Posts Tagged ‘شعر فصحى’

ديوان رامى – أحمد راميPDF

في ذكرى استشهاد ناجي العلي
الى روحه المقاومة

مظفر النواب

يسافر في ليلة الحزن صمتي

غيوما ، تتبعته ممطرا
واشتريت دروب المتاعب

ألوي أعنتها فوق رسغي

ليلي أطول من ظلمات الخليقة

” خال سوى من فتات من الصبر “

في الركن زوادتي

والدجى ممطر

والغيوم الخطيرة تمطر

والسيل والناس

أين يريد بهمي الرحيل !

كأن المدى والهواء اختناق

أأنت الوديع كساقية

من خبايا الربيع قتلت !!

وغص بنعيك من قتلوك

كأنك مقتلهم لا القتيل

تؤرق ليلهم ما اطمأنوا

ترابا غريبا أمض من القبر قد أنزلوك

فوا غربتاه

إن كان ندفن قسرا كما يشتهي القاتلون

ووا غربتاه

كما يشتهي القاتلون وبطش الظلام

وصاح من الشرفة

وا وطناه النزيل

بقطرة حبرك

بقطرة حبرك أسطع نجم يضيء الطريق

تصاغ القناديل منها

وجمر الشتاء

وتبحر في هديها ذكريات الشعوب

نواصل مهما الثرى والعناء الممل يطول

ألا أيها العربي القليل المحارب

في الزمن الأجنبي

فتلت تمائمهم لاصطيادك حبلا

وألقيته في المدى

قنصا قانصيك

تخططهم في الخطوط فتصطادهم

وكأن الخطوط شباك

وأنت أمير الصراط الجميل

على كفك الناتيء العظم

سددت من رقعة الماظبين الطوى

نجمة ، دونها أنجم الليل

لست مسيحا كما فسروك

إنما ، تقرأ الظلمات العواصف كاتمة

وتنغم في المستحيل فلا يستحيل

وحيدا أمام جيوش الليالي الضخام

تفردت تأبى صداك

فما أنت ممن يحب الصدى

لم تحارب بشيء سوى ضوء عينيك والخلجات

تشن الضياء

فتهرب هدن

ثقافتهن الخنوع وألسنهن لجام قتيل

ورغم سهولة قتلك

تحرس نفسك بالبسمات الحزينة لا غيرها

رغم سهولة قتلك

أرسل القمع قاطبة لاغتيالك

واتفق الشارع الأجنبي مع القاتلين

فأغمض عن قاتل من صنع كفيه

وأراه خلف برود المساجد

ما كان ليل ضباب

ولا في الضياء التباس

ولا عتمة غير ليل الضمير

وكنت دم الناس

فوق الرصيف الحزين يسيل

ألست القتيل بدون التباس ودون شهود !

كذلك دون شهود وأسئلة قاتلوك

وإن كان واحد

وإن واحد ظل يركض عير الشوارع

كانت شوارع ( لندن )

تفضي إلى ( تونس ) في الظهيرة تلك

وكان مخيمنا تحت رأسك في غرفة العمليات

لله بأسك مما الهموم ثقيل

وعودك مما نحيل !!!

وبين حديث المباضع واليأس

كانت أزقتنا في مدى الصبح

تلثم كفك ألا تموت

وحاولت ألا تموت

وما زال موتك يرتاب في نفسه

واستقامت عيونك

مثل صلاة الجماعة صوب المخيم

لولا انحراف جميل

إلى كرمة

نزعت ثوبها للجنوب ضمادا

أأنت تميل جنوبا بكل اشتياقك !

أم كل هذا الجنوب إليك يميل !!!!!

تحاول أن تنهض الشلل المر

ترسم أوراقها

والقبابر

والطرقات التي تتوجه صوب مساقط رأسك

واختلجت من أساس الملاءة

ليت الأصابع تقدر أن تتثبت بالطرقات

وريحانها والحدود

وران على راحتيك المقاتلتين سكون جليل

رسمت … فعريت

رسمت فعريت مختلقا للمعارك

أما كل معركة في الجنوب فلسطين أم أي شيء !

لقد طفح الكيل

والناس تدري

وتحمل أسلحة الجهل

إن نطق الجهل بالراجمات

فماذا لسان صغير يقول !!!

لقد أرسل الجهر

حتى الذي قتلوك

يريدونك تنهض

لم يكفهم مرة قد قتلت

يريدون قتلك في كل يوم

يريدون أن يطمئنوا

بأنك لست وراء شبابيكهم

لست في مطر الليل والبرق

تدخل مثل الهواء النقي

تبلبل أفكارهم

تتسامق تحت ضمائرهم

تاركا رزمة من هدوء وعشب

ورائحة الأرض والصلوات القديمة

تمسك كالطفل فيما يجنون تخمتهم

ورصيد حواصلهم

قتلــــوك

لأنك تسكنهم

ونشرت غسيلا يخبؤه بعضهم خلف بعض

فصاح من العفن المستميت الغسيل

ومن وحل في دروب المخيم

كحلت عيني زمان عصي القناة

وحددت من بؤبؤيه الحكيمين

ترسم مستقبلا حاضرا

منك ينظر للدهر

أم منه ينظر فيك !!!

لقد يجعل العشق فردا زمانا

خطوط البروج على راحتيه تبيل

أظنك بين الحضور

وفي ذلك الركن

تلبس ظلمة قبرك

وترفع كفك بالدم

مما كثيرون قد موهوا قاتليك

رجوتك

تسمعني للنهاية يا سيد الحزن

حفر الرصاصة

أرحم من عربات الرثاء التي لا تشخص

إلا بأنك أنت القتيل

ولا شيء

إلا بأنك أنت القتيل

على نفس دربك مستهدفون

حس الرصاصة قادمة

نحن نرثي الذين يطلقون الرصاص علينا

ونحمل زهرتنا شامخين

برغم الركوع الشمولي

نستقبل النار

والشائعات الأشد من النار

إنا هنا دائما

كل جرح بنا علم للهجوم

وصمت الدماء دليل

كأيقونة

لوحتها المباخر وجهك

والضوء في غرفة الموت طفل

ينام على قصة لم تتم

تداعب كفاه خصلة حزنك

في رقة ومعاد قصيين

لم تستطع قسوة الموت

تمحو صبح المخيم من نظرتيك

من نظرتيك المثبتتين إلى السقف

صمت .. نعاس .. قصيين

في أي شيء تحدق !

في أي شيء تحدق !

في أي لا شيء تقرؤنا دون معنى !!

أأنت تصب المساحيق والقطن والصمت

في صحوه والشرود الطويل !

أأنت تنام وقلبك ممتلئ بالسرى !!

كيف لم يخجل القتل ؟؟!!!

كيف لم يخجل الطب ؟؟!!!

كيف لم يخجل الموت ؟؟!!!

أي أب للعقارب أفتى بقتلك !

ما ملة المجرمين ومن أي روث ؟؟؟؟؟

لماذا أشاعوا وما زلت تنزف

طهران قد قتلتك ؟!

مجاملة للأساطيل !

أم للكويت التي قد نفتك ؟!

لم استفردوك بقبر عدو وراء الضباب !!

وفيم تساءلت ذات مساء من الحزن

عمن سيأخذ ثأرك !!

هل كنت تعرف أن الرجال قليل !

هل التصفيات بديل عن الأرض والفشل المستمر ؟

وأي مقاضية تلك !

خير الرجال بشر النقود

ومن شركاء الجريمة !

ما هذه المسرحية بالدم والمال !

تبكي التماسيح فيها

لقد طالت المسرحية

والصبغ سال على أوجه البعض

شاربه المستعار

تدلى إلى خصيتيه

ألا ننتهي !!

صار صوت الملقن أعلى من البهلوان المهرج

فوق رأس الجماهير

هل سوف نخرج مما على نفسنا

نتضاحك

أم هل ستطول الفصول !!!

يقولون يا زهرة الحزن مت

وضاع أريجك خلف الضباب

وأغلق عمر جميل من الحزن

والاحتجاج الطفولي

عمر حكيم من العشق

تحضن في جانحيك فلسطين

دافئة كالحمامة

تطعمها بشفاهك

تسمع نبضاتها

تتبور قبل تبورها

تحرث الأرض والطب والصيدليات

تبحث عما يداويكما

طبنا العربي تخلف

والصيدليات مملوءة بالتحاميل

أو بالشعارات

وهي تحاميل يا سيدي

والدواء طبول

تئوب

كما طائر العشق مضنى

قد اغلق الجو

لم يبق إلا الحراسات

والبدلة العسكرية خلف الشبابيك

ترسم صمتا نظيفا

فإن المدينة تحتاج صمتا نظيفا

وترسم نفسك متجها للجنوب

البقاع

العروبة

كل فلسطين

أنت المخيم وحدتنا

مثلما وحد العرب الضائعين الرسول

تموج العواصف بالأغنيات العذاب

وتدفع قبرك دفع الزوارق في البحر

يستقبل الله حجرة عرسك هذي

على الماء عائمة

في المياه العميقة

أيتها المطمئنة عودي لربك راضية

أدخلي جنتي

تتبسم ………

هل جنة غير هذي فلسطين !!!!

أنهارها عسل

والشهادة من أجلها عسل

والعذاب وصول

لم استفردوك بقبر عدو

يكبلك الثلج والظلمات

ولون السماء كثقل الحديد

ولا يفهم الميتون صراخك بالوجع العربي

ومن ظل حيا بتلك البلاد

سيفهمنا بتراجم عبرية

آآه من وجع الروح

لو كان هذا العراق بدون قيود

أتم مرارته وجذور النخيل

لضمك بين جوانحه كالفرات

ويأخذ ثأرك

من زمن لا ضمير له

ليس يكفي دماء الذي قتلوك

لكن دماء مناهجهم

ويكون البديل

على كل ماء السماوات والأرض

يبحر قبرك

حتى يمس سواحلها

تترجل من قارب الطين

تتلو المنافل والحزن قبل الدخول

وتنزع موتك

تغسل وجهك بالماء

أو بالتراب الأرق من الماء

لكن جرحا برأسك

إن لم يطل دمه

لا يكف الصراخ الوجود

لكم في القصاص حياة

وجرح الشهيد كفيل

مظفر النواب.. الأعمال الشعرية الكاملة

أمل دنقل.. الأعمال الشعرية الكاملة

على دكة مولاي أبي الليل

يا مسيل الفرس الزرقاء الغسق

وعلى سرجك ينثال رماد الليل والغمد

موشى بعراكات العصافير

وفجر المشمش الأزرق

مسترخ على راحة أقدامك

ووراء القمر الفج

أوت كل العصافير إلى جمجمة الحجاج

لن تعثر على جذوة تهديد

وأعينها تاهتز صغيرات بأقصى محجريه الثقافيين

غدا كل العصافير تموت

وأنا من سيفك إني أفق نخل بارد

هذا الصبا

أين البيوت ؟

وأنا اصرخ في وادي الباطير وقاعات المماليك

بان الشمس زرقاء على مئذنة العمر تموت

والعصافير على دكه مولاي تموت

أنت في بستان أحلامك بين الخمر والريحان

والعمر قد فارق على ناقة حزن للرحيل

ما ترى أنا رحلنا بعد يافا

نحمل الخيمة في ليل الجليل

وغدا أي الحكومات ترى تذبحنا

عذرا لمولاها الذي خلف الجبل

يا أبا الليل أفق

فالطل غطى حاجبيك النبويين

وقد مات من الجوع الجمل

أين نيسان تغطيك من الحمى وتسقيك الزهور

فبيسان وان قد سرقوا منها قفير النحل

ما زالت تبيع البرتقالات العتيقة

تحمل السلة ملآ بالزرازير

التي قد وخست مئذنة اللّه العتيقة

والبوار يد التي صارت من الصمت

أنابيب لتصرف الوساخات عتيقة

والزعامات العتيقة

وارى ذيبا

أرى الشام غزالا راكضا في المسك

لا يحلم إلا ان كعبا سيعيدون الجبل

فرسي وراء الجبل

زوجتي وراء الجبل

كلنا نحك من خلف الجبل

وارى حسان ما زال على شاربه المسكي

من خمر الشمال

أيها القاطع إغفاء الزرازير

ونوم البلبل النخلي في الفجر

وغفوة البرتقال

ها تثاءبت وقد هومك الوجد إلى اهلك

والنوم بعينيك زوايا

خذ لبيسان حكايا البشوات المستجدين

لكي تصنع للسواح لعبات جريح عربي وهدايا

قل لها كل الحكايا

فإذا ما حزنت عند وجاق النار

فارو من نكات الشعب في مصر

وخبرها بان النكت الآن مرايا

مَنْ أَنا لأقول لكمْ
ما أَقول لكمْ ؟
وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ
فأصبح وجهاً
ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ
فأصبح ناياً …

أَنا لاعب النَرْدِ ،
أَربح حيناً وأَخسر حيناً
أَنا مثلكمْ
أَو أَقلُّ قليلاً …
وُلدتُ إلى جانب البئرِ
والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ
وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ
وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً
وانتميتُ إلى عائلةْ
مصادفَةً ،
ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ
وأَمراضها :

أَولاً – خَلَلاً في شرايينها
وضغطَ دمٍ مرتفعْ
ثانياً – خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ
والجدَّة – الشجرةْ
ثالثاً – أَملاً في الشفاء من الانفلونزا
بفنجان بابونج ٍ ساخن ٍ
رابعاً – كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً – مللاً في ليالي الشتاءْ
سادساً – فشلاً فادحاً في الغناءْ …

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ
كانت مصادفةً أَن أكونْ
ذَكَراً …
ومصادفةً أَن أَرى قمراً
شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات
ولم أَجتهد
كي أَجدْ
شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !

كان يمكن أن لا أكونْ
كان يمكن أن لا يكون أَبي
قد تزوَّج أُمي مصادفةً
أَو أكونْ
مثل أُختي التي صرخت ثم ماتت
ولم تنتبه
إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ
ولم تعرف الوالدة ْ …
أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ
قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ /

كانت مصادفة أَن أكون
أنا الحيّ في حادث الباصِ
حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّة ْ
لأني نسيتُ الوجود وأَحواله
عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ
تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها
ودورَ الحبيب – الضحيَّة ْ
فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ
والحيَّ في حادث السيرِ /

لا دور لي في المزاح مع البحرِ
لكنني وَلَدٌ طائشٌ
من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ
ينادي : تعال إليّْ !
ولا دور لي في النجاة من البحرِ
أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ
رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً
بجنِّ المُعَلَّقة الجاهليّةِ
لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً
لا تطلُّ على البحرِ
لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى
تخبز الليلَ
لو أَن خمسة عشر شهيداً
أَعادوا بناء المتاريسِ
لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ
رُبَّما صرتُ زيتونةً
أو مُعَلِّم جغرافيا
أو خبيراً بمملكة النمل
أو حارساً للصدى !

