Posts Tagged ‘شعر فصحى’

ديوان رامى – أحمد راميPDF

في ذكرى استشهاد ناجي العلي
الى روحه المقاومة

مظفر النواب

يسافر في ليلة الحزن صمتي

غيوما ، تتبعته ممطرا
واشتريت دروب المتاعب

ألوي أعنتها فوق رسغي

ليلي أطول من ظلمات الخليقة

” خال سوى من فتات من الصبر “

في الركن زوادتي

والدجى ممطر

والغيوم الخطيرة تمطر

والسيل والناس

أين يريد بهمي الرحيل !

كأن المدى والهواء اختناق

أأنت الوديع كساقية

من خبايا الربيع قتلت !!

وغص بنعيك من قتلوك

كأنك مقتلهم لا القتيل

تؤرق ليلهم ما اطمأنوا

ترابا غريبا أمض من القبر قد أنزلوك

فوا غربتاه

إن كان ندفن قسرا كما يشتهي القاتلون

ووا غربتاه

كما يشتهي القاتلون وبطش الظلام

وصاح من الشرفة

وا وطناه النزيل

بقطرة حبرك

بقطرة حبرك أسطع نجم يضيء الطريق

تصاغ القناديل منها

وجمر الشتاء

وتبحر في هديها ذكريات الشعوب

نواصل مهما الثرى والعناء الممل يطول

ألا أيها العربي القليل المحارب

في الزمن الأجنبي

فتلت تمائمهم لاصطيادك حبلا

وألقيته في المدى

قنصا قانصيك

تخططهم في الخطوط فتصطادهم

وكأن الخطوط شباك

وأنت أمير الصراط الجميل

على كفك الناتيء العظم

سددت من رقعة الماظبين الطوى

نجمة ، دونها أنجم الليل

لست مسيحا كما فسروك

إنما ، تقرأ الظلمات العواصف كاتمة

وتنغم في المستحيل فلا يستحيل

وحيدا أمام جيوش الليالي الضخام

تفردت تأبى صداك

فما أنت ممن يحب الصدى

لم تحارب بشيء سوى ضوء عينيك والخلجات

تشن الضياء

فتهرب هدن

ثقافتهن الخنوع وألسنهن لجام قتيل

ورغم سهولة قتلك

تحرس نفسك بالبسمات الحزينة لا غيرها

رغم سهولة قتلك

أرسل القمع قاطبة لاغتيالك

واتفق الشارع الأجنبي مع القاتلين

فأغمض عن قاتل من صنع كفيه

وأراه خلف برود المساجد

ما كان ليل ضباب

ولا في الضياء التباس

ولا عتمة غير ليل الضمير

وكنت دم الناس

فوق الرصيف الحزين يسيل

ألست القتيل بدون التباس ودون شهود !

كذلك دون شهود وأسئلة قاتلوك

وإن كان واحد

وإن واحد ظل يركض عير الشوارع

كانت شوارع ( لندن )

تفضي إلى ( تونس ) في الظهيرة تلك

وكان مخيمنا تحت رأسك في غرفة العمليات

لله بأسك مما الهموم ثقيل

وعودك مما نحيل !!!

وبين حديث المباضع واليأس

كانت أزقتنا في مدى الصبح

تلثم كفك ألا تموت

وحاولت ألا تموت

وما زال موتك يرتاب في نفسه

واستقامت عيونك

مثل صلاة الجماعة صوب المخيم

لولا انحراف جميل

إلى كرمة

نزعت ثوبها للجنوب ضمادا

أأنت تميل جنوبا بكل اشتياقك !

أم كل هذا الجنوب إليك يميل !!!!!

تحاول أن تنهض الشلل المر

ترسم أوراقها

والقبابر

والطرقات التي تتوجه صوب مساقط رأسك

واختلجت من أساس الملاءة

ليت الأصابع تقدر أن تتثبت بالطرقات

وريحانها والحدود

وران على راحتيك المقاتلتين سكون جليل

رسمت … فعريت

رسمت فعريت مختلقا للمعارك

أما كل معركة في الجنوب فلسطين أم أي شيء !

