤسا، أي أنهم سيضطرون إلى تسيير بؤسهم الخاص.

لكن استحالة تسيير الطلبة للجامعة بشكل دائم في المجتمع البرجوازي لا تعني بتاتا استحالة نضال شامل ضد إخضاع الجامعة لمصالح البرجوازية وهو نضال قد يحرز أحيانا نجاحات باهرة ولو أنها محدودة المدة. لا بل مثل هذه المعركة الشاملة ضد محتوى وشكل وتنظيم وبنية التعليم الجامعي البرجوازي هي التي تمنح الحركة الطلابية قيمة تمرد في أعين المجتمع برمته أي انتفاضة تبشر بأهداف التمرد الاجتماعي الشامل الصاعد التي لا يروم تغيير أشكال الملكية فحسب بل علاقات الإنتاج ومضمون وبنية كل العمل البشري.

إن طليعة الحركة الطلابية بانتفاضاتها على السعي إلى المردودية والانتقاء والتفتيت وإبعاد التعليم الجامعي عن كل غاية اجتماعية صالحة وإنسانية، تعلن قيما جديدة ذات بعد شامل تهم العمال مثل المثقفين، والفلاحين المنتجين مثل الأساتذة. تعلن الطليعة الطلابية أن تحديد الأولويات الأساسية في استعمال الموارد المادية من خلال السوق والطلب الموسر أمر لا إنساني ولا عقلاني. وتعلن أيضا أن وراء التعطش إلى المعرفة والدفاع عن الصحة والحاجات الأولية وحماية البشرية والطبيعة يجب أن يحظى بالأولوية على إنتاج بضائع البذخ والبضائع غير الضرورية والمصطنعة والضارة والتي يلحق بعضها الضرر بالصحة العقلية للكائن البشري. وتنادي الطليعة الطلابية بأن تكون الأهداف الواعية والمرسومة ديموقراطيا من طرف العقل البشري ومن طرف العمال هي التي تحكم توجيه الإنتاج والاقتصاد وليس السوق.

وتنادي بأن يكون تحرر العمل، ومنه عمل الطلبة، ناتج تشارك المنتجين حسب صيغة ماركس الشهيرة أي منتجين يعملون بحرية لإرضاء حاجات جرى تحديدها جماعيا وليس تحت الإكراه الاقتصادي أي تحت هيمنة قوانين حتمية ظاهريا لكنها في الواقع تروم إغناء أقلية ضئيلة سائدة. وتعلن الطليعة الطلابية وجود تفاعل ديالكتيكي حتمي بين شكل ومحتوى الإنتاج وأن عملا يتحقق تحت إكراه خارجي لن يفضي أبدا إلى تحقيق ذات الإنسان الذي أنجزه.

إذا تعلمت الحركة الطلابية أن تعي ما تنطوي عليه من دلالة تاريخية شاملة، وإذا تنظمت بأقصى ما يمكن من ديموقراطية وشمول، وإذا ما صانت بصلابة استقلالها عن الدولة وعن الطبقات السائدة وعن القيم البرجوازية، فإن النجاحات، العابرة بالضرورة، ستكون نورا يضيء طريق نضال الجماهير الشعبية الأوسع بكثير.إذا تمكن الطلبة من اختيار أساتذتهم، ولو مدة ستة أو اثنا عشر شهرا، وإذا توصلوا إلى إلغاء الاكراهات الميكانيكية والعبثية وعوضوها بانضباط ذاتي مقبول بحرية، فإن العمال سيفهمون بسرعة أكبر أن بإمكانهم هم أيضا أن يصبحوا وإلى الأبد سادة مقاولاتهم وأن ينتخبوا لجان تسيير خاصة بهم وأن يلغوا تراتب سيرورة العمل المطبوعة بالاضطهاد والإنهاك وأن يحددوا جماعيا أهداف ومحتوى الإنتاج الاقتصادي والحياة الاجتماعية برمتها.

