الحنين للماضي

Posted: 28 مايو 2010 in نصوص وخواطر
الوسوم:,

إلى صديقي الوحيد/ عاطف

مرة أخرى وليست أخيرة

أبريل/مايو/ يونيه 2009

هجرت الكتابة منذ فترة ليست بالقصيرة، أتمنى أن لا أهجرها للأبد. يبدو أن العامين المقبلين سيكونان الأزحم على الإطلاق في حياتي، فمن ناحية أود أن انتهي من الجامعة ومن تعلم بعض الإنجليزية، ومن ناحية أخرى إنجاز طفرة في الموقع الالكتروني. أحتاج هذه الفترة للعب دور هام -من وجهة نظري بالطبع- في الدعاية للاشتراكية الثورية من جانب، وضمان درجة تأهيل تسمح ببقائي في عملي أو البحث عن عمل في نفس المجال. شيء سخيف جدا أن تضطر لعمل أشياء لا تحبها.. أنا لا أحب الدراسة يا عزيزي، ولو عاد بي الزمن لاكتفيت بتعلم القراءة والكتابة وكنت بحثت عن عمل من نوع مختلف.

كنت أود أن أكون غير ما أنا عليه الآن.. شبه مثقف لا حول له ولا قوة. تمنيت أن أصبح فنانا تلقائيا يعزف العود في الشوارع، أو أضرب أزميلا لأجسد ما أحبه، أقرأ بنهم، وأناقش وأعلم سكان الحي الذي أقطنه: أن سر الحياة يكمن فيهم. أصبح قائدا طبيعيا من زخم الأحداث وعوالم الناس بنجاحاتهم وفشلهم.. ميزاتهم وعيوبهم.. حلوهم ومرهم، كل ذلك بلا أي اقتراب من بيئة المثقفين التي أمقتها. لكن قدري أن أكون هكذا نصف متعلم.. نصف مثقف، وثوري حالم يعمل بدأب خارج العالم الحي في نفق مظلم لا يرى منه بصيص ضوء واحد، على الأقل حتى الآن.

لماذا لا تكون الحياة عالمين، عالم أحياه بالجبر والتجربة والأخطاء، وعالم آخر أعيشه كما أريد بلا أي مساحات للاضطرار. أو أن اقتسم عمري.. ألقي بنصفه الثاني في المزبلة وأحيا نصفه الأول كما كنت وقتها بلا هموم أو عوالم أخرى تفرض عليا ما لا أرغبه. تلك السنوات فقط هي ما أعشقها وأتمناها. من يقايضني؟ يأخذ مني التسع عشرة عاما الأخيرة من حياتي ويعطيني بهجة السنوات الأولى.. يوقف نموي عند تلك المرحلة فلا تجرؤ سنوات عمري على ملامسة العشرين.

في مرة قابلت زميلة جديدة كانت ستقوم بمعاونتي في بعض الأعمال السرية، وتعرفت عليها باسم مستعار، كان من الصعب جدا أن تتصادف رؤيتنا خارج السياق، أعجبتني الفكرة جدا لدرجة أني تماديت في خلق شخصية جديدة وهمية لنفسي كنت أحبها وأتمنى أن أكونها، فادعيت أنني لم أنل أي قسط من التعليم، وبالتالي علاقتي باللغات الأخرى معدوم تماما، وقلت لها أن مهنتي صنايعي، ولكن تعلمت في السياسة ومن الرفاق أشياء كثيرة، ولصفات خاصة بي تم اختياري لهذه النوعية من الأعمال. صدقتني الفتاة خريجة الجامعة وأحبتني، لدرجة أنها عرضت عليّ بشكل غير مباشر الزواج لكي تستطيع العمل معي بحرية. كانت فتاة مؤمنة ولكنها أعجبت بإلحادي، ولولا أنها كانت من النوع المترهل مما أدى لاستبعادها من المهمة، لكان الموضوع تطور في اتجاهات أخرى. بعدها شعرت بأني خدعتها، من المؤسف أن ترى نفسك كاذبا لمجرد أنك تخيلتها كما كنت تتمناها!.

***

الآن يا عزيزي قررت أن أجتر الماضي حنينا وشوقا إليه، ولأني افتقد البوح مع مقربين، قررت أن أروي لك عما يختلج بداخلي، أنت يا صديقي الحبيب يا من تقرأ أعمالي وكأنك تريد معرفتي أكثر فأكثر، فقط لمجرد أنك تحبني تماما كما أشعر تجاهك. فاسمح لي أن أبوح وأفضفض بحثا عن أشياء ضاعت مني ربما أحاول، عبر تذكرها، الشعور بونسها ودفئها.

