ليون تروتسكي

27 نوفمبر  *1922

تعني الثورة تغييرا للنظام الاجتماعي. إنها تنقل السلطة من أيدي طبقة أنهكت إلى أيدي طبقة أخرى صاعدة. وتشكل الانتفاضة اللحظة الأكثر حرجا وحدة في صراع  الطبقتين من أجل السلطة. ولا يمكن للانتفاضة أن تؤدي إلى انتصار الثورة الحقيقي والى انتصاب نظام جديد إلا في حالة استنادها إلى طبقة تقدمية قادرة على أن تجمع حولها أغلبية الشعب الساحقة.

إن الثورة بخلاف سيرورات الطبيعة، يحققها البشر بواسطة البشر. إلا أن البشر، في الثورة أيضا، يتصرفون تحت تأثير ظروف اجتماعية لم يختاروها بحرية، ولكنها موروثة عن الماضي وتدلهم على الطريق دونما خيار. ولهذا السبب بالضبط، ولهذا السبب وحده، للثورة قوانينها الخاصة.

لكن وعي الإنسان لا يعكس الظروف الموضوعية وهو سلبي. إنه عادة يظهر تجاهها رد فعل نشيط. وفي بعض الأحيان، يكتسب رد الفعل هذا طابعا جماهيريا، متوترا، حماسيا. ويطاح بحواجز الحق والسلطة. إن التدخل الفعال للجماهير في الأحداث هو بالضبط ما يشكل العنصر الأكثر أساسية في الثورة. بيد أنه حيث النشاط الأكثر جموحا يمكنه أن يبقى عند مستوى تظاهرة، أو تمرد، دون أن يرتفع إلى مستوى الثورة. على انتفاض الجماهير أن يؤدي إلى الإطاحة بسيادة طبقة وإرساء سيادة طبقة أخرى. وعندها فقط نكون أمام ثورة مكتملة. ليس انتفاض الجماهير محاولة معزولة يمكن للمرء إطلاقها عندما يطيب له. انه يمثل عنصرا محددا بصورة موضوعية في تطور الثورة، مثلما الثورة هي عملية محددة موضوعيا في تطور المجتمع. ولكن إذا ما إن وجدت ظروف الانتفاض، فيجب عدم الانتظار سلبيا، مفتوحي الفم: هنالك في القضايا البشرية أيضا، كما يقول شكسبير، مد وجزر: “هناك حركة مد وجزر في أعمال الناس، إذا أخذت في مدها، تؤدي إلى التوفيق”.

لكي تقوم بتكنيس النظام المتعيش، على الطبقة التقدمية أن تفهم أن ساعتها قد دقت، وأن تطرح كمهمة على نفسها استلام السلطة. هنا يفتح حقل العمل الثوري الواعي حيث يتحد التوقع والحساب بالإرادة والإقدام. وبتعبير آخر: هنا يفتح مجال فعل الحزب.

“الانقلاب”

يضم الحزب الثوري خيرة الطبقة التقدمية. وفي غياب حزب قادر على تحديد توجهه حسب الظروف وعلى تقييم سير الأحداث ووتيرتها وعلى اكتساب ثقة الجماهير خلال الوقت المناسب، يستحيل على الثورة البروليتارية أن تنتصر. هذه هي علاقة العوامل الموضوعية للثورة والانتفاضة بعواملها الذاتية.

ولطالما سعى المتخاصمون كما تعلمون, وبشكل خاص في اللاهوت, إلى الحط في النقاشات من شأن الحقيقة العلمية, دافعين بها إلى العبث. وفي المنطق تنعت حتى مثل هذه الحقيقة: بقياس الخلف réduction ad absurdum أننا سنحاول أن ننتهج الخط المعاكس, أي أننا لنقرب بشكل أكثر تأكيدا من الحقيقة سنتخذ إحالة كنقطة انطلاق. ولا يمكننا على أي حال أن نشكو من قلة في الإحالات. فلنتناول إحداها الأكثر حداثة وفجاجة.

لقد وجد الكاتب الإيطالي مالابارت وهو شيء يمكن وصفه بالمنظر الفاشستي –هنالك مثل هؤلاء أيضا- في الفترة الأخيرة كتابا في تقنية الانقلاب، ويكرس المؤلف بطبيعة الحال عددا لا يستهان به من صفحات “بحثه” لانتفاضة أكتوبر.

بخلاف “استراتيجية” لينين، التي تبقى مرتبطة بالوضع الإجتماعي والسياسي لروسيا سنة 1917، لا يمت تكتيك تروتسكي –حسب تعابير مالابارت- على العكس، بأية صلة لأوضاع البلاد العامة”. هذه هي فكرة الكاتب الرئيسية ! ويرغم مالابارت لينين وتروتسكي، من خلال صفحات كتابه، على القيام بحوارات عديدة، يظهر فيها كلا المحاورات تفكيرا قليل العمق بقدر ما وضعت الطبيعة في حيازة المدعو مالابارت. وردا على اعتراضات لينين حول المقدمات الاجتماعية والسياسية للانتفاضة ينسب مالا بارت لتر وتسكي الجواب الحرفي المزعوم الآتي: “إن استراتيجيتك تستلزم كثيرا من الظروف المؤاتية. أما الإنتفاضة فلا تحتاج شيئا، إنها تكفي ذاتها ” أتسمعون ؟ “الإنتفاضة لا تحتاج شيئا”, هذه هي بالضبط، أيها المستمعون الأعزاء, الإحالة التي سنستخدمها لنقرب من الحقيقة. وأن الكاتب يردد بإصرار أن الذي انتصر في أكتوبر ليس استراتيجية لينين وإنما تكتيك تروتسكي. ومازال هذا التكتيك الآن يهدد، حسب تعبيره بالذات، طمأنينة الدول الأوروبية. “لا تشكل استراتيجية لينين –وهنا أنقل حرفيا عنه- أي خطر فوري على حكومات أوروبا. أما تكتيك تروتسكي فيشكل بالنسبة لها خطرا راهنا، بالتالي دائما.” وبكلام ملموس أكثر :”لو أحللنا بونكاري محل كيرنسكي، لحقق الانقلاب البلشفي أكتوبر 1917 تماما النجاح نفسه.” من الصعب التصديق بأن كتابا كهذا تجري ترجمته إلى لغات مختلفة ويتم استقباله بجدية.

عبثا، نسعى إلى إيضاح لماذا استراتيجية لينين، الخاضعة لشروط تاريخية, ضرورية بصورة عامة، إذا سمح “تكتيك تروتسكي” بحل المهمة نفسها في أي ظرف. وان كان يكفي الثورات الظافرة، لتنجح، بعض الوصفات التقنية، فلم هي بهذه الندرة؟

إن الحوار الدائر بين لينين وتروتسكي كما يقدمه الكاتب الفاشستي هو من حيث روحه كما من حيث شكله بدعة بلهاء من البداية إلى النهاية. ومثل هذه البدع منتشرة كثيرا في العالم. وعلى سبيل المثال, يجري الآن في مدريد طبع كتاب منسوب إلى :”حياة لينين” ومسؤوليتي عنه بنفس قدر مسؤوليتي عن وصفات ملا بارت التكتيكية. وقد عرضت مجلة مدريد الأسبوعية “أستمبا” على أفضل الأوراق فصولا كاملة من هذا الكتاب المزعوم لتر وتسكي حول لينين، تحتوي على إهانات شنيعة لذكرى الإنسان الذي قدرته وأقدره أكثر بما لا يقاس من أي من معاصري.

ولكن، لنترك الملفقين لمصيرهم. كان يحلو لويلهام ليبنخت العجوز، والد المقاتل والبطل الخالد كارل ليبنخت، الترداد: على الإنسان السياسي الثوري أن يتمتع بجلد غليظ. وكان الدكتور ستوكمن، بصورة أكثر تعبيرا أيضا، يوصي الذي ينوي مجابهة الرأي العام الإجتماعي أن لا يلبس سراويل جديدة.

إننا نسجل هاتين النصيحتين المفيدتين وثم ننتقل إلى جدول الأعمال.

فما هي التساؤلات التي توقظها ثورة أوكتوبر عند إنسان يفكر؟

1) لماذا وكيف انتصرت هذه الثورة ؟ وبدقة أكثر: لماذا انتصرت الثورة البروليتارية في أحد أكثر بلدان أوروبا تأخرا؟

2) بماذا أتت ثورة أكتوبر؟

وأخيرا :

3) هل أثبتت قدرتها؟

أسباب أكتوبر

ومن الآن يمكننا أن نعطي جوابا كاملا على السؤال الأول, المتعلق بالأسباب. وقد حاولت القيام بهذا الشكل الأكثر وضوحا في كتابي “تاريخ الثورة الروسية”. ولا يسعني هنا إلا أن أعرض أهم الاستنتاجات.