مَنْ أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
عند باب الكنيسةْ
ولستُ سوى رمية النرد
ما بين مُفْتَرِس ٍ وفريسةْ
ربحت مزيداً من الصحو
لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ
بل لكي أَشهد المجزرةْ

نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ
وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ
وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي
وخفتُ على زَمَن ٍ من زجاجْ
وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي
وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ
وخفت على عِنَبِ الداليةْ
يتدلّى كأثداء كلبتنا …
ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ
حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أُريدُ
من الغد – لا وقت للغد -

أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى / أرى / لا أرى / أتذكَّرُ / أَسمعُ / أُبصرُ / أهذي / أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أُجنّ / أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أُدْمَي / ويغمى عليّ /

ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك
مُصَادفةً ، أو هروباً من الجيش ِ /

لا دور لي في حياتي
سوى أَنني ،
عندما عَـلَّمتني تراتيلها ،
قلتُ : هل من مزيد ؟
وأَوقدتُ قنديلها
ثم حاولتُ تعديلها …

كان يمكن أن لا أكون سُنُونُوَّةً
لو أرادت لِيَ الريحُ ذلك ،
والريح حظُّ المسافرِ …
شمألتُ ، شرَّقتُ ، غَرَّبتُ
أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ
لأن الجنوب بلادي
فصرتُ مجاز سُنُونُوَّةٍ لأحلِّق فوق حطامي
ربيعاً خريفاً ..
أُعمِّدُ ريشي بغيم البحيرةِ
ثم أُطيل سلامي
على الناصريِّ الذي لا يموتُ
لأن به نَفَسَ الله
والله حظُّ النبيّ …

ومن حسن حظّيَ أَنيَ جارُ الأُلوهةِ …
من سوء حظّيَ أَن الصليب
هو السُلَّمُ الأزليُّ إلى غدنا !

مَنْ أَنا لأقول لكم
ما أقولُ لكم ،
مَنْ أنا ؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ
والوحي حظُّ الوحيدين
إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ
على رُقْعَةٍ من ظلامْ
تشعُّ ، وقد لا تشعُّ
فيهوي الكلامْ
كريش على الرملِ /

لا دَوْرَ لي في القصيدة
غيرُ امتثالي لإيقاعها :
حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً
وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى
وغيبوبة في صدى الكلمات
وصورة نفسي التي انتقلت
من أَنايَ إلى غيرها
واعتمادي على نَفَسِي
وحنيني إلى النبعِ /

لا دور لي في القصيدة إلاَّ
إذا انقطع الوحيُ
والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ

كان يمكن ألاَّ أُحبّ الفتاة التي
سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟
لو لم أَكن في طريقي إلى السينما …
كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما
هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما …

هكذا تولد الكلماتُ . أُدرِّبُ قلبي
على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ …
صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي
ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ
إذا التقتِ الاثنتان ِ :
أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ
يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ
ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا
عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ
لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .
وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .
فأنت – وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ -
لا شكل لك
ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً
أَنت حظّ المساكين /

من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً
من الموت حبّاً
ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً
لأدخل في التجربةْ !

يقول المحبُّ المجرِّبُ في سرِّه :
هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ
فتسمعه العاشقةْ
وتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ
كالبرق والصاعقة

للحياة أقول : على مهلك ، انتظريني
إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي …
في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع الهواءُ
الفكاكَ من الوردةِ /
انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي
فاُخطئ في اللحنِ /
في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ
لنشيد الوداع . على مَهْلِكِ اختصريني
لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ،
وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :
تحيا الحياة !
على رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /

حتى على الريح ، لا أستطيع الفكاك
من الأبجدية /

لولا وقوفي على جَبَل ٍ
لفرحتُ بصومعة النسر : لا ضوء أَعلى !
ولكنَّ مجداً كهذا المُتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيِّ
صعبُ الزيارة : يبقى الوحيدُ هناك وحيداً
ولا يستطيع النزول على قدميه
فلا النسر يمشي
ولا البشريُّ يطير
فيا لك من قمَّة تشبه الهاوية
أنت يا عزلة الجبل العالية !

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ
أو سأكونْ …
هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ
قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا
أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء
نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد
نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ
نحن الذين كتبنا النصوص لهم
واختبأنا وراء الأولمب …
فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون
وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون
ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال
هو الواقعيُّ على خشبات المسارح ِ /

خلف الكواليس يختلف الأَمرُ
ليس السؤال : متى ؟
بل : لماذا ؟ وكيف ؟ وَمَنْ

مَنْ أنا لأقول لكم
ما أقول لكم ؟

كان يمكن أن لا أكون
وأن تقع القافلةْ
في كمين ، وأن تنقص العائلةْ
ولداً ،
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ
حرفاً فحرفاً ، ونزفاً ونزفاً
على هذه الكنبةْ
بدمٍ أسود اللون ، لا هو حبر الغراب
ولا صوتُهُ ،
بل هو الليل مُعْتَصراً كُلّه
قطرةً قطرةً ، بيد الحظِّ والموهبةْ

كان يمكن أن يربح الشعرُ أكثرَ لو
لم يكن هو ، لا غيره ، هُدْهُداً
فوق فُوَهَّة الهاويةْ
ربما قال : لو كنتُ غيري
لصرتُ أنا، مرَّةً ثانيةْ

هكذا أَتحايل : نرسيس ليس جميلاً
كما ظنّ . لكن صُنَّاعَهُ
ورَّطوهُ بمرآته . فأطال تأمُّلَهُ
في الهواء المقَطَّر بالماء …
لو كان في وسعه أن يرى غيره
لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ،
وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان …
ولو كان أَذكى قليلاً
لحطَّم مرآتَهُ
ورأى كم هو الآخرون …
ولو كان حُرّاً لما صار أُسطورةً …

والسرابُ كتابُ المسافر في البيد …
لولاه ، لولا السراب ، لما واصل السيرَ
بحثاً عن الماء . هذا سحاب – يقول
ويحمل إبريق آماله بِيَدٍ وبأخرى
يشدُّ على خصره . ويدقُّ خطاه على الرمل ِ
كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ . والسراب يناديه
يُغْويه ، يخدعه ، ثم يرفعه فوق : إقرأ
إذا ما استطعتَ القراءةَ . واكتبْ إذا
ما استطعت الكتابة . يقرأ : ماء ، وماء ، وماء .
ويكتب سطراً على الرمل : لولا السراب
لما كنت حيّاً إلى الآن /

من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ
توأمُ اليأس ، أو شعرُهُ المرتجل

حين تبدو السماءُ رماديّةً
وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً
من شقوق جدارْ
لا أقول : السماء رماديّةٌ
بل أطيل التفرُّس في وردةٍ
وأَقول لها : يا له من نهارْ !

ولاثنين من أصدقائي أقول على مدخل الليل :
إن كان لا بُدَّ من حُلُم ، فليكُنْ
مثلنا … وبسيطاً
كأنْ : نَتَعَشَّى معاً بعد يَوْمَيْنِ
نحن الثلاثة ،
مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا
وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً
منذ يومين ،
فلنحتفل بسوناتا القمرْ
وتسامُحِ موت رآنا معاً سعداء
فغضَّ النظرْ !

لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ
وخياليَّةُ الأمكنةْ
بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ

ومصادفةً ، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَةً
لا لأنَّ بحيراتها ورباها وأشجارها
نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ
بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك
وصلَّى على صخرة فبكتْ
وهوى التلُّ من خشية الله
مُغْميً عليه

ومصادفةً ، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ
متحفاً للهباء …
لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك
من الجانبين ، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين
يقولان : هيّا . وينتظران الغنائمَ في
خيمتين حريرَيتَين من الجهتين …
يموت الجنود مراراً ولا يعلمون
إلى الآن مَنْ كان منتصراً !

ومصادفةً ، عاش بعض الرواة وقالوا :
لو انتصر الآخرون على الآخرين
لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أُخرى

أُحبك خضراءَ . يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً
تتموَّج في الضوء والماء . خضراء . ليلُكِ
أَخضر . فجرك أَخضر . فلتزرعيني برفق…
برفق ِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء .
أَنا بذرة من بذورك خضراء … /

تلك القصيدة ليس لها شاعر واحدٌ
كان يمكن ألا تكون غنائيَّةَ …

من أنا لأقول لكم
ما أَقول لكم ؟
كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا
كان يمكن أَلاَّ أكون هنا …

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ
بي صباحاً ،
ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى
فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ
كان يمكن أَلاَّ أرى الشام والقاهرةْ
ولا متحف اللوفر ، والمدن الساحرةْ

كان يمكن ، لو كنت أَبطأَ في المشي ،
أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي
عن الأرزة الساهرةْ

كان يمكن ، لو كنتُ أَسرع في المشي ،
أَن أَتشظّى
وأصبح خاطرةً عابرةْ

كان يمكن ، لو كُنْتُ أَسرف في الحلم ،
أَن أَفقد الذاكرة .

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً
فأصغي إلى جسدي
وأُصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ
فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق
عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً
وأُخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟
مَنْ أنا ؟ مَنْ أنا ؟

 

ليل ابتلع نهارا، فأصبح أكثر سوادا.
ماذا كان لون الليل  أو لون النهار قبل الابتلاع؟
.. لا ..لا.. لا يهم
ما يؤرقني عن حق أنه ما عاد لدينا نهارا لاختبار لونه الحقيقي

يغنيها الحبيب ولا أحد غير الحبيب

مدينة كل الجروح الصغيرة

يناجي جرحي تلك الاميرة

ألا تخمدين يدي؟

ونار تحتل بعدي

ألا تبعثين غزالاأليّ؟

وترتلي تنهدات صلاتك علي

وعن جبهتي تنفضين الدخان.. وعن رئتيّ

؟!

وبقايا النبيذ الاحمر من شهوتي

حنيني أليك ..اغتراب

وحبي اليك……. عقوق ابن يطال السحاب

ولقياك.. منفى!

وجرحي ابى ان يشفى

أدقّ على كل باب..

وافتح سرداب تلو سرداب

أنادي، وأسأل، كيف

تصير النجوم تراب؟

والولادة كرشفة قهوة لحظة من غير عذاب

والفقير سيد قوم يها ب

والغني وحيد من غير احباب

أحبك، كوني صليبي

وثورة بين ضلوعي وسيفاً مهيب

وكوني، كما شئت، برج حمام

وعرس العذارى هناك يُقام

أذا ذوبتني يدلك

ملأت الصحارى غمام

وحرب غرامي اليك لاتنشد السلام

لحبك يا كلّ حبي، مذاق الزبيب

ياحلوة القد وشعر الاطفال لمراأك يشيب

وطعم الدم

وشهد الفم

على جبهتي قمر لا يغيب

وجواب لسؤال ابى ان يصيب

ونار وقيثارة في فمي!

إذا متّ حبا فلا تدفنيني

هناك بين نهديكي خليني

يلفحني شبق الغرام ويحييني

و خلي ضريحي رموش الرياح

أو شهوة تلف فخديكي كسحب الوشاح

وقولي لهم هذا حبيبي وهذا هو المحرم المباح

لأزرع صوتك في كل طين

ياخضرة الزيتون ياعسل التين

و أشهر سيفك كل ساح

وادندن عشقك بمساء لايتلوه صباح

أحبك، كوني صليبي

و ما شئت كوني

مليكة مدينة من غير دروبي

وكالشمس ذوبي

بقلبي ..و لا ترحميني

ولاتدفنني

وظلي اذكريني

وظلي اذكريني

 

 

 