لا ابتغي من كتابتي هذه غير التصريح الواضح، فمداراة الحقائق ليست في مصلحتي، ولن أجني من ورائها شيئا. بالطبع ليست الحياة سوداء قاتمة، ولا أراها أيضا كذلك، ولست من المغرمين بإظهار أنفسهم كمعذبين في الحياة وكأن العالم يتآمر عليهم لإكسابهم التعاسة والاكتئاب، ولكني أشعر في هذه الفترة بالوحدانية أكثر فأكثر. أحاول أن أجد نفسي كي أصالحها واحتضنها للأبد، وعبثا أحاول، فهل سأنجح؟ وإذا نجحت.. تكمن المشكلة في أن نفسي هذه الضائعة مني لا تعني في النهاية سوى نفسي.. لا تعني خارجي.. الآخرون الذين يشعرونك بإنسانيتك الحية. ربما يكون ضياع النفوس بالمعنى الإجمالي هو السبب في بكائنا على الماضي، نشعر طيلة الوقت بأن حاضرنا كف عن الإتيان بجديد، ولن يحمل لنا المستقبل في خباياه أي مدهشات، لذلك نشعر بالحنين للماضي باعتباره مساحة ضائعة كأنفسنا، فيه الطفولة وسنوات المراهقة.. حكايات ومغامرات لا تنتهي. حتى من عاشوا طفولة تعيسة ومؤلمة لا ينسون هذه الفترة. فالسر في الماضي أنه انتهى، أصبح خارج المنغصات اليومية، أصبح لا ينتمي للواقع بتفاصيله الإجبارية السخيفة.. الماضي هو أنت منقوصا منك الموجعات الموحشات، سلاسل وقيود لا تستطيع مقاومة تكبيلك بها، ترغمك على السير منحنيا وبطيئا كعبيد العصور السحيقة.

نفسك الضائعة هي الشيء الوحيد الذي يجب عليك استعادته من هذا الماضي، بصفتها عنصرا مستمرا معك حتى موتكما معا. فإذا كان الماضي شيئا وانقضى فنفسك لا تنقضي إلا بموتك، وموتها.. أي ضياعها النهائي يعني أنك مُت، وما تتخيله عن حياتك مجرد وهم لا يصدقه غيرك. لن أكون مبالغا إذا قلت أن استعادة نفسك ومصالحتها سيعينك على دفن الماضي وأنت مستريح، وسيعطيك طاقة ويمنحك قوة تستطيع بها مجابهة مرارات الواقع والسعي بقوة لمستقبل أقل ما يمكن أن يعطيه لك هو التماهي مع حلمك في الحياة وإيمانك بالتغيير للأفضل كخطوة هامة وأولية نحو الحياة متخلصا من الشعور باليأس والتعاسة. هنا يكون مربط الفرس وعقدة الحبكة، إذا استطعت تجاوزها ستمتلك ما يمكن أن تفقده بدونها، وإذا فشلت فعليك السلام.

***

يهاجمني الموت الآن، دون أن أكون مسلحا ضده. أشعر بأنني لن أعش سوى بضعة أعوام قليلة، ربما أنجز موضوع الجامعة وتعلم قبس من اللغة وفجأة أموت وكأني حرثت بحرا، كان أولى بي أن أترك موجاته تتدفق كيفا اتفق.

