شبرا الخيمة: لماذا لم تعد القلعة الحمراء؟

Posted: 10 يوليو 2010 in كتابات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , , ,
سبتمبر 1998

وصف كلا من بنين/ لوكمان في كتابهما عن العمال والحركة السياسية في مصر، شبرا الخيمة بأنها القلعة الحمراء. واعتمد وصفهما هذا على تحليلها للطاقة الكفاحية للطبقة العاملة في شبرا الخيمة، وحدة المنافسة بين الاتجاهات الإيديولوجية المختلفة داخل الحركة العمالية، ودرجة تسيس هذه الحركة نفسها. وبالطبع فإن هذا التحليل والوصف السابق، كان يتعلق بشبرا الخيمة في الأربعينات عندما ارتفعت نضالات عمال النسيج الميكانيكيين هناك إلى ذروة غير مسبوقة.

كان قطاع عمال النسيج في مصر الأربعينات على درجة عالية من التمركز، وصناعة النسيج ذات ثقل رئيسي داخل الصناعة عمومًا. وفقًا لإحصاء عام 1945 كان إجمالي العمال في الشركات الصناعية 316،144 عامل من بينهم 117،272 عامل في صناعة النسيج؛ وإجمالي المصانع 22،220 مصنعًا منها 9،425 مصنعًا للغزل والنسيج وكان من بين 45 شركة تستخدم أكثر من 500 عامل توجد 13 شركة نسيج. بزغت شبرا الخيمة في الثلاثينات كمنطقة جذب لصناعة النسيج، لقربها من القاهرة من ناحية ولضعف الأجور بها بسبب طبيعتها الريفية من ناحية أخرى، وأيضًا بسبب أنها كانت محاطة بالعديد من ورش النسيج اليدوي. ومع نهاية عام 1937 وصل عدد مصانع النسيج في شبرا الخيمة إلى عشرة مصانع، ووصل تعداد سكانها إلى ربع مليون نسمة، ووصل عدد العاملين في الصناعة إلى حوالي 20،000 عامل من بينهم 9،000 يعملون في صناعة النسيج. ولأن معظم المصانع هناك كانت مملوكة لأجانب، أدى ذلك إلى أن يتخذ نضال العمال الطبقي طابعًا وطنيًا في حالات كثيرة. ومن أهم المصانع التي كانت مملوكة لأجانب هناك وقتها: مصنع سباهي، مصنع بسوء القاهرة للمنسوجات الحريرية، فرانسو – المحلات الصناعية للحرير والقطن (شركة إسكو الآن)، مصنع بوليتكس (شركة وولتكس الآن).

كانت شبرا الخيمة – على حد تعبير جويل بذين – هي ابنة التحديث الرأسمالي في الثلاثينات من خلال رؤوس أموال أجنبية تستهدف تسريع وتيرة التراكم في قطاع إنتاجي يعتمد على جزء كبير من ثروة مصر وهو القطن. لكن هذا التحديث لم ينعكس بأي درجة على تحسين أوضاع العمال بالطبع، حيث صاحبه غلاء متزايد في تكاليف المعيشة.

زادت تكاليف المعيشة في فترة الحرب العمالية بنسبة 193 % بينما لم تزد الأجور إلا بنسبة 113 %، أدى ذلك إلى تدهور أوضاع العمال بدرجة كبيرة. كان العمال مضطرون للسكن في منازل غير صحية، وانتشرت بينهم أمراض المهن وأيضًا سوء التغذية، وكان معظم عمال شبرا الخيمة (حوالي 90 %) أميون تمامًا.

كانت المصانع في شبرا الخيمة عشية انفجار في اغلبها ولم تكن قادرة على تقديم إصلاحات تسمح بتحسين أحوال العمال. بينما كانت نقابة عمال النسيج الميكانيكيين، التي حصلت على الاعتراف الرسمي عام 1937، تضم ثلاثة آلاف من أنشط وأمهر القادة العماليين وقتها على رأسهم محمود العسكري ويوسف المدرك وطه سعد عثمان. وأصبحت هذه النقابة منذ ذلك الوقت رأس حربة في نضالات الطبقة العاملة. نمت النقابة سريعًا بعد الإضراب الناجح الذي نظمته في مصنع. هنري بيير سنة 1939 بسبب فصل عمال وردية كاملة كان من بينهم عدد من زعمائها، مما أجبر الحكومة على إصدار أمر عسكري بمنع فصل أي عامل دون موافقة الحكومة وأعادت العمال المفصولين إلى عملهم.