ان كون البروليتاريا قد توصلت لأول مرة إلى الحكم في بلد بمثل تخلف روسيا القيصرية القديمة لا يبدو غامضا إلا لأول نظرة. أما في الواقع، فهو منطقي تماما. وكان يمكن توقعه وقد تم ذلك. لا بل أكثر من ذلك: لقد وضع الثوريون الماركسيون استراتيجيتهم حول النظرة لهذا الواقع، قبل وقوع الأحداث الحاسمة بفترة طويلة.

إن التفسير الأولي هو الأعم: فروسيا بلد متأخر ولكنها ليست إلا مجرد جزء من الإقتصاد العالمي، إلا عنصرا في النظام الرأسمالي العالمي. وقد حل لينين لغز الثورة الروسية بهذا المعني في تعبير قاطع: أن السلسلة قد انقطعت عند حلقتها الأكثر ضعفا.

إن أبانة واضحة هي:  أن الحرب الكبرى التي انبثقت عن تناقضات الإمبريالية العالمية قد جرت في دوامتها بلدانا على مراحل مختلفة من التطور، ولكنها أرغمت كافة المشاركين على أداء نفس المتطلبات. ومن الجلي أنه لابد أن أعباء الحرب شكلت أول من أجبر على الإنسحاب. ولكنه توجب على الشعب الروسي القضاء على الطبقات المسيطرة، في سبيل تركه الحرب. وهكذا انقطعت سلسلة الحرب عند أضعف حلقاتها.

بيد أن الحرب على خلاف الهزة الأرضية لا تمثل كارثة حلت من الخارج، إنها كما يقول كلاوزفيتز العجوز، استمرار للسياسة بوسائل أخرى. ولم يكن من اتجاهات النظام الإمبريالي الرئيسية أيام “السلم” إلا أن تجلت أثناء الحرب بجدة أكثر. وكلما كانت القوى المنتجة العامة على مستوى أعلى. والمنافسة العالمية أكثر تأزما، والتنافرات أكثر حدة، والسباق إلى التسلح أكثر جموحا، كلما أصبح وضع أضعف المشاركين شاقا. لذلك بالذات تحتل البلدان المتأخرة المراتب الأولى في سلسلة الانهيارات. إن سلسلة الرأسمالية العالمية تميل دائما إلى الانقطاع عند أضعف حلقة.

ولو أعيدت الرأسمالية الروسية على امتداد الأراضي السوفياتية الشاسعة على إثر بعض الظروف الاستثنائية أو غير المؤاتية للغاية (مثلا تدخل عسكري ظاهر من الخارج، أو أخطاء لا تعوض للحكومة السوفييتية نفسها)، فسيعاد معها في الوقت نفسه بصورة حتمية عجزها التاريخي، وستقع هي بالذات بعد مدة وجيزة ضحية نفس التناقضات التي أدت بها في سنة 1917 إلى الانفجار. فما من وصفة تكتيكية كان بوسعها أن تهب الحياة لثورة أكتوبر لو لم تكن روسيا تحملها في جسمها. وليس في وسع الحزب الثوري في النهاية أن يطمح لنفسه إلا بدور المولد المضطر إلى اللجوء الى عملية قيصرية.

وقد يمكن لإمرىء أن يعترض قائلا: يمكن لتأملاتك العامة أن تفسر بشكل كاف لماذا كان على روسيا القديمة، ذلك البلد حيث تتوج وجود الرأسمالية المتأخرة بقرب الفلاحين البائسين طبقة نبلاء طفيلية ونظام ملكي متعفن، كان عليها أن تغرق. ولكن مازال ينقص صورة السلسلة والحلقة الأضعف مفتاح اللغز بحد ذاته: كيف كان بوسع الثورة الاشتراكية أن تنتصر في بلد متأخر؟ ان التاريخ يعرف الكثير من أمثال انحطاط بلدان وثقافات مع انهيار الطبقات القديمة معا لعدم وجود أي بديل تقدمي. وكان على انهيار روسيا القديمة، للنظرة الأولى, أن يحول البلاد إلى مستعمرة رأسمالية بدلا من تحويلها إلى دولة اشتراكية.

إن هذا الاعتراض لجدير بالانتباه. فهو يقودنا مباشرة إلى قلب المشكلة كلها. ومع ذلك فهذا الاعتراض خاطئ ، وقد أقول انه عديم التناسب الداخلي . انه ينبع من جهة من تصور مبالغ في ما يخص تأخر روسيا، ومن جهة أخرى من مفهوم نظري خاطئ فيما يخص ظاهرة التأخر التاريخي عامة.

تمر الكائنات الحية، والبشر طبعا كذلك كغيرهم، تبعا لأعمارها بأطوار نمو متشابهة. فثمة تقابل معين بين الوزن ودائرة الخصر والأعضاء الداخلية، عند طفل عادي في الخامسة من عمره. ولكن الأمر يغدوا، حتى هنا، مختلفا لوعي الإنسان. وتتميز البسيكولوجية ، بسيكولوجية المرْء مثل بسيكولوجية الجماعة، وبعكس التكوين الجسمي والفيزيولوجيا بقدرة الاستيعاب الفائقة, وبالمرونة والمطاطية: وفي هذا بالذات يمكن أيضا التفوق الأرستقراطي للإنسان على أقرب أقاربه الحيوانيين من نوع القرود. ان الوعي القادر على الاستيعاب والمرن، يكسب “الأجسام” المسماة بالاجتماعية، كشرط ضروري للتقدم التاريخي، وبخلاف الأجسام الفاعلة أي البيولوجية, إمكانية فائقة في تغيير البنية الداخلية. فليس في تطور الأمم والدول، والدول الرأسمالية بالأخص، لا مشابهة ولا تماثل. فكثيرا ما تقاربت وتركبت درجات مختلفة من الثقافة، وحتى في أقطابها، في حياة بلد واحد لا غير.

دعونا لا يغيب عن بالنا، أيها المستمعون الأعزاء، أن التأخر التاريخي مفهوم نسبي, وان وجدت بلدان متأخرة وأخرى متقدمة، فهناك أيضا تأثير متبادل فيما بينها. هناك ضغط البلدان المتقدمة على المتأخرة. وهنالك بالنسبة للبلدان المتأخرة ضرورة اللحاق بالمتقدمة، والاستعانة بتقنيتها وعلمها، الخ. هكذا ينبثق نموذج مركب من التطور: فتقترن سمات تأخر بأخر إنجازات التقنية العالمية والفكر العالمي. وأخيرا فقد ينجم أحيانا على البلدان المتأخرة تاريخيا أن تتجاوز المتقدمة، في سبيل تخطي تأخرها.

ان مرونة الوعي الجماعي تمكن في ظروف معينة من التوصل على الساحة الاجتماعية إلى النتيجة المسماة في مجال علم النفس الفردي ب”التعويض”. وبهذا المعنى باستطاعتنا القول أن ثورة أكتوبر شكلت بالنسبة لشعوب روسيا وسيلة بطولية من أجل تخطي نقصها الإقتصادي والثقافي الخاص.

ولكن فلنتخط هذه التعميمات التاريخية-السياسية، لبتي قد تكون زائدة التجريد بعض الشيء، إلى طرح السؤال نفسه بشكل ملموس أكثر، أي من خلال الوقائع  الاقتصادية الحية. ويعبر تأخر روسيا القرن العشرين عن نفسه على أوضح صورة كالتالي: تحتل الصناعة مكانا ضئيلا بالمقارنة مع القرية، وكذلك البروليتاريا مقابل الجماهير الفلاحية. وهذا بالإجمال يعني إنتاجية منخفضة للعمل القومي. ويكفي القول بأن الدخل القومي عشية الحرب، عندما بلغت روسيا القيصرية أوج ازدهارها، كان من ثماني إلى عشر مرات أقل منه من الولايات المتحدة. إن هذا يعبر رقميا عم “مدى” التأخر، هذا إذا كان ممكنا بوجه عام استعمال كلمة مدى بالنسبة للتأخر.

