1995
مقدمة

هذه الكراسة تعيد قراءة أعظم وأهم إسهام ل “ليون تروتسكي” في الماركسية “نظرية الثورة الدائمة”، التي هي حصيلة رصده الخاص وكذلك خبرته في ثورة 1905 الروسية. بحيث تم إثباتها عبر أحداث 1917. في عام 1963 أي منذ ثلاثين سنة تقريبًا.، كان هدف “توني كليف” هو إعادة قراءة نظرية تروتسكي في ضوء الأحداث من بداية 1945 وبخاصة الثوريين الكوبية والصينية – واللتين بدتا مشككتين في سلامة هذه النظرية.

أثناء ثورة 1905 في روسيا، تناقض الدور المتخاذل للبرجوازية بشدة مع دور أسلافها في الثورات السابقة. فقد لعبت البرجوازية في هولندا وإنجلترا وفرنسا دورًا هائلاً في الصراع ضد الإقطاع، وفي أمريكا ضد الاستعمار – حيث كانت “البرجوازية” عائقًا أمام التطور الحر للرأسمالية – وفي تأسيس ديمقراطي سياسية.

بالرغم من وصول البرجوازية المتأخر في روسيا إلا أن تروتسكي رأى أنها لن تلعب مثل هذا الدور، فالخوف من نمو حركة الطبقة العاملة، وكذلك اتصال هذه البرجوازية الوثيق بالقيصرية والإمبريالية سيؤدي إلى التحالف معهما ضد العمال والفلاحين في أي ثورة قادمة ولأن الفلاحين اجتماعيًا منقسمون، لذا فالدور القائد في تلك الثورة سيقع على عاتق الطبقة العاملة. برغم ما يمكن أن تكون عليه من حداثة وصغر.

بقيادة الطبقة العاملة للثورة “البرجوازية” سيكون عليها ألا تقف عند حد تأسيس الحريات السياسية. بل تخترق حدود الملكية الخاصة البرجوازية باتجاه تأسيس الاشتراكية. رأي أيضًا تروتسكي أنه في ظل العالم الدولي المتزايدة في منافسة القوى الإمبريالية لن تستطيع مثل هذه الثورة أن تتقيد في إطار حدود دولة واحدة، بل ستصبح “دائمة” أو مستمرة. وبالفعل تم إثبات نظرية تروتسكي بوضوح خلال ثورة 1917، لكن لم تستطع حركة الطبقة العاملة الثورية أن تحرز انتصارًا في أي مكان آخر.

وقد قدمت أحداث الصين أيضًا في 1926 – 1927 إثباتًا تراجيديًا سلبيًا لصحة نظرية تروتسكي، وأوضحت أنها لا تنطبق فقط على روسيا. حيث قانون الطبقة العاملة الصراع ضد الإمبريالية المهيمنة، إلا أنها هزمت على يد البرجوازية القومية الصينية.

في عام 1949 نجحت ثورة من نوع مختلف تمامًا بالصين، وكذلك نجح نموذج مشابه لها في كوبا بعد عشرة سنين، لكن كيف كانت طبيعة هاتين الثورتين؟

أعتبر الهدف الأول ل “توني كليف”  في هذه الكراسة هو فضح الوهم الذي انتشر بأن حكومات الصين وكوبا كانت اشتراكية، وكما يوضح “كليف” هدف قادتها في أن يعدوا ماركسيين تناقض مع ماركس وما قاله: (تحرر الطبقة العاملة سيكون من عمل الطبقة العاملة نفسها)، لفم يسيطر العمال في أيا من كوبا أو الصين على أدوات الإنتاج، ولم يلعبوا دورًا إيجابيًا في قيادة الأحداث تلك التي حملت الحكومة الجديدة إلى السلطة. على العكس يرى توني كليف أن الصين وكوبا تم السيطرة عليهما من قبل طبقة مثقفين اعتمدت إلى حد بعيد على الدعم السلبي للعمال والفلاحين، أي أن طبقة المثقفين التي سيطرت، وليست الطبقة العاملة كما توقعت نظرية تروتسكي. كان لهؤلاء المثقفين القدرة على استخدام آلة الدولة في تأميم معظم الاقتصاد، ودفع دولهم باتجاه طريق التطور لرأسمالية دولة قومية.

وقد قدمت إجمالاً نظرية “الثورة الدائمة المنحرفة” طريقًا لفهم نجاح ثورتي الصين وكوبا، وكذلك غيرها من حكومات رأسمالية الدولة الأقل لقاء!، في تحقيقها على الأقل لبعض من مهام الثورة البرجوازية. ذلك دون التخلي عن روح الإسهام الأصلي “تروتسكي” في الماركسية.

الآن، وبعد مرور ربع قرن تقريبًا. كيف صمدت رؤية “كليف” لاختبار الوقت؟ أثبتت الأحداث تمامًا إصرار “كليف” في إن تلك الحكومات لم تكن بأية طريقة حكومات اشتراكية. قتلك الأقلية والتي ظلت معتقدة في الاعتماد قبلوًا بتحليل “كليف” أصيبوا بحالة من الغضب، لكن ليس بحالة من الدهشة.

تستدعي أيضًا أحداث أوروبا الشرقية في أواخر. 1980 التساؤل حول إمكانية استمرار طريق “رأسمالية الدولة”. فلم تؤسس حكومات أوروبا الشرقية على نجاح طبقة المثقفين الوطنية في “تحريف ثورتهم – ماعدا حالة يوغسلافيا – لكن نصب هؤلاء عن طريق قوة الجيش الروسي. وكانوا مع ذلك مثل كوبا والصين حكومات “رأسمالية دولة” محض، باستيلائها على السلطة تعمل البيروقراطية المهيمنة على وضع الطبقة العاملة المهمشة كهدف للتراكم الرأسمالي، مستخدمة الدولة لهذا الغرض.

لكن بحلول عام 1980 أصبحت هذه البيروقراطية نفسها عائقًا أمام التطور لقوى الإنتاج. فالدولة الاحتكارية الرأسمالية تميل إلى محاولة الإدارة بدرجة كبيرة من الانفصال عن الاقتصاد العالمي – حتى وإن لم تصل أبدًا إلى الحكم المطلق – والذي يضعف باستمرار مثل هذه الاستراتيجيات، دافعًا إياها إلى نطاقه وفاتحًا لها عالم الأسواق والاستثمار الأجنبي. إلا أن تلك العملية ليست ممهدة، فهي تخضع لتقلبات عنيفة وتراجعات تامة، ويوضح ذلك سير الأحداث في الصين حيث يتذبذب باستمرار التنظيم الاجتماعي من أدنى درجة وأعلى درجة لانفتاح الاقتصاد على العالم الخارجي، كذلك تبين هذه الأحداث أن الاتجاه العام أصبح نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي. أما بالنسبة للتوقعات في إذا يمكن أن يستمر “فيدل كاسترو” فهي واضحة للعيان.

هذا الاتجاه العام كان حاضرًا تمامًا في 1960، حيث بدأت دول مثل “الجزائر ومصر وغانا والهند، تلك التي قطعت شوطًا في طريق “رأسمالية الدولة” في أن تتحول بحسم بعيدًا عنه. وبالنسبة للنضال الطويل في اتجاه جلاء البرتغال عن مستعمراتها قد يكون انتهى إلى تأسيس حكومات على النموذج الكوبي، ولكن هذا أيضًا لم يكن محاولة أو – كما في حالة موزنبيق – تنازلاً سريعًا. كذلك الشروط التي قوت الانتصار للثورة في نيكاراجوا استخدمت ضد أي محاولة لإتباع النموذج الكوبي، فالحد الأقصى للمعونة التي قدمتها روسيا – لأسباب إستراتيجية – في التضامن مع كوبا لم تكن متاحة ل “الساندينيستا” في نيكاراجوا، وقد لا تكون متاحة أيضًا لكوبا على المدى الطويل.