3- وحدة النظرية والممارسة

يكتسي التمرد الطلابي، قبل كل شيء، شكل حركة عفوية. وقد حاولنا في القسمين الأولين من هذه الدراسة أن نكتشف جذوره في البلترة والاستيلاب المزايدين للعمل الذهني عامة والطلابي بخاصة وذلك حسب أزمة الجامعة البرجوازية الكلاسيكية أو التكنوقراطية. ينبثق التمرد الطلابي دوما من الواقع الآني مثل غيره من الحركات الجماهيرية العفوية. وسواء كان ردا على عدم توافق الجامعة مع حاجات الطلبة المادية أو ردا على بنيات ومضامين التعليم الجامعي أو حركة تضطلع بالنضالات السياسية والاجتماعية التي تخلت عنها المنظمات السياسية التقليدية، فإن التمرد الطلابي يكتسي طابعا آنيا على الدوام.

غالبا ما ُينسى الطابع الآني للتعبئة الطلابية العفوية بفعل مضاعفاتها المثيرة. وهل من الضروري التذكير بأن الهدف الآني للتمرد الطلابي بباريس 1968 هو تحريض بعض الطلبة الذين اعتقلتهم الشرطة؟ وإن كانت حركة الاحتجاج تلك قد أفضت إلى ليلة المتاريس وإلى المظاهرة العمالية الضخمة تضامنا مع الطلبة ثم إلى الإضراب العام مع احتلال المصانع، فإن السبب لا يكمن في الطبيعة الاجتماعية للوسط الطلابي ولا في طبيعة المطلب الذي أطلق الحركة. إنه في دور المفجر الذي يمكن أن تقوم به حركة سياسية جماهيرية في سياق اجتماعي وسياسي خاص.لن يعتقد أي عاقل أن عشرة ملايين عامل اضربوا واحتلوا المصنع وخلقوا وضعا قبثوريا بفرنسا مواجهين حكومة مستقرة كحكومة ديغول لمجرد أن بعض المحرضين تلاعبوا بهم أو لأن البلد كان ضحية مؤامرة جهنمية حضرت هي الأخرى بالخارج كما يعتقد ذلك حقا السيد مارسولان. إن حركات بهذا القدر من الاتساع لا تدرك إلا بربطها استياءات عميقة أي تناقضات تراكمت فترة من الزمن، وأن انفجارها انطلاقا من التمرد الطلابي لهو تعبير عن وجود قوى لا تقل بأسا كبحت وخنقت وأجلت ظهور تلك التناقضات خلال مدة طويلة.

وهكذا يختزل الرابط بين التمرد الطلابي والقوى الاجتماعية التي تضم القسم الأعظم من العمال في ما يلي: أدت الحركة الطلابية العفوية دورا كاشفا ومفجرا لاستياء اجتماعي عميق أخفته لأمد طويل بنيات سياسية غير ملائمة، لا سيما تلك الخاصة بالحركة العمالية. أي أن تلك البنيات سعت إلى توجيه الاستياء نحو إصلاحات هزيلة لا تناسب البتة حدة التناقضات الاجتماعية.

لماذا يمكن أن تقوم الحركة الطلابية، في لحظات معينة، بدور كاشف ومفجر لانتفاضات اجتماعية أوسع بكثير؟أولا لأنها حركة جماهيرية متسعة بقدر يجعل أثرها يشمل حتما المجتمع برمته. ونحن هنا إزاء نتيجة جديدة للانفجار الجامعي والنمو النوعي لكتلة الطلبة والتي عينا أصولها في حاجات الرأسمالية الجديدة وبالتالي في تطور نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. إن مظاهرة بضعة آلاف من الطلبة قد لا يثير أي اهتمام لكن الأمر مغاير تماما حين يقيم ثلاثون ألف طالب المتاريس بقلب باريس.

ثانيا لأنها حركة عفوية لا تؤطرها ولا تراقبها ولا تتحكم فيها المنظمات السياسية التقليدية التي فقدت هيبتها وسط الشبيبة بفعل عدم تلاؤمها الجلي مع مشاكل عصرنا الأساسية.

تبدي عفوية الحركة الطلابية الجماهيرية طاقة تحررية هائلة. ومن شأن هذه الطاقة التحررية العفوية أن تمتد إلى كل شرائح السكان انطلاقا من قاسم مشترك هو المطلب الآني الذي ولد الحركة. وفجأة تكتشف شرائح السكان العاملة أن “الملك عار” ويصرخ بذلك الطلبة متيحين للسكان أن يدركوا بوضوح ما أحسوه على نحو مبهم ولم يجرؤوا على التعبير عنه. هكذا يجري رفض كل الاضطهاد الذي يخنق الحياة السياسية ومن أعماق التناقضات الاجتماعية تصعد إلى السطح أكثر المطالب جذرية.