في الوقت نفسه يعبر قانون التطور المركب عن نفسه في المجال الإقتصادي عند أي خطوة، في الظاهرات البسيطة كما في الظاهرات المعقدة. لقد وجدت روسيا نفسها مضطرة إلى بناء خطوط حديدية، دون أن يكون لديها تقريبا طرق معبدة كبيرة. وقد انتقلت روسيا مباشرة إلى المؤسسات الممكنة دون أن تمر بالحرفية على الطراز الأوروبي والمانيفاكتوره. إن القفز عن المراحل الوسطية هو مصير البلدان المتأخرة.

كانت الصناعة في روسيا، إن لم يكن بطاقتها فعلى الأقل بنموذجها، في مستوى تطور البلدان المتقدمة وكانت تتجاوزها من نواح عديدة، بينما كان اقتصادها الزراعي في أماكن كثيرة في مستوى القرن السابع عشر. ويكفي القول أن المؤسسات العملاقة التي تضم أكثر من ألف عامل كانت تشكل في الولايات المتحدة أقل من  18% من مجموع العمال الصناعيين مقابل أكثر من 41% في روسيا. ويصعب التوفيق بين هذا الواقع والمفهوم المبتذل لتأخر روسيا الإقتصادي. غير أنه مع ذلك لا يتناقض والتأخر بل يكمله ديالكتيكييا.

وكانت بنية البلد الطبقية تحمل أيضا نفس الطابع المتناقض. لقد صنع الرأسمال المالي الأوروبي الإقتصاد الروسي بوثيرة متسارعة. فاكتسبت البورجوازية الصناعية حالا مذاك طابع الرأسمالية الكبيرة، عدوة الشعب. وزيادة على ذلك، كان أصحاب الأسهم الأجانب يعيشون خارج البلد. بينما كان العمال بالمقابل روسيا بالطبع. وهكذا أصبحت بورجوازية روسية ضعيفة عدديا لا تملك أية جذور قومية، بمواجهة بروليتاريا قوية نسبيا وتملك جذورا قومية وعميقة في الشعب.

وساهم في الطابع الثوري للبروليتاريا أن روسيا، وبالضبط بوصفها بلدا متأخرا ومضطرا إلى اللحاق بالأخصام، لم تكن توصلت إلى إنتاج نزعة محافظة اجتماعية أو سياسية خاصة بها. إن أقدم بلد رأسمالي، أي إنكلترا، يؤكد ما سبق وذكرت، بوصفه البلد الأكثر محافظة في أوروبا وحتى في العالم أجمع. وقد تكون روسيا البلد الأوروبي الأكثر تحررا من النزعة المحافظة.

إلا أن البروليتاريا الروسية الفتية، الندية، المليئة بالعزم، كانت ما فتئت لا تشكل إلا أقلية ضئيلة من الأمة. وكان احتياطي قوتها الثورية موجودا خارج البروليتاريا بالذات:   في الفلاحين، الذين كانوا يعيشون في نصف قنانة، وفي القوميات المضطهدة.

الفلاحون

كانت المسألة الزراعية تشكل قاعدة الثورة. وكان نظام قنانة الدولة-الملكية القديم لا يحتمل بصورة مضاعفة في ظروف الاستغلال الرأسمالي الجديد.  إن مجموع الأراضي الزراعية كان يحتل حوالي 140 مليون دسياتينة.  وكان 20 ألفا من كبار الملاكين العقاريين الذين يمتلك كل منهم    كمعدل 2000 دسياتينة يحوزون على ما مجموع 70 مليون دسياتينة أي نفس ما تحوز عليه 10 ملايين عائلة فلاحية، أو 50 مليون نسمة تؤلف السكان الزراعيين. إن هذا الإحصاء للأرض كان بحد ذاته برنامجا كاملا للتمرد الفلاحي.

لقد كتب أحد النبلاء، بوبوركين، عام 1917 إلى حاجب الملك رودزيانكو رئيس آخر دوما للدولة، قائلا: “إنني ملاك عقاري ولا يطرق بالي أنني يتوجب علي خسارة أرضي، وخاصة من أجل هدف لا يصدق، من أجل اختبار التعليم الإشتراكي” إنما مهمة الثورات هي بالضبط انجاز مالا يدخل في قناعة الطبقات السائدة.

في خريف 1917 بلغت الإنتفاضة الفلاحية تقريبا البلاد كلها. فقد طالات الحركة، من أصل 621 مقاطعة لروسيا القديمة، 482 واحدة أي 77% منها. كان وهج حريق القرية يضيء ساحة الإنتفاضة في المدن.

ولكنكم ستعترضون قائلين أن الحرب الفلاحية ضد الملاكين العقاريين هي أحد العناصر الكلاسيكية للثورة البورجوازية وليس أبدا للثورة البروليتارية !

وأنا أجيب: ذلك صحيح تماما، هكذا كان في الماضي ! إنما عجز المجتمع البرجوازي عن الحياة في بلد متأخر تاريخيا هو بالضبط ما يعبر عنه بالذات أن الإنتفاضة الفلاحية لا تدفع بالطبقات البرجوازية في روسيا إلى الأمام ولكنها على العكس ترميها نهائيا في معسكر الرجعية. وإذا لم يرد الفلاحون أن يغرقوا فلم يبق أمامهم شيء غير التحالف مع البروليتاريا الصناعية. لقد تنبأ لينين بصورة عبقرية بهذا الوصل الثوري بين الطبقتين المضطهدتين، وهيأ له طويلا.

لو تم حل المسألة الزراعية بشجاعة من قبل البورجوازية لما توصلت البروليتاريا الروسية، بالتأكيد، أبدا إلى استلام زمام السلطة  (كلمات غير واضحة في الورقة الأصلية) بيد أن البورجوازية الروسية، التي جاءت متأخرة، والتي أصابها التداعي باكرا، والجشعة والجبانة، التي لم تجرؤ على أن ترفع يدها ضد الملكية الإقطاعية، هكذا سلمت السلطة للبروليتاريا وسلمتها في الوقت نفسه الحق في تقرير مصير المجتمع البورجوازي.

لتتحقق الدولة السوفييتية، كان ضروريا بالتالي الفعل المركب لعاملين من طبيعة تاريخية مختلفة: الحرب الفلاحية، أي حركة تميز بزوغ التطور البورجوازي، والانتفاضة البروليتارية التي تعلن غروب الحركة البرجوازية. وفي هذا بالذات يكمن الطابع المركب للثورة الروسية.

فليقف  الدب الفلاحي مرة على قدميه الخلفيتين، وسيغدو مخيفا في غضبه. بيد أنه ليس بوسعه إعطاء سخطه تعبيرا واعيا. انه بحاجة لقائد. وقد وجدت الجماهير الفلاحية المنتفضة للمرة الأولى في تاريخ العالم قائدا مخلصا في البروليتاريا.

4 ملايين عامل في الصناعة والمواصلات يقودون 100 مليون فلاح. تلك كانت النسبة الطبيعية الحتمية بين البروليتاريا والفلاحين في الثورة.

المسألة القوميـة

لقد شكلت الأمم المضطهدة، وهي أيضا على كل ذات تركيب فلاحي مهيمن، الاحتياطي الثوري الثاني للبروليتاريا. ويرتبط الطابع التوسعي لنمو الدولة، التي تمتد كبقعة دهنية من المركز الموسكوبي حتى الدائرة الخارجية، ارتباطا وثيقا بتأخر البلاد التاريخي. إنها تخضع في الشرق شعوبا أكثر تأخرا أيضا، محاولة بالاستناد عليها أن تخنق بصورة أفضل القوميات الأكثر تطورا في الغرب. وانضم بالتتابع إلى العشر ملايين من الروس الذين كانوا يشكلون جمهور السكان الأساسي، 90 مليونا من “الدخلاء”.

هكذا تكونت الإمبراطورية التي لم تكن الأمة المسيطرة تؤلف في تركيبها سوى 42 % من السكان في حين كان 75% الباقون ينتمون الى القوميات ذات ثقافة ونظم مختلفة. وكان الضغط القومي في روسيا أعنف بما لا يقاس منه في الدول المجاورة، والحق يقال ليس فقط بالنسبة للبلدان التي تقع في الطرف الآخر من الحدود الشرقية أيضا. مما أعطى المشكلة القومية قوة متفجرة هائلة.

لم تكن البورجوازية الليبرالية الروسية تريد, لا في المسألة القومية ولا في المسألة الزراعية، أن تتجاوز بعض التخفيفات في نظام الاضطهاد والعنف. وقد سارعت حكومات ميليوكوف وكرنسكي “الديموقراطية” التي تعكس مصالح البورجوازية والبيروقراطية، خلال الأشهر الثمانية من وجودها، إلى إفهام الأمم المستاءة هذا الشأن بالضبط: لن تنالوا الا ما ستنتزعونه بالقوة.