توضح خبرة وسط أمريكا وجهًا آخر لتحليل “كليف” والذي يصمد بحيث يلبي بعض ما يجعله عصريًا. فعوضًا عن الاختلاف الشديد للحركة العمالية في هذه الدول مقارنة بها في الهند مع بداية 1960، حيث تغيرت الحركة العمالية نفسها، لا تكمن المشكلة في التأثير المتزايد لحركة شخصيات فردية “دخلاء” كما وصفهم “كليف”، بل تكمن في سيطرة أفكار نضالية قومية داخل الحركة العمالية ، على الرغم من قوتها المتزايدة وكذلك نضجها. وهذا يسلط بعض الضوء على الطريق التي استطاعت بها الطبقات المسيطرة في أسبانيا والبرتغال التأثير، بتحويل الشكل الفاشي إلى الشكل البرلماني للسلطة. ففي كل من هاتين الدولتين كان تأثير طريقة تكوين النقابات العمالية البيروقراطية والأحزاب الإصلاحية حاسمًا في إعاقة نمو النضال ضد الفاشية إلى صراع شامل لتحطيم الرأسمالية نفسها.

كذلك تبين تجربة تلك الدولة أنه في حين أصبح طريق “رأسمالية الدولة” متاحًا، فلا يعني ذلك أن تلك الدول نفسها حققت إنتاجًا فائضًا في التطور الاقتصادي مثل ما عليه السوق الحر المحافظ عليه باستماتة. على العكس فإنه لا غنى عن الحد الأقصى لدعم الدولة في نمو الرأسمالية بهذه الأماكن. نمت الطبقة العاملة خلال ذلك بالدولة الصناعية الجديدة، وفي بعض منها بدأت في إبراز قوتها. فالنضالات الجماهيرية التي حدثت وقت الكتابة بالبرازيل وجنوب أفريقيا وضعت حالاً مثلاً لذلك. وأصبحت الرأسمالية في نفس الوقت أكثر اندماجًا، متحركة الاقتراب من اقتصاد عالمي واحد.

هذه السمات الأساسية تؤكد نظرية تروتسكي الأصلية، الموضحة ارتباط النضال من أجل الديمقراطية بالنضال من أجل الاشتراكية، وعليه الأهمية الحيوية لقيادة الطبقة العاملة.

هذا أيضًا يوضح إعادة التأكيد على القوة الكبيرة في تحليل “كليف” وإصراره أن نضال القيادة العمالية ضد العوائق في طريقها مثل الإقطاع والفاشية والامبريالية وما يلازمهم طفيليًا لابد أن يقاتل من أجلها، وستأخذ القيادة القادرة على الصراع بتماسك من خلال المواجهة مع أعداءها، مرشدًا لها، النضال الواسع ضد النظام الرأسمالي باعتبارها كيان واحد، وستعمل على التأكيد بأن نضال الطبقة العاملة – مثل ما كان عليه في 197 – لن يقف عند أي حدود، وسيكون مستعدًا ل “الثورة الدائمة” والاشتراكية العمالية.

ستيف رايت

1990

تمهيد

أعظم وأهم إسهام لتروتسكي في الماركسية هو هذه النظرية للثورة الدائمة في هذه النظرية الدائمة. في هذه الدراسة سوف تختبر أولاً النظرية وعندئذ سوف نراها على ضوء ثورات التحرر الوطني للصين وكوبا، تطورها وتوسعها. نكون بمضطهدين إلى رفض الجزء الأعظم منها – أي هذه الثورات – ولكن إذا كانت النتيجة هي إثبات لأفكار تختلف إلى درجة كبيرة من نظرية تروتسكي ، إلا أنها بشكل أساسي تعتمد عليها – أي النظرية.

 


1- ثلاثة آراء حول الثورة:

من تجربة ثورة 1905 الروسية طور تروتسكي نظريته. في هذا الوقت رأى معظم الماركسيين من كاوتسكي إلى بليخانوف إلى لينين أن تلك الدول المتقدمة صناعيًا هي فقط المهيأة لثورة اشتراكية، بمعنى آخر، فقد رأوا أن تلك الدول سوف تصل إلى السلطة العمالية طبقًا لدرجة ما حققته تكنولوجيا، وسيمكن للدول المتخلفة أن ترى مستقبلها المفترض منعكسًا في تلك الدول المتقدمة، وفقط بعد مرحلة طويلة من التطور الصناعي ومن التحول خلال حكومة برجوازية برلمانية تستطيع الطبقة العاملة أن تنضج بالقدر الكافي لتطرح على عاتقها مهام الثورة الاشتراكية.

سلم معظم الاشتراكيين الديمقراطيين الروس – من المناشفة إلى البلاشفة – بأن روسيا تقترب من ثورة برجوازية، ناتجة عن التناقض بين قوى الإنتاج الرأسمالية من ناحية، والحكم المطلق وملاك الأراضي وباقي المؤسسات الإقطاعية القائمة من ناحية أخرى.

استنتج المناشفة أن البرجوازية بالضرورة ستقود الثورة، وستأخذ في يدها السلطة السياسية. وسوف يكون على الاشتراكيين الديمقراطية أن يدعموا البرجوازية الليبرالية في الثورة، في الوقت نفسه يدافعوا عن المصالح الخاصة للعمال داخل الإطار الرأسمالي عبر النضال ليوم عمل من ثماني ساعات وغيره من الإصلاحات الاجتماعية. (1)

وافق لينين والبلاشفة بأن الثورة ستكون برجوازية في طابعها. ولن يكون هدفها تجاوز حدود الثورة البرجوازية، فقد كتب لينين: (لن تمتد الثورة البرجوازية خارج نطاق العلاقات الاجتماعية الاقتصادية البرجوازية)، و(بهيمنة البرجوازية، لن تكون هذه الديمقراطية الثورية ضعيفة، بل ستكون قوية)، وقد عاد إلى هذا الموضوع مرات ومرات.

حتى ثورة 1917 لم يكن لينين قد نبذ هذه الرؤية، ففي سبتمبر 1914، على سبيل المثال، لا يزال يكتب أنه لابد أن تحدد الثورة الروسية نفسها بثلاث مهام أساسية: (تأسيس جمهورية ديمقراطية – بحيث يسمح بالمساواة في الحقوق وبالحرية الكاملة في تقرير المصير لكل القوميات – ومصادرة عكسية كبار ملاك الأراضي، وتطبق يوم عمل في ثماني ساعات).

وعندما أختلف لينين بشكل أساسي مع المناشفة. كان كل هذا في إصراره على استقلالية الحركة العمالية عن البرجوازية الليبرالية، وذلك لدفع الثورة البرجوازية في الانتصار ضد مقاوميها. وفي حين دعا المناشفة إلى تحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين، وبينما توقع المناشفة حكومة ما بعد الثورة مكونة من وزراء ليبراليين برجوازيين، توقع لينين ائتلافًا يضم حزب العمال وحزب الفلاحين “ديكتاتورية ديمقراطية للعمال والفلاحين”، وفيها ستكون الأغلبية لحزب الفلاحين، وتؤسس الجمهورية، كما ستقوم بمصادرة ملكية ملاك أراضي وفرض يوم عمل من ثماني ساعات. منذ ذلك الحين فصاعدًا سيكف الفلاحون عن أن يكونوا ثوريين ويؤيدوا الملكية الخاصة وبقاء الوضع الراهن كما هو عليه، ويتحدوا مع البرجوازية. هناك فالبروليتاريا الصناعية في تحالفها مع البروليتاريا وشبه البروليتاريا الفلاحية سوف تصبح هي المعارضة الثورية.