وضعوا على فمه السلاسل
ربطوا يديه بصخرة الموتى،
وقالوا: أنت قاتل
أخذوا طعامه، والملابس، والبيارق
ورموه في زنزانة الموتى
وقالوا: أنت سارق
طردوه من كل المرافئ
أخذوا حبيبته الصغيرة،
ثم قالوا: أنت لاجئ
يا دامي العينين، والكفين
إن الليل زائل
لا غرفة التوقيف باقيةٌ
ولا زرد السلاسل
نيرون مات، ولم تمت روما..
بعينيها تقاتل
وحبوب سنبلةٍ تموت
ستملأ الوادي سنابل
أحنُ إلى خبز أمي
وقهوةِ أمي
ولمسةِ أمي ..
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدر يومِ
وأعشق عمري لأني إذا متُّ
أخجل من دمع أمي !
***
خذيني أمي.. إذا عدتُ يوماً وشاحاً لهدبكْ
وغطي عظامي بعشبٍ
تعمَّد من طهر كعبكْ
وشدِّي وثاقي..
بخصلة شعرٍ ..
بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك..
عساني أصير إلها.. إلها أصير
إذا ما لمست قرارة قلبك
***
ضعيني إذا ما رجعتُ
وقودا بتنور ناركْ يا امي
وحبل غسيل على سطح داركْ
لأني فقدت الوقوف
بدون صلاةِ نهاركْ
***
هرمتُ فردّي نجوم الطفولة
حتى اشاركْ صغار العصافير ..
درب الرجوع لعُشِّ إنتظارك
أمي.. أمي.. أمي
هذا هُوَ اسمُكَ /
قالتِ امرأةٌ ،
وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ…
أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي .
ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ
طُفُولَةٍ أَخرى . ولم أَحلُمْ بأني
كنتُ أَحلُمُ . كُلُّ شيءٍ واقعيٌّ . كُنْتُ
أَعلَمُ أَنني أُلْقي بنفسي جانباً…
وأَطيرُ . سوف أكونُ ما سأَصيرُ في
الفَلَك الأَخيرِ .
..
وكُلُّ شيء أَبيضُ ،
البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ
بيضاءَ . والَّلا شيء أَبيضُ في
سماء المُطْلَق البيضاءِ . كُنْتُ ، ولم
أَكُنْ . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
الأَبديَّة البيضاء . جئتُ قُبَيْل ميعادي
فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي :
(( ماذا فعلتَ ، هناك ، في الدنيا ؟ ))
ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ ، ولا
أَنينَ الخاطئينَ ، أَنا وحيدٌ في البياض ،
أَنا وحيدُ …
..
لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ .
لا الزمانُ ولا العواطفُ . لا
أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ
الهواجس . لم أَجد أَحداً لأسأل :
أَين (( أَيْني )) الآن ؟ أَين مدينةُ
الموتى ، وأَين أَنا ؟ فلا عَدَمٌ
هنا في اللا هنا … في اللازمان ،
ولا وُجُودُ
..
وكأنني قد متُّ قبل الآن …
أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني
أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ . رُبَّما
ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
ما أُريدُ …
سأصيرُ يوماً ما أُريدُ
..
سأَصيرُ يوماً فكرةً . لا سَيْفَ يحملُها
إلى الأرضِ اليبابِ ، ولا كتابَ …
كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
تَفَتُّح عُشْبَةٍ ،
لا القُوَّةُ انتصرتْ
ولا العَدْلُ الشريدُ
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
..
سأصير يوماً طائراً ، وأَسُلُّ من عَدَمي
وجودي . كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ
اقتربتُ من الحقيقةِ ، وانبعثتُ من
الرمادِ . أَنا حوارُ الحالمين ، عَزَفْتُ
عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ
رحلتي الأولى إلى المعنى ، فأَحْرَقَني
وغاب . أَنا الغيابُ . أَنا السماويُّ
الطريدُ .
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
..
سأَصير يوماً كرمةً ،
فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن ،
وليشربْ نبيذي العابرون على
ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !
أَنا الرسالةُ والرسولُ
أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ
..
سأَصير يوماً ما أُريدُ
..
هذا هُوَ اسمُكَ /
قالتِ امرأةٌ ،
وغابتْ في مَمَرِّ بياضها .
هذا هُوَ اسمُكَ ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً !
لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ
ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ ،
كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ
جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى
ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء
واكتُبْهُ على إحدى صُخُور الكهف ،
يااسمي : سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ
سوف تحمِلُني وأَحملُكَ
الغريبُ أَخُ الغريب
سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّة المنذور للنايات
يا اسمي: أَين نحن الآن ؟
قل : ما الآن ، ما الغَدُ ؟
ما الزمانُ وما المكانُ
وما القديمُ وما الجديدُ ؟
..
سنكون يوماً ما نريدُ
..
لا الرحلةُ ابتدأتْ ، ولا الدربُ انتهى
لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ ،
فلنذهب إلى أَعلى الجداريات :
أَرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةُ ،
كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي
وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
..
في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها
- خُذِ الجهةَ التي أَهديتني
الجهةَ التي انكَسَرتْ ،
وهاتِ أُنوثتي ،
لم يَبْقَ لي إلاّ التَأمُّلُ في
تجاعيد البُحَيْرَة . خُذْ غدي عنِّي
وهاتِ الأمس ، واتركنا معاً
لا شيءَ ، بعدَكَ ، سوف يرحَلُ
أَو يَعُودُ
..
- وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ
فليس لي فيها سواكِ
خُذي (( أَنا )) كِ . سأُكْملُ المنفى
بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ .
فأيُّنا منا (( أَنا )) لأكون آخرَها ؟
ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابة والكلامِ
وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها : وُلِدْنا
في زمان السيف والمزمار بين
التين والصُبَّار . كان الموتُ أَبطأَ .
كان أَوْضَح . كان هُدْنَةَ عابرين
على مَصَبِّ النهر . أَما الآن ،
فالزرُّ الإلكترونيُّ يعمل وَحْدَهُ . لا
قاتلٌ يُصْغي إلى قتلى . ولا يتلو
وصيَّتَهُ شهيدُ
..
من أَيِّ ريح جئتِ ؟
قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرفِ
الطُرُقَ التي سنضيع فيها مَرّتيْنِ !
وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يُوجعُني ، ويُرْجِعُني
إلى زَمَنٍ خرافيّ . ويوجعني دمي
والملحُ يوجعني … ويوجعني الوريدُ
..
في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ
الساحل السوريّ من طول المسافةِ ،
واحترقْنَ بشمس آبَ . رأيتُهنَّ على
طريق النبع قبل ولادتي . وسمعتُ
صَوْتَ الماء في الفخّار يبكيهنّ :
عُدْنَ إلى السحابة يرجعِ الزَمَنُ الرغيدُ
..
قال الصدى :
لاشيء يرجعُ غيرُ ماضي الأقوياء
على مِسلاَّت المدى … [ ذهبيّةٌٌ آثارُهُمْ
ذهبيّةٌٌ ] ورسائلِ الضعفاءِ للغَدِ ،
أَعْطِنا خُبْزَ الكفاف ، وحاضراً أَقوى .
فليس لنا التقمُّصُ والحُلُولُ ولا الخُلُودُ
..
قال الصدى :
وتعبتُ من أَملي العُضَال . تعبتُ
من شَرَك الجماليّات : ماذا بعد
بابلَ؟ كُلَّما اتَّضَحَ الطريقُ إلى
السماء ، وأَسْفَرَ المجهولُ عن هَدَفٍ
نهائيّ تَفَشَّى النثرُ في الصلوات ،
وانكسر النشيدُ
..
خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ عالية ٌ…
تُطِلُّ عليَّ من بطحاء هاويتي …
غريبٌ أَنتَ في معناك . يكفي أَن
تكون هناك ، وحدك ، كي تصيرَ
قبيلةً…
غَنَّيْتُ كي أَزِنَ المدى المهدُورَ
في وَجَع الحمامةِ ،
لا لأَشْرَحَ ما يقولُ اللهُ للإنسان ،
لَسْتُ أَنا النبيَّ لأَدَّعي وَحْياً
وأُعْلِنَ أَنَّ هاويتي صُعُودُ
..
وأَنا الغريب بكُلِّ ما أُوتيتُ من
لُغَتي . ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف
الضاد ، تخضعني بحرف الياء عاطفتي ،
وللكلمات وَهيَ بعيدةٌ أَرضٌ تُجاوِرُ
كوكباً أَعلى . وللكلمات وَهيَ قريبةٌ
منفى . ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :
وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب .
وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ
الآخرين . وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم
أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبةِ ،
هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ ؟
..
وأَنا الغريبُ . تَعِبْتُ من ” درب الحليب ”
إلى الحبيب . تعبتُ من صِفَتي .
يَضيقُ الشَّكْلُ . يَتّسعُ الكلامُ . أُفيضُ
عن حاجات مفردتي . وأَنْظُرُ نحو
نفسي في المرايا :
هل أَنا هُوَ ؟
هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل
الأخيرِ ؟
وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض ،
أَم فُرِضَتْ عليَّ ؟
وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ
أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها
لتعيش ما بعد الحداثة ، بعدما
انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ
وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ ؟
..
وجلستُ خلف الباب أَنظُرُ :
هل أَنا هُوَ ؟
هذه لُغَتي . وهذا الصوت وَخْزُ دمي
ولكن المؤلِّف آخَرٌ…
أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ
أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ
أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ :
اكتُبْ تَكُنْ !
واقرأْ تَجِدْ !
وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ ، يَتَّحِدْ
ضدَّاكَ في المعنى …
وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ
..
بَحَّارَةٌ حولي ، ولا ميناء
أَفرغني الهباءُ من الإشارةِ والعبارةِ ،
لم أَجد وقتاً لأعرف أَين مَنْزِلَتي ،
الهُنَيْهةَ ، بين مَنْزِلَتَيْنِ . لم أَسأل
سؤالي ، بعد ، عن غَبَش التشابُهِ
بين بابَيْنِ : الخروج أم الدخول …
ولم أَجِدْ موتاً لأقْتَنِصَ الحياةَ .
ولم أَجِدْ صوتاً لأَصرخَ : أَيُّها
الزَمَنُ السريعُ ! خَطَفْتَني مما تقولُ
لي الحروفُ الغامضاتُ :
ألواقعيُّ هو الخياليُّ الأَكيدُ
..
يا أيها الزَمَنُ الذي لم ينتظِرْ …
لم يَنْتَظِرْ أَحداً تأخَّر عن ولادتِهِ ،
دَعِ الماضي جديداً ، فَهْوَ ذكراكَ
الوحيدةُ بيننا ، أيَّامَ كنا أَصدقاءك ،
لا ضحايا مركباتك . واترُكِ الماضي
كما هُوَ ، لا يُقَادُ ولا يَقُودُ
..
ورأيتُ ما يتذكَّرُ الموتى وما ينسون …
هُمْ لا يكبرون ويقرأون الوَقْتَ في
ساعات أيديهمْ . وَهُمْ لايشعرون
بموتنا أَبداً ولا بحياتهِمْ . لا شيءَ
ممَّا كُنْتُ أو سأكونُ . تنحلُّ الضمائرُ
كُلُّها . ” هو ” في ” أنا ” في ” أَنت ” .
لا كُلٌّ ولاجُزْءٌ . ولا حيٌّ يقول
لميِّتٍ : كُنِّي !
..
.. وتنحلُّ العناصرُ والمشاعرُ . لا
أَرى جَسَدي هُنَاكَ ، ولا أُحسُّ
بعنفوان الموت ، أَو بحياتيَ الأُولى .
كأنِّي لَسْتُ منّي . مَنْ أَنا ؟ أَأَنا
الفقيدُ أَم الوليدُ ؟
..
الوقْتُ صِفْرٌ . لم أُفكِّر بالولادة
حين طار الموتُ بي نحو السديم ،
فلم أكُن حَيّاً ولا مَيْتاً،
ولا عَدَمٌ هناك ، ولا وُجُودُ
..
تقولُ مُمَرِّضتي : أَنتَ أَحسَنُ حالا ً.
وتحقُنُني بالمُخَدِّر : كُنْ هادئاً
وجديراً بما سوف تحلُمُ
عما قليل …
..
رأيتُ طبيبي الفرنسيَّ
يفتح زنزانتي
ويضربني بالعصا
يُعَاونُهُ اثنانِ من شُرْطة الضاحيةْ
..
رأيتُ أَبي عائداً
من الحجِّ ، مُغمىً عليه
مُصَاباً بضربة شمسٍ حجازيّة
يقول لرفِّ ملائكةٍ حَوْلَهُ :
أَطفئوني ! …
..
رأيتُ شباباً مغاربةً
يلعبون الكُرَةْ
ويرمونني بالحجارة : عُدْ بالعبارةِ
واترُكْ لنا أُمَّنا
يا أَبانا الذي أخطَأَ المقبرةْ !
..
رأيت ” ريني شار ”
يجلس مع ” هيدغر ”
على بُعْدِ مترين منِّي ،
رأيتهما يشربان النبيذَ
ولا يبحثان عن الشعر …
كان الحوار شُعَاعاً
وكان غدٌ عابرٌ ينتظرْ
..
رأيتُ رفاقي الثلاثَةَ ينتحبونَ
وَهُمْ
يَخيطونَ لي كَفَناً
بخُيوطِ الذَّهَبْ
..
رأيت المعريَّ يطرد نُقَّادَهُ
من قصيدتِهِ :
لستُ أَعمى
لأُبْصِرَ ما تبصرونْ ،
فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي
إلى عَدَمٍ …. أَو جُنُونْ
..
رأيتُ بلاداً تعانقُني
بأَيدٍ صَبَاحيّة : كُنْ
جديراً برائحة الخبز . كُنْ
لائقا ً بزهور الرصيفْ
فما زال تَنُّورُ أُمِّكَ
مشتعلاً ،
والتحيَّةُ ساخنةً كالرغيفْ !
..
خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ . نهرٌ واحدٌ يكفي
لأهمس للفراشة : آهِ ، يا أُختي ، ونَهْرٌ واحدٌ يكفي لإغواءِ
الأساطير القديمة بالبقاء على جناح الصَّقْر ، وَهْوَ يُبَدِّلُ
الراياتِ والقممَ البعيدةَ ، حيث أَنشأتِ الجيوشُ ممالِكَ
النسيان لي . لاشَعْبَ أَصْغَرُ من قصيدته . ولكنَّ السلاحَ
يُوَسِّعُ الكلمات للموتى وللأحياء فيها ، والحُرُوفَ تُلَمِّعُ