كان لينين قد اخد بعين الاعتبار منذ وقت مبكر جذا حتمية نمو الحركة القومية التي تميل الى الانفلات عن المركز. وقد ناضل الحزب البلشفي طوال سنوات بعناد في سبيل حق الأمم في تقرير مصيرها، أي في سبيل الحق في تشكيل دولة منفصلة كليا. ولم تنجح البروليتاريا الروسية شيئا فشيئا في كسب ثقة الشعوب المضطهدة إلا من خلال هذا الموقف الجريء تجاه المسألة القومية. وقد استدارت حركة التحرر القومي، ومثلها أيضا الحركة الفلاحية، بطبيعة الحال في وجه الديموقراطية الرسمية، معززة البروليتاريا ومندفعة في تيار انتفاضة أكتوبر.

الثورة الدائمـة

هكذا يتضح لنا، شيئا فشيئا، لغز الانتفاضة البروليتارية في بلد متأخر تاريخيا.

لقد توقع الثوريون الماركسيون قبل وقوع الأحداث بوقت طويل سير الثورة والدور التاريخي للبروليتاريا الروسية الفتية. وقد يسمح لي بان أقدم هنا مقتطفا من كتابي الخاص حول سنة 1905:

“يمكن للبروليتاريا في بلد أكثر تأخرا من الناحية الاقتصادية أن تستلم السلطة قبلها في بلد رأسمالي متقدم…

“إن الثورة الروسية ستخلق … الظروف التي يمكن للسلطة معها (ومع انتصار الثورة يجب عليها) المرور الى أيدي البروليتاريا قبل أن يتسنى لسياسة الليبرالية البورجوازية إظهار براعتهم كاملة كرجال دولة.

“… يرتبط مصير المصالح الثورية الأولية للفلاحين… بمصير الثورة، أي بمصير البروليتاريا. المستلمة للسلطة ستظهر للفلاحين كالمحرر الطبقي.

“وتدخل البروليتاريا إلى الحكومة كممثلة للامة، كقائد معترف به من قبل الشعب المناضل ضد الحكم المطلق وضد بربرية القنانة…

“ويستوجب على النظام البروليتاري منذ البداية أن يسعى لحل المسألة الزراعية التي ترتبط بها مسألة مصير جماهير شعبية غفيرة في روسيا.”

لقد أجزت لنفسي أن أتقدم بهذا الاستشهاد، لأظهر أن نظرية ثورة أكتوبر كما أقدمها اليوم ليست ارتجالا سريعا ولم توضع لاحقا في اثر ضغط الأحداث. لا، بل أنها طرحت بشكل تكهن سياسي قبل انتفاضة أكتوبر بزمن طويل. إنكم توافقون على أن النظرية لا قيمة لها بصورة عامة إلا بقدر ما تساعد في توقع مجرى التطور وفي التأثير عليه نحو أهدافها. وفي هذا بالذات تكمن، إذا تكلمنا بشكل عام، أهمية الماركسية التي لا تقدر بثمن، كسلاح للتوجه الإجتماعي والتاريخي. وأنني آسف لأن الإطار الضيق للعرض لا يسمح لي بتوسيع الاستشهاد السابق، ولذا فسأكتفي بتلخيص موجز لكل كتاب سنة 1905.

إن الثورة الروسية هي من حيث مهامها المباشرة ثورة برجوازية. ولكن البرجوازية الروسية معادية للثورة. وبالتالي فليس انتصار الثورة ممكنا إلا كانتصار للبروليتاريا. لكن البروليتاريا المنتصرة لن تتوقف عند برنامج الديموقراطية البورجوازية، بل ستنتقل إلى تحقيق برنامج الإشتراكية. وستصبح الثورة الروسية المرحلة الأولى للثورة الإشتراكية العالمية.

هذه كانت نظرية الثورة الدائمة التي وضعتها في سنة 1905 والتي تعرضت مذاك لالذع النقد تحت إسم “التروتسكية”.

وبكلام أفضل: ليس هذا إلا جزءا من هذه النظرية. أما الجزء الآخر وهو الآن شديد الحالية، فيقول:

لقد تجاوزت القوى المنتجة الحالية الحدود القومية منذ وقت طويل. ولا يمكن تحقيق المجتمع الإشتراكي في داخل الحدود القومية. ومهما بلغت من الأهمية النجاحات الاقتصادية لدولة عمالية معزولة، فإن برنامج “الاشتراكية في بلد واحد” يبقى طوباوية برجوازية صغيرة. ووحده يستطيع اتحاد أوروبي، ثم عالمي، للجمهوريات الإشتراكية، أن يشق الطريق لمجتمع اشتراكي متناسق.

وإنني اليوم وبعد اختبار الأحداث أجد أقل من أي وقت مضى أسبابا تجبرني على التراجع عن هذه النظرية.

البلشفية

هل من الضروري، بعد كل الذي قيل، أن نتكلف عناء تذكير الكاتب الفاشستي مالابارت الذي ينسب إلي تكتيكا مستقلا عن الإستراتيجية وناتجا عن وصفات انتفاضية تقنية، قابلة دوما للتطبيق، وفي كل مكان؟ انه على الأقل جيد أن اسم المنظر التعيس للإنقلاب يسمح بتمييزه دون عناء عن الممارس المظفر للإنقلاب: فلا يخشى هكذا أن يخلط أحد بين مالابارت وبونابرت.

دون انتفاضة 7 تشرين الثاني 1917 المسلحة لما وجدت الدولة السوفياتية. ولكن الإنتفاضة نفسها لم تهبط من السماء. لقد استوجبت ثورة أكتوبر جملة من المقدمات التاريخية.

1) تعفن الطبقات السائدة القديمة من نبلاء وسلطة ملكية وبيروقراطية.

2) الضعف السياسي للبورجوازية التي كانت لا تملك أية جذور في الجماهير الشعبية.

3) الطابع الثوري للمسألة الزراعية.

4) الطابع الثوري لمشكلة القوميات المضطهدة.

5) الثقل الإجتماعي المهيب للبروليتاريا.

ويجب أن تضاف إلى هذه المقدمات العضوية شروط ظرفية في غاية الأهمية:

6) كانت ثورة 1905 المدرسة الكبيرة، أو حسب تعبير لينين “التجربة العامة” لثورة 1917. وقد تكونت السوفييتات كشكل تنظيمي، لا بديل عنه، للجبهة البروليتارية الموحدة في الثورة، للمرة الأولى سنة 1905.

7) زادت الحرب الإمبريالية من حدة كل التناقضات وانتزعت الجماهير المتخلفة من حالة جمودها، مفسحة المجال لبروز طابع الكارثة العظيم.

ولكن جميع هذه الشروط التي كانت كافية تماما لاندلاع الثورة، كانت لا تكفي لتأمين انتصار البروليتاريا في الثورة. ومازالت هناك شرط ضروري لهذا الانتصار:

8)  الحزب البلشفي.

وإذا عددت هذا الشرط كأخير في السلسلة فذلك ليس إلا لأنه يشكل الإستنتاج المنطقي، لا لأنني أعطي الحزب المكان الأقل أهمية.

كلا، فإنني شديد البعد عن هذه الفكرة. إن البورجوازية الليبرالية تقدر، هي، على استلام السلطة نتيجة لنضالات لم تدخل فيها طرفا منازعا، وقد سبق وتم ذلك عدة مرات: فهي تمتلك في هذا السبيل أجهزة للفهم متطورة تمام التطور. بيد أن جماهير الشغيلة تعيش في وضع مختلف، وقد عودت أن تعطي لا أن تأخذ. إنها تمضي في العمل بصبر طالما الأوضاع غير متردية، وتأمل، ثم تفقد صبرها، وتنتفض، وتقاتل، وتموت، وتأتي بالإنتصار للآخرين، وتخدع، وتهون عزيمتها، وتحنى رؤوسها ثانية وتعود إلى العمل من جديد. هذا هو تاريخ الجماهير الشعبية في ظل كل الأنظمة. وان البروليتاريا تحتاج من أجل استلام السلطة إلى حزب يتجاوز سائر الأحزاب الأخرى بأشواط من حيث وضوح تفكيره وعزمه الثوري.

