عمار يا مشمش.. في المشمش

Posted: 9 يوليو 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , ,
سبتمبر 1996

مسألة الفلاحين في غاية الأهمية بالنسبة للثوريين، فمن المستحيل بناء رؤية ثورية تعتمد على الطبقة العاملة في المدن فقط، فإهمال الريف معناه أن يقع الفلاحون فريسة للثورة المضادة، لعدم قدرتهم على لعب دور مستقل. فبدون أن تضع الطبقة العاملة على عاتقها مهمة التحالف مع فقراء الريف تحت قيادتها، وطرح قضاياهم على أجند مشروعها الثوري، فإن ذلك يعني تعاظم قوى الثورة المضادة وفشل مشروع الثورة العمالية الاشتراكية.

لذلك فدراسة أوضاع الفلاحين الفقراء وتطور ظروفهم وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية مسألة ملحة طول الوقت. حتى يتم بناء رؤية ثورية واضحة عن طبيعة القوى التي من الممكن أن تلعب دور حيوي ومؤثر في العملية الثورية.

العمار هي البلدة التي سنتناول في تحقيقنا هذا ظروف وأحوال فلاحيها الفقراء. تقع العمار في محافظة القليوبية في موقع وسط بين القناطر وبنها وطوخ، ويمر بها الرياح التوفيقي الذي يشطرها نصفين، لتكون العمار الكبرى ومنشأة العمار. الزراعة الأساسية في العمار هي المشمش بجانب زراعات أخرى لا تذكر. ومن حياة وألسنة الفلاحين نكتب تحقيقنا، حتى تتضح لنا صورة إحدى القرى عن قرب.

1) “اللي ما يشوفش من الغربال يبقى أعمى”

أجعص واحد عندنا في العمار عنده فدانين. لكن أغلب الفلاحين بيبدأوا من قيراطين لأقل من فدان. جنبنا في كوم القطرون الحيازات ما تزيدش على ثلاث قراريط للعيلة. غالبية الفلاحين راكبين أرض بالإيجار.

بالطبع لا يخفي على أحد عيشة البؤس التي يحياها فقراء ومعدمي الفلاحين. لكن الفقر ليس شيطانيًا، فهو النتيجة الحتمية للمجتمع الطبقي. حيث تتمركز الملكية والثروة في أيدي قلة، ويتم تكريس البؤس للأغلبية. كلام الفلاحين السابق تؤكده آخر الإحصاءات الرسمية في هذا الشأن، التي أجريت عام 1975. حيث تشكل نسبة الحائزين لأقل من ثلاثة أفدنة 88.9 % من جملة الحائزين، وتمثل حيازاتهم 35.35 % من جملة الأراضي المنزرعة. وتشكل نسبة الحائزين لفدان فأقل 72% من جمة الحائزين، وتمثل حيازاتهم 16.6 % من جملة اراضي المنزرعة. أي أنه – بلا تعليق – 11.1 من جملة حائزي الأراضي الزراعية في مصر (وهم من يملكون ثلاثة أفدنة فأكثر) يحودوا 64.65 % من سلطة الأراضي المنزرعة!!

–                     جدي ساب لأبويا وأخواته فدان.. أبويا سابلي أنا وأخواتي خمس قراريط.. أنا حاسيب لكل ابن قيرط.. يبقى ابني حيسيب لكل عيل كام متر؟!

–                     عدد النسمة أكبر من الرقعة نفسها. وكل يوم السكان بيزيدوا والأرض ثابتة، بل بتقل لأن السكن بيسحب عليها. وبمرور السنين ماحدش حيبقاله حاجة.