لقد طفح الكيل

والناس تدري

وتحمل أسلحة الجهل

إن نطق الجهل بالراجمات

فماذا لسان صغير يقول !!!

لقد أرسل الجهر

حتى الذي قتلوك

يريدونك تنهض

لم يكفهم مرة قد قتلت

يريدون قتلك في كل يوم

يريدون أن يطمئنوا

بأنك لست وراء شبابيكهم

لست في مطر الليل والبرق

تدخل مثل الهواء النقي

تبلبل أفكارهم

تتسامق تحت ضمائرهم

تاركا رزمة من هدوء وعشب

ورائحة الأرض والصلوات القديمة

تمسك كالطفل فيما يجنون تخمتهم

ورصيد حواصلهم

قتلــــوك

لأنك تسكنهم

ونشرت غسيلا يخبؤه بعضهم خلف بعض

فصاح من العفن المستميت الغسيل

ومن وحل في دروب المخيم

كحلت عيني زمان عصي القناة

وحددت من بؤبؤيه الحكيمين

ترسم مستقبلا حاضرا

منك ينظر للدهر

أم منه ينظر فيك !!!

لقد يجعل العشق فردا زمانا

خطوط البروج على راحتيه تبيل

أظنك بين الحضور

وفي ذلك الركن

تلبس ظلمة قبرك

وترفع كفك بالدم

مما كثيرون قد موهوا قاتليك

رجوتك

تسمعني للنهاية يا سيد الحزن

حفر الرصاصة

أرحم من عربات الرثاء التي لا تشخص

إلا بأنك أنت القتيل

ولا شيء

إلا بأنك أنت القتيل

على نفس دربك مستهدفون

حس الرصاصة قادمة

نحن نرثي الذين يطلقون الرصاص علينا

ونحمل زهرتنا شامخين

برغم الركوع الشمولي

نستقبل النار

والشائعات الأشد من النار

إنا هنا دائما

كل جرح بنا علم للهجوم

وصمت الدماء دليل

كأيقونة

لوحتها المباخر وجهك

والضوء في غرفة الموت طفل

ينام على قصة لم تتم

تداعب كفاه خصلة حزنك

في رقة ومعاد قصيين

لم تستطع قسوة الموت

تمحو صبح المخيم من نظرتيك

من نظرتيك المثبتتين إلى السقف

صمت .. نعاس .. قصيين

في أي شيء تحدق !

في أي شيء تحدق !

في أي لا شيء تقرؤنا دون معنى !!

أأنت تصب المساحيق والقطن والصمت

في صحوه والشرود الطويل !

أأنت تنام وقلبك ممتلئ بالسرى !!

كيف لم يخجل القتل ؟؟!!!

كيف لم يخجل الطب ؟؟!!!

كيف لم يخجل الموت ؟؟!!!

أي أب للعقارب أفتى بقتلك !

ما ملة المجرمين ومن أي روث ؟؟؟؟؟

لماذا أشاعوا وما زلت تنزف

طهران قد قتلتك ؟!

مجاملة للأساطيل !

أم للكويت التي قد نفتك ؟!

لم استفردوك بقبر عدو وراء الضباب !!

وفيم تساءلت ذات مساء من الحزن

عمن سيأخذ ثأرك !!

هل كنت تعرف أن الرجال قليل !

هل التصفيات بديل عن الأرض والفشل المستمر ؟

وأي مقاضية تلك !

خير الرجال بشر النقود

ومن شركاء الجريمة !

ما هذه المسرحية بالدم والمال !

تبكي التماسيح فيها

لقد طالت المسرحية

والصبغ سال على أوجه البعض

شاربه المستعار

تدلى إلى خصيتيه

ألا ننتهي !!

صار صوت الملقن أعلى من البهلوان المهرج

فوق رأس الجماهير

هل سوف نخرج مما على نفسنا

نتضاحك

أم هل ستطول الفصول !!!