كان حزب البلاشفة، الذي وصف أكثر من مرة وبحق بأنه الحزب الأكثر ثورية في تاريخ الإنسانية، كان التركيز الحي لتاريخ روسيا الجديد، ولكل ما كان ديناميكيا فيه. وأن سقوط النظام الملكي كان قد غدا منذ فترة طويلة الشرط المسبق لتطور الإقتصاد والثقافة. ولكن القوى التي كان عليها أن تقوم بهذه المهمة كانت مفقودة. أمام الثورة، كان الرعب ينتاب البورجوازية. وحاول المثقفون إيقاف الجماهير الفلاحية على رجليها. غير أن “الموجيك”، لعجزه عن تعميم همومه وأهدافه الخاصة، ترك هذا الحض دون صدى. فتسلحت الإنتليجنسيا بالديناميت. وقد أستهلك جيل بكامله قواه في هذا الكفاح.

قام ألكسندر أوليانوف في أول مارس (أدار) 1887 بتنفيذ آخر الإغتيالات الإرهابية الكبيرة، وفشلت محاولة اغتيال الكسندر الثالث. وشنق أوليانوف والمشاركون الآخرون. لقد أفلست محاولة استبدال الطبقة الثورية بمستحضر كيميائي. وحتى الإنتليجنسيا الأكثر بطولية ليست شيئا دون الجماهير. وتحت الإنطباع المباشر لهذه الوقائع واستنتاجاته الخاصة، شب وتكون أخ أوليانوف الأصغر، فلاديمير، لينين الغد، وأكبر وجه في تاريخ روسيا. ومنذ أول شبابه التزم لينين بالماركسية وتوجه نحو البروليتاريا. ودون أن يغيب القرية ولو للحظة عن نظره، بحث عن السبيل نحو الفلاحين من خلال العمال. وقد غدا لينين في سنتين معلما للجيل المثقف الجديد وللعمال المتقدمين، وارثا عن سابقيه الثوريين العزم والقدرة على التضحية، والإستعداد على السير حتى النهاية. واكتسب العمال في النضالات الإضرابية وفي الشوارع، وداخل السجون وفي المنفى الجبلة اللازمة. وكان ضوء الماركسية الكاشف ضروريا لإضاءة طريقهم التاريخية في ظلمة الأوتوقراطية.

نشأ سنة 1883 وفي المهجر, أول تجمع ماركسي. وفي اجتماع سري تم سنة 1898 إعلان إنشاء الحزب الإشتراكي-الديموقراطي العمالي الروسي (كنا ندعى بأجمعنا في ذلك الوقت إشتراكيين-ديموقراطيين). وجرى سنة 1903 الإنشقاق بين البلاشفة والمناشفة. وفي سنة 1912 غدا التكتل البلشفي نهائيا حزبا مستقلا.

لقد علم على امتداد اثني عشر عاما (1905-1917) كيف التعرف على الآلية الطبقية للمجتمع في النضالات، وفي أحداث عظيمة. وكون كوادر قادرة على المبادرة بمثل قدرتها على الطاعة. وكان انضباط العمل الثوري يستند على وحدة العقيدة، وعلى تقاليد النضالات المشتركة—– بقيادة مجربة.

هكذا بدأ الحزب سنة 1917. وبينما كان “الرأي العام” الرسمي، وأطنان أوراق الصحافة المثقفة تقلل من قيمته، كان الحزب يتوجه حسب حركة الجماهير. كان يقبض بحزم على زمام الأمر في المعامل والفيالق وكانت الجماهير الفلاحية تتوجه أكثر فأكثر نحوه. وان عنينا بكلمة أمة أغلبية الشعب، أي العمال والفلاحين، وليس الرؤوس ذات الامتيازات، فتكون البلشفية قد أصبحت في غضون سنة 1917 الحزب الروسي القومي الفعلي.

وفي سنة 1917، أعطى لينين، المرغم على التخفي، الإشارة: “إن الأزمة ناضجة، وساعة الإنتفاضة تقترب”. وكان على حق، فحيال مشكلات الحرب والتحرر القومي كانت الطبقات السائدة قد وقعت في طريق مسدود. وفقدت البورجوازية نهائيا رباطة جأشها. وأزالت الأحزاب الديموقراطية، المناشفة والاشتراكيون الثوريون، آخر ما تبقى من ثقة للجماهير بها، بدعمها الحرب الإمبريالية بسياسة التسويات العاجزة والتنازلات للملاكين البورجوازيين والإقطاعيين. ولم يعد الجيش المستيقظ مستعدا للنضال في سبيل أهداف الإمبريالية الغريبة عنه. وطرد الفلاحون الملاكين العقاريين من أراضيهم، دون إعارة اهتمام للنصائح الديموقراطية. ونهضت الدائرة الخارجية القومية المضطهدة في الإمبراطورية ضد بيروقراطية بطرسبورغ. وكان البلاشفة يسيطرون على أكثر مجالس العمال والجنود أهمية. كان العمال والجنود يطالبون بالأفعال. كان الجراح قد استوى. واستوجب القيام بضربة مبضع.

لم تصبح الإنتفاضة ممكنة إلا في هذه الظروف الاجتماعية والسياسية. وكانت كذلك محتمة. لكن لا مجال للمزاح بصدد الإنتفاضة المسلحة. والويل للجراح الذي يستعمل المبضع دونما انتباه. إن الإنتفاضة فن. ولها قوانينها وقواعدها.

لقد حقق الحزب إنتفاضة أكتوبر بحساب بارد وعزم حاد. وبفضل هذا بالضبط انتصرت الثورة تقريبا دون ضحايا. وتولى البلاشفة عبر السوفييتات الظافرة قيادة البلد الذي يشتمل على سدس المساحة الأرضية.

يفترض أن أغلبية المستمعين إلي اليوم لم يتعاطوا السياسة مطلقا في سنة 1917. وهذا لمستحسن. أن أمام الجيل الشاب الكثير من الأشياء المفيدة، ولكن أمامه أيضا أشياء ليست دوما سهلة.

لكن ممثلي الأجيال القديمة في هذه الحالة سيتذكرون جيدا وبالتأكيد كيف استقبل استيلاء البلاشفة على السلطة: كطرفة، كسوء تفاهم، كفضيحة، وفي أغلب الأحيان ككابوس سيزول عند أول شعاع شمسي. فلن يطيل البلاشفة البقاء أكثر من 24 ساعة، أكثر من أسبوع, أكثر من شهر، ثم سنة. وتوجب دوما إرجاء المهل أكثر… وكأن أسياد العالم أجمع يسلحون أول دولة عمالية: بإطلاق الحرب الأهلية، بتدخلات تتجدد باستمرار، وبالحصار الإقتصادي. وهكذا مرت السنة تلو الأخرى. وفي هذه الأثناء كان التاريخ يسجل 15 عاما من وجود السلطة السوفييتية.

وقد يجيب أحد الأخصام: نعم، إن مغامرة أكتوبر بدت أكثر صلابة بكثير مما قد اعتقد الكثيرون بيننا، ما الذي تم إحرازه بهذا الثمن المرتفع لهذه الدرجة؟ لعله قد تحققت تلك المهام البراقة التي دعا إليها البلاشفة عشية الإنتفاضة؟ فلنشر قبل الإجابة على الخصم المفترض إلى أن السؤال بحد ذاته ليس جديدا. إنه، بعكس ذلك يلحق بخطى ثورة أكتوبر منذ يوم ولادتها.

لقد سبق للصحافي الفرنسي كلود آني الذي كان يمضي فترة في بتروغراد أثناء الثورة أن كتب منذ 27 أكتوبر 1917 : “لقد استلم القصويون (هكذا كان الفرنسيون يدعون البلاشفة) السلطة وحان اليوم الكبير. وقلت لنفسي سأشهد أخيرا تحقيق فردوس الإشتراكية الذي يعدونا به منذ كل هذه السنوات… يالها من مغامرة شيقة ! ومن موقف متميز ! الخ، الخ.. وهكذا دواليك. أية كراهية صريحة تخفيها هذه التحيات الساخرة ! يسرع الصحافي الرجعي، منذ غداة الإستيلاء على قصر الشتاء، إلى الإعراب عن ادعاءاته في الحصول على بطاقة دخول إلى الفردوس. وقد مضت على الإنتفاضة 15 سنة. ويعبر الأخصام، بتكلف يزداد قلة مع مضي الوقت، عن سرورهم الخبيث من أن بلاد السوفييتات ما زالت اليوم أيضا بعيدة عن أن تشبه مملكة رفاهية شاملة. فلم الثورة إذن ولم الضحايا؟

حاصل أكتوبر

إنني أسمح لنفسي، أيها المستمعون الأعزاء، بأن أعتقد أن تناقضات النظام السوفيتي وصعوباته وأخطاءه ونواقصه ليست معروفة لدي أقل من أي كان. وأنا شخصيا لم أسعى قط إلى إخفائها، لا في الكلام ولا في الكتابة. وقد اعتقدت وأعتقد أن السياسة الثورية –بخلاف المحافظة- لا يمكن بناؤها على التمويه. وعلى أعلى مبدأ للدولة العمالية أن يكون: “التعبير عن الموجود”.