السيفَ المُعَلَّقَ في حزام الفجر ، والصحراء تنقُصُ
بالأغاني ، أَو تزيدُ
..
لاعُمْرَ يكفي كي أَشُدَّ نهايتي لبدايتي
أَخَذَ الرُّعَاةُ حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب فوق مفاتن
الأنقاض ، وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع
المشاع ، وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَرِ الوداع ، ولم
يعودوا …
..
رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة ، لم أَجد لَيْلاً
خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب ، وقلتِ لي :
ما حاجتي لاسمي بدونكَ ؟ نادني ، فأنا خلقتُكَ
عندما سَمَّيْتَني ، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …
كيف قتلتَني ؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل ، أَدْخِلْني
إلى غابات شهوتك ، احتضنِّي واعْتَصِرْني ،
واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل .
بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني .
فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ ، ولن تراني نجمةٌ
إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ ،
فهاتِني ليكونَ لي – وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ -
حاضِريَ السعيدُ
..
- هل قُلْتَ لي شيئاً يُغَيِّر لي سبيلي ؟
- لم أَقُلْ . كانت حياتي خارجي
أَنا مَنْ يُحَدِّثُ نفسَهُ :
وَقَعَتْ مُعَلَّقتي الأَخيرةُ عن نخيلي
وأَنا المُسَافِرُ داخلي
وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائياتِ ،
لكنَّ الحياة جديرَةٌ بغموضها
وبطائرِ الدوريِّ …
لم أُولَدْ لأَعرفَ أَنني سأموتُ ، بل لأُحبَّ محتوياتِ ظلِّ
اللهِ
يأخُذُني الجمالُ إلى الجميلِ
وأُحبُّ حُبَّك ، هكذا متحرراً من ذاتِهِ وصفاتِهِ
وأِنا بديلي …
..
أَنا من يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :
مِنْ أَصغر الأشياءِ تُولَدُ أكبرُ الأفكار
والإيقاعُ لا يأتي من الكلمات ،
بل مِنْ وحدة الجَسَدَيْنِ
في ليلٍ طويلٍ …
..
أَنا مَنْ يحدِّثُ نَفْسَهُ
ويروِّضُ الذكرى … أَأَنتِ أَنا ؟
وثالثُنا يرفرف بيننا ” لا تَنْسَيَاني دائماً ”
يا مَوْتَنا ! خُذْنَا إليكَ على طريقتنا ، فقد نتعلَّمُ الإشراق …
لا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ عليَّ
تركتُ ظلِّي عالقاً بغصون عَوْسَجَةٍ
فخفَّ بِيَ المكانُ
وطار بي روحي الشَّرُودُ
..
أَنا مَنْ يحدِّثُ نفسَهُ :
يا بنتُ : ما فَعَلَتْ بكِ الأشواقُ ؟
إن الريح تصقُلُنا وتحملنا كرائحة الخريفِ ،
نضجتِ يا امرأتي على عُكَّازَتيَّ ،
بوسعك الآن الذهابُ على ” طريق دمشق ”
واثقةً من الرؤيا . مَلاَكٌ حارسٌ
وحمامتان ترفرفان على بقيَّة عمرنا ، والأرضُ عيدُ …
..
الأرضُ عيدُ الخاسرين [ ونحن منهُمْ ]
نحن من أَثَرِ النشيد الملحميِّ على المكان ، كريشةِ النَّسْرِ
العجوز خيامُنا في الريح . كُنَّا طيِّبين وزاهدين بلا تعاليم
المسيح . ولم نكُنْ أَقوى من الأعشابِ إلاّ في ختام
الصَيْفِ ،
أَنتِ حقيقتي ، وأَنا سؤالُكِ
لم نَرِثْ شيئاً سوى اسْميْنَا
وأَنتِ حديقتي ، وأَنا ظلالُكِ
عند مفترق النشيد الملحميِّ …
ولم نشارك في تدابير الإلهات اللواتي كُنَّ يبدأن النشيد
بسحرهنَّ وكيدهنَّ . وكُنَّ يَحْمِلْنَ المكانَ على قُرُون
الوعل من زَمَنِ المكان إلى زمان آخرٍ …
..
كنا طبيعيِّين لو كانت نجومُ سمائنا أَعلى قليلاً من
حجارة بئرنا ، والأَنبياءُ أَقلَّ إلحاحاً ، فلم يسمع مدائحَنا
الجُنُودُ …
..
خضراءُ ، أرضُ قصيدتي خضراءُ
يحملُها الغنائيّون من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ كما هِيَ في
خُصُوبتها .
ولي منها : تأمُّلُ نَرْجسٍ في ماء صُورَتِهِ
ولي منها وُضُوحُ الظلِّ في المترادفات
ودقَّةُ المعنى …
ولي منها : التَّشَابُهُ في كلام الأَنبياءِ
على سُطُوح الليلِ
لي منها : حمارُ الحكمةِ المنسيُّ فوق التلِّ
يسخَرُ من خُرافتها وواقعها …
ولي منها : احتقانُ الرمز بالأضدادِ
لا التجسيدُ يُرجِعُها من الذكرى
ولا التجريدُ يرفَعُها إلى الإشراقة الكبرى
ولي منها : ” أَنا ” الأُخرى
تُدَوِّنُ في مُفَكِّرَة الغنائيِّين يوميَّاتها :
(( إن كان هذا الحُلْمُ لا يكفي
فلي سَهَرٌ بطوليٌّ على بوابة المنفى … ))
ولي منها : صَدَى لُغتي على الجدران
يكشِطُ مِلْحَهَا البحريَّ
حين يخونني قَلْبٌ لَدُودُ …
..
أَعلى من الأَغوار كانت حكمتي
إذ قلتُ للشيطان : لا . لا تَمْتَحِنِّي !
لا تَضَعْني في الثُّنَائيّات ، واتركني
كما أَنا زاهداً برواية العهد القديم
وصاعداً نحو السماء ، هُنَاكَ مملكتي
خُذِ التاريخَ ، يا ابنَ أَبي ، خُذِ
التاريخَ … واصنَعْ بالغرائز ما تريدُ
..
وَلِيَ السكينةُ . حَبَّةُ القمح الصغيرةُ
سوف تكفينا ، أَنا وأَخي العَدُوّ ،
فساعتي لم تَأْتِ بَعْدُ . ولم يَحِنْ
وقتُ الحصاد . عليَّ أَن أَلِجَ الغيابَ
وأَن أُصدِّقَ أوَّلاً قلبي وأتبعَهُ إلى
قانا الجليل . وساعتي لم تأتِ بَعْدُ .
لَعَلَّ شيئاً فيَّ ينبُذُني . لعلِّي واحدٌ
غيري . فلم تنضج كُرومُ التين حول
ملابس الفتيات بَعْدُ . ولم تَلِدْني
ريشةُ العنقاء . لا أَحَدٌ هنالك
في انتظاري . جئْتُ قبل ، وجئتُ
بعد ، فلم أَجد أحداً يُصَدِّق ما
أرى . أنا مَنْ رأى . وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ
..
مَنْ أَنتَ ، يا أَنا ؟ في الطريقِ
اثنانِ نَحْنُ ، وفي القيامة واحدٌ .
خُذْني إلى ضوء التلاشي كي أَرى
صَيْرُورتي في صُورَتي الأُخرى . فَمَنْ
سأكون بعدَكَ ، يا أَنا ؟ جَسَدي
ورائي أم أَمامَكَ ؟ مَنْ أَنا يا
أَنت ؟ كَوِّنِّي كما كَوَّنْتُكَ ، ادْهَنِّي
بزيت اللوز ، كَلِّلني بتاج الأرز .
واحملني من الوادي إلى أَبديّةٍ
بيضاءَ . عَلِّمني الحياةَ على طريقتِكَ ،
اختَبِرْني ذَرَّةً في العالم العُلْوِيِّ .
ساعِدْني على ضَجَر الخلود ، وكُنْ
رحيماً حين تجرحني وتبزغ من
شراييني الورودُ …
..
لم تـأت سـاعـتُنا . فـلا رُسُـلٌ يَـقِـيـسُـونَ
الزمانَ بقبضة العشب الأخير . هل استدار ؟ ولا ملائكةٌ
يزورون المكانَ ليتركَ الشعراءُ ماضِيَهُمْ على الشَّفَق
الجميل ، ويفتحوا غَدَهُمْ بأيديهمْ .
فغنِّي يا إلهتيَ الأثيرةَ ، ياعناةُ ،
قصيدتي الأُولى عن التكوين ثانيةً …
فقد يجدُ الرُّوَاةُ شهادةَ الميلاد
للصفصاف في حَجَرٍ خريفيّ . وقد يجدُ
الرعاةُ البئرَ في أَعماق أُغنية . وقد
تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
المعاني من جناح فراشةٍ عَلِقَتْ
بقافيةٍ ، فغنِّي يا إلهتيَ الأَثيرةَ
يا عناةُ ، أَنا الطريدةُ والسهامُ ،
أَنا الكلامُ . أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ
والشهيدُ
..
ما قلتُ للطَّلَلِ : الوداع . فلم أَكُنْ
ما كُنْتُ إلاّ مَرَّةً . ما كُنْتُ إلاّ
مرَّةً تكفي لأَعرف كيف ينكسرُ الزمانُ
كخيمة البدويِّ في ريح الشمال ،
وكيف يَنْفَطِرُ المكانُ ويرتدي الماضي
نُثَارَ المعبد المهجور . يُشبهُني كثيراً
كُلُّ ما حولي ، ولم أُشْبِهْ هنا
شيئاً . كأنَّ الأرض ضَيِّقَةٌ على
المرضى الغنائيِّين ، أَحفادِ الشياطين
المساكين المجانين الذين إذا رأوا
حُلْماً جميلاً لَقَّنُوا الببغاءَ شِعْر
الحب ، وانفتَحتْ أَمامَهُمُ الحُدُودُ …
..
وأُريدُ أُن أُحيا …
فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة . لا
لأُنقذ طائراً من جوعنا أَو من
دُوَارِ البحر ، بل لأُشاهِدَ الطُوفانَ
عن كَثَبٍ : وماذا بعد ؟ ماذا
يفعَلُ الناجونَ بالأرض العتيقة ؟
هل يُعيدونَ الحكايةَ ؟ ما البدايةُ ؟
ما النهايةُ ؟ لم يعد أَحَدٌ من
الموتى ليخبرنا الحقيقة … /
أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض ،
انتظرني في بلادِكَ ، ريثما أُنهي
حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي
قرب خيمتكَ ، انتظِرْني ريثما أُنهي
قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد . يُغْريني
الوجوديّون باستنزاف كُلِّ هُنَيْهَةٍ
حريةً ، وعدالةً ، ونبيذَ آلهةٍ … /
فيا مَوْتُ ! انتظرني ريثما أُنهي
تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ ،
حيث وُلدتُ ، حيث سأمنع الخطباء
من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه
الزمان وجيشِهِ . سأقول : صُبُّوني
بحرف النون ، حيث تَعُبُّ روحي
سورةُ الرحمن في القرآن . وامشوا
صامتين معي على خطوات أَجدادي
ووقع الناي في أَزلي . ولا
تَضَعُوا على قبري البنفسجَ ، فَهْوَ
زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت
الحُبِّ قبل أَوانِهِ . وَضَعُوا على
التابوتِ سَبْعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ
وُجِدَتْ ، وبَعْضَ شقائقِ النُعْمانِ إنْ
وُجِدَتْ . وإلاّ ، فاتركوا وَرْدَ
الكنائس للكنائس والعرائس /
أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ
حقيبتي : فرشاةَ أسناني ، وصابوني
وماكنة الحلاقةِ ، والكولونيا ، والثيابَ .
هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ ؟ وهل
تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء ،
أم تبقى كما هِي في الخريف وفي
الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي
لِتَسْلِيَتي مع اللاَّ وقتِ ، أمْ أَحتاجُ
مكتبةً ؟ وما لُغَةُ الحديث هناك ،
دارجةٌ لكُلِّ الناس أَم عربيّةٌ
فُصْحى/
..
.. ويا مَوْتُ انتظرْ ، ياموتُ ،
حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
وصحّتي ، لتكون صيَّاداً شريفاً لا
يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع . فلتكنِ العلاقةُ
بيننا وُدّيَّةً وصريحةً : لَكَ أنَتَ
مالَكَ من حياتي حين أَملأُها ..
ولي منك التأمُّلُ في الكواكب :
لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً ، تلك أَرواحٌ
تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها /
يا موت ! ياظلِّي الذي
سيقودُني ، يا ثالثَ الاثنين ، يا
لَوْنَ التردُّد في الزُمُرُّد والزَّبَرْجَدِ ،
يا دَمَ الطاووس ، يا قَنَّاصَ قلب
الذئب ، يا مَرَض الخيال ! اجلسْ
على الكرسيّ ! ضَعْ أَدواتِ صيدكَ
تحت نافذتي . وعلِّقْ فوق باب البيت
سلسلةَ المفاتيح الثقيلةَ ! لا تُحَدِّقْ
يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ
الضعف الأَخيرةَ . أَنتَ أَقوى من
نظام الطبّ . أَقوى من جهاز
تَنَفُّسي . أَقوى من العَسَلِ القويّ ،
ولَسْتَ محتاجاً – لتقتلني – إلى مَرَضي .
فكُنْ أَسْمَى من الحشرات . كُنْ مَنْ
أَنتَ ، شفَّافاً بريداً واضحاً للغيب .
كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر ، ولا
تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي
الضرائبِ . لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في
الشوارع . كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالب . كُنْ
فروسياً ، بهياً ، كامل الضربات . قُلْ
ماشئْتَ : (( من معنى إلى معنى
أَجيءُ . هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ ، وأَنا
أكثِّفُها ، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني )) .. /
ويامَوْتُ انتظرْ ، واجلس على
الكرسيّ . خُذْ كأسَ النبيذ ، ولا
تفاوِضْني ، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَيَّ
إنسانٍ ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ
الغيبِ . استرح … فَلَرُبَّما أُنْهِكْتَ هذا
اليوم من حرب النجوم . فمن أَنا
لتزورني ؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار
قصيدتي . لا . ليس هذا الشأنُ
شأنَكَ . أَنت مسؤولٌ عن الطينيِّ في
البشريِّ ، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ /
هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها .
هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد
الرافدين . مِسَلَّةُ المصريّ ، مقبرةُ الفراعنةِ ،
النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ
وانتصرتْ ، وأِفْلَتَ من كمائنك
الخُلُودُ …
فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريدُ
..
وأَنا أُريدُ ، أريدُ أَن أَحيا …
فلي عَمَلٌ على جغرافيا البركان .
من أَيام لوط إلى قيامة هيروشيما
واليبابُ هو اليبابُ . كأنني أَحيا
هنا أَبداً ، وبي شَبَقٌ إلى ما لست
أَعرف . قد يكون ” الآن ” أَبعَدَ .
قد يكونُ الأمس أَقربَ . والغَدُ الماضي .
ولكني أَشدُّ ” الآن ” من يَدِهِ ليعبُرَ
قربيَ التاريخُ ، لا الزَّمَنُ المُدَوَّرُ ،
مثل فوضى الماعز الجبليِّ . هل
أنجو غداً من سرعة الوقت الإلكترونيّ ،
أَم أَنجو غداً من بُطْء قافلتي
على الصحراء؟ لي عَمَلٌ لآخرتي
كأني لن أَعيش غداً. ولي عَمَلٌ ليومٍ
حاضرٍ أَبداً . لذا أُصغي ، على مَهَلٍ