في يوم اتصلت بمعتزة ابنة أخي خالد، فذكرت لي أثناء المكالمة أن شقيقتها الصغرى، سهيلة، تحلم بي كثيرا في هذه الأيام، فقلت لها على سبيل الدعابة “يبقى هاموت قريب”، فأضافت أن أبي (جدها) جاء لها بالأمس في الحلم وقال لها “قولي لستك ما تبخليش عليا”، فقلت لها: “إما هتروحله بنفسها أو هاتوديله جثة”. ولأن أمي طلبت دفنها في المدافن الجديدة التي اشتراها زوج شقيقتي في 15 مايو، ولأنني أوصيت بدفني في أحضان أبي في مقبرته، فمن المحتمل أن تذهب أمي لتسلمه الأمانة. أبي لا يأتي لأحد منا في الحلم إلا بنداء.. ونحن نلبي نداءات أبي، أتتذكر عندما قال لأسامة ابن شقيقتي “يا أسامة.. قول لامك إن أنا زعلان منّها، محدش بقى يجي يزورني. وقولّها كمان ها تجولي عن قريب غصب عنّكم” (خيال ضل أم حسين ـ نص الرؤيا ص 16). وذهبنا له بجثة ابن شقيقي ياسر ذو الخمسة أيام، تحمله شقيقتي -المخصوصة بالنداء- قطعة لحم حمراء في كفن صغير. ستقول لي هذه هلاوس وتطمئنني كعادتك.. ربما تكون هكذا، ولكن أليس الموت بالقدرة على خلق الهلاوس وتحويلها لحقائق؟!.

***

لماذا يطاردني الموت بعدما تخيلت أني شفيت من اكتئابي اللعين؟ هل كان الشفاء مجرد تمرينا ذهنيا أداره عقلي حتى يعينني على تحمل وطأة الحياة ويدفعني بقدر الإمكان للاستمرار؟ هل عاد الموت ليؤكد لي أن وحدتي وشعوري الطاغي بها هو المسيطر وما عداه مجرد نوع من الصبر الجميل؟ هل ابتعاد الرفاق عني منذ وقت طويل سببا في نكستي النفسية؟ أم هل الحياة النمطية وانعدام الفرص تصلح لتفسير حالتي؟ أم ترى أن الأسباب أكبر وتتعلق بالجو العام.. طغمة الديكتاتورية.. استمرار الأوضاع؟.

***

بيني وبين الرفاق/الأصدقاء مسافات لا تعبر بالطائرة كما تتخيل عن وحدتك، بيننا الآن ابتعادات لا يمكن تقريبها سوى باستعادة أنفسنا التي طوتها تفاصيل الحياة الصاخبة. لم يعد يسأل عني أحد، ربما لأنني مغردا خارج السرب كعادتي حتى لو كنت نشاذا، أو لأن الحياة تم تقسيمها إلى مجموعات وشلل لست واحدا في أي منها.

على أية حال سرقت مني الدهشة والشعور بالدفء وسط من أحبهم، فاللقاءات التي تحدث على فترات متابعدة جدا أقل من فاترة، وكأنه لم يعد بيننا ما يدفنه أحدنا في الآخر.

حقيقي أشتاق إليك وإلى لقاءاتنا.. تتسرسب بيننا الهموم والحكايات والذكريات دون أن نستطيع إيقافها، قوة منها أو تلذذا بها.. لا أعرف! ولكننا ندعها تنساب.. تدفئنا وتشعرنا بأننا ما زلنا أحياء، نشعر ونـتألم ويملؤنا الشجن. واضح يا عزيزي أن مشكلتنا الأساسية في كوننا لا نصدق النهايات، فلكل شيء نهاية، فلماذا نتوهم الخلود والاستمرار، لماذا يؤلمنا ما هو طبيعي في الوجود (الميلاد.. الحياة.. الموت) قل لماذا تؤلمنا الحياة نفسها؟.

***

فايد ليست مجرد بحرا، حتى شروط البحر التي تريحيني من مدى مفتوح واتساعات لا نهائية النظر لا تنطبق عليها، لكن فايد تحملنا سويا بداخلها، ذكرياتنا الجميلة، حكاوينا، قصص أبي وأحلامي عنه، نبتات علاقاتك العاطفية وروايتك لها، الهدوء والسكينة، زجاجات البيرة وسط المياه الدافئة بعد منتصف الليل وفجرا، قمر فايد الذي يرافقنا كثالث، رائحة نسيم الصباح وحتى شمس الظهيرة، صوت الموج ووشوشات شجر الليمون وعناقيد العنب، رائحة فاكهة الحديقة وزهورها المخلوطة بيود البحر. حتى الأيام التي كان يأتي معنا فيها آخرون أحمل ذكرياتها.. هنا لعبوا، وهناك ضحكنا، وفي هذا المكان تخاطفنا من بعضنا الطعام.. أيام يا صديقي.. وحشتني فايد بشدة، لكنني لا أجرؤ على الذهاب هناك وحدي، فلن أستطيع رؤية المكان ونحن غير جالسين فيه، ترعبني هذه الفكرة لمجرد ورودها في ذهني.