بالفعل في حين أن نسبة عدد السكان في الريف زادت من 1950 إلى 1970 حوالي 40%، لم تزد الأرض في نفس المدة إلا بنسبة 8 %. وبالطبع هذا لا يبرر نظريات “مالتوس” في أن الزيادة السكانية تلتهم الموارد. لكن يحدث ذلك لأن عددًا قليلاً جدًا من الملاك مستحوذ على نسبة كبيرة من الأرض المنزرعة. ولأن الرأسمالية المصرية المفلسة فشلت في إيجاد طريقة إيجابية لتطوير الزراعة والاستخدام الجيد للأرض، والتوسع في مساحتها. وأيضًا يعكس ذلك فشل أكبر للرأسمالية المصرية في الصناعة. ففي حين كانت الأرض تطرد فلاحيها الزائدين عن عدد العمالة المفروضة لزراعتها، ولم تفلح الصناعة في المدن في استيعاب هؤلاء النازحين. وبدلاً من تحويلهم إلى عمال صناعيين، أصبحوا جيشًا للعمل الاحتياطي من البروليتاريا الرثة (عمال تراحيل، باعة جائلين، مهمشين وعاطلين، سكان العشش الصفيح).

2) “خراب يا مشمش”

التقينا بعدد من الفلاحين، لنتعرف من قريب على الصورة، وقت حصاد مصدر رزقهم الأساسي.

  • إيه أخبار موسم المشمش السنة دي؟

–                     من أربع سنين والمشمش بايظ خالص. من تمن سنين كان بيجيب أد النهارده أربع مرات. نزلت السنة دي عليه ندوة تعبته ووقفت نموه. ده غير الذبابة السوداء والعنكبوت. والتلج لما نزل عليه حله من ع الشجر، وهوه لسه بيمسح النواره. معظم الشجر كبر وضعف من المبيدات اللي بنرشها علشان الأمراض. ودي مش خاضعة لإشراف وزارة الزراعة، بنجيبها من تجار، يعني مش مطابقة للمواصفات، فبتعالج أمراض الشجر لكن بتضعفه.

  • معنى الكلام ده إن الموسم خسر معاكو؟

–                     طبعًا أنا محضر موتور الرش بسب 100 جنيه لتلات قراريط د هغير إن المشمش خس النص. زمان كان يجيلك جنيه في الكيلو، دلوقتي بيجيلك اتنين جنيه. لكن تعمل إيه لو السعر قل والأرض بتديك نصف اللي كانت بتديهولك زمان. كنا قبل كده بنزرع شجر تحت الشجر الكبير، وبيطرح يعد خمس سنين. لكن كانت الحالة كويسة، كانوا عاملين لنا مشروع الصرف المغطي، وده صلح أرض كتيرة لأنه غسل وشها من الملوحة. لكن من سبع سنين اتسد وما صلحهوش لحد دلوقتي. وباظت الأرض تاني وتعبت. يعني طول السنة الواحد بيستنى مبلغ صغير بعد مصاريف التكلفة.

  • إزاي بتبيعوا المشمش؟

–                     في السويقة اللى بتتنصب يشتروا مننا. وطبعًا مش كل المشمش سعره واحد، وفي كل الأسابيع. الأسبوع الأول بيبقى بشاير، والرابع بينزل سعره، لأنه أخره خلاص. لكن بيبقى من جنيه لتلاته للكيلو والمشال والتعبية والأرضية والعملة على الفلاح. وفيه ناس بتروح تبيعه بنفسها في المدن القريبة.

  • هل زراعة المشمش في الصحرا دلوقتي بتأثر عليكو؟

–                     طبعًا منافستهم بتخسرنا في السوق وده كمان لأن إنتاجنا بدأ يضعف وتكاليفه بتزيد.. وبالرغم من إن تربة العمار خصبة لأنها طينية حبوبها سوده متماسكة وده بيخلي الشجر يعمر فيها. إلا أن مشمشهم بيتباع هوا. وده لأنهم بيدوله دوا “بيهرمنهوه” يخليه يحمر ع الشجر في غير أوانه، وبيوفروله الجو اللازم له. لكن مشمشهم كله أمراض وسموه واللي بيقدروا يعملوه إنهم بينزلوا مشمش في غير أوانه. بس ده قليل ولناس معينة. لكن مقدروش يسحبوا مننا السوق. لأنه مش زي اللي بيطلع على أبوه. لكن برضه بيضعفنا، ويخللي قيمة زرعتنا تقل.