على مَهَل ، لصوت النمل في قلبي :
أعينوني على جَلَدي . وأَسمع صَرْخَةَ
الحَجَر الأسيرةَ : حَرِّروا جسدي . وأُبصرُ
في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بَلَدٍ
تُرَابيّ إلى بَلَدٍ سماويّ . وأَقبضُ في
يد الأُنثى على أَبَدِي الأليفِ : خُلِقتُ
ثم عَشِقْتُ ، ثم زهقت ، ثم أَفقتُ
في عُشْبٍ على قبري يدلُّ عليَّ من
حينٍ إلى حينٍ . فما نَفْعُ الربيع
السمح إن لم يُؤْنِس الموتى ويُكْمِلْ
بعدهُمْ فَرَحَ الحياةِ ونَضْرةَ النسيان ؟
تلك طريقةٌ في فكِّ لغز الشعرِ ،
شعري العاطفيّ على الأَقلِّ . وما
المنامُ سوى طريقنا الوحيدة في الكلام /
وأَيُّها الموتُ التَبِسْ واجلسْ
على بلَّوْرِ أَيامي ، كأنَّكَ واحدٌ من
أَصدقائي الدائمين ، كأنَّكَ المنفيُّ بين
الكائنات . ووحدك المنفيُّ . لا تحيا
حياتَكَ . ما حياتُكَ غير موتي . لا
تعيش ولا تموت . وتخطف الأطفالَ
من عَطَشِ الحليب إلى الحليب . ولم
تكن طفلاً تهزُّ له الحساسينُ السريرَ ،
ولم يداعِبْكَ الملائكةُ الصغارُ ولا
قُرونُ الأيِّل الساهي ، كما فَعَلَتْ لنا
نحن الضيوفَ على الفراشة . وحدك
المنفيُّ ، يا مسكين ، لا امرأةٌ تَضُمُّك
بين نهديها ، ولا امرأةٌ تقاسِمُك
الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحيِّ
المرادفِ لاختلاط الأرض فينا بالسماءِ .
ولم تَلِدْ وَلَداً يجيئك ضارعاً : أَبتي ،
أُحبُّكَ . وحدك المنفيُّ ، يا مَلِكَ
الملوك ، ولا مديحَ لصولجانكَ . لا
صُقُورَ على حصانك . لا لآلئَ حول
تاجك . أَيُّها العاري من الرايات
والبُوق المُقَدَّسِ ! كيف تمشي هكذا
من دون حُرَّاسٍ وجَوْقَةِ منشدين ،
كَمِشْيَة اللصِّ الجبان . وأَنتَ مَنْ
أَنتَ ، المُعَظَّمُ ، عاهلُ الموتى ، القويُّ ،
وقائدُ الجيش الأَشوريِّ العنيدُ
فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريدُ
..
وأَنا أُريدُ ، أُريد أَن أَحيا ، وأَن
أَنساك …. أَن أَنسى علاقتنا الطويلة
لا لشيءٍ ، بل لأَقرأ ما تُدَوِّنُهُ
السماواتُ البعيدةُ من رسائلَ . كُلَّما
أَعددتُ نفسي لا نتظار قدومِكَ
ازددتَ ابتعاداً . كلما قلتُ : ابتعدْ
عني لأُكمل دَوْرَةَ الجَسَدَيْنِ ، في جَسَدٍ
يفيضُ ، ظهرتَ ما بيني وبيني
ساخراً : ” لا تَنْسَ مَوْعِدَنا … ”
- متى ؟ – في ذِرْوَة النسيان
حين تُصَدِّقُ الدنيا وتعبُدُ خاشعاً
خَشَبَ الهياكل والرسومَ على جدار الكهف ،
حيث تقول : ” آثاري أَنا وأَنا ابنُ نفسي ” . – أَين موعدُنا ؟
أَتأذن لي بأن أَختار مقهىً عند
باب البحر ؟ – لا …. لا تَقْتَرِبْ
يا ابنَ الخطيئةِ ، يا ابن آدمَ من
حدود الله ! لم تُولَدْ لتسأل ، بل
لتعمل …. – كُن صديقاً طَيِّباً يا
موت ! كُنْ معنىً ثقافياً لأُدرك
كُنْهَ حكمتِكَ الخبيئةِ ! رُبَّما أَسْرَعْتَ
في تعليم قابيلَ الرمايةَ . رُبَّما
أَبطأتَ في تدريب أَيُّوبٍ على
الصبر الطويل . وربما أَسْرَجْتَ لي
فَرَسا ً لتقتُلَني على فَرَسي . كأني
عندما أَتذكَّرُ النسيانَ تُنقِذُ حاضري
لُغَتي . كأني حاضرٌ أَبداً . كأني
طائر أَبداً . كأني مُذْ عرفتُكَ
أَدمنتْ لُغَتي هَشَاشَتَها على عرباتك
البيضاءِ ، أَعلى من غيوم النوم ،
أَعلى عندما يتحرَّرُ الإحساس من عبء
العناصر كُلّها . فأنا وأَنتَ على طريق
الله صوفيَّانِ محكومان بالرؤيا ولا يَرَيَان /
عُدْ يا مَوْتُ وحدَكَ سالماً ،
فأنا طليق ههنا في لا هنا
أو لا هناك . وَعُدْ إلى منفاك
وحدك . عُدْ إلى أدوات صيدك ،
وانتظرني عند باب البحر . هَيِّئ لي
نبيذاً أَحمراً للاحتفال بعودتي لِعِيادَةِ
الأرضِ المريضة . لا تكن فظّا ً غليظ
القلب ! لن آتي لأَسخر منك ، أَو
أَمشي على ماء البُحَيْرَة في شمال
الروح . لكنِّي – وقد أَغويتَني – أَهملتُ
خاتمةَ القصيدةِ : لم أَزفَّ إلى أَبي
أُمِّي على فَرَسي . تركتُ الباب مفتوحاً
لأندلُسِ الغنائيِّين ، واخترتُ الوقوفَ
على سياج اللوز والرُمَّان ، أَنفُضُ
عن عباءة جدِّيَ العالي خُيُوطَ
العنكبوت . وكان جَيْشٌ أَجنبيٌّ يعبر
الطُرُقَ القديمةَ ذاتها ، ويَقِيسُ أَبعادَ
الزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها … /
..
يا موت ، هل هذا هو التاريخُ ،
صِنْوُكَ أَو عَدُوُّك ، صاعداً ما بين
هاويتين ؟ قد تبني الحمامة عُشَّها
وتبيضُ في خُوَذ الحديد . وربما ينمو
نباتُ الشِّيحِ في عَجَلاتِ مَرْكَبَةٍ مُحَطَّمةٍ .
فماذا يفعل التاريخُ ، صنوُكَ أو عَدُوُّكَ ،
بالطبيعة عندما تتزوَّجُ الأرضَ السماءُ
وتذرفُ المَطَرَ المُقَدَّسَ ؟ /
..
أَيها الموت ، انتظرني عند باب
البحر في مقهى الرومانسيِّين . لم
أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً
إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي ،
وأُوزِّعَ القمح الذي امتلأتْ به رُوحي
على الشحرور حطَّ على يديَّ وكاهلي ،
وأُودِّعَ الأرضَ التي تمتصُّني ملحاً ، وتنثرني
حشيشاً للحصان وللغزالة . فانتظرني
ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان ،
ولا تُصَدِّقْني أَعودُ ولا أَعودُ
وأَقول : شكراً للحياة !
ولم أكن حَيّاً ولا مَيْتاً
ووحدك ، كنتَ وحدك ، يا وحيدُ !
..
تقولُ مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
كثيراً ، وتصرخُ : يا قلبُ !
يا قَلْبُ ! خُذْني
إلى دَوْرَة الماءِ …/
..
ما قيمةُ الروح إن كان جسمي
مريضاً ، ولا يستطيعُ القيامَ
بواجبه الأوليِّ ؟
فيا قلبُ ، يا قلبُ أَرجعْ خُطَايَ
إليَّ ، لأَمشي إلى دورة الماء
وحدي !
..
نسيتُ ذراعيَّ ، ساقيَّ ، والركبتين
وتُفَّاحةَ الجاذبيَّةْ
نسيتُ وظيفةَ قلبي
وبستانَ حوَّاءَ في أَوَّل الأبديَّةْ
نسيتُ وظيفةَ عضوي الصغير
نسيتُ التنفُّسَ من رئتيّ .
نسيتُ الكلام
أَخاف على لغتي
فاتركوا كُلَّّ شيء على حالِهِ
وأَعيدوا الحياة إلى لُغَتي !..
..
تقول مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
كثيراً ، وتصرخ بي قائلا ً :
لا أُريدُ الرجوعَ إلى أَحَدِ
لا أُريدُ الرجوعَ إلى بلدِ
بعد هذا الغياب ألطويل …
أُريدُ الرجوعَ فَقَطْ
إلى لغتي في أقاصي الهديل
..
تقولُ مُمَرِّضتي :
كُنْتَ تهذي طويلا ً ، وتسألني :
هل الموتُ ما تفعلين بي الآنَ
أَم هُوَ مَوْتُ اللُغَةْ ؟
..
خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةٌ …
على مَهَلٍ أُدوِّنُها ، على مَهَلٍ ، على
وزن النوارس في كتاب الماءِ . أَكتُبُها
وأُورِثُها لمنْ يتساءلون : لمنْ نُغَنِّي
حين تنتشرُ المُلُوحَةُ في الندى ؟ …
خضراءُ ، أكتُبُها على نَثْرِ السنابل في
كتاب الحقلِ ، قَوَّسَها امتلاءٌ شاحبٌ
فيها وفيَّ . وكُلَّما صادَقْتُ أَو
آخَيْتُ سُنْبُلةً تَعَلَّمْتُ البقاءَ من
الفَنَاء وضدَّه : (( أَنا حَبَّةُ القمح
التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً . وفي
موتي حياةٌ ما … ))
..
كأني لا كأنّي
لم يمت أَحَدٌ هناك نيابةً عني .
فماذا يحفظُ الموتى من الكلمات غيرَ
الشُّكْرِ : ” إنَّ الله يرحَمُنا ” …
ويُؤْنِسُني تذكُّرُ ما نَسِيتُ مِنَ
البلاغة : ” لم أَلِدْ وَلَدا ً ليحمل مَوْتَ
والِدِهِ ” …
وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَدات ….
سَتَعْثُرُ الأُنثى على الذَّّكَر المُلائِمِ
في جُنُوح الشعر نحو النثر ….
سوف تشُّبُّ أَعضائي على جُمَّيزَةٍ ،
ويصُبُّ قلبي ماءَهُ الأَرضيَّ في
أَحَدِ الكواكب … مَنْ أَنا في الموت
بعدي ؟ مَنْ أَنا في الموت قبلي
قال طيفٌ هامشيٌّ : (( كان أوزيريسُ
مثْلَكَ ، كان مثلي . وابنُ مَرْيَمَ
كان مثلَكَ ، كان مثلي . بَيْدَ أَنَّ
الجُرْحَ في الوقت المناسب يُوجِعُ
العَدَمَ المريضَ ، ويَرْفَعُ الموتَ المؤقَّّتَ
فكرةً … )).
من أَين تأتي الشاعريَّةُ ؟ من
ذكاء القلب ، أَمْ من فِطْرة الإحساس
بالمجهول ؟ أَمْ من وردةٍ حمراءَ
في الصحراء ؟ لا الشخصيُّ شخصيُّ
ولا الكونيُّ كونيٌّ …
..
كأني لا كأني …/
كلما أَصغيتُ للقلب امتلأتُ
بما يقول الغَيْبُ ، وارتفعتْ بِيَ
الأشجارُ . من حُلْم إلى حُلْمٍ
أَطيرُ وليس لي هَدَفٌ أَخيرٌ .
كُنْتُ أُولَدُ منذ آلاف السنين
الشاعريَّةِ في ظلامٍ أَبيض الكتّان
لم أَعرف تماماً مَنْ أَنا فينا ومن
حُلْمي . أَنا حُلْمي
كأني لا كأني …
لم تَكُنْ لُغَتي تُودِّعُ نَبْرها الرعويَّ
إلاّ في الرحيل إلى الشمال . كلابُنا
هَدَأَتْ . وماعِزُنا توشَّح بالضباب على
التلال . وشجَّ سَهْمٌ طائش وَجْهَ
اليقين . تعبتُ من لغتي تقول ولا
تقولُ على ظهور الخيل ماذا يصنعُ
الماضي بأيَّامِ امرئ القيس المُوَزَّعِ
بين قافيةٍ وقَيْصَرَ …/
كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ آلهتي ،
هنالك ، في بلاد الأرجوان أَضاءني
قَمَرٌ تُطَوِّقُهُ عناةُ ، عناةُ سيِّدَةُ
الكِنايةِ في الحكايةِ . لم تكن تبكي على
أَحَدِ ، ولكنْ من مَفَاتِنِها بَكَتْ :
هَلْ كُلُّ هذا السحرِ لي وحدي
أَما من شاعرٍ عندي
يُقَاسِمُني فَرَاغَ التَخْتِ في مجدي ؟
ويقطفُ من سياج أُنوثتي
ما فاض من وردي ؟
أَما من شاعر يُغْوي
حليبَ الليل في نهدي ؟
أَنا الأولى
أَنا الأخرى
وحدِّي زاد عن حدِّي
وبعدي تركُضُ الغِزلانُ في الكلمات
لا قبلي … ولا بعدي /
..
سأحلُمُ ، لا لأُصْلِحَ مركباتِ الريحِ
أَو عَطَباً أَصابَ الروحَ
فالأسطورةُ اتَّخَذَتْ مكانَتَها / المكيدةَ
في سياق الواقعيّ . وليس في وُسْعِ القصيدة
أَن تُغَيِّرَ ماضياً يمضي ولا يمضي
ولا أَنْ تُوقِفَ الزلزالَ
لكني سأحلُمُ ،
رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي ، كما أَنا
واحداً من أَهل هذا البحر ،
كفَّ عن السؤال الصعب : (( مَنْ أَنا ؟ …
هاهنا ؟ أَأَنا ابنُ أُمي ؟ ))
لا تساوِرُني الشكوكُ ولا يحاصرني
الرعاةُ أو الملوكُ . وحاضري كغدي معي .
ومعي مُفَكِّرتي الصغيرةُ : كُلَّما حَكَّ
السحابةَ طائرٌ دَوَّنتُ : فَكَّ الحُلْمُ
أَجنحتي . أنا أَيضاً أطيرُ . فَكُلُّ
حيّ طائرٌ . وأَنا أَنا ، لا شيءَ
آخَرَ /
..
واحدٌ من أَهل هذا السهل …
في عيد الشعير أَزورُ أطلالي
البهيَّة مثل وَشْم في الهُوِيَّةِ .
لا تبدِّدُها الرياحُ ولا تُؤبِّدُها … /
وفي عيد الكروم أَعُبُّ كأساً
من نبيذ الباعة المتجوِّلينَ … خفيفةٌ
روحي ، وجسمي مُثْقَلٌ بالذكريات وبالمكان /
وفي الربيع ، أكونُ خاطرةً لسائحةٍ
ستكتُبُ في بطاقات البريد : (( على
يسار المسرح المهجور سَوْسَنَةٌ وشَخْصٌ
غامضٌ . وعلى اليمين مدينةٌ عصريَّةٌ )) /
..
وأَنا أَنا ، لا شيء آخَرَ …
لَسْتُ من أَتباع روما الساهرينَ
على دروب الملحِ . لكنِّي أسَدِّدُ نِسْبَةً
مئويَّةً من ملح خبزي مُرْغَماً ، وأَقول
للتاريخ : زَيِّنْ شاحناتِكَ بالعبيد وبالملوك الصاغرينَ ، ومُرَّ
… لا أَحَدٌ يقول
الآن : لا .
..
وأَنا أَنا ، لا شيء آخر
واحدٌ من أَهل هذا الليل . أَحلُمُ
بالصعود على حصاني فَوْقَ ، فَوْقَ …
لأَتبع اليُنْبُوعَ خلف التلِّ
فاصمُدْ يا حصاني . لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ
أَنتَ فُتُوَّتي وأَنا خيالُكَ . فانتصِبْ
أَلِفاً ، وصُكَّ البرقَ . حُكَّ بحافر
الشهوات أَوعيةَ الصَدَى . واصعَدْ ،
تَجَدَّدْ ، وانتصبْ أَلفاً ، توتَّرْ يا
حصاني وانتصبْ ألفا ً ، ولا تسقُطْ
عن السفح الأَخير كرايةٍ مهجورةٍ في
الأَبجديَّة . لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ ،
أَنت تَعِلَّتي وأَنا مجازُكَ خارج الركب
المُرَوَّضِ كالمصائرِ . فاندفِعْ واحفُرْ زماني
في مكاني يا حصاني . فالمكانُ هُوَ
الطريق ، ولا طريقَ على الطريق سواكَ
تنتعلُ الرياحَ . أَُضئْ نُجوماً في السراب !
أَضئْ غيوماً في الغياب ، وكُنْ أَخي
ودليلَ برقي يا حصاني . لا تَمُتْ
قبلي ولا بعدي عَلى السفح الأخير
ولا معي . حَدِّقْ إلى سيَّارة الإسعافِ
والموتى … لعلِّي لم أَزل حيّاً /
..
سأَحلُمُ ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي .
بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر
الجفاف العاطفيِّ . حفظتُ قلبي كُلَّهُ
عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً
ومُدَلّلاً . تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي
يلينَ ويستكينَ . كأنَّهُ جاري الغريبُ
ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ . فالقلب
يَصْدَأُ كالحديدِ ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ
ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ ،
ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ .
كأنَّ قلبي زاهدٌ ، أَو زائدٌ
عني كحرف ” الكاف ” في التشبيهِ
حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ
تجريداً ، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ ،
والبكارةُ بالمهارة /
..
كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ أُولى
الأغنيات رأيتُ آثارَ القطاة على
الكلام . ولم أَكن ولداً سعيداً