وفي عام 1942 قبل فترة وجيزة من وصول حكومة الوفد إلى السلطة في 4 فبراير، خاضت النقابة نضالاً شديدًا ضد شركة بسو التي ماطلت في صرف علاوة غلاء المعيشة للعمال وقامت بإغلاق المصنع في وجههم بعد قيام العمال بتقديم قائمة بالمطالب إلى الإدارة.

وبعد تولي الوفد الحكومة نظمت النقابة مظاهرة ضخمة ضمت عمال النسيج في شبرا والزيتون والمطرية وعين شمس، وتوجهت إلى النادي السعدي للتفاوض مع النحاس. واستجابة لضغط الحركة العمالية، أصدر النحاس أمرًا بإعادة فتح المصنع والإفراج عن العمال المعتقلين وقبول جميع مطالبهم بما فيها صرف رواتبهم خلال فترة الإغلاق.

بعدها أصدرت حكومة الوفد القانون 85 لسنة 1942 الذي منح الاعتراف القانوني بتنظيم النقابات، وذلك تحت ضغط حركة عمال النسيج. ثم أصدرت الحكومة القانون 86 الذي ألزم أصحاب الأعمال بالتأمين على عمالهم ضد الحوادث. وعلى الرغم من قيود القانون 85 إلا أن حركة تأسيس النقابات ازدهرت في السنوات التالية. وفي منتصف 1944 كان يوجد 350 نقابة عمالية مسجلة تضم نحو 120 ألف عضو.

صاحب النضال الاقتصادي لنقابة عمال النسيج درجة عالية من التسيس، ففي إبريل 1942 استأجرت النقابة مجلة شبرا. هذه المجلة لعبت دورًا رئيسيًا في الدعاية لتأسيس النقابات، وتحولت إلى منبر دعائي للأفكار الاشتراكية في أوساط العمال، وذلك بالتحديد بسبب الدور التدخلي الذي لعبته جماعة الفجر الجديد “طليعة العمال” داخل النقابة والمجلة. وفي يناير 1942 صدر قرار حكومي بإيقاف صدور جريدة شبرا، وفي أبريل 1945 صدر قرار بحل نقابة عمال النسيج بعد قيامها بالتحريض والمشاركة في تنظيم 50 إضرابًا من يناير إلى أبريل ومحاولتها تأسيس إتحاد لنقابات عمال النسيج، وقبل الحل كانت عضويتها قد وصلت إلى 15 ألف عضو.

مع نهاية الحرب العالمية دخل ما يزيد عن ربع مليون مصري كانوا يعملون لدى قوات الاحتلال إلى سوق العمل، مما خلق مشكلة بطالة واسعة، وبالتالي أصبح في مقدور أصحاب المصانع ممارسة ضغوط أعلى بكثير على الطبقة العاملة. فقامت شركة النصر للنسيج بشبرا الخيمة بوقف صرف أجور العمال، وقامت شركة النيل للمنسوجات بنقل نشاطها للإسكندرية للتخلص من عمال شبرا.. وهكذا.

وكان رد فعل العمال أن احتلوا المصانع ونظموا إضرابًا كبيرًا من 1 – 9 يناير 1946 شارك فيه ما يقرب من 20 ألف عامل تحت قيادة لجان المندوبين بعد حل النقابة. وتلخصت مطالب العمال في إعادة تشغيل المصانع وإعادة العمال المفصولين وإنهاء الاحتلال العسكري لشبرا الخيمة الذي بدأ في صيف عام 1945.

ثم شارك عمال شبرا في مظاهرة كبيرة أثناء أحداث 21 فبراير، كذلك اشتركوا في أنشطة اللجنة الوطنية للطلبة والعمال. لكن ظلت مسألة عودة العمال إلى المصانع وإعادة تشغيلها مرهونة بمواقفهم على عدد بعينه من التعهدات بإطاعة الأوامر. وفي يونيو 1946 اتخذ مؤتمر النقابات قرارًا بتنظيم إضراب عام يوم 25 يونيو يشمل القطر المصري كله للضغط من أجل عودة العمال. لكن هذا الإضراب فشل، واضطر العمال إلى العودة للمصانع بشروط أسوأ من التي كانوا يرفضونها، وتم فصل جميع أعضاء لجان المندوبين. بعدها انحسرت الحركة العمالية في شبرا الخيمة لسنوات.