  • طب بتعملوا إيه علشان تقدروا تعيشوا.

–                     أهوه فيه اللي بيشتغل موظف أو عامل في أي بلد تانية. وفيه اللي بيطلع أجري في جنانين وغيطان بلاد تانية. وفيه اللي بيبيع أرضه ويسافر بره أو يتاجر في اللب ويفتح مقله في مصر. وفيه اللي بيأجر أرض يزرعها شوية غلة على شوية برسيم. الشغل قل والناس كترت.

  • طيب بتزرعوا إيه في الأرض اللي بالإيجار؟

–                     أرض المشمش ما بتتأجرش، اللي بيتأجر الأرض البور. والإيجار بالضريبة 650 جنيه للفدان في السنة وفي السوق السودا بـ 1200 جنيه وممكن يوصل لـ 1700 جنيه لو قراريط فرط.

  • يعني فيه زراعات تانية غير المشمش؟

–                     المشمش المفروض ما يتزرعش جنبه حاجة لأن المشمش بيتعطش تلات شهور. لكن بنزرع جنبه شوية درة، وده بيبوظ المشمش لأن الدرة محتاج ري كل تلات أيام. لكن حنعمل إيه؟ يعني البيت ما يعيش من السنة للسنة على حباية المشمش. الناس بتكافح لأن دي زرعتها الأساسية.

  • طيب والأرض اللي بالإيجار بتزرعوها إيه؟

–                     دية بتبقى أرض بور والناس بتديها للفلاحين تستصلحها. ولما الأرض تبدأ تدي يقولوا للفلاح مع السلامة وبعد كده يأجروها بسعر السوق السودا. بعد كده بنزرعها غلة يا دره يا قمح مع شوية برسيم وشوية طماطم.

  • هل منتوج الأرض بيغطي تكلفته؟

–                     لأ طبعًا أنا بادفع 1200 جنيه إيجار والسماد والكيماوي بيكلفوني حوالي 150 جنيه. ده غير العزيق والميه. والفدان ما يبقاش غير عشرة أردب غله وسعر الأردب 120 جنيه في حين أن سعره بره البلد 78 يعني بيقف عليا بالخسارة. اللي بيسند شوية البرسيم أو الطماطم أو البصل.

  • إيه مشاكل الميه معاكو؟

–                     فيه ترعة صغيرة جنبنا المفروض إنها بتسقي معظم الأرض. بتيجي الميه فيها أسبوع وتغيب أسبوع بتبقى ضعيفة جدًا وما بتكلمش الأسبوع، وبرغم إن الرياح التوفيقي بيمر في بلدنا. آديك شايف أهه سبع ماكينات من الساعة ستة الصبح لحد العصر عقبال ما نسقي قيراطين بس. العطش بيضر الدره، علشان كده بنضطر نسقي بالمكنه اللي بتطلع الميه من الأرض ودي بتبوظ الأرض علشان الملوحة فيها عالية. إيجار المكنة خمسة جنيه في الساعة. ساعات نحب نزرع رز علشان سعره ما يغلاش علينا ما بنعرفش لأنه يحتاج يعوم في الميه، وإحنا ما عندناش ميه تكفيه.

  • إيه علاقة الجمعية الزراعية بالفلاحين؟

–                     الجمعية ما بتديش الفلاحين حاجة. أنا بقاللي سبع سنين ما جيتش يمتها – ويصيف آخر – كانت زمان ماشية مضبوط. لكن دلوقتي التاجر يروح يظرف بتاع الجمعية وياخد السماد كله. وأروح أنا أشتريه منه بسعر السوق السودا. ولو جيت أشتكي حاشتكي لمين؟ يا ريت يبقى فيه رقابة عليهم لكن مين اللي حا يتحكم ويراقب؟ ما كبار البلد هما هما بتوع السوق السودا.