كي أَقولَ : الأمس أَجملُ دائماً .
لكنَّ للذكرى يَدَيْنِ خفيفتين تُهَيِّجانِ
الأرضَ بالحُمَّى . وللذكرى روائحُ زهرةٍ
ليليَّةٍ تبكي وتُوقظُ في دَمِ المنفيِّ
حاجتَهُ إلى الإنشاد : (( كُوني
مُرْتَقى شَجَني أَجدْ زمني )) … ولستُ
بحاجةٍ إلاّ لِخَفْقَةِ نَوْرَسِ لأتابعَ
السُفُنَ القديمةَ . كم من الوقت
انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقتَ
والموتَ الطبيعيَّ المُرَادِفَ للحياة ؟
ولم نزل نحيا كأنَّ الموتَ يُخطئنا ،
فنحن القادرين على التذكُّر قادرون
على التحرُّر ، سائرون على خُطى
جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ … /
..
هباءٌ كاملُ التكوينِ …
يكسرُني الغيابُ كجرَّةِ الماءِ الصغيرة .
نام أَنكيدو ولم ينهض . جناحي نام
مُلْتَفّاً بحَفْنَةِ ريشِهِ الطينيِّ . آلهتي
جمادُ الريح في أَرض الخيال . ذِراعِيَ
اليُمْنى عصا خشبيَّةٌ . والقَلْبُ مهجورٌ
كبئرٍ جفَّ فيها الماءُ ، فاتَّسَعَ الصدى
الوحشيُّ : أنكيدو ! خيالي لم يَعُدْ
يكفي لأُكملَ رحلتي . لا بُدَّ لي من
قُوَّةٍ ليكون حُلْمي واقعيّاً . هاتِ
أَسْلِحتي أُلَمِّعْها بمِلح الدمعِ . هاتِ
الدمعَ ، أنكيدو ، ليبكي المَيْتُ فينا
الحيَّ . ما أنا ؟ مَنْ ينامُ الآن
أنكيدو ؟ أَنا أَم أَنت ؟ آلهتي
كقبض الريحِ . فانهَضْ بي بكامل
طيشك البشريِّ ، واحلُمْ بالمساواةِ
القليلةِ بين آلهة السماء وبيننا . نحن
الذين نُعَمِّرُ الأرضَ الجميلةَ بين
دجلةَ والفراتِ ونحفَظُ الأسماءَ . كيف
مَلَلْتَني ، يا صاحبي ، وخَذَلْتَني ، ما نفْعُ حكمتنا بدون
فُتُوّةٍ … ما نفعُ حكمتنا ؟ على باب المتاهِ خذلتني ،
يا صاحبي ، فقتلتَني ، وعليَّ وحدي
أَن أرى ، وحدي ، مصائرنا . ووحدي
أَحملُ الدنيا على كتفيَّ ثوراً هائجاً .
وحدي أَفتِّشُ شاردَ الخطوات عن
أَبديتي . لا بُدَّ لي من حَلِّ هذا
اللُغْزِ ، أنكيدو ، سأحملُ عنكَ
عُمْرَكَ ما استطعتُ وما استطاعت
قُوَّتي وإرادتي أَن تحملاكَ . فمن
أَنا وحدي ؟ هَبَاءٌ كاملُ التكوينِ
من حولي . ولكني سأُسْنِدُ ظلَّّك
العاري على شجر النخيل . فأين ظلُّكَ ؟
أَين ظلُّك بعدما انكسرَتْ جُذُوعُك؟
قمَّةُ
الإنسان
هاويةٌ …
ظلمتُكَ حينما قاومتُ فيكَ الوَحْشَ ،
بامرأةٍ سَقَتْكَ حليبَها ، فأنِسْتَ …
واستسلمتَ للبشريِّ . أَنكيدو ، ترفَّقْ
بي وعُدْ من حيث مُتَّ ، لعلَّنا
نجدُ الجوابَ ، فمن أَنا وحدي ؟
حياةُ الفرد ناقصةٌ ، وينقُصُني
السؤالُ ، فمن سأسألُ عن عبور
النهر ؟ فانهَضْ يا شقيقَ الملح
واحملني . وأَنتَ تنامُ هل تدري
بأنك نائمٌ ؟ فانهض .. كفى نوما ً!
تحرَّكْ قبل أَن يتكاثَرَ الحكماءُ حولي
كالثعالب : [ كُلُّ شيء باطلٌ ، فاغنَمْ
حياتَكَ مثلما هِيَ برهةً حُبْلَى بسائلها ،
دَمِ العُشْب المُقَطَّرِ . عِشْ ليومك لا
لحلمك . كلُّ شيء زائلٌ . فاحذَرْ
غداً وعشِ الحياةَ الآن في امرأةٍ
تحبُّكَ . عِشْ لجسمِكَ لا لِوَهْمِكَ .
..
وانتظرْ
ولداً سيحمل عنك رُوحَكَ
فالخلودُ هُوَ التَّنَاسُلُ في الوجود .
وكُلُّ شيءٍ باطلٌ أو زائل ، أو
زائل أو باطلٌ ]
..
مَنْ أَنا ؟
أَنشيدُ الأناشيد
أم حِكْمَةُ الجامعةْ ؟
وكلانا أَنا …
وأَنا شَاعرٌ
ومَلِكْ
وحكيمٌ على حافّة البئرِ
لا غيمةٌ في يدي
ولا أَحَدَ عَشَرَ كوكباً
على معبدي
ضاق بي جَسَدي
ضاق بي أَبدي
وغدي
جالسٌ مثل تاج الغبار
على مقعدي
..
باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ
..
أَلرياحُ شماليَّةٌ
والرياحُ جنوبيَّةٌ
تُشْرِقُ الشمسُ من ذاتها
تَغْرُبُ الشمسُ في ذاتها
لا جديدَ ، إذاً
والزَمَنْ
كان أَمسِ ،
سُدىً في سُدَى .
ألهياكلُ عاليةٌ
والسنابلُ عاليةٌ
والسماءُ إذا انخفضت مَطَرتْ
والبلادُ إذا ارتفعت أَقفرت
كُلُّ شيء إذا زاد عن حَدِّهِ
صار يوماً إلى ضدِّهِ .
والحياةُ على الأرض ظلٌّ
لما لا نرى ….
..
باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كلُّ شيء على البسيطة زائلْ
..
1400 مركبة
و12,000 فرس
تحمل اسمي المُذَهَّبَ من
زَمَنٍ نحو آخر …
عشتُ كما لم يَعِشْ شاعرٌ
مَلكاً وحكيماً …
هَرِمْتُ ، سَئِمْتُ من المجدِ
لا شيءَ ينقصني
أَلهذا إذاً
كلما ازداد علمي
تعاظَمَ هَمِّي ؟
فما أُورشليمُ وما العَرْشُ ؟
لا شيءَ يبقى على حالِه
للولادة وَقْتٌ
وللموت وقتٌ
وللصمت وَقْتٌ
وللنُّطق وقْتٌ
وللحرب وقْتٌ
وللصُّلحِ وقْتٌ
وللوقتِ وقْتٌ
ولا شيءَ يبقى على حالِهِ …
كُلُّ نَهْرٍ سيشربُهُ البحرُ
والبحرُ ليس بملآنَ ،
لاشيءَ يبقى على حالِهِ
كُلُّ حيّ يسيرُ إلى الموت
والموتُ ليس بملآنَ ،
لا شيءَ يبقى سوى اسمي المُذَهَّبِ
بعدي :
(( سُلَيمانُ كانَ )) …
فماذا سيفعل موتى بأسمائهم
هل يُضيءُ الذَّهَبْ
ظلمتي الشاسعةْ
أَم نشيدُ الأناشيد
والجامعةْ ؟
..
باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ /…
..
مثلما سار المسيحُ على البُحَيْرَةِ ،
سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن
الصليب لأَنني أَخشى العُلُوَّ ،ولا
أُبَشِّرُ بالقيامةِ . لم أُغيِّرْ غَيْرَ
إيقاعي لأَسمَعَ صوتَ قلبي واضحاً .
للملحميِّين النُّسُورُ ولي أَنا : طوقُ
الحمامةِ ، نجمةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ،
وشارعٌ مُتَعرِّجُ يُفْضي إلى ميناءِ
عكا – ليس أكثرَ أَو أَقلَّ -
أُريد أَن أُلقي تحيَّاتِ الصباح عليَّ
حيث تركتُني ولداً سعيدا [ لم
أَكُنْ ولداً سَعيدَ الحظِّ يومئذٍ ،
ولكنَّ المسافةَ، مثلَ حدَّادينَ ممتازينَ ،
تصنَعُ من حديدٍ تافهٍ قمراً]
- أَتعرفني ؟
سألتُ الظلَّ قرب السورِ ،
فانتبهتْ فتاةُ ترتدي ناراً ،
وقالت : هل تُكَلِّمني ؟
فقلتُ : أُكَلِّمُ الشَبَحَ القرينَ
فتمتمتْ : مجنونُ ليلى آخرٌ يتفقَُّّد
الأطلالَ ،
وانصرفتْ إلى حانوتها في آخر السُوق
القديمةِ…
ههنا كُنَّا . وكانت نَخْلَتانِ تحمِّلان
البحرَ بعضَ رسائلِ الشعراءِ …
لم نكبر كثيراً يا أَنا . فالمنظرُ
البحريُّ ، والسُّورُ المُدَافِعُ عن خسارتنا ،
ورائحةُ البَخُور تقول : ما زلنا هنا ،
حتى لو انفصَلَ الزمانُ عن المكانِ .
لعلَّنا لم نفترق أَبداً
- أَتعرفني ؟
بكى الوَلَدُ الذي ضيَّعتُهُ :
(( لم نفترق . لكننا لن نلتقي أَبداً )) …
وأَغْلَقَ موجتين صغيرتين على ذراعيه ،
وحلَّّق عالياً …
فسألتُ : مَنْ منَّا المُهَاجِرُ ؟ /
قلتُ للسّجَّان عند الشاطئ الغربيّ :
- هل أَنت ابنُ سجّاني القديمِ ؟
- نعم !
- فأين أَبوك ؟
قال : أَبي توفِّيَ من سنين.
أُصيبَ بالإحباط من سَأَم الحراسة .
ثم أَوْرَثَني مُهمَّتَهُ ومهنته ، وأوصاني
بان أَحمي المدينةَ من نشيدكَ …
قُلْتُ : مُنْذُ متى تراقبني وتسجن
فيَّ نفسَكَ ؟
قال : منذ كتبتَ أُولى أُغنياتك
قلت : لم تَكُ قد وُلِدْتَ
فقال : لي زَمَنٌ ولي أَزليَّةٌ ،
وأُريد أن أَحيا على إيقاعِ أمريكا
وحائطِ أُورشليمَ
فقلتُ : كُنْ مَنْ أَنتَ . لكني ذهبتُ .
ومَنْ تراه الآن ليس أنا ، أنا شَبَحي
فقال : كفى ! أَلسْتَ اسمَ الصدى
الحجريِّ ؟ لم تذهَبْ ولم تَرْجِعْ إذاً .
ما زلتَ داخلَ هذه الزنزانة الصفراءِ .
فاتركني وشأني !
قلتُ : هل ما زلتُ موجودا ً
هنا ؟ أَأَنا طليقٌ أَو سجينٌ دون
أن أدري . وهذا البحرُ خلف السور بحري ؟
قال لي : أَنتَ السجينُ ، سجينُ
نفسِكَ والحنينِ . ومَنْ تراهُ الآن
ليس أَنا . أَنا شَبَحي
فقلتُ مُحَدِّثاً نفسي : أَنا حيٌّ
وقلتُ : إذا التقى شَبَحانِ
في الصحراء ، هل يتقاسمانِ الرملَ ،
أَم يتنافسان على احتكار الليل ؟ /
..
المقطع قبل الأخير
كانت ساعَةُ الميناءِ تعمَلُ وحدها
لم يكترثْ أَحَدٌ بليل الوقت ، صَيَّادو
ثمار البحر يرمون الشباك ويجدلون
الموجَ . والعُشَّاقُ في الـ” ديسكو ” .
وكان الحالمون يُرَبِّتُون القُبَّراتِ النائماتِ
ويحلمون …
وقلتُ : إن متُّ انتبهتُ …
لديَّ ما يكفي من الماضي
وينقُصُني غَدٌ …
سأسيرُ في الدرب القديم على
خُطَايَ ، على هواءِ البحر . لا
امرأةٌ تراني تحت شرفتها . ولم
أملكْ من الذكرى سوى ما ينفَعُ
السَّفَرَ الطويلَ . وكان في الأيام
ما يكفي من الغد . كُنْتُ أصْغَرَ
من فراشاتي ومن غَمَّازتينِ :
خُذي النُّعَاسَ وخبِّئيني في
الرواية والمساء العاطفيّ /
وَخبِّئيني تحت إحدى النخلتين /
وعلِّميني الشِعْرَ / قد أَتعلَّمُ
التجوال في أنحاء ” هومير ” / قد
أُضيفُ إلى الحكاية وَصْفَ
عكا / أقدمِ المدنِ الجميلةِ ،
أَجملِ المدن القديمةِ / علبَةٌ
حَجَريَّةٌ يتحرَّكُ الأحياءُ والأمواتُ
في صلصالها كخليَّة النحل السجين
ويُضْرِبُونَ عن الزهور ويسألون
البحر عن باب الطوارئ كُلَّما
اشتدَّ الحصارُ / وعلِّميني الشِعْرَ /
قد تحتاجُ بنتٌ ما إلى أُغنية
لبعيدها : (( خُذْني ولو قَسْراً
إليكَ ، وضَعْ منامي في
يَدَيْكَ )) . ويذهبان إلى الصدى
مُتَعانِقَيْنِ / كأنَّني زوَّجتُ ظبياً
شارداً لغزالةٍ / وفتحتُ أبوابَ
الكنيسةِ للحمام … / وعَلِّميني
الشِعْرَ / مَنْ غزلتْ قميصَ
الصوف وانتظرتْ أمام الباب
أَوْلَى بالحديث عن المدى ، وبخَيْبَةِ
الأَمَلِ : المُحاربُ لم يَعُدْ ، أو
لن يعود ، فلستَ أَنتَ مَن
انتظرتُ … /
..
ومثلما سار المسيحُ على البحيرة …
سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن
الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا
أُبشِّرُ بالقيامة . لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي
لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً …
للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ
الحمامة ، نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ،
وشارعٌ يُفضي إلى الميناء … /
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ
من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي
ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي . ولي
شَبَحي وصاحبُهُ . وآنيةُ النحاس
وآيةُ الكرسيّ ، والمفتاحُ لي
والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي
لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي
طارت عن الأسوار … لي
ما كان لي . وقصاصَةُ الوَرَقِ التي
انتُزِعَتْ من الإنجيل لي
والملْحُ من أَثر الدموع على
جدار البيت لي …
واسمي ، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي
بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي :
ميمُ / المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى
حاءُ / الحديقةُ والحبيبةُ ، حيرتانِ وحسرتان
ميمُ / المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته
الموعود منفيّاً ، مريضَ المُشْتَهَى
واو / الوداعُ ، الوردةُ الوسطى ،
ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ ، وَوَعْدُ الوالدين
دال / الدليلُ ، الدربُ ، دمعةُ
دارةٍ دَرَسَتْ ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني /
وهذا الاسمُ لي …
ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي
جَسَدي المُؤَقَّتُ ، حاضراً أم غائباً …
مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن …
لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً …
والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ ،
يشربني على مَهَلٍ ، ولي
ما كان لي : أَمسي ، وما سيكون لي
غَدِيَ البعيدُ ، وعودة الروح الشريد
كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ
وكأنَّ شيئاً لم يكن
جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ …
والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ
ومن أَبطالِهِ …
يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ …
هذا البحرُ لي
هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
واسمي -
وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت -
لي .
أَما أَنا – وقد امتلأتُ
بكُلِّ أَسباب الرحيل -
فلستُ لي .
أَنا لَستُ لي
أَنا لَستُ لي …
مايو 1982
في غرف العمليات
كان نقاب الأطباء أبيض،
لون المعاطف أبيض،
تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،
الملاءات
لون الأسرة، أربطة الشاش والقطن
قرص المنوم، أنبوبة المصل،
كوب اللبن
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن!
فلماذا إذا مت..
ليأتي المعزون متشحين..
بشارات لون الحداد؟
هل لأن السواد…
هو لون النجاة من الموت؟
لون التميمة ضد… الزمن،
ضد من..؟
ومتى القلب – في الخفقان – اطمأن؟!
***
بين لونين: استقبل الأصدقاء..
الذين يرون سريري قبرا
وحياتي.. دهرا
وأرى في العيون العميقة
لون الحقيقة
لون تراب الوطن
فبراير 1983
صورة
هل أنا كنتُ طفلاً
أم أن الذي كانَ طفلاً سواي؟
هذه الصورُ العائليةُ..
كان أبي جالسًا، وأنا واقفٌ.. تتدلى يداي
رفسةٌ من فرس
تركتْ في جبيني شجًّا، وعلَّمت القلبً أن يحترس
أتذكرُ.. سالَ دمي
أتذكرُ
ماتَ أبي نازفًا