تلك المرحلة المؤقتة من “الديكتاتورية الديمقراطية” ستساعد على انهيار الحكومة البرجوازية المحافظة داخل إطار الجمهورية البرجوازية.

بالنسبة لتروتسكي فقد كان مقتنعًا مثل ما كان لينين بأنه لن تستطيع هذه البرجوازية الليبرالية إنجازًا يا من المهام الثورية بحسم، وأن تلك الثورة الزراعية وكذلك المهام الأساسية في الثورة البرجوازية يمكن أن تحقق فقط عبر التحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين. لكنه أختلف في مدى الإمكانية لاستقلالية حزب فلاحي، لرؤية أن الفلاحين منقسمين بحدة ما بين أغنياء وفقراء بطريقة لا يمكن أن تجعل له حزبهم الموحد والمستقل.

وكتب: (تؤكد الخبرة المستخلصة من التاريخ أن الفلاحين لا يمتلكون بأي حال من الأحوال القدرة على القيام بدور مستقل).

فالفلاحون قد دعموا في كل الثورات منذ “الإصلاح الألماني” فصيلاً أو آخر من البرجوازية، أما في روسيا فسوف تقود قوة الطبقة العاملة والمحافظة التي تتسم لها البرجوازية إلى أن يدعم الفلاحون الثورة البروليتاريا. ولن تقتصر الثورة نفسها على إنجاز المهام الديمقراطية البرجوازية، بل ستتقدم فورًا لتخطي الحدود إلى الاشتراكية البروليتارية.

(تنمو الطبقة العاملة وتقوى مع بعضها البعض بقدر نمو الرأسمالية، فتطور الرأسمالية يعني تطور البروليتاريا باتجاه الديكتاتورية، لكن لا يعتمد مباشرة الوقت الذي تنتقل فيه السلطة إلى يد البروليتاريا على وضع قوى الإنتاج، بل على شروط الصراع الطبقي، وكذلك الوضع العالمي، وأخيرا يعتمد على سلسلة من العوامل الذاتية: الأفكار، المبادرة، قراءة الصراع.

وبالنسبة لمن يقول بأنه في دولة مختلفة اقتصاديًا تستطيع البروليتاريا الإمساك بالسلطة أسرع منها في الدول المتقدمة اقتصاديًا. وبأنه في 1871 استطاعت البروليتاريا بوعي أن تأخذ بيدها الإدارة لشئون المجتمع في مواجهة برجوازية باريس الضعيفة – حتى وإن كانت فقط لمدة شهرين – ولم تستطع ذلك في المراكز الرأسمالية القوية في إنجلترا والولايات المتحدة ولا لمدة ساعة واحدة، والقول بأن البداية لبعض أنواع الاستقلال التقني لديكتاتورية البروليتاريا يقوم على القوى التقنية وموارد الدولة. اشتقاق مجحف من اقتصادية مادية غاية في التبسيط لا تقترب من الماركسية في شيء.

(فالثورة الروسية، في رأينا، تخلو مثل تلك الشروط حيث يمكن أن تمسك البروليتاريا بالسلطة – وبانتصار ثورتها بالطبع – قبل أن تكسب البرجوازية الليبرالية الإمكانية لمنح وضعها ميلاً منفتحًا بالكامل).

العامل الآخر الهام في النظرية، الطابع الأممي للثورة الروسية القادمة، فهي ستبدأ داخل نطاق قومي، ولكنها تكتمل إلا بانتصار الثورة في أكثر الدول المتقدمة.

(ومع ذلك إلى أي مدى استطيع أن تصمد السياسة الاشتراكية للطبقة العاملة في ظل الشروط الاقتصادية الروسية؟ شيء واحد فقط نستطيع أن نؤكده. سوف تخترق البروليتاريا العوائق السياسية بمسافة قبل أن يتم إعاقتها من قبيل تقنية الدولة المتخلفة، وبدون دعم مباشر دولي من البروليتاريا الأوروبية، لن تستطيع الطبقة العاملة الروسية أن تبقى في السلطة. ولن تستطيع أن تحول سيطرتها المؤقتة إلى ديكتاتورية اشتراكية مستقرة). (2)

يمكن تلخيص العناصر الأساسية لنظرية تروتسكي في ست نقاط:

  1. تختلف بشكل أساسي البرجوازية التي وصلت متأخرة على مسرح الأحداث عن أسلافها في القرن السابق. فهي لا تمتلك القدرة على تقديم على تقديم حلول ديمقراطية ثورية متماسكة للمشاكل التي أوجدها الإقطاع، وكذلك الاضطهاد الإمبريالي. ولا تمتلك القدرة على الدفع باتجاه الهدم الكامل للإقطاع، والوصول إلى استقلال قومي حقيقي وديمقراطية سياسية. فقد كفت عن كونها ثورية. في أي من الدول المتقدمة والمتخلفة، فهي قوة محافظة تمامًا.
  2. يقع الدور الثوري الحاسم على البروليتاريا، رغم ما يمكن أن نكون عليه من حدائه وصغر عدد.
  3. ولعدم قدرة الفلاحين على العمل المستقل. فإنهم سيرتبطون بالمدنية، وبالأخص بقيادة البروليتاريا الصناعية.
  4. الحل المتماسك للمسألة القومية، ولوضع حل للعوائق الاجتماعية والاستبدادية تلك التي تمنع التقدم الاقتصادي السريع، ستحتم التحرك خارج حدود الملكية البرجوازية الخاصة. (الثورة الديمقراطية سوف تتحول فورًا إلى الاشتراكية، وهنا فقط ستكون ثورة دائمة).
  5. لا مجال للتفكير في إتمام الثورة الاشتراكية (داخل النطاق القومي، فالثورة الاشتراكية سوف تصبح ثورة دائمة بلك معنى الكلمة، فهي تكتمل فقط في الانتصار النهائي المجتمع الجديد بكل كوكبنا، وبعد حلم رجعي وضيق محاولة تحقيق “الاشتراكية في بلد واحد”).
  6. نتيجة لذلك سوف تؤدي الثورة في البلدان المتخلفة إلى اضطرابات عنيفة في البلدان المتقدمة.

أثبتت بالفعل ثورة 1917 في روسيا كل توقعات تروتسكي، فالبرجوازية كانت ضد الثورة، والبروليتاريا الصناعية كانت هي الطبقة الثورية بغير منازع، وارتبط الفلاحون بالطبقة العاملة، وتحول معارضو الإقطاع والثورة الديمقراطية فورًا إلى الاشتراكية، وبالفعل أدت الثورة الاشتراكية إلى اضطرابات ثورية في أماكن أخرى – ألمانيا والنمسا والمجر… الخ – لكن للأسف أدى أخيرًا انعزال الثورة الاشتراكية إلى انحطاطها وسقوطها.

أما بالنسبة للثورة الصينية 1925 – 1927 فقد كانت أيضًا إثباتًا نموذجيًا لنظرية تروتسكي. لكن مما يؤسف له فالإثبات كان سلبيًا بشكل أوسع بشكل أوسع مما حدث في روسيا، على الرغم من أن النقاط (1–4) تم إثباتها، فالتضليل الستاليني تأكد بأن الثورة لم تنته بانتصار البروليتاريا ولكن بهزيمتها، ونتيجة لذلك انهزم أيضًا الفلاحون، وليس فقط لم تتحقق الثورة الاشتراكية، بل كذلك الديمقراطية. فالثورة الزراعية ووحدة الدولة واستقلالها عن الإمبريالية قد انهزما. لذا فالنقطتان (5-6) لم تتح لهما الفرصة ليختبرا تجريبيًا. على الرغم من هذا، فمنذ ذلك الحين كان هناك حدثان لهما أهميتها العالمية، هما وصول “ماو” للسلطة في الصين و”كاسترو” في كوبا، وأبديا نفيًا عمليًا لكل افتراضات النظرية.