  • بنك التنمية والائتمان الزراعي رافع قضايا على فلاحين اتأخروا في سداد ديونهم. إزاي بتتعاملوا مع البنك وهل فيه حالات زي كده عندكوا؟

–                     الفلاحين بيضطروا يتاملوا مع البنك. والفلاح اللي ما يقدرش يدفع ممكن يبيع بهيمته وساعات أرضه علشان ما يتسجنش. وده راجع لأن الموسم ما بيغطيش تكلفته. وفيه فلاحين كتير مش عارفين يدفعوا منين. فاترفعت عليهم قضايا. فيه فلاحين لما بتحتاج تسدد اللي عليها بتاخد قرض. على بطاقة فلاحين تانيين. وتسدد اللي عليها وبكده تقدر تسحب تاني على بطاقتها وتسدد اللي خدتوه من فلاحين تانيين ويبدأ يتحسب القرض من أول وجديد.

نعتقد أن الصورة واضحة تمامًا. وسياسة الدولة واضحة هي الأخرى في إحكام الخناق على صغار الحائزين وإجبارهم عاجلاً أم آجلاً على ترك الأرض لأنها “واقفة دلوقتي بالخسارة”. كي يلتهمها كبار الملاك، وبالتالي إعادة هيكلة الريف عبر هيمنة الطابع الرأسمالي على الإنتاج الزراعي. وإعادة تقسيم الخريطة؟ الطبقية، ليتحول سكان الريف إلى كبار ملاك، ومعدمين لا يملكون سوى قوة عملهم.

لأنها دولة الرأسماليين فمعاداة الفقراء شعارها، ورفع معدلات استغلال غايتها المنشودة.

هذه هي النتيجة التي تريد دولتنا الرأسمالية الوصول إليها. فالحيازة الصغيرة (ملكية – إيجار) تعد الآن نقمة على الفلاح. وذلك هو السبب في سعيه للعمل كأجري في أرض الغير ليجد ما يعنيه على أعباء المعيشة. وأسباب هذه النقمة طبعًا وليدة الواقع وليست غريبة عنه. فمشكلات المياه والمبيدات التي لا يتم الإشراف على مواصفتها ومشكلة بنك التنمية الزراعي وارتفاع أسعار الأسمدة هي نتاج سياسات الدولة. حتى الظروف الطبيعية التي تعصف بزراعته هي أيضًا نتاج الواقع الذي يجعل الحائزين الصغار غير قادرين على مواجهتها، لأن استثماراتهم في الأرض أضعف بكثير من الوقوف ضد تلك الظروف.

فالمسألة طبقية بالأساس. الملاك الكبار تخدمهم سياسات دولتهم في توفير كل المستلزمات الضرورية لزراعتهم وهم الأقدر بفعل ضخامة استثماراتهم أن يحموا زراعتهم من مخاطر الطبيعة. تلك هي المسألة. فالأرض التي زادت تكاليف إنتاجها ليستعد الآن قادرة على إعطاء صاحبها، حتى ما يسدد رمقه هو وأولاده. وما يتسبب له من خسارة هو أمر طبيعي نتيجة لظروف اجتماعية تزيد من الخناق عليه.

3) “يا قاطع قوتي يا ناوي على موتي”
  • بعد ده كله إيه بقى معنى عمار يا مشمش؟!

–                     حاقولك.. يعني طول السنة أسحب من البقال والجزار والقماش، وأجهزة عيالي للجواز، على حساب المشمش. ولو الزرعة هيفت بيتكسر عليا الدين لتاني موسم. الجلابية دي أنا لابسها بالقسط يعني على ما أخلص قسطها تكون دابت. القصد كل حاجة بتندفع في المشمش. علشان كده بنطلع نشتغل بالضحوية علشان نجيب المصاريف التانية. إحنا بندعي إن رغيف العيش ما يبقاش بعشر قروش لأن ساعتها حانضطر نمد إيدينا. بالك إنت لو غلوا علبة السجاير وخلوها بعشرة جنيه. وماله اللي ما يقدرش ما يشربش. إلا رغيف العيش دنا لو غمسته بملح أبيض بيرد جوعتي. أنا دلوقتي ماقدرش أقول لحد اتفضل لأني مش حاقدر أضايقه. كيلة الدرة بقت بـ 12 جنيه. بلدنا فيها حوالي 1000 أجري ما عندهمش حاجة. يجيبوا منين علشان يقوتوا عيالهم.