وأخيرا فإن الحركة الطلابية هي حركة سياسية جماهيرية. فطالما لم تواجه مباشرة غير سلطات جامعية أو بنى سياسية ثانوية تبقى قدرتها المفجرة محدودة، وحالما تواجه الدولة البرجوازية أي المجتمع البرجوازي برمته تكتسي المواجهة كامل قدرتها المفجرة. ودور المثال هنا هام للغاية. لكن علاوة على هذا الدور وما يمارسه من جذب ثمة التسييس السريع للحركة الجماهيرية المنطلقة من مستوى المطلب الآني والتي لا تكف عن التوسع وبذلك تحول الحركة إلى قوة نضال شاملة ضد المجتمع الرأسمالي. ويقوم هذا النضال من جهته بدور ممركز للغاية، فهو يجذب ويميل إلى إدماج مطالب فئات اجتماعية أخرى مستاءة متحولا إلى قطب ثوري لقوى سياسية واجتماعية معارضة لقطب النظام القائم مع كل ما يترتب عن ذلك.

يمكن في هذا الصدد أن نثير الانتباه إلى الدور المتناقض لوسائل الإعلام الجماهيري، وهو دور أكثر تعقيدا مما يظن بعض نقاد الحضارة المعاصرة المتشائمين. لا شك أن التلفزيون قوة جبارة تصنع الإمتثالية والإدماج الاجتماعي الرأسماليين. لكن بقدر ما ينساق الصحفيون وتقنيو التلفزيون إلى حركة النضال العامة كما حدث في مايو 1968 بفرنسا، يصبح للتلفزيون أهمية غير مشهودة. فقدرته على إيصال صور الأحداث آنيا إلى محيط واسع جدا يحوله من وسيلة إعلام إلى أداة تعبئة. كان مايو 68 أول حركة ثورية في التاريخ يعلم بها ملايين الأشخاص كل ساعة بل وكل ربع ساعة وليس بعد أسبوع أو في اليوم الموالي. هكذا يمكن أن يركض المرء للمشاركة في مظاهرة لأنه شاهد بدايتها في التلفزيون.

لكن، من جهة أخرى، تقف كل طاقات الحركة الطلابية، بما هي حركة سياسية جماهيرية عن عند حد نابع من مصدر قوتها بالذات. فكل حركة جماهيرية هي بطبيعتها متقطعة، بل إنها تميل بقدر تسيسها إلى استنفاذ قوتها في أهداف عديدة وغير متجانسة. ولا يمكن لجاذبية الحركة الجماهيرية أن تعوض غياب بنيات ممركِزة. وقد يتبدد الرأسمال الضخم المراكم خلال بضعة أسابيع أو بضعة أيام عندما يصل الوضع إلى منعطف.

فما سبب ذلك؟ ثمة سببان أساسيان يفسران الطابع البنيوي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية. وتتعارض الماركسية الثورية مع مختلف أنواع الإصلاحية خاصة بفهمها لذلك الطابع البنيوي الجوهري للمجتمع الرأسمالي. والمعني الملموس لذلك هو استحالة سير اقتصاد رأسمالي مع اختفاء الربح. فإذا احتل العمال المصانع وبدأوا إلى جانب الطلبة يشلون كل أواليات المجتمع البرجوازي التقليدية فلا يبقى غير حلين ممكنين:أما الحفاظ على البنية الرأسمالية للاقتصاد أو تعويض علاقات الإنتاج القديمة بأخرى جديدة. في الحالة الأولى تصاب كل الحياة الاقتصادية، وخاصة الإنتاج، بالفوضى، لا بل قد يتوقفان تماما. وفي الحالة الثانية يمكن استئناف الإنتاج على قاعدة اجتماعية جديدة.