يقولون يا زهرة الحزن مت

وضاع أريجك خلف الضباب

وأغلق عمر جميل من الحزن

والاحتجاج الطفولي

عمر حكيم من العشق

تحضن في جانحيك فلسطين

دافئة كالحمامة

تطعمها بشفاهك

تسمع نبضاتها

تتبور قبل تبورها

تحرث الأرض والطب والصيدليات

تبحث عما يداويكما

طبنا العربي تخلف

والصيدليات مملوءة بالتحاميل

أو بالشعارات

وهي تحاميل يا سيدي

والدواء طبول

تئوب

كما طائر العشق مضنى

قد اغلق الجو

لم يبق إلا الحراسات

والبدلة العسكرية خلف الشبابيك

ترسم صمتا نظيفا

فإن المدينة تحتاج صمتا نظيفا

وترسم نفسك متجها للجنوب

البقاع

العروبة

كل فلسطين

أنت المخيم وحدتنا

مثلما وحد العرب الضائعين الرسول

تموج العواصف بالأغنيات العذاب

وتدفع قبرك دفع الزوارق في البحر

يستقبل الله حجرة عرسك هذي

على الماء عائمة

في المياه العميقة

أيتها المطمئنة عودي لربك راضية

أدخلي جنتي

تتبسم ………

هل جنة غير هذي فلسطين !!!!