  • إحكيلي عن ظروف شغلكو بالضحوية؟

–                     أنا باشتغل أجري في أي حتة، تبع الجنيه ما يتوجد في أي بلد. الضحوية بتبدأ من الساعة 7 صباحًا إلى الساعة 12 واحدة الضهر. ومش كل السنة شغل، الشتا كله قعاد. ولو اتأخرت في طابور العيش الصبح والشمس طلعت عليا، ما أقدرش أروح الشغل. ولو رقدت يقوللي أقعد في بيتك لحد ما تبقى كويس. عمره ما يمد إيده ويساعدني. العامل ديته عند الناس الفطاحل دول أجرته، ولو ما جاش فيه غيره مرطوطين. تخيل إن أجرتي لما تزيد بتخسرني. أقولك إزاي يوم ما ييجي يزودني اثنين جنيه، بياخد مني الطاق طاقين في الشغل. الأجرة الزيادة ما بتخلنيش أقدر أشتغل تاني يوم. الشبعان بيدوس على الجعان.

–                     في بعض الحتت اللي اشتغلنا فيها شفنا البشوات اللي كنا بنسمع عنهم وعمرنا ما شفناهم. الباشا من دول لو تنى دراعه يعصر البني آدم مننا. إبنه بياخد بدل الجنيه عشرة. وابني ما حلتيش حاجة أديها له. وأنا عايز أربي وأعلم عيالي دلوقتي تكلم العيل يقولك الحالة بقت نكد هوه بقى فيه حاجة”.

–                     أنا باكلمك من حرقة الطرايح، إحنا اتلطمنا في كل حاجة. لما ما بنلاقيش شغل في الزراعة بنروح حتى في الفاعل ياما اشتغلنا في عز الحر لحد ما الملح كل جسمنا.

–                     تشير إحصائيات عام 1975 إلى أن 60% ممن يشتغلون بالزراعة، عمال زراعيون بدون أي حيازة.

4) في معسكر واحد

فلاحون معدمون وحيازتهم الضعيفة (ملكية – إيجار) تجعل تكلفة الإنتاج مرتفعة وليس لديهم خيار آخر سوى البقاء في الأرض والعمل كأجريه في أراضي كبار الملاك أو في أعمال أخرى بعيدة عن الزراعة. ففرص العمل قليلة والدخل مخيف وغول الفقر يلتهمهم. إن التركيب الطبقي لتلك الفئات الفقيرة والمعدمة متقارب جدًا. الهجمة اليوم تهدد المستأجرين بإنهاء عقودهم وطردهم من الأرض التي أفنوا أعمارهم في زراعتها. في مطلع 1997 سيصبح هؤلاء جزء من جيش العمل الزراعيين. غدًا ستكون الهجمة على الحائزين الصغار لأنهم سيصبحون أضعف من الوقوف كثيرًا أمام ارتفاع تكاليف الزراعة، ومنافسة كبار الملاك لهم على مستوى الإنتاج والتسويق. سيصبح بيع الأرض وقتها حلاً في مواجهة الخسارة المتزايدة، والمشتري بالطبع سيكون كبار الملاك الزراعيين، حتى يكملوا سيطرتهم على معظم الأراضي المنزرعة. النتيجة إن عجلة الإنتاج الزراعي ستدور لخدمة احتياجات التراكم لدى رأس المال الكبير. هل سيتحد فقراء الريف في معسكر واحد ليواجهوا معًا هجمة الدولة الرأسمالية المصرية عليهم؟

دعونا نتلمس ما يدور في أذهان ونفوس هؤلاء الفقراء حتى نستطيع الإجابة على سؤال “ما العمل؟” حينذاك.