لكن ما من شعب يستطيع الاستمرار مطولا إذا توقف الإنتاج. وهذه القاعدة الأولية التي أكدتها مجتمعات أخرى تنطبق عشرة أضعاف على المجتمع المعاصر حيث يجعل التعقيد التقني آلة الإنتاج شديدة التأثير بكل توقف لأوالياتها، وحيث تجعل قسمة العمل كل مواطن أشد تبعية لجهاز الإنتاج في مجمله. لذا تصبح العودة إلى الإنتاج الرأسمالي، بعد مدة ما، حتمية عمليا ما لم تعوض البنية الرأسمالية ببنيات اقتصادية جديدة.

لكن لا يعني سقوط كفاحية الجماهير حتما إلى الصفر وعودة العلاقات بين القوى الاجتماعية والسياسية إلى ما كانت عليه قبل الانفجار الثوري. وغالبا ما تكون تلك العودة إلى السير الرأسمالي للاقتصاد متبوعة بنضالات سياسية واجتماعية ضارية تفرض على نشاط الإنتاج جملة اضطرابات. هكذا يمكن دخول حقبة قبثورية طويلة جدا في بعض الأحيان.

لكن حقبة قبثورية ليست هي الثورة لأن الثورة الاجتماعية هي على وجه الدقة تعويض علاقات الإنتاج الرأسمالية بعلاقات إنتاج جديدة.

من هنا يمكن أن تستنتج أن حركة جماهيرية عفوية محكومة بالتراجع ولو مؤقتا طالما لم تظفر بجملة انتصارات حاسمة سواء ضد الدولة أو ضد الطبقة الرأسمالية. ويقتضي تركيز كل الجهود على بعض الأهداف الممركزة درجة تنسيق وفعالية من لدن مئات آلاف بل ملايين الأشخاص. وهي درجة لا تتيحها العفوية وحدها. فهي تتطلب بنيتين تنظيميتين، أولهما بينة اللجان المنتخبة في القاعدة أي المجالس العمالية والطلابية والفلاحية القادرة على تعبئة مشتركة لأوسع الجماهير. وثانيهما بينة الحزب الثوري الكفيل بمد البنية الأولى بمنظور واضح الأهداف وبسبل تحقيقها.

وهنا نصل إلى الحد الثاني والحتمي الذي تصطدم به كل حركة عفوية جماهيرية. توقظ الحركة العفوية، مثل الزوبعة، آلاف المشاعر والآمال والأفكار المتناقضة كليا. ولا توجد ضمانة لتطابق القواسم المشتركة الناتجة عن تفاعل تلك القوى الإيديولوجية مع الحاجات الموضوعية للثورة. إن التحويل الاشتراكي للمجتمع مهمة واعية للغاية، بل هي العمل الأكثر وعيا الذي طرح على النوع البشري إطلاقا. لذا فإن محاولة تحقيقه دون علم عميق بقوانين التطور الاجتماعي وبالأسباب العميقة لانحطاط الرأسمالية وقواعد بناء المجتمع الجديد، أي بالتغاضي عن كل ما أتت به الاشتراكية العلمية، يعني الركض نحو كارثة محققة.

في عصرنا لا يمكن لثورة اشتراكية ظافرة أن تكون غير نتاج انصهار متنام لقوتين أساسيتين: من جهة حركة الجماهير المتسعة باستمرار والمطلقة لطاقات هائلة ولما لا يحصى من المبادرات الشعبية والفردية. ومن جهة أخرى حزب ثوري، أي برنامج علمي وثوري مجسد في عدد مرتفع من الأطر التي سبق أن كسبت ثقة قطاع من الجماهير بفضل نشاطاتها السابقة والتي تستطيع تنظيم وقيادة تلك الجماهير نحو حركة تفضي إلى انتصار الثورة.

ونظرا لكون الحركة الطلابية عاجزة ذاتيا عن تعويض مثل ذلك الحزب السياسي الثوري، فهي عاجزة عن حل المهام المطروحة على الحركة الجماهيرية التي ساهمت في إطلاقها. إذا لم تفض الحركة الطلابية إلى بناء أو تدعيم منظمة ثورية فإنها ستفشل في مساهمتها في تحرر مجموع العمال.