ولكن في النقد كما في العمل الخلاق، يجب أن توجد آفاق. فالذاتية موجه سيئ، خاصة في المسائل الكبرى. ويجب تكييف المهل على المهام لا تبعا للأهواء الفردية. خمسة عشر عاما ! ما هي بالنسبة لحياة واحدة؟ خلال هذه الفترة، ثم دفن العديدين من جيلنا، وتضاعفت الشعرات البيض لدى الباقين. ولكن هذه السنين الخمسة عشر بالذات ! أية حقبة ضيقة تمثل في حياة شعب ! إنها ليست أكثر من دقيقة على ساعة التاريخ.

احتاجت الرأسمالية إلى قرون لتتثبت في نضالها ضد القرون الوسطى، ولرفع العلم والتقنية، ولإنشاء السكك الحديدية ومد الخطوط الكهربائية. وماذا بعد ذلك؟ بعد ذلك رمي بالإنسانية من قبل الرأسمالية في جحيم الحروب والأزمات ! أما الإشتراكية، فلا يمهلها أخصامها، أي أنصار الرأسمالية، إلا عقدا ونصف حتى تقيم على الأرض الجنة وكل النعيم. كلا، إننا لم نأخذ على عاتقنا مثل هذه الواجبات. ولم نحدد مهلا كهذه. يجب قياس سيرورات التحولات الكبيرة بمقياس يلائمها. وإني لا أعلم ما إذا كان المجتمع الإشتراكي سيشبه جنة التوراة. لا بل أشك بذلك كثيرا. غير أنه ليس هنالك بعد في الإتحاد السوفييتي اشتراكية. وتسيطر فيه الآن حالة انتقالية، مليئة بالتناقضات، ومثقلة بإرث الماضي، بالإضافة إلى تعرضها لضغط الدول الرأسمالية العدائي. لقد قامت ثورة أكتوبر بإعلان مبدأ المجتمع الجديد. ولم تظهر الجمهورية السوفييتية إلا الطور الأول لتحقيقه. إن أول مصباح كهربائي لأديسون كان شديد السوء. وعلينا أن نميز المستقبل، تحت أخطاء وأغلاط أول بناء اشتراكي.

والمصائب التي تحل بالكائنات الحية؟

فهل يا ترى تبرر نتائج الثورة الضحايا التي تسببها؟ إنه سؤال عقيم وعميق التصنع: فكأن سيرورات التاريخ لها علاقة بخطة محاسبة ! وفي وجه صعوبات ومآسي الوجود الإنساني يمكن بالقدر نفسه من الحق التساؤل: وهل يستحق الأمر فعلا الوجود على الأرض؟ لقد كتب لينين في هذا الصدد: “وينتظر الأحمق جوابا..” لم يمنع التأملات السوداوية الإنسان من الإنجاب والولادة. وحتى في هذه الأيام في أزمة عالمية لا مثيل لها، تشكل الإنتحارات لحسن الحظ نسبة غير مرتفعة.  ولكنه ليس من عادة الشعوب أن تلجأ إلى الانتحار. إنها تبحث عن مخرج من الأعباء غير المحمولة بالثورة. وعلاوة على ذلك، من الذي يسخط بشأن ضحايا الثورة الاشتراكية؟ إنها في اغلب الأحيان أولئك الذين أعدوا ضحايا الحرب الإمبريالية ومجدوهم، أو على الأقل الذين توافقوا معها بسهولة كبيرة. وسنسأل بدورنا: هل كانت الحروب مبررة؟ ما الذي أعطته؟ وما الذي علمته؟

يصف المؤرخ الرجعي هيبو ليت تاين في مجلداته الأحد عشر من الإفتراء على الثورة الفرنسية الكبرى، وليس بدون سرور خبيث، معاناة الشعب الفرنسي في سنوات الدكتاتورية اليعقوبية والسنوات التي تلتها. وكانت هذه السنين شاقة بوجه خاص بالنسبة لشرائح المدن الدنيا، عامة الشعب الفقير، التي منحت الثورة بوصفها من “اللامتسرولين” أفضل ما عندها. وكان هؤلاء أو نسائهم يفضلون ليال باردة في صفوف ينتظرون، ليرجعوا إلى منازلهم صفر اليدين. وغدت باريس بعد عشرة أعوام من الثورة أفقر مما كانت عليه قبل انطلاقها. ويستخدم تاين وقائع انتقاها بعناية، وجمعها اصطناعيا لتدعيم حكمه الهدام ضد الثورة. أترون، أراد العامة أن يلعبوا دور الديكتاتورات وألقوا بنفسهم في البؤس.

يصعب تصور أخلاقي أكثر تفاهة: أولا، إذا رمت الثورة البلد في البؤس فمسؤولية ذلك تقع في المقام الأول على الطبقات الحاكمة التي دفعت بالشعب نحو الثورة. وثانيا، لم تنهك الثورة الفرنسية الكبرى في صفوف جائعة أمام الأفران. إن فرنسا الحديثة كلها، ومن نواح معينة، كل الحضارة الحديثة خرجت من حمام الثورة الفرنسية.

لقد سقطت خمسون ألف ضحية أثناء الحرب الأهلية في الولايات المتحدة، خلال السنة الستين من القرن الماضي. فهل تبرر هذه الضحايا؟

الجواب هو من وجهة نظر أنصار الرق الأمريكيين والطبقات السائدة في بريطانيا العظمى –لا ومن وجهة نظر الزنجي والعامل البريطاني –تماما ! ولا يمكن أيضا الشك في الجواب من وجهة نظر الإنسانية عامة. لقد انبثقت من الحرب الأهلية لسنة 1960 الولايات المتحدة الحالية بما تحمله من مبادرة عملية جامحة، وتقنية عقلانية، واندفاع اقتصادي. وعلى هذه المكتسبات للأمركة ستشيد الإنسانية المجتمع الجديد.

توغلت ثورة أكتوبر بعمق أكثر من أي ثورة تقدمتها في أقدس أقداس المجتمع، في علاقات الملكية. وأنه لمن الضروري مهل أطول بذلك القدر حتى تظهر النتائج الخلاقة للثورة في كل ميادين الحياة. لكن قد توضح منذ الآن الاتجاه العام للانقلاب، ليس للجمهورية السوفييتية أي دافع لإحناء رأسها أمام متهميها الرأسماليين، وللتكلم بلغة الاعتذار.

لتقديم النظام الجديد من وجهة نظر التطور الإنساني علينا الإجابة أولا على السؤال التالي: بم يتجلى التقدم الإجتماعي، كيف يمكن قياسه؟

إن أكثر المقاييس موضوعية وعمقا وعدم قابلية للجدل هو التقدم الذي يمكن قياسه بنمو إنتاجية العمل الإجتماعي. ومن هذا المنظار، فإن التجربة تعطينا منذ الآن تقييم ثورة أكتوبر. لقد أظهر مبدأ التنظيم الإشتراكي لأول مرة في التاريخ قدرته بإعطائه نتائج في الإنتاج لم يتم التوصل إليها سابقا في حقبة قصيرة من الزمن.في أرقام الفهارس الإجمالية، يظهر منحنى التطور الصناعي لروسيا كالتالي: لنأخذ العدد 100 لسنة 1913، وهي السنة الأخيرة قبل اندلاع الحرب 10 عام 1920 قمة الحرب الأهلية، هو أيضا أسفل نقطة بالنسبة للصناعة: فقط 25 أي ربع إنتاج ما قبل الحرب الأهلية، ووصل نمو الإنتاج حتى عام 1925 إلى 75، أي  حتى ثلاثة أرباع ما كان قبل الحرب. وسنة 1929، بلغ حوالي 200. وفي 1922، 300. أي ثلاثة أضعاف ما كان عليه عشية الحرب.

ويبدو الجدول أكثر وضوحا أيضا على ضوء الفهارس الدولية. فقد انخفض إنتاج ألمانيا الصناعي من 1925 الى 1932 حوالي مرة ونصف، وفي الولايات المتحدة حوالي مرتين. أما في الإتحاد السوفييتي فقد ارتفع الى أكثر من ضعفي ما كان عليه. إن الأرقام بليغة بحد ذاتها.