  • طبعًا سمعتوا عن قانون الإيجارات الزراعية الجديد اللي حاينهي عقود الفلاحين، ويطردهم ويرجعوا الأرض للملاك إيه رأيكم فيه؟

–                     أنا رأيي اللي بيملك أقل من تلات فدادين، وفيه فلاحين مأجرينهم منه يرجعوله. لكن اللي أزيد من كده يفضل المستأجرين فيها، وممكن يزودوا الإيجار لكن ما يخدوهاش.

–                     (لكن لفلاح آخر رأي مختلف) في الأصل اللي عنده أرض خدها من أهالينا بملاليم، ودلوقتي بيأجرهلنا بآلافت نفضل في ارض زي ما احنا، إيجاره بالعدل. هوه فيه واحد النهارده بيأجر فدان إلا إذا كان شبان وفايض منه.

–                     (ويضيف آخر) القانون ده حايرجع الكرباج والمسخرة وبكره حاتحصل مجاعة وسرقة. الحكومة بتخطي خطوة غلط. يعني بتمص من دم الفلاح اللي بيشحت وبتدي لواحد بطنه مليانه.

–                     (ويضيف آخر) هما اللي مخططين ده كله. بدأوا بالقطاع العام وشردوا العمال. ودلوقتي جايين على الفلاحين. القانون الجديد حا يخليه يتحكم فيا، حتى لو أجرلي فلازم أزرع اللي على مزاجه. حايغلي الإيجار بدل الطاق طاقين، يا إما أشتغل عنده أجري.

  • يعني أفهم إنكم مش حاتسلموا أرضكم وحاتقاوموا؟

–                     الفلاح لما حاتضيق بيه من جوعه حايبقى ميت. ميت، حانقف جنب بعض ونشوف السلاح بيتجاب منين ونجيبه. مش مكفيهم باعوا الشركات، وابن الريس عمال يشارك في كل حاجة. ده عاوز لما يموت أهله يغوصوا في خير، وأنا أموت أم الجوع! لأ هوه ذات نفسه اللي يستحق الموت. مش شايف الجبل كله رتب وناس كبار مخلينه كله مزارع، جايين على حته الأرض اللي بتقوت عيالي! يعني إحنا خمس أنفار ومعانا خمس أرغفة عيش، ياخدهم ليه لوحده! لأ نموته علشان ناكل طبعًا.

–                     (ويضيف آخر) صاحب الملك عرض عليا يطلع المستأجرين وأفضل أنا. قلتله اللي يسري عليا يسري عليهم. يا فرحتي لما يديني أزرع، وغيري يموت. إحنا كلنا أهل. وحانقف مع بعض إيد واحدة، وبكده الحكومة مش حاتقدر علينا. يا أخي ده أنت مش جايبلي إسرائيل تدمرني، ده إنت بتدمرني بنفسك. إيه عايز مراتي وبناتي يمشوا في الدعارة علشان ناكل؟! لأ حاخنقك قبل ما تدمرني، حاعدمك.

فلاح واحد فقط يملك فدان أكد أنه لن يقف مع المستأجرين، لأنه حاينضر في حاجة مالوش ذنب فيها. وأكد إن لازم المستأجرين يرجعوا الأرض لأنها مش بتاعتهم. فقام فلاح آخر بمقاطعته وتوضيح المسألة.

–                     الراجل ده موظف وسافر السعودية، وعملهم على قلبه، وله فلوس في البنك. مالوش في قضية الأرض دي خالص. سيبك منه أنا عارف واحد بس في الزمام كله عاوز يرجع أرضه اللي مأجرها، لأنه تعبان وما بيقدرش يزرع وعياله قارفينه مش بيساعدوه.

  • طب وأنت حاتعمل إيه؟

–                     أنا حأواجه ولو ما لقيتش حد يقف معايا حأعمل كل اللي في جهدي وأعتبر نفسي مت.

5) ما العمل؟

كما رأينا الحيازة الصغيرة أصبحت نقمة على صاحبها، والفقر يلتهم فقراء الريف، والمرارة تملأ حلق كل منهم. لكن ما السيناريو الذي يمكن أن يحدث في ريف؟

يوجد في تقديري احتمالين لا ثالث لهما. الأول، أن تقوم الدولة بتنفيذ القانون في موعده المحدد عام 1997. لحظتها – كما هو واضح – سيقاوم الفلاحون ولن يتركوا أرضهم بسهولة. ومن المنتظر أن تثور في عدة قرى هبات فلاحية لمقاومة الملاك والأمن.