***

أصعد لسطح منزلنا تقريبا بشكل يومي، ويمكن أن تتعدد المرات خلال اليوم الواحد، مؤخرا سماع الموسيقى هو أنيسي في تلك الطلعات. لكن أهم ما يلفت انتباهي في الفضاء -الذي أتأمله فقط في صعودي هذا- هو الطائرات: فالطائرات الورقية مثلا تجذبني بشدة، لم أطير في حياتي طائرة ورقية واحدة، وكم تمنيت أن أكون مثلها أطير وأتبختر في الهواء غير عابئ بشيء، لكن أعلم تماما أن طيرانها في النهاية مرتبط بخيط يشدها للأرض، ولو حاولت منفردة أو بتواطؤ مع الهواء في التحرر مما يربطها بالأرض سيكون مصيرها مساحة من الحرية المؤقتة لتترنح بعدها وتسقط معلنة انتهائها إما على الأرض التي حاولت الإفلات مما يربطها بها أو معلقة على أعمدة الإنارة ينقرها الغربان أو فوق أحد الأسطح المهجورة مع كراكيب قديمة أصبحت خارج الخدمة.

أما الطائرات الحقيقية الكبيرة فأنظر لها طيلة الوقت كطفل يحلم بركوبها للهجرة إلى لا شيء محدد، أو كمن لم يرى أباه وخدعوه بسفره الطويل، فيرى كل واحدة وكأنها ستأتي لتحط على سطح منزله لينزل منها ما لم تراه عينه أبدا، يحمل له الهدايا والقبلات وصوت طقطقة الضلوع الصغيرة في اعتصار دافئ حنون. أنا يا صديقي أتعامل الآن مع الطائرات بهذا المنطق، في كل طائرة أتخيلك راكبا تشاور لي من نافذتها المغلقة البعيدة، فأراك وابتسم وتنزل دموعي، أدعوك للهبوط فتأخذك الطائرة بعيدا بلا أي اكتراث لدموعي. هل ستأتي يا صديقي يوما ما وتعود ليالينا وأيامنا وحكاوينا البريئة؟ أخشى أن يوشك عمري على الفناء قبل أن تأتي. لا أريد أن أرى دموعك تروي الصبار المزروع على قبري.

***

هل تصدق أني الآن حين أرى قمرا لا أهتم به!.. وكأنني لم أحبه يوما، لم أعشق مداراته وتمنيت اصطحابه لي في سفره الطويل. كنت طيلة الوقت أظن أنه يظهر لي وحدي، وكأنه خلق فقط من أجلي، أما الآن فلا أبالي بطلعته الشجية. هل فقدت إحساسي بوجوده، أم سئمت انتظار اللحظة التي سأحلق فيها بجواره؟ تمنيته وعشقته وحلمت به، فهل بادلني نفس الشعور، أم تراه لا يعرفني؟! القمر حلم وأمنية بعيدة المنال لشخص لا تقدر قدماه على الثبات أرضا ولا يملك أجنحة للطيران، شخص غير متزن مصيره السقوط الحتمي بفعل الجاذبية التي ستقوى على مقاومة رغباته. كان القمر لي كطبيبي النفسي يسمع شكواي بصبر طويل، يؤازرني بكلماته التي تمسد جروحي، يهدهدني أحيانا ويحنو على كتفي بأشعة بيضاء رقيقة مثله، للقمر قدرة رهيبة على إكسابك هدوء روحاني في عالم يضج بالمزعجات، ولكن ما كنت أبعده عن خيالي أن للقمر عشاق كثيرين لا يقوى أحدهم على امتلاكه أو أن يتخيل ولو للحظة أن القمر يخصه وحده بحبه اللامتناهي.

***

من يعيد لي سنوات التسعينيات..!! فبالرغم من صعوباتها التي كانت أشبه بسباحة ضد التيار لشخص يعشق العوم ويشتاق لنعومة المياه.. بصرف النظر عن مخاطر المغامرة؛ كانت بالنسبة لي أجمل فترات حياتي سياسيا وأكثرها انتعاشا. نشاطي في مقر التجمع، الندوات والنقاشات، توزيع النشرة على المصانع، عاملات الملابس الجاهزة، الانتخابات البرلمانية وتوزيع أوراق الدعاية في الشوارع، الملاحقات الأمنية.. كانت يا عزيزي أياما جميلة رغم خشونة الفقرات وآلامي النفسية.