 

2- وصول ماو للسلطة:

لم تلعب الطبقة العاملة الصناعية دول على الإطلاق في انتصار “ماو”، فالبنية الاجتماعية للحزب الشيوعي الصيني لو تكن أبدًا عمالية، وتزامن وصول “ماو” مع تحوله عن كونه حزبًا للطبقة العاملة.

مع نهاية عام 1926 كانت على الأقل نسبة العمال 66% مثقفون، وفقط 5% فلاحون، وقد انخفضت هذه النسبة بأكثر من أربعة أخماس في نوفمبر 1928 وسلم تقرير رسمي بأن الحزب: (لا يملك نواة حزبية قوية واحدة داخل عمال الصناعة)، وسلم الحزب بأنه في عام 1928 شكل العمال 10% فقط من العضوية، 3% في عام 1929، 2.5% في مارس 1930، 1.6% في سبتمبر من نفس العام ولم توجد هناك أية نسبة منهم مع نهاية هذه السنة.

لذا فمنذ ذلك الحين وحتى وقت الانتصار النهائي ل “ماو” لم يكن للحزب عمال صناعيون يستطيع أن يتحدث عنهم. ولعدد من السنين انحصر نشاط الحزب في حركات الفلاحين التمردية والمتعمقة في أقاليم وسط الصين. وفيما بعد الهزيمة العسكرية بالأقاليم المركزية في عام 1943 عندما أنشأ الحزب جمهورية الصين الشعبية، تحرك باتجاه شمال “شينزي” في الشمال الغربي وفي كل من تلك المناطق لم يكن هناك أيضًا أي طبقة عاملة صناعية يستطيع أن يتحدث عنها.

ولم تبلغ الجريدة الناطقة باسم الكومنترن عندما كتبت (تعد منطقة الحدود اجتماعيًا واقتصاديًا واحدة من أكثر مناطق الصين تخلفًا. وكرر “شوتي” نفس هذا المعنى: (المناطق التي تحت إدارة الشيوعيين، هي الأكثر تخلفًا من الناحية الاقتصادية على مستوى الدولة).

لمدة سنتين جمهورية الصين الشعبية لم تدخل مدينة واحدة حقيقية تحت سيطرة الشيوعيين. لذا فلم يشكل العمال أهمية في إستراتيجية الحزب الشيوعي خلال فترة وصول وللسلطة بحيث لم يجد – أي الحزب – أنه من الضروري انعقاد “المجلس القومي للاتحاد النقابية” لمدة 19 عامًا من وقت انعقاده في 1929، ولم يحاول كذلك السعي لإثارة الدعم العمال. كما لوحظ في إعلانه أنه لا ينوي أن يحافظ على أي تنظيم حزبي في مناطق سيطرة الكومنتانج خلال السنوات الحاسمة (1937 – 1945). بل كذلك. وحسين قضت حكومة الكومنتانج في ديسمبر 1937 بجزاء الموت لهؤلاء العمال الذين قاموا بإضرابات أو حرضوا عليها وقت أن كانت الحرب في ذروتها، صرح متحدث باسم الحزب الشيوعي بأن الحزب مقتنع تمامًا بسلوك الحكومة أثناء الحزب.

لم يقف الأمر عند هذا الحد فبعد اشتعال الحرب الأهلية بينه وبين الكومنتانج لم تحاول أي تنظيمات حزبية شيوعية التواجد بقوة في المناطق المسيطر عليها من قبله والتي تضم كل المراكز الصناعية في الدولة. كشف كذلك انتزاع “ماو” للمدن – أكثر من أي شيء آخر – انفصال الحزب الشيوعي التام عن الطبقة العاملة الصناعية فالقادة الشيوعيون قاموا بأقصى ما يستطيعون لمنع أي انتفاضات عمالية في المدن عشية سيطرتهم عليها. فعلى سبيل المثال وقبل سقوط “تينستين” و”بيكين” أصدر الجنرال “لين بياو” – قائد المقدمة – بيانًا للشعب يدعو إلى: (الحفاظ على النظام والاستمرار في وظائفهم الحالية، فإن موظفي الكومنتانج أو مستخدمي شرطة الإقليم، المدينة الدولة، أو المستويات الأخرى من التنظيمات الحكومية: المقاطعة البلدية القرية. أو مستخدمي “الباوشيا” يفرض عليهم أن يظلوا في وظائفهم).

عند عبور نهر يانجنسي وقبل سقوط المدن الكبرى في وسط وجنوب الصين شنغهاي وكانتون وهانكوفي أيديهم، أمر “ماو” و”تشوتي” مرة أخرى في بيان: (من المرغوب أن يستمر العال والموظفون بكل النقابات في العمل وتدار تلك الأعمال كما هي العادة. وعلى موظفي الكومنتانج المركزي والأقاليم، والبلديات لحكومات المقاطعات على مختلف المستويات، أو مندوبي “المجلس القومي” وأعضاء المجلس التشريعي وسلطة “يانس” أو أعضاء المجلس السياسي الشعبي، ومستخدمي الشرطة وقادة تنظيم “باوشيا” أن يظلوا وظائفهم ويمتثلوا لأوامر جيش التحرير الشعبي والحكومة الشعبية).

أكرهت الطبقة العاملة وظلت غير فاعلة. ويصف هذا الوضع تقرير من “نانكنج” في 22 أبريل 1949، قبل يومين من احتلال جيش التحرير الشعبي لها: (لا تظهر جماهير “نانكنج” إيه علامة من الاهتياج فقد رؤى حشد لافت للنظر متجمعًا في هذا الصباح عند سور النهر لمشاهدة مبارزة البنادق على الجانب الآخر منه. وتسير الأعمال كالمعتاد، تم إغلاق بعض المتاجر، وهناك نقص في بعض الأعمال… لكن لا تزال ترى دور السينما محتشدة بالناس).

 

3- ثورة كاسترو:

وصول كاسترو والمسلطة هو حالة لم تلعب فيها الطبقة العاملة أو الفلاحون دورًا هامًا، بل كان ذلك من قبل مثقفي الطبقة الوسطى الذين تربعوا على مسرح الصراع. ويوضح حديث تم بين “ليستريانكي” وقادة الثورة – وهو حديث موثوق بصحته ورد في كتاب ل “رايت ميلز” – كل ما لم تكن عليه الثورة:

(لم تكن الثورة صارعًا بين العمال الأجراء والرأسماليين، فثورتنا هي ثورة لم تقم بها النقابات العمالية أو العمال الأجراء أو الأحزاب العمالة أو أيًا من هذا القبيل.. فيم يكن العمال الأجراء في المدينة وأعين بأي من الطرق الثورية، فنقاباتهم ليست فحسب إلا هي كم النقابات الأمريكية الشعبية تسعي لمزيد من المال والشروط الأفضل، وهذا كل ما كان يحركهم، وفي بعض الأحيان تكون فاسدة تمامًا مقارنة بنقابتكم).

ويكتب بول باران – أحد مدعمي كاسترو – بعد مناقشات سادة كوبا، حول الدور الضئيل للبروليتاريا في الثورة: (يبدو أن قسم الأجراء من الطبقة الصناعية في سلبيًا في مجمله طوال الفترة الثورية، مشكلاً الجزء “الارستقراطي” في البروليتاريا الكوبية، فهؤلاء العمال شارك في أرباح العمليات الاحتكارية – الأجنبية والوطنية – بأجور جيدة وفقًا للمقياس الأمريكي اللاتيني وتمشوا بمستوى حياة مرتفع إلى حد بعيد مقارنة بمستوى جماهير الشعب الكوبي. وحركة الإتحاد النقابي “القوية إلى حد بعيد كان مسيطرًا عليها من قبل موظفي النقابات على نموذج الولايات المتحدة، ومخترقة بتمكن من المبتزين والمحتالين).