إن الطليعة المنبثقة تدريجيا من الحركة الطلابية، تواجه بشكل أو بآخر مشكلة عصرنا الأساسية أي المشكلة التي سادت على نحو واسع في تطور كل العلوم الإنسانية منذ قرنين والتي تجد حلها في الماركسية: إنها مشكلة العلاقات بين النظرية والممارسة. لن نتناول هنا الجانب الابستمولوجي للمشكل (أي من زاوية نظرية المعرفة)، فما يهمنا في المقام الأول هو العلاقات بين النظرية الثورية والممارسة الثورية.

تتمثل إحدى العوامل النفسية للتمرد الطلابي ولتجذر الشبيبة على العموم في الرفض القاطع للنفاق الذي يطبع أغلب الأنشطة الاجتماعية بدءا بالمندرجة منها في البنية الفوقية. فكل القوى السياسية والقيم الأخلاقية والمؤسسات الاجتماعية تبدوا كأقنعة يجب إسقاطها لاكتشاف الأواليات الحقيقية التي تحرك المجتمع فعلا. فخلف المبادئ الكبرى تختفي المشاعر الأنانية الخاصة والشره إلى الربح، وخلف المثل النبيلة يوجد الفساد، فساد الوصولية والتعطش للسلطة وللامتيازات.

ويوجد في أساس كل هذا النفاق هوة متزايدة العمق بين المبادئ والممارسة، بين مبادئ مفصولة عن الممارسة وممارسة لا مبادئ لها. يبدو أن حاجزا متعذر العبور يفصل البرامج والمثل وأسس الأخلاق عن الممارسة اليومية وهو حاجز يراه الجميع. وطبعا يمد الفساد جذوره في طبيعة المجتمع البرجوازي نفسها، ويمس بعمق الحركة العمالية التقليدية وكذا ممارسات البيروقراطيات الحاكمة في البلدان المسماة اشتراكية.

إن تمرد الشباب ضد هذا النفاق سليم تماما وجدير بالثناء. وهو يوفر إمكانية دفعة جديدة ولا رجعة فيها للمسيرة نحو مجتمع خال من الاستغلال والاضطهاد. ويفضي إلى إرادة محمودة هي الأخرى في جعل الممارسة الاجتماعية، وبخاصة الممارسة السياسية، مطابقة للمثل. لكنه مهدد بالعقم ما لم يرتكز على وحدة الممارسة والنظرية الثوريتين التي تضم كل ديالكتيك هاذين النشاطين المعقد.

لقد قلنا إن التحويل الاشتراكي للمجتمع هو العمل الأكثر وعيا ضمن مجمل ما تصورته البشرية، وعليه كي ينال حظوظه من النجاح أن ينطلق من تصور شامل لكل قطاعات الحياة الاجتماعية. أي أن يتوصل إلى تجميع نتائج العلوم الإنسانية. وتمثل الماركسية التيار الوحيد الذي نجح لحد الآن في هذا التجميع، علما أنه لا يمكن مع ذلك اعتباره، بسبب من طبيعته بالذات، نتيجة ناجزة بالمرة، بل يتطلب مساءلة و إغناء دائمين.

إن ممارسة ثورية لا تستند على هذا المنظور الشامل للمجتمع المعاصر وعلى التناقضات التي تنخره وقواه المحركة مهدد بالسقوط في التجريبية والدوغمائية والحركية العقيمة. وإن الأمثلة أكثر من أن تعد. وكل ممارسة ثورية لا تسترشد بنظرية ثورية تسقط حتما أسيرة الأحكام المسبقة للبرجوازية وإيديولوجيتها، التي تسعى بكل ما أوتيت للتمرد عليها.

خضت في مايو 1968 بمعية رفاقي نضالا سياسيا ضاريا في أوساط الحركة الطلابية بألمانيا الغربية والولايات المتحدة ضد من يؤكدون أن الطبقة العاملة بتلك البلدان اندمجت نهائيا في مجتمع الرأسمالية الجديدة وأنها عاجزة عن التمرد وبالتالي ليس بوسعها أن تكون القوة الأساسية للتحويل الثوري.