أما الآن فأقبع على الكومبيوتر وليست لي علاقة بالعمل العام، بالتأكيد تغيرت الظروف وأصبحت أفضل بكثير.. الضرائب العقارية، المحلة، البريد، الإداريون…، لكن العالم يسير خارجي، يسير وحده دون أن نتفاعل سويا، أنا الذي كنت أعيشه ويعيشني، نحيا الآن بعيدين، هو يعيش وينتعش وأنا ربما أكون ميتا أو في عالم آخر.. ابتسم لحياته وانتشائه ولا أشعر بشيء داخلي، أمعقول هذا؟!.

***

لا أنكر أن الصعيد وحشني بشدة! كنت أذهب مرتين أسبوعيا لمحافظتين مختلفتين، واحدة منهن كنت استيقظ من أجلها في السادسة صباحا، أركب قطار السابعة والنصف، وبعد أن تنطلق صافرته أقرأ قليلا وأغفو معظم الرحلة التي تنتهي بعد ثلاث ساعات ونصف من اختراق الزراعات القبلية، أنهي الاجتماع الطويل وألحق بقطار السابعة مساء، فأدخل البيت في الواحدة ليلا منهكا وصبورا. كان الرفاق متعِبون حقا.. يثرثرون كثيرا كعادات مثقفي الريف المشتاقين للمدينة التي تبتلع ناسها فما بالك بهم، يتغيبون عن معظم الاجتماعات أو يأتون متأخرين من منازلهم القريبة، لا يوزعون المجلة، ينشطون ببطء كحركتهم العادية. ولكن كانت الرحلة بالنسبة لي لها مذاق آخر، مذاق لا يعرفه سواي، أشعر به الآن في حلقي وأنا في انتظار الأتوبيس النهري ليقلني من أمام قسم إمبابة إلى عملي بالزمالك وقتما أرى قطارات الصعيد وهي تعبر كوبري إمبابة العتيق فيهز قلبي صوت عجلاتها على الفلنكات فأشعر ساعتها بالسفر، هل شعرت يا عزيزي مرة بالسفر.. الشعور بالسفر ليس بالضرورة في أن تركب طائرة أو قطار وتنتقل من مكان لآخر.. السفر يعني أن تذهب إلى حيث لا تعرف أنت أو الآخرون.. إلى ما يتجاوز خيال أمنياتك.. إلى حيث الموت من السعادة والنشوة والارتياح.. هل تستطيع ان تصف لي طعم السعادة، هل تذوقتها يوما؟.

***

سبب تعلقي بالـ IPOD ليس سماع الأغاني والموسيقى وقتما أشاء فقط، ولكن للمفعول الذي يسري في عروقي بسماعها المستمر. فالموسيقى بالنسبة لي ملاذ للهروب من الواقع بوحشته. مع الموسيقى تشعر كأنك محلق في فضاء كوني لا نهائي.. مساحة للتجريد والبعد عن الواقع بتفاصيله الموجعة، حتى لو كانت تحمل نفسها أوجاعا.. فهي من النوع الشجي، مؤلم حقا ولكن تستطيع أن تتقبلها كمازوخي سعيد بنفسك. في الموسيقى تستطيع الإفلات من كل شيء، طبعا تعود بعدها مرغما للواقع مرة أخرى، ولكن يمكنك الهروب سريعا إليها لتحتمي بها، هي الكر والفر في معركتك مع الواقع.

أما الأغاني فهي الواقع الذي تتمنى أن تعيشه.. أشجان، وأحزان، ومواقف، أفراح لا تأتي كما تضيع بسهولة، وبسطاء يحلمون بالغد، حتى القصص العاطفية التي تقوم على لوعة الحب ستود أن تدرجها كعنصر في هذا الواقع المتخيل بما تحمله من حراك نفسي وعاطفي. للأغاني قدرة على أن تحاكيك وتحاكيها، فأنت الحبيب، والبطل، والمنتظر، والحالم، والصبور، والمأزوم، والمنتشي، والشجي، والمهزوم، والمنتصر، والمظلوم.. وأحيانا ظالم يؤنب نفسه على أخطائه الفادحة. كل أغنية تحمل لي قصة أو ذكرى أو موقف أو رائحة استنشقتها أو طعم ما زال معلقا بحلقي.. الأغاني جزء أصيل من ماضي لم يعد موجودا، فقط تذكرني به وتترك لي مسحات حزينة بعدما تنتهي. لذا أصبح هذا الجهاز العبقري صديقي الجديد الذي استدعيه وقتما شئت، ألمسه فيسيل في أذني بما أريد سماعه.. من تذكره.. بما أريد من التحسر عليه. لكن وللأسف هذا الصديق الجديد لا يسمع شكواي ولا يحادثني عن نفسه مطلقا!.