أتذكرُ..
هذا الطريقَ إلى قبرِهِ..
أتذكرُ
أختي الصغيرةَ ذاتِ الربيعين.
لا أتذكرُ حتى الطريق إلى قبرها
المُنْطَمِس
أَوَ كانَ الصبي الصغير أنا؟
أم تُرى كان غيري؟
أُحدِّقُ..
لكن تلك الملامحَ ذات العذوبة
لا تنتمي الآن لي.
والعيون التي تترقرق بالطيبة
الآن لا تنتمي لي
صرت عني غريبًا
ولم يتبقَ من السنوات الغريبة
إلا صدى اسمي..
وأسماء من أتذكرهم – فجأة -
بين أعمدة النعي.
أولئك الغامضون: رفاق صباي.
يُقبلون من الصمت وجهًا فوجهًا.
فيجتمع الشمل كل صباح،
لكي نأتنس
وجه
كان يسكنُ قلبي
وأسكنُ غرفَتَه
نتقاسمُ نصفَ السرير
ونصفَ الرغيف
ونصفَ اللفافة،
والكتبَ المستعارة.
هجرَتْه حبيبتُهُ في الصباح فمزَّقَ شريانَهُ في المساء
ولكنه بعد يومين مزَّقَ صورتَها..
واندهش
حارب مرتين بين جنودِ المظلات
لم ينخدش
واستراح من الحرب..
عاد ليسكنَ بيتًا جديدًا
ويكسبَ قوتًا جديدًا
يُدخِّن علبةَ تبغٍ بكاملها
ويُجادل أصحابَه حولَ أبخرةِ الشَّاي..
لكنه لا يُطيلُ الزيارة
عندما احتقنت لوزتاه، استشار الطبيب،
وفي غرفة العمليات..
لم يصطحب أحدا غير خُفٍّ
وأنبوبةٍ لقياس الحرارة
فجأةً مات!
لم يتحملْ قلبُه سريانَ المُخدِّر،
وانسحبَتْ من على وجهه سنواتُ العذابات
عاد كما كان طفلاً..
يشاركني في سريري
 وفي كسرة الخبز والتبغ
لكنه لا يشاركني.. في المرارة!
وجه
من أقاصي الجنوب أتى، عاملاً
للبناء
كان يصعد ” سقالة ” ويغني لهذا الفضاء
كنت أجلس خارجَ مقهى قريب،
وبالأعين الشاردة..
كنت أقرأ نصف الصحيفة،
والنصف أخفي به وسخ المائدة
لم أجد غير عينين لا تبصران..
وخيطَ الدماء
وانحنيتُ عليه.. أجسّ يده
قال آخر: لا فائدة
صار نصفُ الصحيفةِ كلَّ الغطاءِ
وأنا.. في العراء
وجه
ليت ” أسماء ” تعرف أن أباها صعد
لم يمت
هل يموت الذي كان يحيا
كأن الحياة أبد!
وكأن الشراب نفد!
وكأن البناتِ الجميلاتِ يمشينَ فوقَ الزبد!
عاش منتصبًا، بينما
ينحني القلب يبحث عمَّا فقد
ليت ” أسماءَ ” تعرفُ أن أباها الذي
حفظَ الحبُّ والأصدقاءُ تصاويرَه..
وهو يضحكُ،
وهو يفكرُ
وهو يفتش عما يقيم الأَوَد.
ليت، أسماء، تعرف أن البناتِ الجميلاتِ
خبأنَهُ بينَ أوراقِهن.
وعلَّمْنَهُ أنْ يسيرَ..
ولا يلتقي بأحد!
مرآة
- هل تريدُ قليلاً من البحر؟
- إن الجنوبي لا يطمئن إلى اثنين يا سيدي
البحر – والمرأة الكاذبة
- سوف آتيكَ بالرمل منه
… وتلاشى به الظلُّ شيئًا فشيئا،
فلم أسْتَبِنْهُ
- هل تريد قليلاً من الخمر؟
- إن الجنوبي يا سيدي يتهيبُ شيئين:
قنينة الخمر – والآلة الحاسبة.
- سوف آتيك بالثلج منه.
… وتلاشى به الظلُّ شيئًا فشيئا…
فلم أستبنه.
بعدها لم أجد صاحبي
لم يعد واحد منهما لي بشيء
- هل تريد قليلاً من الصبر؟
- لا…
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنتين:
الحقيقة – والأوجه الغائبة
(1972 – 1975)
(1)
اللوحةُ الأولى على الجدار:
ليلى ” الدمشقيَّة “
من شرفة ” الحمراء ” ترنو لمغيب الشمس،
ترنو للخيوط البرتقالية
وكرمةٌ أندلسيةٌ وفسقية
………………….
وطبقاتُ الصمتِ والغبار!
نقش
(مولاي، لا غالبَ إلا الله!)
(2)
اللوحةُ الأخرى.. بلا إطار:
للمسجد الأقصى.. (وكان قبلَ أن يحترقَ الرواق)
وقبة الصخرةِ، والبراق
وآية تآكلَتْ حروفُها الصِّغار
نقش
(مولاي، لا غالبَ إلا.. النار!)
(3)
اللوحةُ الدَّاميةُ الخطوط، والواهيةُ الخيوط:
لعاشقٍ محترقِ الأجفان
كان اسمهُ ” سرحان “
يُمسكُ بُندقيةً.. على شفا السُّقوط
نقش
(بيني وبين الناس تلكَ ” الشَّعرة “
لكن من يقبضُ فوق الثورة
يقبض فوق الجمرة)
(4)
اللوحةُ الأخيرة:
خريطةٌ مبتورةُ الأجزاء
كان اسمُها ” سينا “
ولطخةٌ سوداء
تملأ كل الصور
نقش
(الناسُ سواسية – في الذُلِّ – كأسنان المشط
ينكسرون – كأسنانِ المشط
في لحيةِ شيخِ النفط!)
***
كتابة في دفتر الاستقبال
لا تسألي النيلَ أنْ يُعطي وأن يلدا
لا تسألي.. أبدا
إني لأفتح عيني (حين أفتحها)
على كثير.. ولكن لا أرى أحدا!!
خاتمة
آه.. من يُوقِفُ في رأسي الطواحين؟
ومن ينزع من قلبي السكاكين؟
ومن يقتل أطفالي المساكين..
لئلا يكبروا في الشقق المفروشة الحمراء
خدامين..
مأبونين..
قوّادين..
من يقتل أطفال المساكين؟
لكيلا يصبحوا – في الغد – شحاذين..
يستجدون أصحاب الدكاكين.
وأبواب المرابين
يبيعون لسيارات أصحاب الملايين… الرياحين
وفي ” المترو ” يبيعون الدبابيس و ” يس “
وينسلون في الليل يبيعون ” الجعارين “
لأفواج الغزاة السائحين!
………………….
إنها الأرض التي ما وعد الله بها..
من خرجوا من صلبها..
وانغرسوا في تربها..
وانطرحوا في حبِّها..
مستشهدين!
………………….
………………….
فادخلوها ” بسلام ” آمنين!
(الورقةُ الأولى)
(ملكٌ أَمْ كتابة؟ “
صاحَ بي صاحبي، وهو يُلقي بدرهمه في الهواء
ثم يَلقُفُه..
(خارجَيْنِ من الدَّرسِ كُنَّا.. وحبرُ الطُّفولةِ فوقَ الرِّداء
والعصافيرُ تمرقُ عبرَ البيوت،
وتهبطُ فوقَ النخيلِ البعيد!)
………………….
” ملكٌ أَمْ كتابة؟ “
صاحَ بي.. فانتبهْتُ، ورَفَّتْ ذُبابة
حول عينين لامعتين..
فقلتُ: ” الكتابة “
.. فتحَ اليدَ مبتسمًا، كانَ وجهُ المليكِ السَّعيد
باسمًا في مهابة!
***
” ملكٌ أمْ كتابة؟ “
صِحْتُ فيه بدوري..
فرفرف في مقلتيه الصبا والنجابة
وأجاب: الملك “
(دون أن يتلعثمَ.. أو يرتبك)
وفتحتُ يدي..
كان نقشُ الكتابة
بارزًا في صلابة!
دارتِ الأرضُ دورتها..
حملتنا الشواديف من هدأة النهر
ألقت بنا في جداول أرض الغرابة
نتفرق بين حقول الأسى.. وحقول الصبابة
قطرتين، التقينا على سُلَّم القصر..
ذات مساءٍ وحيد
كنت فيه: نديم الرشيد
بينما صاحبي.. يتولى الحجابة!!
(الورقة الثانية)
مَنْ يَمْلكُ العُملَةَ يُمْسِكُ بِالوَجْهَيْنِ
والفُقَرَاءُ بَيْنَ بَيْن!
(الورقة الثالثة)
دائما كنت جانبهُ، وسمعْتُ الحرس
يوقظون أبي!
- خارجيٌّ
- أنا..!؟
- مارقٌ
من؟ أنا!
صرخ الطفلُ في صدر أمي
(وأمي محلولةُ الشَّعرِ واقفةٌ في ملابِسِها المنزلية)
- اخرسوا
واختبأنا وراءَ الجدار
- اخرسوا
وتسلَّلَ في الحلقِ خيطٌ من الدم
كان أبي يُمسكُ الجرح،
يُمسكُ قامَتَه.. ومهابَتَهُ العائليَّةَ!
- يا أبي
اخرسوا
وتواريتُ في ثَوبِ أمِّي، والطفلُ في صدرها ما نَبَس
ومضوا بأبي تاركين لنا اليتم متشحًا بالخرس
(الورقة الرابعة)
أَيُّهَا الشِّعْرُ.. يَ-ا أَيُّهَا الفَرَحُ المُخْتَلَسْ!!
………………….
كُلُّ مَا كُنتُ أَكْتُبُ فِي هَذِهِ الصَّفْحَةِ الوَرَقِيَّةِ
صَادَرَتْهُ العَسَسْ؟؟
………………….
(الورقة الخامسة)
.. وأمي خادمةٌ فارسية
يتناقل سادتُها قهوةَ الجنس وهي تُديرُ الحطب
يتبادلُ سادَتُها النظراتِ لأردافها..
عندما تنحني لتُضئَ اللهب
يتندر سادتها الطيبون
بلهجتها الأعجمية!
………………….
نائمًا كنتُ جانِبها ورأيت ملاكَ القُدس
ينحني ويُربِّت وجنتها
وتراخىَ الذراعانِ عنِّي قليلاً قليلاً
وسارت بقلبي قشعريرةُ الصَّمتِ
- أمِّي وعاد لي الصوت
- أمِّي وجاوبني الموت
- أمِّي، وعانقْتُها وبكيت
وغامَ بي الدمعُ حتَّى احتبس؟
(الورقة السادسة)
لا تسألني إن كان القرآن
مخلوقًا أو أزليّ
بل سلني إن كان السلطان
لصًا.. أو نصفَ نبي!!
(الورقة السابعة)
كنتُ في كربلاء
قال لي الشيخُ: إن الحسين
ماتَ من أجل جرعةِ ماء
………………….
وتساءلتُ كيف السيوفُ استباحَتْ بني الأكرمين
فأجاب الذي بصَّرَتْهُ السماء
إنّه الذّهبُ المتلألئُ في كلِّ عين
………………….
إن تكن كلماتُ الحسين
وسيوفُ الحسين
وجلالُ الحسين
سقطت دون أن تُنْقذَ الحق من ذهب الأمراء
أفتقدر أن تنقذ الحقَّ ثرثرةُ الشُّعراء؟
والفراتُ لسانٌ من الدم لا يجد الشفتين!!
مات من أجل جرعة ماء
فاسقني يا غلام صباح مساء
اسقني يا غلام..
علَّني بالمُدام..
أتناسى الدماء!
المزمور الأول
أعشقُ إسكندرية،
وإسكندريةُ تعشقُ رائحةَ البحرِ
والبحرُ يعشقُ فاتنةً في الضفافِ البعيدة!
***
كلُّ أمسيةٍ، تتسلَّلُ من جانبي
تتجردُ من كل أثوابِها
وتحلُّ غدائرها
ثم تخرجُ عاريةً في الشوارعِ تحتَ المطر
فإذا اقتربت من سرير التنهُّدِ والزرقة
انطرحت في ملاءاته الرغوية،
وانفتحت.. تنتظر!
وتظل إلى الفجر..
ممدودةً – كالنداء
ومشدودةً – كالوتر
………………….
وتظلُّ وحيدةً!!
المزمور الثاني
قلتُ لها في الليلة الماطرة:
البحرُ عنكبوتْ
وأنتِ – في شِراكِهِ – فراشةٌ تموت
وانتفضَتْ كالقطَّةِ النافرة
وانتصبت في خفقان الريح والأمواج
ثديانِ من زجاج
وجسدٌ من عاج)
وانفلتت مُبحِرَةً في رحلةِ المجهولِ، فوق الزَّبدِ المُهتاج
ناديْتُ.. ما ردَّتْ!
صرخْتُ.. ما ارتدَّت!
وظلَّ صوتي يتلاشى.. في تلاشيها..
وراءَ الموجةِ الكاسرة
………………….
(خاسرةً، خاسرة
إن تنظري في عَيْنَي الغريمةِ الساحرة
أو ترفعي عينيكِ نحو الماسةِ التي تُزَيِّنُ التاجَ!)
المزمور الثالث
لفظَ البحرُ أعضاءَها في صباحٍ أليم
فرأيْتُ الكلوم
ورأيتُ أظافرَها الدموية
تتلوى على خصلةٍ ” ذهبية”
فَحَشَوْتُ جراحاتها بالرمال،
وأدفأتُها بنبيذ الكروم.
………………….
وتعيشُ معي الآن!
ما بيننا حائطٌ من وجوم!
بيننا نسماتُ ” الغريم “!
كل أمسيةٍ…
تسلل في ساعة المد، في الساعة القمرية
تستريح على صخرة الأبدية
تتسمع سخرية الموج من تحت أقدامها
وصفير البواخر.. راحلة في السَّواد الحميم
تتصاعد من شفتيها المُمَلحَتين رياحُ السموم
تتساقط أدمعها في سهوم
والنجوم
(الغريقة في القاع)
تصعد.. واحدة.. بعد أخرى..
فتلتقطها
وتَعُدُّ النجوم
في انتظار الحبيبِ القديم
المزمور الرابع
(ترنيمة لشهر يناير)
فجأةً.. يجفلُ خطوُ القلب،
تهتزُّ الكُرياتُ الرصاصيةُ في سلَّته!
(هل إصبعُ الوحدةِ أم إصبعُكَ المصبوغُ بالحناء؟)
في الخارج أسوارٌ وأمطار،
غلافُ الليلِ ينشقُّ عن الرعد
غلافُ القلبِ ينشقُّ عن الوجد
 مساحاتٌ من الضَّوءِ الرمادي
أنا النافذةُ المغلقةُ السوداء
والتفاحةُ الحمراء
والأسماءُ
(اسمي كانَ مكتوبًا على طرف قميصي
قبل أن يُعلَّقَ في سلكِ الحدود الشائك)
النهرُ ضميري (ولعينيك انسيابُ النهر)
ما أقسى انتظاري!..
وفؤادي ساعده رملية صفراء
يهوي الرملُ في أعماقها شيئًا فشيئا
ربما للرمل طعمُ الملحِ أحيانًا.. وطعمُ الانتظار!!
المزمور الخامس
كان فستانُك في الصيف من الكتان،
والزهرةُ في صدرِكِ بيضاءَ،
ولكن الشتاءَ الآن يكسوكِ بلونِ السُّلِّ والنرجسِ!
(حتى ورقة التُّوتِ على فخذيكِ.. صفراءُ!)
هل الماءُ يغيضُ الآنَ في البئر؟
هل الماءُ يفيضُ الآنَ في البئر؟
أماءٌ؟ أم دمٌ؟
(هذا الندى القاتلُ ذو الوجهين)
كان الناي يمتدُّ من الضفةِ للضفة
من صدرِكِ إلى صدري
كان الناي ممتدًا
ولونُ الليل بين البرتقالي – الرمادي – السماوي
وفي شعرك غابات من الوحشة والصمت،
هوى نجمٌ، وفي الثانيةِ التاليةِ اصطكَّتْ يديّ
في الشَّبحِ العابر
(هل كانت يدي في يدك اليسرى؟)
وفي الثانيةِ الثانيةِ اصطكَّت يدي في كلمة السجن
على وجهِ الجدار!!
المزمور السادس
نحنُ صوتانِ..
(إذن فالصوتُ قد أصبح صوتَيْنِ)
تنزَّهنا على خطِّ استواء الموت
لملمنا البنفسج
وتسلَّقنا شعاعَ الزَّهر، خلخلنا مزاليجَ البيوت
وقدحنا حجرَ الحُبِّ، جلسنا نتوهج
فاحلفي باسمي، وباسم العنكبوت
باسم نقش الذكرياتِ المُتَعرِّج
وركام الذكرياتِ المتدرج
إنها ورقةُ توت
سقطت عن عورة الصيف،
وظلت تتدحرج
فوقفنا نتفرَّج
(دون أن نطرف) حتى سقطت في النهر..
وارتد السكوت!
المزمور السابع
جاء الأناسُ الميتون يحملون
أكفانَهم، أطيارَهم ليست إلى أعناقهم.
يستفسرون:
” ماذا أتى بنا هنا؟!! “
أتت بكم امرأةٌ خاطئةٌ
نهودُها دافئة
ولحمُها مُعَطَّرُ النَّكهة
قد استدارت في فراشها برهة
عانقت الجدارَ.. قبلت وجهه
(يا أيُّها الجدارُ.. لا تَبُحْ بما ترى
ولا تَقُلْ عن الذين يولدون)
وغمغم الجدارُ..
يا صديقتي الطفلة
مات الذين يسألون!
………………….
ومرت الليلة
فربما كان أباكم الجدار
ربما يكون
المزمور الثامن
(شَجَوِيَّة)
لماذا يُتابعُني أينما سرتُ صوتُ الكَمَان؟
أُسافرُ في القاطرات العتيقة،
(كي أتحدَّثَ للغرباء المسنين)
أرفعُ صوتي ليطغى على ضجَّةِ العجلات
وأغفو على نبضات القطار الحديديةِ القلب
(تهدر مثل الطواحين)
لكنها بغتةً. تتباعدُ شيئًا فشيئا
ويصحو نداءُ الكمان!
***
أسيرُ مع الناس في المهرجان
أُصغى لبوقِ الجنودِ النُّحاسيّ
يملأُ حلقي غبارُ النَّشيدِ الحماسيّ
لكنني فجأةً.. لا أرى!
فجأةً تتلاشى الصفوفُ أمامي
وينسرب الصوتُ مبتعدًا
ورويدًا.. رويدًا يعودُ إلى القلبِ صوتُ الكمان..!
لماذا إذا ما تهيأتُ للنوم يأتي الكمان..
فأُصغي له آتيًا من مكان بعيد
فتصمتُ همهمةُ الرِّيحِ خلفَ الشبابيك،
نبضُ الوسادة في أذني
تتراجعُ دقاتُ قلبي،
وأرحلُ في مدنٍ لم أَزُرْها
شوارعُها فضةٌ
وبناياتُها: من خيوطِ الأشعة
ألقي التي واعدتني على ضفَّةِ النَّهرِ واقفةً!
وعلى كتفيها يحطُّ اليمامُ الغريبُ
ومن راحتيها يغطُّ الحنانُ!
***
أُحبُّكِ صارَ الكمانُ كُعوبَ بنادِق!
وصارَ يمامُ الحدائق
قنابلَ تسقطُ في كلِّ آن
………………….
وغابَ الكمان!