أنهارها عسل

والشهادة من أجلها عسل

والعذاب وصول

لم استفردوك بقبر عدو

يكبلك الثلج والظلمات

ولون السماء كثقل الحديد

ولا يفهم الميتون صراخك بالوجع العربي

ومن ظل حيا بتلك البلاد

سيفهمنا بتراجم عبرية

آآه من وجع الروح

لو كان هذا العراق بدون قيود

أتم مرارته وجذور النخيل

لضمك بين جوانحه كالفرات

ويأخذ ثأرك

من زمن لا ضمير له

ليس يكفي دماء الذي قتلوك

لكن دماء مناهجهم

ويكون البديل

على كل ماء السماوات والأرض

يبحر قبرك

حتى يمس سواحلها

تترجل من قارب الطين

تتلو المنافل والحزن قبل الدخول

وتنزع موتك

تغسل وجهك بالماء

أو بالتراب الأرق من الماء

لكن جرحا برأسك

إن لم يطل دمه

لا يكف الصراخ الوجود

لكم في القصاص حياة

وجرح الشهيد كفيل

مظفر النواب.. الأعمال الشعرية الكاملة

أمل دنقل.. الأعمال الشعرية الكاملة

على دكة مولاي أبي الليل

يا مسيل الفرس الزرقاء الغسق

وعلى سرجك ينثال رماد الليل والغمد

موشى بعراكات العصافير

وفجر المشمش الأزرق

مسترخ على راحة أقدامك

ووراء القمر الفج

أوت كل العصافير إلى جمجمة الحجاج

لن تعثر على جذوة تهديد

وأعينها تاهتز صغيرات بأقصى محجريه الثقافيين

غدا كل العصافير تموت

وأنا من سيفك إني أفق نخل بارد

هذا الصبا

أين البيوت ؟

وأنا اصرخ في وادي الباطير وقاعات المماليك

بان الشمس زرقاء على مئذنة العمر تموت

والعصافير على دكه مولاي تموت

أنت في بستان أحلامك بين الخمر والريحان

والعمر قد فارق على ناقة حزن للرحيل

ما ترى أنا رحلنا بعد يافا

نحمل الخيمة في ليل الجليل

وغدا أي الحكومات ترى تذبحنا

عذرا لمولاها الذي خلف الجبل

يا أبا الليل أفق

فالطل غطى حاجبيك النبويين

وقد مات من الجوع الجمل

أين نيسان تغطيك من الحمى وتسقيك الزهور

فبيسان وان قد سرقوا منها قفير النحل

ما زالت تبيع البرتقالات العتيقة

تحمل السلة ملآ بالزرازير

التي قد وخست مئذنة اللّه العتيقة

والبوار يد التي صارت من الصمت

أنابيب لتصرف الوساخات عتيقة

والزعامات العتيقة

وارى ذيبا

أرى الشام غزالا راكضا في المسك

لا يحلم إلا ان كعبا سيعيدون الجبل

فرسي وراء الجبل

زوجتي وراء الجبل

كلنا نحك من خلف الجبل

وارى حسان ما زال على شاربه المسكي

من خمر الشمال

أيها القاطع إغفاء الزرازير

ونوم البلبل النخلي في الفجر

وغفوة البرتقال

ها تثاءبت وقد هومك الوجد إلى اهلك

والنوم بعينيك زوايا

خذ لبيسان حكايا البشوات المستجدين

لكي تصنع للسواح لعبات جريح عربي وهدايا

قل لها كل الحكايا

فإذا ما حزنت عند وجاق النار

فارو من نكات الشعب في مصر

وخبرها بان النكت الآن مرايا

مَنْ أَنا لأقول لكمْ
ما أَقول لكمْ ؟
وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ
فأصبح وجهاً
ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ
فأصبح ناياً …

أَنا لاعب النَرْدِ ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلاً …
وُلدتُ إلى جانب البئرِ
والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ
وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً
وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً ،
ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ
وأَمراضها :

أَولاً – خَلَلاً في شرايينها
وضغطَ دمٍ مرتفعْ
ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ
والجدَّة – الشجرةْ
ثالثاً – أَملاً في الشفاء من الانفلونزا
بفنجان بابونج ٍ ساخن ٍ
رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً – مللاً في ليالي الشتاءْ
سادساً – فشلاً فادحاً في الغناءْ …

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ
كانت مصادفةً أَن أكونْ
ذَكَراً …
ومصادفةً أَن أَرى قمراً
شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات
ولم أَجتهد
كي أَجدْ
شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !

كان يمكن أن لا أكونْ
كان يمكن أن لا يكون أَبي
قد تزوَّج أُمي مصادفةً
أَو أكونْ
مثل أُختي التي صرخت ثم ماتت
ولم تنتبه
إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ
ولم تعرف الوالدة ْ …
أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ
قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ /

كانت مصادفة أَن أكون
أنا الحيّ في حادث الباصِ
حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّة ْ
لأني نسيتُ الوجود وأَحواله
عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ
تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها
ودورَ الحبيب – الضحيَّة ْ
فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ
والحيَّ في حادث السيرِ /

لا دور لي في المزاح مع البحرِ
لكنني وَلَدٌ طائشٌ
من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ
ينادي : تعال إليّْ !
ولا دور لي في النجاة من البحرِ
أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ
رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً
بجنِّ المُعَلَّقة الجاهليّةِ
لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً
لا تطلُّ على البحرِ
لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى
تخبز الليلَ
لو أَن خمسة عشر شهيداً
أَعادوا بناء المتاريسِ
لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ
رُبَّما صرتُ زيتونةً
أو مُعَلِّم جغرافيا
أو خبيراً بمملكة النمل
أو حارساً للصدى !

مَنْ أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
عند باب الكنيسةْ
ولستُ سوى رمية النرد
ما بين مُفْتَرِس ٍ وفريسةْ
ربحت مزيداً من الصحو
لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ
بل لكي أَشهد المجزرةْ

نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ
وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ
وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي
وخفتُ على زَمَن ٍ من زجاجْ
وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي
وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ
وخفت على عِنَبِ الداليةْ
يتدلّى كأثداء كلبتنا …
ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ
حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أُريدُ
من الغد – لا وقت للغد -

أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى / أرى / لا أرى / أتذكَّرُ / أَسمعُ / أُبصرُ / أهذي / أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أُجنّ / أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أُدْمَي / ويغمى عليّ /

ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك
مُصَادفةً ، أو هروباً من الجيش ِ /

لا دور لي في حياتي
سوى أَنني ،
عندما عَـلَّمتني تراتيلها ،
قلتُ : هل من مزيد ؟
وأَوقدتُ قنديلها
ثم حاولتُ تعديلها …

كان يمكن أن لا أكون سُنُونُوَّةً
لو أرادت لِيَ الريحُ ذلك ،
والريح حظُّ المسافرِ …
شمألتُ ، شرَّقتُ ، غَرَّبتُ
أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ
لأن الجنوب بلادي
فصرتُ مجاز سُنُونُوَّةٍ لأحلِّق فوق حطامي
ربيعاً خريفاً ..
أُعمِّدُ ريشي بغيم البحيرةِ
ثم أُطيل سلامي
على الناصريِّ الذي لا يموتُ
لأن به نَفَسَ الله
والله حظُّ النبيّ …

ومن حسن حظّيَ أَنيَ جارُ الأُلوهةِ …
من سوء حظّيَ أَن الصليب
هو السُلَّمُ الأزليُّ إلى غدنا !