وكان الثوريون المدافعون عن تلك الفكرة صادقين تدفعهم أفضل النوايا، لكنهم لم يدركوا أنهم في الواقع سقطوا في أسر إيديولوجية مميزة للبرجوازية، وهي إيديولوجية ترى أن الرأسمالية الجديدة تمكنت من تجاوز تناقضاتها الاقتصادية وأنها قادرة على أن تؤمن للعمال مستوى عيش لا يكف عن الارتفاع وأن تخنق بذلك نهائيا كل وعي طبقي.

كان الإدراك الإجمالي للقوانين الاقتصادية والاجتماعية المحددة لدينامية الرأسمالية الجديدة يتيح توقع تفاقم تناقضات هذا المجتمع حتى في البلدان الإمبريالية الأكثر غنى. وكان ممكنا توقع قيام عمال تلك البلدان بالتمرد ضد تكثيف العمل وتسريع الوتائر وتقليص حرية الإضراب وضد استيلابهم المتزايد كمنتجين وكمستهلكين. وذلك كله كنتيجة حتمية لسير عمل الرأسمالية. كان من الممكن إذن توقع موجة نضالات عمالية جدية وحتى نضالات عمالية متفجرة في تلك البلدان. يؤدي غياب رؤية إجمالية للمجتمع الرأسمالي، أي غياب استيعاب الماركسية الثورية إلى إفساد تحليل القوى الاجتماعية الملموس ويقود إلى رؤية خاطئة لسلوك تلك القوى مستقبلا، وإلى توجه سياسي خاطئ.

ومن جهة أخرى يبقى العقم مصيرا محتوما لكل نظرية ثورية بدون ممارسة ثورية. إن من يقول بضرورة البدء بتعميق التحليل النظري خلال فترة طويلة، بينما تنفجر وتنمو في بلدان عديدة حركات جماهيرية قوية وتتطور في بلدان أخرى نضالات عمالية هامة لها طاقة ثورية أكيدة، إنما يتواطأ مع الذين يعملون بشكل أو بآخر لعرقلة إفضاء تلك الطاقة إلى ثورة اشتراكية ظافرة. بل أسوأ من هذا أن نقوم باعتكاف متعجرف على “النظرية الخالصة” إنما يعني الإنقاص التدريجي من ثورية تلك النظرية، لأن النظرية مهددة بفقد الصلة بالواقع إذا انعدم اختبارها العملي الدائم. ويمكن أن تصبح التجريدات ذاتية واعتباطية ومبتعدة أكثر فأكثر عن الواقع الموضوعي. أي أنها باختصار تصبح خاطئة. وتضم الرؤية الإجمالية للواقع الاجتماعي بعد الممارسة الثورية، وإذا ألغيت هذه الأخيرة يصبح التحليل النظري جزئيا وبالتالي غير شمولي، إنه باختصار يكف عن كونه نظرية ليصبح إيديولوجية.

لكن وحدة النظرية والممارسة الثوريتين لا تتحقق على المستوى الفردي إذ لا يمكن لأي شخص مهما كان عبقريا أن يستوعب المنهج الماركسي وكل معطيات العلوم الإنسانية وأن يتابع واقع صراع الطبقات في أكثر من مائة بلد مختلف، ويشارك شخصيا في النضال ليخضع تصوراته لامتحان الممارسة. وحدها المنظمة الثورية قادرة على جمع الممارسات والتجارب والمعارف الضرورية التي تتيح بلوغ تلك الوحدة.

إن الشبيبة الراديكالية إذ ترفض القطيعة الجذرية القائمة اليوم بين الواقع والمثل المعلنة، وتتمرد على النفاق الشامل الذي ليس غير قناع للاستغلال والاضطهاد الشاملين، إنما هي تحلم بذلك التركيب بين النظرية والممارسة. وإن تحقيق هذا التركيب الذي تستدعيه النظرية لن يتم إلا في الممارسة الثورية أي في التحويل الثوري للمجتمع.

ترتبط قدرة الحركة الطلابية على أداء دور كاشف ومفجر للأزمة الاجتماعية بالتماثل بين أزمة الجامعة البرجوازية وأزمة علاقات الإنتاج الرأسمالية. فتلك الأزمة هي أساس كل الصراعات الكبرى التي تمزق اليوم مجتمع البلدان الإمبريالية. سماتها الرئيسية هي: أزمة الاقتصاد السلعي وأزمة الملكية الخاصة والربح وأزمة البنيات السلطوية والتراتبية داخل المقاولات وأزمة القسمة الاجتماعية للعمل التي هي أزمة العمل المجزأ أو المستلب.