***

أشياء كثيرة افتقدها منها دموعي وذكرياتي الشجية. كنت قد توقفت عن البكاء منذ وقت طويل، البكاء طهر وتفريغ لشحنات ستنفجر لو احتفظت بها. كانت دموعي لأبي الأكثر شجنا على الإطلاق في تاريخ بكائي الطويل، ولكن مشكلتي الآن أني نسيت طعم الدموع الشجية، كمن نسي نفسه في قاع محيط بعدما أوشك على الغرق فتخلى عنها كي ينجو بدونها خسة منه. تعد الدموع جزءا من تراثي الإنساني.. من تكويني النفسي، فبعدما يفاجئني البكاء أشعر وكأنني استعدت نفسي، تهدهدني وأهدهدها في ليل لا تشعر فيه سوى بحفيف أجنحة فراشات ناعمة تخشى الضوء بالقدر الذي تنجذب إليه. لكن حين بكيت مؤخرا بعد عراك قوي مع زوجتي غضبت أكثر من نفسي ومن العالم حولي، فالدموع ليست سواسية، هناك دموع تحتاجها ودموع تجبر عليها، من المؤسف أن تجبر حتى على دموعك، فالدموع ملجأ وليست اضطرارا، تذهب إليها كي تشعر بالسكينة والهدوء بعيدا عن صخب الحياة.. تبكي فتروي وجنتيك وتغسل روحك مما يلوثها ويعكر صفوها. أحتاج في هذه الفترة إلى بكاء طويل، إلى نحيب وعويل كي أتخلص من كل شيء، وأعود بعدها كما عرفتني.

***

شهدت حجرتي القديمة في شقة أمي الكثير من الذكريات وبللت أرضيتها بدموع منهمرة كثيرة. لم تكن هذه الأيام سوى نهاية سنوات الصبا وبداية نضوجي قبل الزج بي في حياة لم استوعبها حتى هذه اللحظة. الحجرة ما زالت موجودة برغم تغير ملامحها، ولكن سنواتي هذه ما عاد لها وجود، أشعر بالحسرة على فقدها أنفاسي اللاهثة ونظراتي الخجلة وأفكاري البكر. في حجرتي هذه قرأت أهم الكتابات، كنت أنام معظم أوقات النهار وأجلس مصطحبا كتابا جديدا كل ليلة تقريبا. هنا قرأت العمل المأجور ورأس المال، ومن ثم أصبحت اشتراكيا. وفي هذه الزاوية قرأت روايات نجيب محفوظ، وعلى هذه الأريكة حسمت أمري من الله بعد صراع طويل، وهنا قررت أن أكون مناضلا ومدافعا عن حقوق الفقراء والمضطهدين في الأرض. ولكن أتذكر حين بلغت الواحد والعشرين من عمري بدأت أشعر بالاكتئاب، وشعرت رغم حداثة سني بأن العمر بدأ يتسرسب من بين يدي دون أن أشعر، ومن وقتها تسيطر عليّ فكرة الموت القريب، لم أمت ولكن لم يفارقني هذا الشعور حتى الآن. لست خائفا من الموت، ولكن ما زالت لدي بعض الأعمال أود القيام بها قبل أن أرحل.. لدي تركة لا تجد وريثا، فليدعني الموت حتى أجده.

هل تعرف أني طيلة الوقت أتحسس جسدي الموجوع دوما.. ملمس الجلد يجعلني أفكر في ماهية المادة الحية، أنا من الأشخاص الذين يشعرون بجسدهم طيلة الوقت.. أنشطة حواسي الخمس، حركة الأعضاء والأجهزة الداخلية، مرور الأشياء في حنجرتي وبلعومي، دقات قلبي، حتى سريان الدم في شراييني وأوردتي. ماذا سيحدث لو مُت، من سيتحسسني وقتها؟.