مَنْ أَنا لأقول لكم
ما أقولُ لكم ،
مَنْ أنا ؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ
والوحي حظُّ الوحيدين
إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ
على رُقْعَةٍ من ظلامْ
تشعُّ ، وقد لا تشعُّ
فيهوي الكلامْ
كريش على الرملِ /

لا دَوْرَ لي في القصيدة
غيرُ امتثالي لإيقاعها :
حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً
وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى
وغيبوبة في صدى الكلمات
وصورة نفسي التي انتقلت
من أَنايَ إلى غيرها
واعتمادي على نَفَسِي
وحنيني إلى النبعِ /

لا دور لي في القصيدة إلاَّ
إذا انقطع الوحيُ
والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ

كان يمكن ألاَّ أُحبّ الفتاة التي
سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟
لو لم أَكن في طريقي إلى السينما …
كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما
هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما …

هكذا تولد الكلماتُ . أُدرِّبُ قلبي
على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ …
صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي
ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ
إذا التقتِ الاثنتان ِ :
أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ
يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ
ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا
عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ
لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .
وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .
فأنت – وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ -
لا شكل لك
ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً
أَنت حظّ المساكين /

من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً
من الموت حبّاً
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً
لأدخل في التجربةْ !

يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه :
هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ
فتسمعه العاشقةْ
وتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ
كالبرق والصاعقة

للحياة أقول : على مهلك ، انتظريني
إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي …
في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع الهواءُ
الفكاكَ من الوردةِ /
انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي
فاُخطئ في اللحنِ /
في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ
لنشيد الوداع . على مَهْلِكِ اختصريني
لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ،
وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :
تحيا الحياة !
على رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /

حتى على الريح ، لا أستطيع الفكاك
من الأبجدية /

لولا وقوفي على جَبَل ٍ
لفرحتُ بصومعة النسر : لا ضوء أَعلى !
ولكنَّ مجداً كهذا المُتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيِّ
صعبُ الزيارة : يبقى الوحيدُ هناك وحيداً
ولا يستطيع النزول على قدميه
فلا النسر يمشي
ولا البشريُّ يطير
فيا لك من قمَّة تشبه الهاوية
أنت يا عزلة الجبل العالية !

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ
أو سأكونْ …
هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ
قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا
أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء
نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد
نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ
نحن الذين كتبنا النصوص لهم
واختبأنا وراء الأولمب …
فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون
وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون
ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال
هو الواقعيُّ على خشبات المسارح ِ /

خلف الكواليس يختلف الأَمرُ
ليس السؤال : متى ؟
بل : لماذا ؟ وكيف ؟ وَمَنْ

مَنْ أنا لأقول لكم
ما أقول لكم ؟

كان يمكن أن لا أكون
وأن تقع القافلةْ
في كمين ، وأن تنقص العائلةْ
ولداً ،
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ
حرفاً فحرفاً ، ونزفاً ونزفاً
على هذه الكنبةْ
بدمٍ أسود اللون ، لا هو حبر الغراب
ولا صوتُهُ ،
بل هو الليل مُعْتَصراً كُلّه
قطرةً قطرةً ، بيد الحظِّ والموهبةْ

كان يمكن أن يربح الشعرُ أكثرَ لو
لم يكن هو ، لا غيره ، هُدْهُداً
فوق فُوَهَّة الهاويةْ
ربما قال : لو كنتُ غيري
لصرتُ أنا، مرَّةً ثانيةْ