وإني لا أهدف قط إلى إخفاء الجوانب المظلمة في الإتحاد السوفييتي. وأن نتائج الفهارس الصناعية لمتأثرة تأثرا فائقا بالتطور غير المؤاتي للإقتصاد الزراعي، أي للميدان الذي لم يتوصل بعد إلى ابتلاع الطرق الإشتراكية، بل جر في الوقت نفسه في طريق التجميع دون تحضير كاف، وتم ذلك بطريقة بيروقراطية أكثر منه على أسس تقنية واقتصادية. إن هذه لمسألة كبيرة لكنها تتجاوز اطر محاضرتي هذه.

وتستدعي أرقام المؤشرات المعروضة أيضا تحفظا أساسيا. ان نجاحات التصنيع السوفييتي التي لا تنكر والباهرة من جهة معينة تستلزم تحقيقا اقتصاديا لاحقا من وجهة نظر الإنسجام المتبادل بين مختلف عناصر الإقتصاد، وتوازنها الديناميكي، وبالتالي قدرتها المردودية. ان صعوبات كثيرة وحتى تراجعات مازالت لا مفر منها. والإشتراكية لا تخرج في صيغتها المكتملة من الخطة الخمسية كما تخرج مينرفا من رأس جوبيتر أو فينوس من زبد البحار. وما زلنا الآن أمام عقود من العمل الدؤوب، ومن الأخطاء، والتحسينات وإعادة البناء. وعلاوة على ذلك، لا يجب أن يغيب عن بالنا أن التشييد الإشتراكي، من حيث جوهره، لا يمكن أن يصل إلى استكماله إلا على الساحة الدولية. بيد أنه حتى الحاصل الإقتصادي الأكثر سوءا للنتائج المحرزة حتى الآن، لا يمكنه أن يظهر إلا عدم صحة المعطيات وأخطاء الخطة وأغلاط القيادة، ولا يمكنه مناقضة الواقع المحقق تجريبيا، واقع امكانية رفع انتاجية العمل الجماعي إلى مستوى لم يوجد قبل، بواسطة طرق اشتراكية. وهذا المكسب ذو الأهمية التاريخية العالمية، لن يقوى أحد على انتزاعه منا.

وأننا بعد الذي قيل، لن نتكلف عناء إطالة الحديث عن الشكاوي القائلة بأن ثورة أكتوبر أدت الى تقهقر الثقافة في روسيا. هذا —-الطبقات الحاكمة والصالونات القلقة. إن “الثقافة” —– الأرستقراطية التي أطاحت بها الثورة البروليتارية لم تكن سوى شبه —للبربرية. وفيما كان يستحيل على الشعب الروسي الوصول إليها، لم تكن تأتي إلا بالقليل الجديد إلى كنز الإنسانية.

ولكن علينا أيضا، بصدد هذه الثقافة التي تندبها الهجرة البيضاء إلى هذا الحد، أن نوضح السؤال التالي: في أي معنى تم القضاء عليها؟ لقد تم ذلك في اتجاه واحد: قضى على احتكار خيرات الثقافة من قبل أقلية صغيرة. ولكن كل ما يمت فعلا بصلة للثقافة في الثقافة الروسية القديمة بقي دون أن يمس. إن برابرة البلشفية لم يدوسوا على مكتسبات الفكر ولا على تحف الفن. وعلى عكس ذلك فقد جمعوا بعناية آثار الإبداع البشري ورتبوها بشكل مثالي. والآن غدت ثقافة الملكية والنبلاء والبورجوازية ثقافة المتاحف التاريخية.

إن الشعب يندفع في زيارة هذه المتاحف. ولكنه لا يحيا في المتاحف. انه يتعلم. ويبني. إن قيام ثورة أكتوبر بتعليم الشعب الروسي، وعشرات شعوب روسيا القيصرية، القراءة والكتابة، هذه أعلى بما لا يقاس من كل الثقافة الروسية الغابرة الحبيسة في وأم.

لقد أرست ثورة أكتوبر أساس ثقافة جديدة موجهة للجميع لا لنخبة فقط وتحس بذلك جماهير العالم أجمع. وهذا الذي يفسر تعاطفها مع الإتحاد السوفييتي، الحاد مثل حدة الكراهية التي كانت قديما تحملها ضد روسيا القيصرية.

أيها المستمعون الأعزاء، إنكم تدركون أن لغة الإنسان تمثل أداة لا غنى عنها، ليس فقط لتسمية الأحداث بل لتقييمها أيضا. فهي تتشرب الحقيقي، وتميزه وتجمع شتاته، بأقصى العرضي والعابر والإصطناعي. فلاحظوا بأية حساسية ميزت لغات الأمم المتحضرة عنصرين في تطور روسيا لقد أتت الثقافة الأرستقراطية إلى العالم ببربريات كـ”القصر والكولاك والبوغروم والنغايكا”. هنا يصدر علم اللغات العملي حكمه التاريخي الأعلى !

يكمن أعمق معنى لكل ثورة، في أنها تقولب وتسقي الطبع الشعبي. إن تصور الشعب الروسي كشعب بطيء وسلبي ومكتئب وغبي هو تصور شائع جدا، وليس ذلك صدفة. فإن له جذورا في الماضي. ولكن إلى وقتنا الحاضر، لم تؤكد هذه التبدلات العميقة التي أدخلتها الثورة في طبع الشعب بعين الإعتبار بصورة كافية في الغرب. وهل كان ممكنا أن يكون الأمر بخلاف ذلك؟

يمكن لأي إنسان ذو خبرة في الحياة، أن يستعيد في ذاكرته صورة مراهق ما يعرفه –كان سريع الإنفعال، وجدانيا، وأخيرا عاطفيا- وأصبح فيما بعد، مرة واحدة، وبفعل صدمة نفسية قوية، أقوى وأصلب ويصعب التعرف عليه. إن الثورة تنجز في تطور أمة بأسرها تبدلات نفسية من هذا النوع.

انتفاضة شباط ضد الأوتوقراطية، النضال ضد النبلاء، وضد الحرب الإمبريالية، في سبيل السلم، وفي سبيل الأرض، وفي سبيل مساواة القوميات، انتفاضة أكتوبر، ثلاث سنين من الحرب الأهلية على امتداد جبهة من 8000 كلم، سنوات الحصار والبؤس والمجاعة والأوبئة، إنها مدرسة قاسية لكنها مفيدة. وقد تحطم مطرقة ثقيلة الزجاج، ولكنها تصنع الفولاذ. وان مطرقة الثورة تصنع فولاذ طبع الشعب.

“من سيصدق ذلك؟” كان يجب تصديقه من ذلك الزمن أن—،أحد الجنرالات القيصريين، كان يتعجب بعد الإنتفاضة بقليل من أن “بوابا أو حارسا يصبح دفعة واحدة رئيس لمجلس القضاء، وممرضا مدير مستشفى، وحلاقا صاحب رتبة عالية في الدولة، وملازما في البحرية قائدا أعلى، وصحفيا رئيس بلدية، وحدادا رئيس مؤسسة”.

“من سيصدق ذلك؟” كان يجب تصديقه من ذلك الزمن. ولم يكن على كل ممكنا عدم تصديق ذلك، حين كان الملازمون يلحقون الهزيمة بالجنرالات، ورئيس بلدية، الصحافي سابقا، يحطم مقاومة البيروقراطية القديمة، والمستخدم الصغير يعيد ترتيب شؤون النقل، والحداد بوصفه مديرا يعزز الصناعة. ٍ”من سيصدق ذلك؟” فليحاول أحد فقط عدم تصديقه.

ان عدد كبير من المراقبين الأجانب، لتفسير الصبر غير الاعتيادي الذي أظهرته الجماهير الشعبية في الاتحاد السوفييتي في سنوات الثورة، يستعين جريا على عادة قديمة بسلبية الطابع الروسي. يا للمغالطة التاريخية الفظة ! لقد تحملت الجماهير الثورية الحرمانات بصبر ولكن ليس سلبيا. إنها تشيد بأيديها مستقبلا أفضل وتريد خلقه مهما كلفها الثمن. فليحاول العدو الطبقي محاولة فقط ليفرض إرادته من الخارج على هذه الجماهير الصبورة ! كلا، من المستحسن له أن لا يحاول !