وتفسر لامبالاة البروليتاريا الصناعية فشل دعوة كاسترو إلى إضراب عام في 9 ابريل 1958، بعد حوالي ستة عشر شهرًا من بدء الثورة وقبل ثماني شهور من سقوط الديكتاتور الكوبي باتيستا. فالعمال كانوا غير مهتمين، والشيوعيون قد دمروا – كان هناك وقت قبل أن يوافقوا على الانحياز إلى جانب كاسترو وقد علق مؤكدًا على ذلك تقرير ل “رايت ميلز” أثناء العصبان المسلح على دول الفلاحين في وصل كاسترو وللسلطة:

(لعب الفلاحون الدور الكبير مع صغار المثقفين، وأصبحوا هم الجيش الثوري الذي فاز بالعصيان المسلح. فالطرف الحاسم كان هو المثقفين والفلاحين، فتشكل الجنود الثوريين من الفلاحين يقودهم صغار المثقفين).

من هؤلاء الفلاحون؟…. (هم نوع من العمال الأجراء الزراعيين، اللذين لا يجدون عملاً معظم السنة) على هذا النحو كان أيضًا تقرير “بأن”:

كان الأجر الزراعي لهؤلاء مصدر دخلهم ولكنهم ليسوا صغار ملاك:

(فالريف الكوبي لم يكن أبدًا بالنسبة لطبقة البرجوازيين الصغار من أصحاب الملكيات الضئيلة بيئة منتجة للأيديولوجية البرجوازية).

بالرغم من ذلك فهذا الوصف يكذَّب عبر حقيقتين: (بالكاد كان الفلاحون منضمون لجيش كاسترو، ففي أواخر ابريل 1958 كان فقط العدد الإجمالي حوالي 180 من الرجال مسلحون داخل مجموعته، وأرتفع فقط إلى 8.3 عند سقوط “باتيستا”) فكوادر عصبة كاسترو الأساسية كانت من المثقفين، ومن شارك من الفلاحين لم يكونوا أجراء زراعيين، أو ذوي اتجاهات اشتراكية كما وصفهم “باران”، و”ميلز”. ويشهد على ذلك “تشي جيفارا” وهو من أنضم إلى “كاسترو” في “سيريا مايسترا”:

(الجنود الذين شكلوا جيش حرب عصابات، هم أشخاص وطنيون جاءوا من جزء من طبقة اجتماعية ترى تضامنها مع وضع أكثر المناطق كفاحية، ويعبر عنهم في أكثر قائمة من الشجاعة من البرجوازية الصغيرة). (3)
يتضح من ذلك أن حركة “كاسترو” هي حركة طبقة متوسطة، فالاثنين وثمانون رجلاً الذين اجتاحوا كوبا من المكسيك في ديسمبر 1956، والإثنى عشرة رجلاً الذين قاتلوا في “فسريا مايسترا” قد جاءوا كلهم من هذه الطبقة:

(قدمت أضخم الخسائر من حركة مقاومة الطبقة المتوسطة المدينة، حيث أظهروا سياسة وسيكولوجية جادة هزمت القوة القتالية ل “باتيستا”).

يبالغ على نحو متميز حقًََا “تشي جيفارا” من ضعف وعجز الطبقة العاملة الصناعية كعنصر مركزي في كل الثورات الاشتراكية القادمة:

(يصنع الفلاحون بجيشهم النوع الخاص مهم من القتال لأجل أهدافهم الذاتية. ففي المقام الأول يكون توزيع الأرض هو الذي يجعلهم يأتوا من القرية لانتزاع المدن. ويحلق هذا الجيش في الريف – حيث الشروط الموضوعية ناضجة لاستخدام القوة – الإمكانيات لتحرير المدن من سيطرة الخارج).

(إنه لمن الصعوبة الكبيرة أن تجهز جماعات حرب العصابات في دول تحوي كثافة مالية من السكان في مدنها الكبيرة وتملك كثير من الفلسفة المتطورة والوسائل الصناعية، فالتأثير الأيديولوجي المدينة يعوق نضال حرب العصابات. بحيث أنه في هذه الدول التي تزداد فيها هيمنة المدينة. يمكن أن تتطور النواة السياسية المركزية للصراع في الريف).

مع الدور الهامش للبروليتاريا الصناعية – يقول جيفارا – لابد أن تسلم حرب العصابات الفلاحية “بالأساس الإيديولوجي للطبقة العاملة – الماركسية متغاضيًا عن أن أساس الماركسية هو حقيقة أن الثورة الاشتراكية هي من صنع الطبقة العاملة نفسها، وعلى ذلك فالبروليتاريا هي فاعلة التاريخ وليست المفعول به.

بالنسبة لبرنامج “كاسترو” لم يتعد من بدايته أفق الإصلاحات الليبرالية الواسعة والمقبولة من الطبقات المتوسطة. وفي مقاله لجريدة “Oront of febreary”. أعلن كاسترو بأنه لم يضع خططًا المصادرة أو تأميم الاستثمارات الأجنبية: (أنا شخصيًا أعتقد أن التأميم، في أحسن الأحوال، هو أداة بطيئة، فلا يتضح أنه يجعل الدولة أقوى، بل يضعف المشروع الخاص. والأكثر أهمية أن أي محاولة للتأميم الشامل ستعوق كثيرًا الهدف الأساسي في خطتنا الاقتصادية – في مارس 1958 أكد لكاتب سيرته “دوبويس”:

(لم تتحدث أبدًا حركة 26 يوليو عن التحول الاشتراكي للصناعات أو تأميمها. فهذا تخوف أحمق وبسيط من ثورتنا. وقد أعلنا منذ اليوم الأول بأننا نقاتل في سبيل التقوية التامة لدستور 1940، الذي من مبادنه تدعيم الضمانات والحقوق والالتزامات لكل العناصر التي تعد جزءًا من الإنتاج. وتشمل هذه المسألة حرية المشروع ومنح المواطنة والحقوق السياسية للرأسمالية كما بالنسبة لبقية عناصر الاقتصاد الأخرى).

أعلن كذلك كاسترو “للمجلس الاقتصادي لتنظيم الولايات المتحدة في “بونيس آيرس”:

(لا نعارض الاستثمار الخاص، بل نرى فيه فائدة وخبرة وحماسة، وستمنح الشركات ذات الاستثمارات العالية نفس ضمانات وحقوق المشروعات الوطنية).

يفسر ضعف كفاحية الطبقات الاجتماعية، العمال، الرأسماليون، الفلاحون وملاك الأراضي، وعجز الطبقة المتوسطة – التاريخي، وقوة ونخبة كاسترو الجديدة، والتي لم تلتزم بأي أساس نظري أو هموم تنظيمية، السهولة التي وضع بها جانبًا البرنامج المعتدل لعام 1953 – 1958 والقائم على المشروع الخاص وإحلاله ببرنامج راديكالي لملكية وتخطيط الدولة.

حتى 16 ابريل 1961 لم يكن كاسترو قد أعلن بأن الثورة كانت “اشتراكية”. وفي حوار مع رئيس الجمهورية د. “أوسفالد ودورتيكوس تورادو”:

(وفي يوم سعيد أكتشف الشعب أو صدق على أن ما كان عليه يعلن موافقته عنه هو ثورة اشتراكية).

وهي صيغة جيدة لمناورة بونابرتيه على الشعب كمفعول من التاريخ، وليس كفاعلة الواعي!

 

4- ما الخلل في النظرية؟

لا توجد صعوبة في فهم أسباب أن طبيعة التطور المتأخر للبرجوازية، كقاعدة أساسية، هي طبيعة محافظة ومتخاذلة (النقطة الأساسية الأولى عند تروتسكي)، وكذلك في حتمية السمة الثورية للطبقة العاملة الناشئة (النقطة الأساسية الثانية عند تروتسكي). إلا أن الأيديولوجية المهيمنة في المجتمع بحيث الطبقة العاملة طرفًا كطبقة مسيطرة يتداخل فيها عدد من الأسباب.