ويميل الحل الاشتراكي لهذه الأزمة العامة إلى المصادرة الجماعية لوسائل الإنتاج والتبادل وتسييرها من قبل المنتجين المتشاركين أي إلى التسيير الذاتي الممركز ديموقراطيا. ويميل أيضا إلى اختيار الأسبقيات في استعمال الموارد المادية وإلى تقليص جذري ليوم العمل المهني ليتوافر للمنتجين الوقت الحر لإدارة شؤونهم، وإلى الإلغاء التدريجي للاقتصاد السلعي والنقدي وقسمة العمل الاجتماعية.

لكن إذا تمعنا في كل أوجه تلك الأزمة وكل مظاهر الحل التي يجب أن تطابقها، سنتبين أن ذلك الحل إنما هو إعادة توحيد تدريجي لمختلف أوجه حياة الإنسان الاجتماعية التي يفصلها حاليا وبعنف التطور الاقتصادي والتي تستدعي توحيدا عاجلا. هكذا نكتشف أن إعادة توحيد النظرية والممارسة كامنة في إعادة توحيد العمل، ذي الطابع الاجتماعي موضوعيا، مع التخطيط الواعي، وفي اندماج التقنية والعلوم الاجتماعية، هذه العلوم المحددة للأهداف الاجتماعية ذات الأسبقية والتي يجب على التكنولوجيا أن تخضع لها، وفي اندماج الممارسة الاجتماعية مع تحقيق تطلعات ومواهب كل فرد. لقد أخذت صيغة البيان الشيوعي الشهيرة كل دلالتها في عصر الأتمتة التي يقتضي تعميمها تعليما جامعيا جماهيريا: يصبح تطور كل فرد شرطا لتطور الجميع. وأخيرا تمكن إعادة التوحيد تلك في ضرورة انصهار التعليم والعمل طوال الحياة الإنسانية، وتعني التوسيع الشامل للتعليم الجامعي، وتحويل نشاط محدود في أربع أو خمس سنوات إلى نشاط يتواصل بتناوب مدى الحياة.

يوجد في نضال الشبيبة المتجذرة ضد النفاق والكلبية انعكاس، ولو جزئي، لحاجات أساسية وجوهرية لتجاوز خطر التناقضات الأشد خطرا على بقاء الإنسانية، وهي تناقضات ناجمة عن الرأسمالية. ليس النضال لأجل وحدة النظرية والممارسة الثوريتين غير مرحلة إعدادية للنضال لتوحيد النظرية والممارسة في حياة البشر اليومية ولتوحيد العمل الذهني والعمل اليدوي وإلغاء العمل المستلب والمستلِب وتعويضه بممارسة إنسانية شاملة لكافة البشر.

إننا إذ نرى في أصول ودينامية الحركة الطلابية محركات شبيهة وحتى مماثلة لتلك التي تفجر النضال من أجل تحرر الجماهير العاملة، لا نقول أن طليعة الحركة الطلابية مدعوة لان تضمن آليا صعودا جديدا للحركة العمالية وللحركة المعادية للإمبريالية اللتين سقطتا في الانتهازية اللامبدئية وفي الإصلاحية المفككة للمنظمات العمالية التقليدية. إننا نشير فقط إلى الإمكانية المتوافرة للحركة الطلابية للقيام بتلك الوظائف.. ويتوقف الباقي على الممارسة الثورية، أي في المقام الأول على استيعاب أو بالأحرى بلورة نظرية ثورية صائبة.