وبالخلاصة، لنحاول تحديد ثورة أكتوبر ليس في تاريخ روسيا فحسب بل في تاريخ العالم. خلال سنة 1917 ، وفي غضون 8 أشهر، التقى منحنيان تاريخيان. ان ثورة شباط –ذلك الصدى المتأخر للنضالات الكبيرة التي جرت في القرون الماضية فوق أراضي هولندا وإنكلترا وفرنسا وفي كل أنحاء أوروبا القارية تقريبا- ترتبط بسلسلة الثورات البورجوازية. أما ثورة أكتوبر فتعلن سيطرة البروليتاريا وتفتحها. إن الرأسمالية العالمية هي التي تتلقى فوق ارض روسيا أول هزيمة كبيرة لها. لقد انقطعت السلسلة عند حلقتها الأضعف. ولكن ما انقطع هو السلسلة وليس الحلقة فقط.

نحو الاشتراكية

إن الرأسمالية كنظام عالمي قد انتهى عهدها تاريخيا. لقد توقفت عن أداء مهمتها الأساسية برفع مستوى القوة الإنسانية والغنى الإنساني. ولا يمكن للإنسانية أن تركد عند الدرجة التي توصلت إليها. وحده رفع قوى لمستوى القوى المنتجة وتنظيم صحيح ومخطط، أي اشتراكي، للإنتاج والتوزيع، يمكنه أن يوفر للبشر –كل البشر- مستوى معيشة محترما وان يعطيهم في الوقت نفسه الإحساس النفسي بالحرية حيال اقتصادهم الخاص. الحرية من نوعين من النواحي: أولا: لن يبقى خاضعا لقوانين السوق، أي للقوى العمياء التي تشيد من ورائه. انه يتولى تشييد اقتصاده بحرية، تبعا لمخطط، والبر كار في يده. ويتعلق الأمر هذه المرة بتصوير التركيب الجسمي للمجتمع بالأشعة، واكتشاف كل خفاياه وإخضاع كل وظائفه إلى عقل الإنسان الجماعي وارادته. وبهذا المعنى على الإشتراكية أن تغدو مرحلة جديدة من النمو التاريخي للإنسانية. لقد بدت الطبيعة كلها بالنسبة لسلفنا الذي تسلح لأول مرة بفأس حجرية كمكيدة قوة غامضة ومعادية. ومذاك أضاءت العلوم الطبيعية بالتعاون مع التكنولوجيا العلمية الطبيعة حتى أحاك أعماقها. ويعطي الفيزيائي الآن، بواسطة الطاقة الكهربائية، حكمه على النواة الذرية. ولم تعد بعيدة، الساعة التي سيحل فيها العلم، كاللعب، مهمة الألخيمياء، محولا الزبل إلى ذهب، والذهب إلى زبل. وحيث كانت تهوج أبالسة الطبيعة وجنياتها تسود الآن بشجاعة دائمة التقدم إرادة الإنسان الحاذقة.

ولكن فيما ناضل الإنسان بنجاح ضد الطبيعة، فإنه شيد بعمى علاقته مع البشر الآخرين، تقريبا كالنحل أو النمل. وتطرق بتأخر وبالكثير من التردد إلى مشاكل المجتمع الإنساني. فبدأ بالدين لينتقل من ثم إلى السياسة. ومثلت حركة الإصلاح أول انتصار للفردية والعقلانية البورجوازيتين في ميدان سادت فيه تقاليد ميتة. ثم انتقل الفكر النقدي من الكنيسة إلى الدولة. وكبرت عقيدة السيادة الشعبية وحقوق الإنسان والمواطن، التي ولدت في النضال ضد الحكم المطلق والظروف القروسطية .وهكذا تشكل نظام البرلمانية، ودخلت النظرة النقدية إلى ميدان إدارة الدولة. وكانت العقلانية السياسية للديموقراطية تعني أعلى مكتسب للبورجوازية الثورية.

ولكن بين الطبيعة والدولة يوجد الإقتصاد. لقد حررت التقنية الإنسان من استبداد العناصر القديمة: التراب والماء والنار والهواء، لتخضعه حالا لإستبدادها الخاص. ولمم يعد الإنسان عبدا للطبيعة ليصبح عبدا للآلة، والأسوأ من ذلك، عبدا للعرض والطلب. وتشهد الأزمة العالمية الحالية بصورة خاصة المأساوية كم يبقى هذا السيد الأنوف والجسور للطبيعة عبدا لقوى اقتصاده الخاص العمياء. ان المهمة التاريخية لعصرنا تكمن في إحلال مخطط معقول محل السوق الهوجاء، وتطويع القوى المنتجة، إرغامها على الفعل بانسجام والإمتثال لخدمة حاجيات الإنسان. وانما فقط على الأساس الإجتماعي الجديد سيستطيع الإنسان أن ينهض بظهره المتعب وأن يغدو –ليس فقط بعض أفراد النخبة- ولكن كل واحد وواحدة مواطنا ذو سلطة كاملة في مجال الفكر.

ولكن هذا ليس نهاية الطريق بعد. كلا، انه ليس إلا بدايتها. ان الإنسان يشير الى نفسه كتتويج الخليقة. وله بعض الحق في ذلك. ولكن ما الذي يؤكد أن الإنسان الحالي هو آخر وأعلى ممثلي الجنس البشري؟ كلا، إن هذا الجهيض البيولوجي ذا الفكر المريض والذي لم يخلق لنفسه أي توازن عضوي جديد، لشديد البعد عن الكمال، جسميا كما فكريا.

صحيح أن الإنسانية قد أنتجت أكبر من مرة عمالقة في الفكر والعقل يتجاوزون معاصريهم، كالقمم على سلاسل الجبال. ويحق للجنس البشري أن يفخر بأرسطو وشكسبير وداروين وبيتهوفن وغوته وماركس وأديسون ولينين. ولكن لم هؤلاء بهذه الندرة؟ قبل كل شيء لأنهم متحدرون دون استثناء من الطبقات العليا والمتوسطة. وما عدا استثناءات نادرة فإن شرارات العبقرية يتم خنقها في أعماق الشعب المضطهد حتى قبل أن تتمكن من الظهور. ولكن أيضا لأن عملية نشوء الإنسان ونموه وتربيته بقيت في جوهرها وليدة الصدفة. لا تضيئها النظرية المضطهدة حتى قبل أن تتمكن من الظهور. ولكن أيضا لأن عملية نشوء والممارسة، ولا تخضع للوعي والإرادة.

لقد جمعت العلوم الأنتروبولوجية والفيزيولوجية والنفسية جبلا من المواد لتقيم أمام الإنسان في كل اتساعها مهام تحسينه الجسدي والفكري الخاص وتطوره اللاحق. وبيد سيغموند فرويد العبقرية رفع علم التحليل النفسي غطاء البئر المسمى شاعريا “روح” الإنسان. وماذا ظهر؟ لا يشكل تفكيرنا إلا جزءا صغيرا في علم القوى النفسية المبهمة. ان غطاسين ماهرين ينزلون إلى قاع المحيط ويصورون فيه أسماكا غامضة. وحتى ينزل الفكر البشري إلى قاع بئره النفسي الخاص، عليه أن يضيء القوى المسيرة الغامضة للروح ويخضعها للعقل والإرادة.

وعندما سينتهي الإنسان من القوى الفوضوية لمجتمعه الخاص، فإنه سيندمج، في الاجران. وفي مقطرات الكيميائي. وستعتبر الإنسانية نفسها للمرة الأولى مادة أولية، وفي أحسن الأحوال شبه صناعة جسدية ونفسية. وستعني الإشتراكية قفزة من سيادة الضرورة إلى سيادة الحرية، وكذلك في المعنى القائل بأن إنسان اليوم المليء بالتناقضات والعديم التناسق سيفسح المجال لجيل جديد أكثر سعادة.

ـــــــــ

  • * (محاضرة ألقاها ليون تروتسكي في 27 نونبر (تشرين الثاني) 1922 في كوبنهاغن (عاصمة الدانمارك) بدعوة من التجمع الدانماركي “الطلاب الاشتراكيون” وعنوان المحاضرة الأصلي هو “دفاعا عن الثورة الروسية”، إنما هذا الدفاع دراسة شاملة حول ثورة أكتوبر ودروسها. وأننا لا ننشر هذه المحاضرة إحياء للذكرى الـ55 للثورة الروسية فحسب، بل أيضا كمساهمة في دراسة تاريخ الثورات بعد ملف حول الثورة الصينية (العددان 11 و12) وملف حول الثورة الفيتنامية (العدد10).
  • عندما ألقى هذه المحاضرة، كان تروتسكي منفيا من الاتحاد السوفييتي. وسوف يطرد بعدها بقليل من الدانمارك.)
Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s