***

الدراسة ليست ككل الأماكن، فيها سحر خاص، فيها طفولتي التي لم أعشها هناك. فقد انتقلت لشبرا الخيمة عند سن السادسة لالتحق بالمدرسة كبداية لانتقال العائلة لمكان لم أحبه قط، بالرغم من إقامتي به لـ33 عام تخللهم عام ونصف في الهرم عندما تركت منزل الزوجية في عام 2002. الدراسة هي المكان الذي لو خيرت أن أعيش فيه للأبد سأختاره ولا يضاهيه سوى الإسكندرية. في الدراسة دفء افتقدته، حجرتنا القديمة التي عمرتها جدتي بشقائها وحنوها وخوفها علينا، البيوت القديمة المتراصة، الآثار والمقابر، مآذن وقباب المساجد العتيقة، أشخاص أحببتهم، وهدوء وسكينة الموتى، حتى تفاصيل أيام الحضانة حفرت لها مجرى في ذاكرتي..، قصص لم تكتمل، ما وددت قطعها بإرادتي. عندما أذهب إلى هناك أشعر بالرغبة في البكاء على ما فاتني من عمري بعيدا عنها، وللتغيرات التي طرأت عليها في الشكل والتفاصيل الخاصة بالمعمار والأماكن الأثرية، والأهم التغيرات التي نالت البشر، فالكثيرين منهم ماتوا.. وما كنت أراهم أشداء عندما كنت طفلا أو في بداية شبابي، هدتهم الأمراض والكهولة وأصبحوا مجرد هياكل عظمية لن يستفيد منها دود الأرض كثيرا حينما يدفنوا في قريب أوشك على سكب الدموع. أما عن الأصدقاء فلم يبق منهم سوى علاء الأسمر البريء الذي يواظب على الذهاب لوالدته تقريبا كل يوم بالرغم من سكنه البعيد بعد زواج انتقص من طاقته وقدرته على الحب كثيرا. من يعيدني إلى الدراسة.. ومن يعيد لعلاء قدرته على التدفق الإنساني؟.

***

جمالات، ليست مجرد فتاة تعرفت عليها وأحببتها، جمالات هي الأنثى في اكتمالها المعنوي.. كانت بالنسبة لي كوجه الحليب، ولم أكن سوى طفل رضيع يريد أن ينهم من غذائه الوحيد. أعلم أن الأمور لو كانت ذهبت في طريق ارتباطنا ربما كنا اختلفنا لأي سبب مثل عدم تحمل كلانا لعيوب الآخر التي سيكتشفها بالمعاشرة، تماما كما يحدث في كل الزيجات. ولكن عقدتي في قصة جمالات أني فقدتها دون أن أترك القدر يلعب دوره التقليدي، فقدتها لغبائي!. حقا يا عزيزي لا تندم على ما ضاع منك أو فقدته من أشخاص في الحياة سوى على ما أضعته بنفسك أو ما فقدته بالموت.. وجمالات أضعتها بيدي من يدي وبعدها لم أعرف طعما للحياة. كانت طيبة جدا وجميلة وبريئة كالأطفال، ولم أعطها ولو جزء مما أعطتني إياه. أتمنى أن أراها قبل أن أموت وأطلب منها أن تسامحني وأقبل قدميها وبعدها أموت مرتاح الضمير. ربما تكون نسيتني تماما كما قالت لي إحدى الصديقات، لكني على اقتناع تام بأني تركت لها أسوأ ذكرى في حياتها، جرحتها كما يقولون في قصص الحب والأفلام العاطفية، وتركتها لأعيش حياتي التي ضاعت بعدها.. تركتها بلا وداع.. تركتها وحدها تتجرع مرارة الحب والثقة التي أعطتهما لشخص لم يكن يستحقهما أبدا.. نعم يا صديقي أنا لا استحق التراب الذي تسير عليه. اكتشفت بعد فقدي لها أني لم أحب في حياتي سواها.. هي حبي الوحيد تماما مثلي الآن، فمن يعيد لي ونستي ودفئي العاطفي في صدر جمالات المرمري، من يعيد؟!.

***

أسف يا صديقي الوحيد.. لم أكن أود أن أثقل عليك بشجوني وحنيني لماضي أصبحت عاجزا عن تلوين حاضري به رغم أنه لونان اثنان، ولكن قدرك أن تسمعني، فليس لي غيرك، فلتسامحني عما حملتك به، فلم يكن بوسعي أن أعفيك من هذا.

المخلص لك

أيمن عبد المعطي

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s