“99 جنيه.. تعمل إيه يا بيه”

Posted: 26 مايو 2010 in كتابات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , ,
19 أبريل2010

من 15 سنة قاللي واحد صاحبي من الفيوم إن فيه بنات بيشتغلوا في مصنع للرخام هناك بـ40 جنيه في الشهر، مكنتش مصدق اللي بسمعه ده، ومن سنة تقريبا سمعت من المناضل إلهامي الميرغني اللي له دراسات عن أوضاع عمال مصر: إن تقرير جديد لوزارة التأمينات الاجتماعية بيقول “إن فيه 187 ألف شخص معاشهم ما بيتخطاش 40 جنيه في الشهر”. برضه مكنتش مصدق نفسي وكنت هتجنن إن بعد 15 سنة لسة فيه رقم أقل من 100 جنيه كدخل شهري. النهاردة واحدة صديقتي مناضلة خدتني معاها اعتصام وسمعت بودني من اللي واقفين على رصيف مجلس الشعب وبيشتغلوا في مراكز المعلومات التابعة لمجلس الوزراء “احنا 32 ألف متوزعين على المحافظات بنقبض 99 جنيه في الشهر من سنة 2001 وكان فيه وعد بالتعيين وزيادة المرتبات، من ساعتها واحنا ما تغيرش حالنا”.. كان لازم أقول في سري وقتها يا لهوي! وكان لازم لو شفت أي مسئول ساعتها في حكومتنا أم كرش ناهبة فيه حقوق الناس دول أنط ف كرشه إن شالله أروح فيها حتى بس أجيبلهم من كرشه أي حاجة تنفعهم في وقفتهم البطولية دي. بجد الناس دول أبطال مش بس علشان قادرين يعيشوا بـ99 جنيه في الشهر بالتأكيد جنب شغلانة تانية مش رسمية بيتهد فيها حيلهم على شوية مساعدات قليلة من أهاليهم الغلابة برضه. هما أبطال علشان قرروا وقدروا يقفوا في وش الظلم واللي ناهب حقوقهم. الناس دي أبطال لأنهم بيعلمونا إن الحقوق مش بتيجي بالمحايلة على أصحاب الكروش الضخمة، بتيجي لما نحط إيدينا في إيد بعض رجالة وستات.. صبيان وبنات، ونعرف إن طريقنا واحد.. يا هنعيش سوا يا إما برضه هنعيش سوا.

على رصيف مجلس الشعب لقيت أيادي عرقانة والتراب كاسيها.. ماسكة أغصان شجر بتضرب بقوة على قزايز بلاستيك فاضية لمشروبات ما شربوهاش، قزايز شكلها قديم، هتافات بتشق حناجرهم الهلكانة بسبب البيات في الشوارع والفقر “يا قاعدين تحت القبة.. شيلوا الظلم وحطوا محبة”، أمنيات بتحسين الأوضاع بتطل من ملامح تعبها السهر والقلق والخوف من بكره وبطون عيالهم اللي غالبا ما بيملسش على جدارها غير شويات فول وعيش متغمس بعرق أهاليهم، بطاطين متنتورة في كل مكان ع الرصيف، يفط عليها شعارات وشباشب وشوية وشوش ما تغسلتش من أيام بيطل منها برد الليل وحرارة شمس النهار، وعيون دبلانة فيها شوق لحياة كريمة تحترم بس احتياجاتهم الإنسانية البسيطة. نار بتنطلق من جوفهم في الهتافات وشرح مشكلتهم.. “٩٩ جنيه.. تعمل إيه يا بيه؟”.

دي يا جماعة مش محاولة لكتابة قصة قصيرة، دي قصة حقيقية واللي مش مصدق يروح يزور الناس دي بنفسه ويشوف بعينيه.. شباب زي الورد وبنات قمرات وستات جدعان ورجالة بتشقى على عيالها، واقفين بقالهم أيام ولسة هيقفوا صبح وليل علشان البهوات اللي قاعدين تحت القبة في المجلس وفي المكاتب المكيفة في الحكومة “شغالين باليومية.. عند حكومة إلكترونية” يسمعوا صوتهم ويستجيبوا لمطالبهم البسيطة.

على نفس الرصيف هتلاقي عمال تانينن من هيئات تحسين الأراضي وشركة النوبارية ما قبضوش مرتبات بقالهم شهور، وكأن نفس الحكومة اللي ما بتقبضهمش هتستنى عليهم في فواتير الكهربا والتليفون والغاز والميه، ولا هتديهم العيش والغموس ع الحساب، ولا هتركبهم مواصلات وتعلم عيالهم وتعالجهم بالمجان. وناس تانين قاعدين على كراسي متحركة بيدفعوا تمن الجهل والمرض اللي حكومتنا مسئولة عنه بنهبها لكل حاجة لصالحها وسايبة للناس فتافيت متشبعش ولا تكسيش ولا تطيب آلام، ولا تسلم حياة الناس دي من شر الأيام والظروف (الاسم الجديد لحكومة الحرامية). ناس من حقها تشتغل وتتراعي ظروفها وتعيش غصب عن عين اللي ما بيعرقوش وبيقبضوا ألوفات وبيسرقوا ملايين وبينهبوا تعب السنين اللي شقيوها البنايين الحقيقين لكل الخير ده.

الناس اللي معتصمة دي ع الرصيف، واللي معتصمين في مصانعهم، واللي اعتصموا قبل كدة، واللي هيتعصموا بكرة وبعدين واللي بيقولوا للظلم والاستغلال لأ، واللي بيناموا يحلموا بصبح نضيف مفيهوش فساد ومحسوبية وعصابة حرامية، واللي نفسهم يشوفوا عيالهم بتكبر قدامهم متعلمين كويس وصحتهم حلوة وعقلهم متنور.. الناس دي لازم يعيشوا ويتمتعوا بالخير اللي جاي من عرقهم لأنهم هما بجد اللي من حقهم يعيشوا، هما مش حرامية بنوك، ولا بيسرقوا عرق حد، ولا بيزوروا علشان يسهلوا مشاريعهم، ولا بيبيعوا أكل ودم فاسد، ولا بيتاجروا في لحم البشر، ولا بيدوا لأعداءنا الأسمنت والغاز علشان يخنقوا بيهم اخواتنا ف غزة، ولا بيورثوا لولادهم الحكم والثروة، ولا بيزيفوا إرادة الناس علشان يتحكموا في مجلس الشعب اللي بيفصل قوانين ع المقاس تسهل نهب رجال الأعمال وبلطجة الحكومة وعنف الشرطة، ولا بيضربوا اللي بيقول لأ للظلم في وسط الشارع وهو بيعبر عن رأيه في مظاهرة، ولا عندهم سجون ومعتقلات بتضييع فيها كرامة الإنسان وعمره. الناس دي لازم تعيش لأنها ملح الأرض وهي اللي بتنتج وبتبني وبتزرع وفي الآخر “احنا بقينا ع الرصيف.. مش لاقيين تمن الرغيف”. لكن خلاص بعد ما ضهرهم بقى للحيط بدأوا يتحدوا الحكومة والنظام اللي عاصرهم ومش مهتم بحياتهم “لأ يا حكومة مش هنخاف.. مش لاقين العيش الحاف” وكمان وصلوا بوقفتهم مع بعض للحل الوحيد “معتصمين مش ماشيين.. غير بالحق مش راجعين”.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s