خلال الحقبة الناصرية وفي إطار خططها للتنمية، انتقل مركز ثقل الصناعة ودرجة تمركز الطبقة العاملة من قطاع صناعة النسيج إلى قطاع الصناعات الهندسية. كذلك انتقل مركز ثقل الحركة العمالية من شبرا الخيمة إلى حلوان. ذلك على الرغم من أن حركة التصنيع الناصرية دفعت إلى شبرا الخيمة بدماء جديدة في الصناعة فخلال هذه الفترة تأسست شركة الدلتا للصلب وشركة النشا والجولوكوز وشركة الدلتا الصناعية (ايديال) وشركة حلوان لمحركات الديزل (مصنع 909 الحربي) وشركة الكابلات الكهربائية وشركة بتروجاس للبترول وغيرها. وبعض هذه الصناعات كانت الوحيدة من نوعها في مصر مثل الكابلات الكهربائية والنشا والجلوكوز. لكن هذا لا يضاهي المد الصناعي الذي أحدثته التنمية الناصرية في الصناعات الهندسية في حلوان. وأيضًا ظل عمال النسيج هم القطاع الرئيسي من العمال في شبرا الخيمة، في الوقت الذي بدأ فيه عمال نسيج يتراجعون عن مقدمة الصفوف في الحركة العمالية نتيجة لتدهور ظروفهم.

بالطبع أتت الدولة الناصرية بإصلاحات عديدة، فتم إقرار حق العمل ووضعت ضمانات عديدة لمنع الفصل، وزادت الأجور النقدية بدرجة ملموسة كما تم تقديم أجور عينية في صورة مساكن وخدمات صحية وتعليمية ووجبات جاهزة. لكن ذلك أتى في الواقع على حساب استقلالية الحركة النقابية، حيث تم تأميم التنظيم النقابي وتحويله إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة. وخلال الخمسينات والستينات والسبعينات لم تحدث في شبرا الخيمة إلا حركة احتجاج محدودة جدًا وغير ذات تأثير، وإنحسرت كلها خلال فترة المد العمالي 1968/ 1977. في 1968 و1969 شهدت شركة إسكو إضرابين صغيرين، أولهما قام به عمال الحرير الصناعي للمطالبة بالوجبة الغذائية للعمال، والثاني قام به العزالون والنساجون لتحسين الخدمات وظروف العمل في مواقف الإنتاج، ولم يحقق كلا من الإضرابين أي شيء يذكر. وفي فبراير 1972 قام عمال النسيج في شركات القطاع الخاص في شبرا الخيمة بتنظيم إضراب لمساواتهم في الأجور بعمال القطاع العام. وفي إبريل 1975 قام عمال شركة الكابلات الكهربائية بإضراب للمطالبة بتعديل الحوافز، وشهد هذا الإضراب لأول مرة رفض العمال للنقابات الحكومية، وقاموا بطرد ممثلي الاتحاد العام من المصنع.

في النصف الأول من عام 1986 شهدت شبرا الخيمة أهم الاحتجاجات العمالية داخلها منذ نهاية موجة مد الأربعينات وهما إضرابي شركة إسكو الشهيرين. فبعد صدور قانون العمل رقم 137 لسنة 1981 والذي نص على أحقية صرف العمال أجرًا عن أيام الراحات، خاضت القيادات النقابية في شركة إسكو نضالاً قانونيًا استمر لعدة سنوات للمطالبة بصرف عمال الشركة أحر الراحات. وظلت الشركة تماطل في التنفيذ حتى قرر العمال القيام باعتصام لمدة ثلاثة أيام، بدأ في يوم 28/1/1986 وتحول في يومه الثاني إلى إضراب، وشارك فيه حوالي 12 ألف عامل. تحت ضغط الإضراب أصدرت الحكومة قرارًا بصرف أجر جمعتين عام 86، وصرف أجر الجمعتين الأخرتين بدءًا من عام 88.

لكن بسبب تسويف وزير الصناعة وعدم تطبيق القرار، قام العمال بتنظيم إضراب آخر في 27/4 شارك فيه 5 ألاف عام، ولأن الحكومة لم تكن لتسمح بتصاعد الحركة فقررت اقتحام المصنع بعشرة ألاف جندي وعدد من المدرعات وتم فض الإضراب واعتقال 500 عامل. على الرغم من ذلك إلا أن العمال قد انتصروا في هذا الإضراب وحصلوا على أجر جميع أيام الراحات وتم تعميم هذا القرار في كل مصانع القطاع العام.