في الكثير من الحالات تؤدي حقيقة وعود أغلبية عائمة وغير متبلورة من العمال الجدد في الريف إلى صعوبات بالنسبة لتنظيمات البروليتاريا المستقلة، فتقص الخبرة والأمية تضاف إلى ضعفهم، وهذا يؤدي علاوة على ذلك إلى ضعف آخر: الاعتماد على غير العمال للقيادة: ففي الدول المتخلفة تدار غالبًا النقابات العمالية من “دخلاء”، ويوضح ذلك تقرير من الهند:

(تدار النقابات الهندية عمليًا من أشخاص لا يمتلكون أية خلفية صناعية “دخلاء” والكثير من هؤلاء الدخلاء يجمعون في أيديهم أكثر من نقابة واحدة. ويميز القائد الوطني ذي المكانة العالية بأنه رئيس الثلاثين نقابة تقريبًا. ولكن يضاف إلى ذلك أنه بوضوح لا يوجد ما يقدمه في العمل لأي من هذه النقابات).

الضعف والاعتماد على “دخلاء” تؤدي إلى عبادة الفرد:

(لا تزال تتسم الكثير من النقابات بالالتفات حول أشخاص. فيهيمن الشخص القوي على النقابة، ويحدد كل سياساتها وأعمالها، وتعرف النقابة باعتبارها نقابته، ويتطلع العمال إليه لحل مشاكلهم ولتأمين متطلباتهم، ويكونوا على استعداد في أن يتبعوه إلى حيث يقودهم).

عامل هام لعبادة البطل في هذه الحالة، هو وجود عدد من مثل هؤلاء الأبطال داخل الحركة، لمساعدة العمال في تلبية بعض احتياجاتهم، ولكن ليست المساعدة في تطوير تنظيمات ديمقراطية متعمدة على نفسها.

(لن تنمو مثل تلك التنظيمات دون أن يتعلم العمال أن يقفوا على أجلهم، وألا يعتمدوا بشكل مثير المشفقة على أشخاص بارزين لحل مشاكلهم).

الاعتماد على الدولة، هو ضعف آخر للحركة العمالية في الكثير من الدول المتخلفة، ويوضحه أيضًا تقرير من الهند:

(فعليًا تأخذ الدولة الكثير من الوظائف والتي تعد في مجتمع حرمن اختصاص النقابات العمالية، وتقدم باعتبارهم هبة من الدولة، ولكنها – أي الدولة – لا تعقد مساومات بين العمال وأصحاب العمل، بل تقوم هي بالجزء الكبير في تحديد الأجور وباقي شروط العمل. وهذا مما لا شك فيه يرجع بدرجة كبيرة إلى الشروط الاقتصادية وكذلك ضعف العمال ونقاباتهم العمالية).

ومن “غرب أفريقيا الفرنسية”:

(محاولات النقابات المباشرة في مواجهة أصحاب العمل نادرًا ما تثمر عن زيادة أجور حقيقية للعمال الأفارقة. ولكن في الآونة الأخيرة، كان للتشريع الاجتماعي وتأثير الحركة السياسية مسئولية في معظم الزيادة في الأجور).

ومن أمريكا اللاتينية:

(تسعى التمثيلات النقابية إلى تحقيق أرباحها من خلال التدخل والقرار الحكومي).

جزاء الاعتماد على الدولة هو الخضوع للسياسات الحكومية، وتجنب سياسات معادية للسيدات الحاكمة، كذلك تحديد نشاط النقابات العمالية في متطلبات “اقتصادية” ضيقة، أو باستخدام التعبير اللينيني، سياسات “نقابوية”.

هذا يؤدي تباعًا على ابتعاد النقابات العمالية عن نضالات الكادحين الزراعيين، فالاختلاف ما بين مستوى معيشة القرية والمدينة عامة هو اختلاف كبير في الدول المتخلفة مقارنة بالدول المتقدمة. في ظل هذه الظروف ومع وجود حالة البطالة وانعدام العمل للريفيين، يكون تحقيق مستوى أجور وشروط عمل في الصناعة، معتمدًا إلى حد بعيد على المؤسسات التي لا تستخدم إلا عمالاً نقابيين، ويتم تشغيل العمال في الصناعة من خلال النقابات العمالية والحكومة – في إهمال الكادحين الريفيين. وقد كان هذا هو الوضع في أرجنتين “بيرون” وبرازيل “فارجوس”. وكوبا “باتيستا”.

ونتج عنه حركة عمالية محافظة وضيقة ومثالية.

العامل الأخير ولكنه لا يعني العامل الأقل في تحديده لثورية الطبقة العاملة في الدول المتخلفة من عدمها. هو العامل الذاتي، أي فعالية الأحزاب وخاصة الأحزاب الشيوعية. ومن الضروري هنا إعادة التذكير بالدور الستاليني في الثورة المضادة بالدول المتخلفة.

الخلاصة، إن الخبرات حتى الآن أعطت لنا صورة لكل من الدوافع الثورية بين العمال الصناعيين في الدول النامية، وضعفها الشديد، وبأنه لا يوجد ارتباط آلي بين الاقتصاد المتخلف وبين النضالية السياسية الثورية.

أصبحت الطبيعة الثورية الأكيدة للطبقة العاملة – الدعامة الأساسية لنظرية تروتسكي – مشكوكًا فيها. ونقطته الأساسية الثالثة غير متحققة، فلا يستطيع الفلاحون أن يتبعوا طبقة عاملة غير ثورية، ولكن لا يعني هذا أنه لا شيء من ذلك يمكن أن يحدث. فسلسلة من الظروف الوطنية والعالمية جعلت قوى الإنتاج ضرورية لهدم العوائق الإقطاعية والامبريالية. فالعصيانات الفلاحية لم تكن كافية بحد ذاتها لكسر عبودية ملاك الأراضي والامبريالية، بل هناك ثلاثة عوامل أخرى مساعدة:

  1. ضعف العالم الامبريالي نتيجة لزيادة التنافسات فيما بين قوى الإنتاج والركود. جعل من الضروري إحداث التدخل المتبادل بوجود القنبلة الهيدروجينية.
  2. نمو أهيمه الدولة في الدول المتخلفة، والذي يعد أحد سمات التاريخ، فعندما تواجه المجتمع مهمة تاريخية في ظل غياب الطبقة التي عليها التغيير، يحل محلها مجموعة أخرى من البشر، وفي الغالب ما تكون سلطة الدولة، وتلعب هذه السلطة في مثل تلك الظروف دورًا غاية في الأهمية، فهي لا تعكس فقط ما يمكن أن يبني عليه الاقتصاد اليوم.
  3. نمو الأهمية الأنتلجنسيا كقائدة وموحدة للوطن، وتكون فوق الكل كمتلاعب بالجماهير، وهذه النقطة الأخيرة تحتاج لتفصيل خاص.


5- الأنتلجنسيا:

أهمية الأنتلجنسيا في حركة ثورية تتناسب طرديًا مع الوضع المتخلف العام – الوضع الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي – للجماهير التي ترتفع هذه الأنتلجنسيا من وسطهم.

تميزت “الحركة الشعبية الروسية” والتي كانت مقارنة بأي حركة أخرى. تؤكد على الحاجة لتثوير الفلاحين الذين يعدون أكثر أقسام المجتمع تخلفًا، أنها بالغت بشكل استثنائي على أهمية الأنتلجنسيا “أساتذة التفكير النقدي”.