يمكن اجتماعيا إدراج إخفاق الحركة العمالية والمعادية للإمبريالية في مقولة التبقرط: أي وقوع قيادة تلك المنظمات تحت سيطرة شرائح ذات امتيازات تماثل المنظمات مع الدفاع عن مصالحها وامتيازاتها الخاصة. إننا نواجه من الزاوية الإيديولوجية ديالكتيك المكاسب الجزئية الذي يخضع تحقيق الهدف النهائي للدفاع عن تلك المكاسب. وهنا يتطابق التفسير السوسيولوجي مع النقد الإيديولوجي.. في عالم تستمر فيه هيمنة الإنتاج السلعي تميل كل مؤسسة مجسدة لوظيفة خاصة في الحياة الاجتماعية إلى أن تصبح مستقلة وأن ترى في نفسها هدفا في حد ذاته بدل أن تعي أنها ليست غير أداة ثانوية لبلوغ هدف أعم.. ذلك هو مصير المنظمات الجماهيرية المبقرطة وكذا الدول المنبثقة من الانتصارات الجزئية الأولى للثورة العالمية.

إن تفادي تجزيء الممارسة السياسية، الذي تعبر عنه الإصلاحية والاشتراكية الديموقراطية والستالينية والقومية البرجوازية الصغيرة في البلدان شبه المستعمرة، يقتضي الحفاظ قبل كل شيء عن التوجه نحو الهدف الشامل. فمهما كانت أهمية الأهداف الآنية والجزئية، يتطلب تحرر الإنسانية بلوغ الثورة الدائمة نهايتها على المستوى العالمي. مهما كانت أهمية الدفاع عن المكاسب المحصلة، وأهمية تراجع كل محاولة مضادة للثورة، يجب دوما النظر إلى الأفق المستهدف وتجاوز كل مرحلة انتقالية وكل انتصار جزئي والتوجه نحو الهدف النهائي.

إن دور النظرية الثورية هنا جوهري تماما، لأنها هي التي تتيح وظيفة النقد الذاتي دون مساومة. هذه الوظيفة المميزة لحركات تحرر البروليتاريا والتي يؤجل دوما انعدامها تحقيق الهدف النهائي إلى مستقبل يتعذر بلوغه.

لكن قد يصبح النظر المركز على الأفق نظرا فارغا إن لم يترافق مع وعي واضح لكل العراقيل. فالدوغمائية كالانتهازية محكوم عليها بالتعثر. يجب إذن أن نستوعب في الممارسة اليومية علم الثورة الذي هو الماركسية، فبانعدامها تغدو وحدة النظرية والممارسة مجرد ادعاء أجوف وليس فعلا متطورا.

إن مجهودا واعيا لتجاوز حدودها الحتمية الخاصة هو الذي سيؤهل طليعة الحركة الطلابية لأداء دور هام في بناء وتدعيم منظمات ثورية جديدة. وإن مراحل سيرروة التوضيح تلك هي فهم المكانة الخاصة للمثقف والطالب في المجتمع الرأسمالي وفهم بلترة كل العمل من طرف الرأسمال وفهم طبيعة الرأسمالية والإمبريالية وحركات التحرر التي تقاتلها وفهم ديالكتيك الثورات المعاصرة والدور المركزي للعامل الذاتي فيها وإخضاع المصلحة الشخصية للمساهمة في حركات التحرر الواسعة تلك والتفرغ لبناء منظمات بروليتارية ثورية تعمل انطلاقا من ممارسة ثورية شاملة.إن بناء منظمات ثورية طليعية تستهدف تحرير كل المستغلين لا يعني بتاتا التخلي عن المهمة الجزئية المتعلقة بالمساعدة على التنظيم الذاتي والتربية الذاتية للجماهير الطلابية، إنما يعني فقط إدماج تلك المهمة في منظور أعم.

ليس ثمة من نشاط يوفر سعادة للرجال والنساء في عصرنا غير تكريس الحياة لتحرر الشعوب، وليس من مهمة في عصرنا أكثر إثارة للحماس من بناء عالم خال من الاستغلال ومن الاضطهاد ومن الحروب، عالم وفرة وسعادة للجميع، عالم يضع حدا لما قبل تاريخ البشرية ويبرز لأول مرة القوة الباهرة للجماعة الإنسانية: عالم بدون طبقات، عالم الاشتراكية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

1 تعبير إنكليزي يرمز إلى الجمالية المطبقة في الميدان الصناعي والتي تبحث عن أشكال هندسية جديدة تتلاءم مع وظيفتها وتتناسق معها.

About these ads
تعليقات
  1. [...] بلترة العمل الذهني « اكتب كي لا تكون وحيدا [...]

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s