هكذا أَتحايل : نرسيس ليس جميلاً
كما ظنّ . لكن صُنَّاعَهُ
ورَّطوهُ بمرآته . فأطال تأمُّلَهُ
في الهواء المقَطَّر بالماء …
لو كان في وسعه أن يرى غيره
لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ،
وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان …
ولو كان أَذكى قليلاً
لحطَّم مرآتَهُ
ورأى كم هو الآخرون …
ولو كان حُرّاً لما صار أُسطورةً …

والسرابُ كتابُ المسافر في البيد …
لولاه ، لولا السراب ، لما واصل السيرَ
بحثاً عن الماء . هذا سحاب – يقول
ويحمل إبريق آماله بِيَدٍ وبأخرى
يشدُّ على خصره . ويدقُّ خطاه على الرمل ِ
كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ . والسراب يناديه
يُغْويه ، يخدعه ، ثم يرفعه فوق : إقرأ
إذا ما استطعتَ القراءةَ . واكتبْ إذا
ما استطعت الكتابة . يقرأ : ماء ، وماء ، وماء .
ويكتب سطراً على الرمل : لولا السراب
لما كنت حيّاً إلى الآن /

من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ
توأمُ اليأس ، أو شعرُهُ المرتجل

حين تبدو السماءُ رماديّةً
وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً
من شقوق جدارْ
لا أقول : السماء رماديّةٌ
بل أطيل التفرُّس في وردةٍ
وأَقول لها : يا له من نهارْ !

ولاثنين من أصدقائي أقول على مدخل الليل :
إن كان لا بُدَّ من حُلُم ، فليكُنْ
مثلنا … وبسيطاً
كأنْ : نَتَعَشَّى معاً بعد يَوْمَيْنِ
نحن الثلاثة ،
مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا
وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً
منذ يومين ،
فلنحتفل بسوناتا القمرْ
وتسامُحِ موت رآنا معاً سعداء
فغضَّ النظرْ !

لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ
وخياليَّةُ الأمكنةْ
بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ

ومصادفةً ، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَةً
لا لأنَّ بحيراتها ورباها وأشجارها
نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ
بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك
وصلَّى على صخرة فبكتْ
وهوى التلُّ من خشية الله
مُغْميً عليه

ومصادفةً ، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ
متحفاً للهباء …
لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك
من الجانبين ، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين
يقولان : هيّا . وينتظران الغنائمَ في
خيمتين حريرَيتَين من الجهتين …
يموت الجنود مراراً ولا يعلمون
إلى الآن مَنْ كان منتصراً !

ومصادفةً ، عاش بعض الرواة وقالوا :
لو انتصر الآخرون على الآخرين
لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أُخرى

أُحبك خضراءَ . يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً
تتموَّج في الضوء والماء . خضراء . ليلُكِ
أَخضر . فجرك أَخضر . فلتزرعيني برفق…
برفق ِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء .
أَنا بذرة من بذورك خضراء … /

تلك القصيدة ليس لها شاعر واحدٌ
كان يمكن ألا تكون غنائيَّةَ …

من أنا لأقول لكم
ما أَقول لكم ؟
كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا
كان يمكن أَلاَّ أكون هنا …

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ
بي صباحاً ،
ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى
فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ
كان يمكن أَلاَّ أرى الشام والقاهرةْ
ولا متحف اللوفر ، والمدن الساحرةْ

كان يمكن ، لو كنت أَبطأَ في المشي ،
أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي
عن الأرزة الساهرةْ

كان يمكن ، لو كنتُ أَسرع في المشي ،
أَن أَتشظّى
وأصبح خاطرةً عابرةْ

كان يمكن ، لو كُنْتُ أَسرف في الحلم ،
أَن أَفقد الذاكرة .

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً
فأصغي إلى جسدي
وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ
فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق
عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً
وأُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟
مَنْ أنا ؟ مَنْ أنا ؟

 

ليل ابتلع نهارا، فأصبح أكثر سوادا.
ماذا كان لون الليل  أو لون النهار قبل الابتلاع؟
.. لا ..لا.. لا يهم
ما يؤرقني عن حق أنه ما عاد لدينا نهارا لاختبار لونه الحقيقي