وعلى الرغم من أن الحركة الثورية في روسيا كانت تحتوي بشكل كبير على مثقفين. فيدافع مثقفي “الحركة الشعبية” عن قضية الفلاحين، ويدافع مثقفي “الحركة الماركسية” أنه بالنسبة للعمال الصناعيين يوجد اختلاف أساسي في الطريقة التي يرون بها العلاقة ما بين “القيادات” و”الجماهير”، فالحركة العمالية كانت على الأقل منظمة أثناء أعلى مراحل الصراع – إلى حد بعيد كان المثقفون مسئولون عن الوحدة العمالية – على الرغم من ذلك فاتجاههم المتأصل – أي المثقفين – في الفصل والارتفاع بنفسهم عن الجماهير. أدى إلى كبحهم عن طريق نفس هذه “الوحدة”.

بالنسبة لمثقفي “الحركة الشعبية” كانت البيئة المحيطة أقل تقييدًا. ومن ثم فقد أظهروا استبدادية نتيجة للميل إلى التذبذبات والانشقاقات، وكما قال لينين في هذا الوقت: (لن يكون لأحد أن ينكر ما تتميز به الأنتلجنسيا من فردية وعجز عن الانضباط والتنظيم، هو نتيجة لطبقة منتجة من مجتمع رأسمالي حديث).

أثبتت الأنتلجنسيا الثورية نفسها كعامل أكثر تماسكًا في الدول النامية اليوم، مقارنة بروسيا القيصرية. فكما تعرف، الملكية الخاصة البرجوازية مفلسة، والنضال الامبريالي لا يحتمل، ونمو أهمية تخطيط الدولة إضافة إلى نموذج روسيا. وكذلك العمل التنظيمي والانضباطي للأحزاب الشيوعي، أعطى كل هذا معنى جديدًا لتماسكها – أي الأنتلجنسيا. ولأنها الفئة الوحيدة غير المتخصصة في المجتمع، تكون المصدر الواضح ل “نخبة ثورية محترفة”. بحيث تظهر لتمثل مصالح “الأمة” في مواجهة التناقضات الإقليمية والمصالح الطبقية. يضاف إلى ذلك أنها الجزء من المجتمع المتشرب بالثقافة القومية. فالفلاحون والعمال لا يمتلكون الوقت أو التربية التي تؤهلهم لذلك.

تتأثر الأنتلجنسيا أيضًا بالتحالف التكنولوجي لذواتها. فهي مقيدة بهذا التخلف الذي يمنعها من المشاركة في عالم العليم والتكنولوجيا للقرن العشرين، ويؤكد هذا الموقف من خلال “بطالة المثقفين” المستوطنة في هذه الدول. مع التخلف الاقتصادي للمثقفين تكون الوظيفة الحكومية هي الأمل الوحيد لمعظم الطلاب بالرغم من عدم وجود قدر ما يكفيهم. (4)

الحياة الدينية للمثقفين أيضًا في أزمة. ففي ظل نظام متفتت تكون فيه الشخصية التقليدية متفسخة، يشعرون بعدم الأمان، وأنعدم الجذور، ونقص القيم الراسخة. وتجعل الثقافات الحاجة ملحة إلى توحيد جديد لابد له أن يكون كليًا وديناميكيًا حتى يستطيع أن يملأ الفراغ الروحي والاجتماعي، ولابد أن يجمع ما بين الحماسة الدينية مع النضالية القومية.

وجد المثقفون أنفسهم تحت ضغط مزدوج قبل أن تفوز دولهم بالحرية السياسية: تمتعهم بامتيازات عن الأغلبية من شعوبهم، وخضوعهم لهيمنة الحكام الأجانب. وهو يفسر ما يتميزوا به من تردد وتدبدب بالنسبة لدورهم في الحركات القومية. لكن أصبح هؤلاء عوامل أخرى في أهدافهم – الشعور بالذنب والمديونية تجاه الجماهير “الجاهلة”، وفي نفس الوقت الشعور بالانفصال والتفوق عليهم.

فالأنتلجنسيا تواقة إلى الانتماء دون أن تكون متشابهة، ودون أن تكف على أن تظل مستقلة ومتسامية. فهي تبحث عن حركة ديناميكية ستوحد الأمة، وتفتح آفاقًا واسعة وجديدة. ولكنها في نفس الوقت تعطي لها – أي الأنتلجنسيا – السلطة. وهي مؤمنة تمامًا بالتنمية، بالتنمية الكاملة في مجتمع هندسي، وتأمل في الإصلاح من “فوق”، وتفضل أن تقود عالم جديد بشعب “مقر بالجميل”، وترى كذلك أن حرية نضال الوعي الذاتي وارتباط الشعب الحر، ينشأ من عالم جديد من أجلها، وهي تهتم بالكثير من عوامل دفع دولها خارج الركود، ولكن بالقدر القليل من الديمقراطية. فهي تجد القيادة من أجل التصنيع، من أجل التراكم الرأسمالي. ومن أجل الانبعاث القومي الجديد. فسلطتها في علاقة مباشرة مع ضعف الطبقات الأخرى وسياستها البطالة. كل هذا يجعل من رأسمالية الدولة الديكتاتورية هدفًا جذابًا للمثقفين. يضاف إلى ذلك أنهم “حاملي الراية” الأساسية للشيوعية في الدول النامية. (وجدت الشيوعية أعظم قبول في أمريكا اللاتينية بين الطبلة والطبقة المتوسطة).

في الهند كانت نسبة الأعضاء من طبقات أخرى غير البروليتاريا والفلاحين في مؤتمر الحزب الشيوعي في “أمريستار” (مارس / ابريل 1958) هي 67% (طبقة وسطى، وملاك أراضي. وصغار تجار). 72% حصلوا على تعليم جماعي. (وقد وجد أنه في عام 1943 كانت نسبة من يعملون كموظفين لوقت كامل هي 16%).

 

6- الثورة الدائمة المنحرفة:

هذه القوى التي يمكن أن تؤدي إلى ثورة عمالية اشتراكية وفقًا لنظرية تروتسكي، يمكن أن تقود البروليتاريا في ظل غياب عامل موضوعي ثوري. لألبي نقيضها، دولة رأسمالية.

باستخدام ما يعد صحيحًا بشكل كامل وما بعد عارضًا في النظرية – اعتمادًا على الفعالية الموضوعية للبروليتاريا – يمكن أن نصل إلى مصطلح مختلف – مع غياب مصطلح أفضل – هو: “ثورة رأسمالية الدولة الدائمة المنحرفة”.

وكيفما كانت ثورتا 1905، 1917 في روسيا، وثورة 1925 – 1927 في الصين. إثباتًا نموذجيًا لنظرية تروتسكي، كذلك فوصول “ماو” و”كاسترو” إلى السلطة هو نموذج مثبتًا أكثر وضوحًا ونقاء لنظرية “الثورة الدائمة المنحرفة”.

تعد ثورات التحرر الوطني الأخرى – غانًا، الهند، مصر، إندونيسيا، الجزائر – انحرافات عن القاعدة. ففي هذه الدول، منع الانسحاب السياسي والعسكري للامبريالية، بالإضافة إلى الدعم المالي للطبقات المحلية المسيطرة،  وغالبًا ما كانت هذه الطبقات هي الأقسام الأساسية للبرجوازية، وكذلك العجز الذي أصابت به “موسكو” الأحزاب الشيوعية المحلية، منع من وجود رأسمالية دولة نقية ومهيمن عليها غرديًا من قبل البيروقراطية الستالينية الجديدة. وبالرغم من انحراف “نهرو” ،الهند، و”نيكروما” غانا، و”بن بيلا” الجزائر، بشكل أكثر وأقل عن نموذج “الثورة الدائمة المنحرفة”، إلا أنه يمكن فيهم ذلك بالمقارنة والأقتراب من وجهة نظر النموذج.

بعض النتائج تكتسبها الحركة العمالية استنباطًا من “الثورة الدائمة المنحرفة”.