الثاني أن تبطئ الدولة في تنفيذ سياستها، وتعطي فترة سماح أخرى، أو تنفذ على مراحل. وهذا في الأغلب احتمال ضعيف، لأنه يتناقض مع سياسات حكومة الجنزوري المصممة على المضي سريعًا في “الإصلاح الاقتصادي”. حتى إن أبطأت الدولة أو نفذت على مراحل، فاحتمال الهبة الفلاحية سيظل قائمًا لأن النتيجة أيضًا ستكون هي انتزاع الأرض. المهم هو ما ستسفر عنه تلك الهبة.

بالطبع فقراء الريف يزدادون عددًا يومًا بعد يوم. ونسبة ليست صغيرة منهم تعمل في أعمال أخرى، كالصناعة وأعمال البناء في المدن القريبة منهم، كمورد إضافي يعينهم على أعباء المعيشة. لكن هل سيسفر اشتراكهم الجماعي في هبة، عن أشكال منظمة تقود حركتهم؟ كالروابط أو النقابات أو حتى جماعات مسلحة.

المسألة طبعًا معقدة وشائكة، ولا يمكن التنبؤ بما سيحدث بالضبط. لكن التراث النضالي للفلاحين في مصر، يجعلنا نستبعد قيام تلك الأشكال المنظمة، فتاريخ الريف المصري أشبه بحالة طويلة من الركود، وخبرة الكفاح فيه تكاد تكون معدومة. وحركة لاطبقة العاملة في المدن تعاني، هي الأخرى، من حالة تراجع وجذر. وحتى في لحظات المد لم تسفر عن خلق أشكال وأدوات ثورية بديلة لما تم تدجينه في معسكر الإصلاحية والانتهازية.

نحن لا ندعو بالطبع للتشاؤم. فدائما ما تأتي رياح الحركة الثورية بما لا تتوقعه سفن القابعين في بيوتهم للرصد والتنظير. ما أود قوله باختصار، هو أن نجاح الفلاحين في لعب دور البطل في سيناريو الهبة أو إخفاقهم، وأيضًا فإن صعود حركة عمالية جديدة وإنتاج منظمة قاعدية بديلة أو فشل ذلك، هذا كله لا يمنع الثوريون – وبات في مجموعة صغيرة – اليوم من أن يكثفوا دعايتهم الثورية الملموسة، داخل أماكن النضال الحقيقية، عن مشروع الثورة العمالية الاشتراكية والشروط المطلوبة لنجاحها.

إن المحك الحقيقي لاختبار ثورية أي أفكار، هو في واقع الممارسة الثورية. ودفع أي حركة للأمام يكمن في نوع الدعاية والتحريض اللازمين لها. إن خروج الفلاحين في هبة في مواجهة كبار الملاك، فرصة ذهبية للثوريين لطرح دعاية حول “أينما يوجد الاستغلال يجب علينا تحطيمه” أي بتعبير آخر وحدة نضال المدينة والريف، وحدة نضال العمال والعمال الزراعيين وفقراء الفلاحين. وأيضًا لطرح مسألة الفلاحين وأهمية التحالف الطبقي بينهم وبين العمال تحت قيادة العمال، كموضوع للتماسك النظري والسياسي – في هذه اللحظة بالذات – للثوريين في مصر.

هذا هو ما يجب أن يقوم به الثوريون في مجموعة صغيرة في حالة نهوض هبة فلاحية. وعلينا أن ندرك أن الأحداث قد تسرع بنا إلى حدوث هبة حقيقية، ولو كنا وقتها نفتقد إلى رؤية صحيحة عما يجب عمله، فإن فرصًا حقيقية لتطوير دعاية ثورية بين طليعة الفلاحين، سوف تضيع من بين أيدينا.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s