(الإصحاح الأول)
عائدون، وأصغر إخوتهم (ذو العيون الحزينة)
يتقلب في الجُبِّ،
أجمل إخوتهم.. لا يعود!
وعجوزٌ هي القُدْسُ (يشتعل الرأسُ شيبًا)
تشمُّ القميصَ فتبيضُّ أعيُنُها بالبكاء،
وتخلع الثوبَ حتى يجئ لها نبأٌ عن فتاها البعيد
أرضُ كنعانِ – إن لم تَكُنْ أنتَ فيها – مراعٍ من الشوك
يورثها الله من شاء من أمم،
فالذي يحرس الأرضَ ليس الصيارف
إن الذي يحرس الأرضَ ربُّ الجنود
آه من في غد سوف يرفع هامته
غير من طأطأوا حين أزَّ الرصاص؟
ومن سوف يخطب – في ساحة الشهداء -
سوى الجبناء؟
ومن سوف يغوي الأرامل إلا الذي سيؤول إليه خراج المدينة!!؟
(الإصحاح الثاني)
أرشق في الحائط حد المطواه
والموت يهب من الصحف الملقاة
أتجزَّأُ في المرآة
يصفعني وجهي المتخفي تحت قناع النفط
” من يجرؤ أن يضعَ الجرسَ الأولَ في عنقِ القط؟ “
(الإصحاح الثالث)
منظرٌ جانبيٌّ لفيروز
(وهي تطل على البحر من شرفة الفجر)
لبنان فوق الخريطة:
منظر جانبي لفيروز؟
والبندقية تدخل كل بيوت الجنوب
مطر النار يهطل، يثقب قلبا.. فقلبا
ويترك فوق الخريطة ثقبا.. فثقبا
وفيروز في أغنيات الرعاة البسيطة
تستعيد المرائي لمن سقطوا في الحروب
تستعيد الجنوب!
(الإصحاح الرابع)
البسمةُ حلمٌ
والشمس هي الدينار الزائف
في طبق اليوم
(من يمسح عني عرقي في هذا اليوم الصائف)
والظل الخائف
يتمدد من تحتي،
يفصل بين الأرض.. وبيني!
وتضاءلتُ كحرفٍ مات بأرض الخوف:
(حاء.. باء)
(حاءٌ.. راءٌ.. ياءٌ.. هاءٌ)
الحرف: السيف
ما زلت أرودُ بلادَ اللون الداكن
أبحثُ عنه بين الأحياء الموتى والموتى الأحياء
حتى يرتد النبضُ إلى القلبِ الساكن
لكن!!
(الإصحاح الخامس)
منظر جانبي لعمان عام البكاء
والحوائط مرشوشةٌ ببقايا دم لعقته الكلاب
ونهودُ الصبايا مصابيح مطفأة فوق أعمدة الكهرباء
منظر جانبي لعمان،
والحرس الملكي يُفَتِّشُ ثوبَ الخليفة
وهو يسير إلى ” إيلياء “
وتغيبُ البيوتُ وراءَ الدخان
وتغيب عيون الضحايا وراء النجوم الصغيرة
في العلم الأجنبي،
ويعلو وراء نوافذ ” بسمان عزف البيان ”
(الإصحاح السادس)
اشتري في المساء
قهوة وشطيرة
واشتري شمعتين. وغدارة، وذخيرة
وزجاجة ماء
………………….
عندما أطلقَ النارَ كانت يد القدس فوق الزناد
(ويدُ اللهِ تخلعُ عن جسدِ القدسِ ثوبَ الحداد.
ليس من أجل أن يتفجَّرَ نفطُ الجزيرة)
ليس من أجل أن يتفاوض من يتفاوض
من حول مائدة مستديرة
ليس من أجل أن يأكل السادة الكستناء.
(الإصحاح السابع)
ليغفرِ الرَّصَاصُ مِنْ ذَنْبِكَ مَا تَأَخَّرَ
لِيَغْفِرِ الرَّصاصُ.. يا كيسنجر!!
(الإصحاح الأول)
أيها الواقفونَ على حافةِ المذبحة
أشهروا الأسلحة!
سقط الموتُ، وانفرطَ القلبُ كالمسبحة
والدم انساب فوق الوشاح!
المنازلُ أضرحة
والزنازنُ أضرحة
والمدى.. أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني!
أنا ندمُ الغدِ والبارحة
رايتي عظمتان. وجمجمة،
وشعاري: الصباح!
(الإصحاح الثاني)
دقَّتِ السَّاعةُ المُتْعَبَة
رفعت أمُّهُ الطيبة
عينَها..
(دفعتْهُ كُعوبُ البنادقِ في المركبة!)
………………….
دَقَّتِ السَّاعَةُ المُتْعَبَة
نهضَتْ، نَسَّفَتْ مكتبَه..
(صفعَتْهُ يدٌ..
- أدخلتْهُ يدُ اللهِ في التجربة -)
………………….
دقت الساعة المتعبة
جلست أمُّهُ، رتَّقَتْ جوربَه..
- (وخزَتْهُ عيونُ المُحَقِّقِ..
حتى تَفَجَّر من جلدِهِ الدمُ والأجوبة!)
………………….
دقت الساعة المتعبة!
دقت الساعة المتعبة!
(الإصحاح الثالث)
عندما تهبطين على ساحة القوم لا تبدئي بالسلام
فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام
بعد أن أشعلوا النار في العش..
والقش..
والسنبلة.
وغدا يذبحونك.. بحثا عن الكنز في الحوصلة!
وغدا تعتدي مدن الألف عام
مدنا.. للخيام
مدنا ترتقي درج المقصلة!
(الإصحاح الرابع)
دقت الساعة القاسية
وقفوا في ميادينها الجهمة الخاوية
واستداروا على درجات النصب
شجرا من لهب
تعصف الريح بين وريقاته الغضة الدانية
فيئن: ” بلادي.. بلادي “
(بلادي البعيدة!)
………………….
دقت الساعة القاسية
” انظروا ” هتفت غانيةٌ
تتمطى بسيارة الرقم الجمركي،
وتمتمت الثانية
سوف ينصرفون إذا البردُ حلَّ.. ورانَ التعب
………………….
دقت الساعة القاسية
كان مذياعُ مقهى يُذيع أحاديثه البالية
عن دعاة الشغب
وهم يستديرون
يشتعلون – على الكعكعةِ الحجريةِ – حول النُّصُب
شمعدان غَضَب
يَتَوَهَّجُ في الليل
والصوتُ يكتسح العتمة الباقية
يتغنى لليلة ميلاد مصر الجديدة!
(الإصحاح الخامس)
اذكريني!
فقد لوثتني العناوين في الصحف الخائنة!
لوَّثَتْني.. لأني منذ الهزيمة لا لون لي
(غير لون الضياع)
قبلها، كنت أقرأ في صفحة الرمل
والرمل أصبح كالعُملة الصعبة،
الرمل أصبح أبسطة.. تحت أقدام جيش الدفاع)
فاذكريني، كما تذكرين المُهَرِّبَ.. والمطربَ العاطفيَّ..
وكاب العقيد.. وزينة رأس السنة
اذكريني إذا نسيتني شهود العيان
ومضبطة البرلمان
وقائمة التهم المعلنة
والوداع!
الوداع!
(الإصحاح السادس)
دقت الساعة الخامسة
ظهر الجند دائرة من دروع وخوذات حرب
ها هم الآن يقتربون رويدا.. رويدا..
يجيئون من كل صوب
والمغنون – في الكعكة الحجرية – ينقبضون
وينفرجون
كنبضة قلب!
يشعلون الخناجر،
يستدفئون من البرد والظلمة القارسة
يرفعون الأناشيد في أوجه الحرس المقترب
يشبكون أيديهم الغَضَّة البائسة
لتصير سياجا يصد الرصاص!
الرصاص..
الرصاص..
وآه…
يغنون، ” نحن فداؤك يا مِصْرُ “
” نحن فداؤ… “
وتسقط حنجرة مخرسة
معها يسقط اسمُكِ يا مصرُ – في الأرضِ
لا يتبقى سوى الجسد المتهشم والصرخات
على الساحة الدامسة
دقت الساعة الخامسة
………………….
دقت الخامسة
………………….
دقت الخامسة
وتفرَّقَ ماؤكَ – يا نهرُ – حين بلغت المصب!
***
المنازل أضرحة، والزنازن
أضرحة، والمدى أضرحة
فارفعوا الأسلحة!
ارفعوا
الأسلحة
أبانا الذي في المباحث. نحن رعاياك.
باقٍ لك الجبروتُ
وباقٍ لنا السكوتُ.
وباقٍ لمن تحرسُ الرهبوتُ.
تَفَرَّدتَ وحدَكَ باليُسرِ. إنَّ اليَمينَ لفي الخُسرِ.
أما اليسارُ ففي العُسرِ.. إلا الذين يُماشون
إلا الذين يعيشونَ يَحشُونَ بالصحفِ المشتراةِ
العيونَ فَيَعشُون. إلا الذين يَشونَ. وإلا.
الذين يُوَشُّونَ ياقاتِ قُمصانِهم بِرِبَاطِ السُّكوت!
تَعَالَيْتَ. ماذا يَهُمُّكَ مِمَّنْ يَذُمُّكَ؟ اليومُ يومُكَ
يرقَى السجينُ إلى سُدَّةِ العرشِ..
والعرشُ يُصبحُ سِجْنًا جديدًا وأنتَ مكانُكَ. قد
يتبدلُ رسمُكَ واسمُكَ. لكن جوهرَكَ الفردَ
لا يتحولُ، الصمتُ وَشْمُكَ. والصَّمْتُ وَسْمُكَ
وَصَمْتٌ – حيثُ التَفَتَّ – يرينُ وَيَسْمُك
والصمتُ بين خيوط يدَيْكَ المُشبَّكَتَيْنِ المُصْمَغَتَيْنِ يَلُفُّ
الفراشةَ.. والعنكبوتْ
***
أبانا الذي في المباحثِ. كيفَ تموتُ
وأغنيةُ الثَّورةِ الأبديةِ
لَيْسَتْ تموتُ!!
1970
(بيان)
أيها السادةُ، لم يبقَ اختيار
سقط المُهرُ من الإعياء،
وانحلَت سيورُ العَرَبة
ضاقت الدائرةُ السوداءُ حول الرقة
صدرنا يلمسهُ السيفُ،
وفي الظَّهرِ: الجدار!
………………….
أيها السادةُ لم يبقَ انتظار
قد منعنا جزيةَ الصمتِ لمملوكٍ وعَبد
وقطعنا شعرة الوالي ” ابنِ هند “
ليس ما نخسرهُ الآنَ.
سوى الرحلةِ من مقهى إلى مقهى..
ومن عارٍ.. لِعَار!!
 (1)
على محطات القُرى..
ترسو قطاراتُ السهاد
فتنطوي أجنحة الغبار في استرخاءةِ الدنوّ
والنسوةُ المتشحاتُ بالسواد
تحت المصابيح، على أرصفة الرسو
ذابت عيونُهن في التحديقِ والرنو
على وجوه الغائبين منذ أعوام الحداد
تشرق من دائرةِ الأحزان والسلو
………………….
ينظرن.. حتى تتآكل العيون
تتآكل الليالي.
تتآكل القطارات من الرواحِ والغدو
والغائبون في تراب الوطنِ – العدو
لا يَرجعون للبلاد..
لا يخلعون معطفَ الوحشةِ عن مناكبِ الأعياد!
(2)
نافورة حمراء.
طفل يبيع الفُلَّ بين العَرَبات
مقتولة تنتظر السيارة البيضاء
كلبٌ يحكُّ أنفه على عمود النور
مقهى. ومذياعٌ ونَرٌد صاخبٌ، وطاولات
ألويةٌ مَلوية الأعناق فوق الساريات.
أنديةٌ ليلية
كتابةٌ ضوئية
الصحف الداميةُ العنوان.. بيضُ الصفحات.
حوائط، ومُلصقات…
تدعو لرؤية (الأب الجالس فوق الشجرة)
والثورةِ المنتصرة!
إيقاعات:
سرحانُ يا سرحان
والصمتُ قَد هدَّك
حتى متى وحدك
يخفِرُك السجان؟
………………….
نَقتُلُ، أو نُقتَل
هذا الخيارُ الصعب
وشلنا بالرعب..
تردُّدُ العُزَّل
………………….
في البيت في الميدان
نُقتَلُ يا سرحان!
- 3 -
أبخرة الشاي تدور في الفناجين، وتشرئب
يلتمُّ شمل العائلة
.. إلا الذي في الصحراء القاحلة
يرقدُ في أمعاء طائر وذئب
(يهبط من صورته المقابلة
يلتف حول رأسِه الدامي شريطُ الحزن
يجلس قربَ الركن.
يصغى إلى ثرثرةِ الأفواهِ والملاعق المُبتذَلَة
ينشقُّ في وقفته.. نصفين
يصبُّ في منتصف الفنجان.. قطرتين
من دمه،
ينكسرُ الفنجان.. شظيتين)
ينكسرُ النسيان
وهو يعود باكيًا إلى إطارِ الصورةِ المُجلَّلَة
بآيةِ القرآن!
إيقاعات:
الدم قبلَ النوم
نلبسه.. رداء
والدم صار ماء
يُراقُ كل يوم
………………….
الدمُ في الوسائد
بلونه الداكن
واللبن الساخن
تبيعهُ الجرائد.
………………….
اللبنُ الفاسد
اللبنُ الفاسد
اللبن الفاسد
يُخفي الدَّم – الشاهد
- 4 -
” أموتُ في الفِراش.. مثلما تموتُ العير “
أموت. والنفير
يدقُّ في دمشق..
أموت في الشارعِ: في العطور والأزياء
أموتُ والأعداء..
تدوس وجهَ الحق
” وما بجسمي موضع إلا وفيه طعنة برمح “
.. إلا وفيه جُرح،
إذَن.
” فلا نامت عيون الجبناء “.