في أي من حالات نقائها أو انحرافها:

أولها: في ما يتعلق بالعمال في الدول النامية، والذين عجزوا عن تحقيق الثورة الدائمة وقيادة الثورة الديمقراطية حتى حدود الاشتراكية، وتوحيد الصراع القومي والاشتراكين لابد أن يكون عليهم الآن أن يقاتلوا ضد طبقت(هم) المسيطرة – وقد برهن نهرو على ذلك بقدر ليس أقل حدة مقارنة بالحكم البريطاني عند حصاره للإضرابات العمالية.

برغم ذلك سيكون العمال الصناعيون أكثر وأكثر استعداد للثورة الاشتراكية، ففي ظل حكومات وطنية جديدة ستزيد أعدادهم، ومن  ثم يكتسبون في خاتمة المطاف تماسكًا وسيطرة اجتماعية محددة.

ثانيهما: بالنسبة للاشتراكيين الثوريين في الدول المتقدمة التغيير في الإستراتيجية يعني أنه بينما يكون عليهم أن يواصلوا المعارضة بغير تحفظ لأي ضغط وطني للشعوب المستعمرة.

لابد أن أيضًا أن يكفوا عن محاولتهم في إثبات الوحدة الوطنية للطبقات المستقبلية المسيطرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية،، وأن يستثمروا بدلاً من ذلك التناقضات الطبقية والهياكل الاجتماعية لهذه القارات في المستقبل، فيصبح شعار “طبقة ضد طبقة” حقيقة أكثر فأكثر.

وتظل فكرة الأساسية لنظرية “ترورتسكي” صحيحة كما كانت دائمًا، فلابد أن تواصل البروليتاريا النضال الثوري حتى تنتصر على العالم بأسره. والتقصير عن هذا الهدف لن يجعلها تحقق حريتها.(5)

 


الحواشي

  1. عشية ثورة 1905 كتب مارتينوف الناطق بلسان المناشفة: (ستكون الثورة القادمة ثورة برجوازية، يعني هذا، أنها سوف – بقدر أكبر أو أقل – تكفل سيطرة كل أو بعض طبقاتها. وإذا كان الوضع هكذا، فمن الواضح أن الثورة القادمة ستأخذ على عاتقها تمامًا أشكالاً سياسية ضد رغبة “كل” هذه البرجوازية، والتي فيما بعد ستكون المسيطرة. حينئذ، سوف يعني اتباع طريق قتال الأغلبية من عناصرها، أن الصراع الثوري للبروليتاريا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة واحدة فقط – إعادة الحكم الاستبدادي في شكله الأصلي).

نتيجة مارتينوف الضمنية، أنه يجب على الطبقة العاملة أن تفرض على نفسها “الكبح الذاتي”، فلا تقاتلها. لكن في نفس الوقت فهو يدعو إلى أنه يجب بحسم الضغط عليها حتى تقود الثورة: (يمكن أن يُعبر ببساطة عن النضال من أجل التأثير في طريق وحصيلة البرجوازية، ببذل البروليتاريا ضغط ثوري لصالح رغبة هذه البرجوازية الليبرالية والراديكالية، فتخضع أضعف أقسام المجتمع ديمقراطية أقوى الأقسام للموافقة على الوصول بالثورة إلى نتائجها المنطقية.

بشكل مشابه كتبت في هذا الوقت جريدة المناشفة (إيسكرا): عندما رصدنا لمسرح الصراع في روسيا، ماذا يمكن أن نرى؟ قوتان فقط: الأوتوقراطية القيصرية، والبرجوازية الليبرالية، والأخيرة منظمة وذات ثقل كبير. بالنسبة للجماهير العمالية فهي مجزأة ولا تستطيع عمل شيء، فنحن لا نوجد كقوة مستقلة، لذا فهمتنا هي تدعيم القوة الثانية – البرجوازية الليبرالية – بأن نستحثها وأن نناضل حالاً باتجاه الدفع للمطالب المستقلة للبروليتاريا.

  1. نظرية تروتسكي كانت تطويرًا وتطبيقًا وتوسيعًا لتحليل ماركس لثورة 1848. قبل هذه الثورة تنبأ ماركس أنه بسبب الشروط المتقدمة والبروليتاريا المتطورة لألمانيا لن تكون الثورة البرجوازية فيها إلا مقدمة مباشرة لثورة بروليتارية تالية. أعلن ماركس بعد هزيمة 1848 أنه بمواجهة ضعف البرجوازية في تحقيق ثورة ضد الإقطاع على الطبقة العاملة أن تناضل من أجل تحول الثورة البرجوازية إلى ثورة بروليتارية ومن ثورة وطنية إلى ثورة عالمية.

في خطاب للمجلس المركزي للعصبة الشيوعية (مارس 1850) قال ماركس: (كما هي البرجوازية الصغيرة تواقة إلى وصول الثورة إلى نتيجة بأسرع وقت ممكن وتحقيق أكثر متطلباتها فمن متطلباتنا ومهامنا جعل الثورة دائمة، حتى يتم عزل كل الطبقات المالكة عن السيطرة وحتى تنتزع البروليتاريا سلطة الدولة، وتتوحد ليس فقط على مستوى دولة واحدة بل في كل بلاد العالم، وتتطور بحيث تنتقل قوى الإنتاج الحاسمة إلى يدها بدلاً من المنافسة فيما بينها). وقد أنهى ماركس خطابه بعبارة: (صيحة معركتهم – أي العمال – لا بد أن تكون “الثورة الدائمة”).

  1. كان لدى الحزب الشيوعي الكوبي “حزب الشعب الشيوعي” الكثير الذي يجعله يحيا بطريقة معينة، فقد دعم سلطة “باتيستا” ما بين 1939 و1946، وشارك في أول وزارة له وزيرين “جوان مارينيللو” و”كارلوس رافئيل رودريجيس”، وقد وصفته الجريدة الشيوعية “هوى” في 1944 بأنه: (معبود الجماهير، الرجل العظيم لسياستنا القومية، الرجل الذي يجسد المعاملة المقدسة لكوبا الجديدة)، ووصف كاسترو على أنه مغامر برجوازي صغير. وكما وضحنا من قبل فالشيوعيون لم يتعاونوا مع إضراب إبريل 1958. أما في يناير 1958 فقد كانوا مؤيدين جبناء لـ”انتخابات ديمقراطية نظيفة للتحرر من “باتيستا”.
  2. على سبيل المثال وضح تقرير من الهند أن حوالي 25 % من الطلاب الذين حصلوا على درجة الأستاذية من جامعة “لوقنو” في الفنون، والعلوم، والتجارة، والقانون ما بين عامي 1949 و1953 ظلوا بلا عمل حتى عام 1957، ووضح التقرير أيضًا أن حوالي 47 % من طلاب الفنون (لغات، علوم، فلسفة، تاريخ…. إلخ) 51.42 % من طلاب العلوم، 7 % من طلاب التجارة، 85.7 % من طلاب التربية، أقروا بأنهم ذهبوا إلى الجامعة للحصول على التأهيل الضروري للسلك الحكومي. أقر كذلك حوالي 51 % من حاملي الدرجات أن التعليم الجامعي “تبديد للوقت”.
  3. لنقص المساحة فالموضوع الحالي قد تم تكثيفه في ما يتصل بنظرية “الثورة الدائمة” بالدول المتخلفة، ولم يتعامل مع ما تتضمنه في الدول المتقدمة، فهذا الموضوع الثاني – حول إذا كانت ثورات التحرر الوطني لا بد أن تؤدي إلى ثورة اشتراكية في الدول الاستعمارية المتقدمة – لم تكن جزءًا أو قسمًا أصليًا من نظرية تروتسكي، ولكنها أدمجت فيما بعد.
Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s