عمومًا كان إضراب إسكو في 1986 آخر الاحتجاجات ذات الشأن في شبرا الخيمة. فأزمة الاقتصاد الرأسمالي في مصر انعكست على القطاع الصناعي لرأسمالية الدولة على شكل تدهور واسع، ونال شبرا الخيمة قسط وفير من ذلك وبالتحديد في قطاع النسيج. وصلت خسائر شركة إسكو إلى 120 مليون جنيه عام 96 وخسائر شركة وولتكس إلى 54 مليون جنيه، بينما لم تزد الأرباح في شركة الدلتا للصلب عن 181 ألف جنيه. وتوقفت مصانع نسيج عديدة بسبب عدم توافر خام الغزول، وأصبحت هناك شركات عديدة تقوم ببيع أراضي أو وحدات تابعة لها لتغطية مديونيتها أو لصرف أجور العمال، كما حدث لناروبين وولتكس والنشا والجولوكوز. وانخفض عدد العمال في المصانع بسبب وقف التعيينات منذ عشر سنوات، كذلك بسبب هرب العمالة الماهرة نتيجة لهبوط الأجور وتعنت الإدارة وتوقف الإنتاج. كان عدد العمال في شركة إسكو وقت الإضراب 17 ألف عامل وصلوا الآن إلى سبعة آلاف عامل، ومن بين العشرة آلاف عامل الذين نقصوا يوجد 2500 عامل خرجوا من الشركة بإرادتهم. وفي ناروبين انخفض عدد العمال من 2500 عامل في مطلع الثمانينات إلى 1680 عامل في 1996. وبسبب توقف الإنتاج تعمل شركة وولتكس بـ 10% من طاقتها والباقي في حالة بطالة دائمة بسبب عدم قدرة الشركة على تصريف منتجاتها.

كذلك انعكست الأزمة الاقتصادية على أوضاع شركات القطاع الخاص. فمصانع النسيج الصغيرة، التي تقوم بشكل أساسي بالعمل من الباطن لصالح شركات نسيج القطاع العام الكبيرة، تأثرت بشدة بسبب تدهور أحوال الشركات الكبرى تلك. كثير من المصانع تعطلت وتم إغلاقها وأفلس أصحابها، فمن ضمن 2400 مصنع نسيج صغير في مصر توقف 500 مصنع عن الإنتاج ويعمل 1200 مصنع منهم بنصف طاقته. وفي عام 1985 أغلق في شبرا الخيمة وحدها 80 مصنع صغير بسبب عجزها عن الإنتاج.

على جانب آخر انتعشت في السنوات الأخيرة صناعة الملابس الجاهزة في القطاع الخاص. وأهم سمات الطبقة العاملة في الشركات الجديدة هذه، إن ما يقرب من 90% من العمالة بها عمالة نسائية، وجميعهن في سن أقل من 25 سنة، ويفتقدن بالتالي لأي تراث كفاحي أو خبرة في الصدام. نتج عن ذلك أن استطاعت هذه الشركات تخفيض أجورهن بدرجة كبيرة، وبالتالي تحقيق تراكم إيجابي سمح لها بالتوسع. شركة فابلس مثلاً بدأت بثلاثة ألاف عاملة ووصلت الآن إلى سبعة آلاف بعد التوسع وبناء مصنع جديد. بينما تستخدم شركة مصر تايوان أربعة ألاف عاملة؛ وكل من شركات نورما والنيل للملابس وطيبة تستخدم ثلاثة ألاف عاملة؛ وكلا من شركتي القناع الذهبي وسارة مود تستخدم ألفين عاملة. وإلى جانب صناعة الملابس الجاهزة في شبرا الخيمة، كان هناك انتعاش لشركة كريستال عصفور، التي تحتكر صناعة الكريستال في مصر والشرق الأوسط، وتستخدم حوالي خمسة آلاف عامل وعاملة.

وبالطبع انعكست الأوضاع الاقتصادية للشركات الصناعية على أحوال عمالها المعيشية وأجورهم. فأجور العمال تنخفض بشكل عام في شركات النسيج الكبيرة على امتداد سنوات الثمانينات والتسعينات، على الرغم من الارتفاع الاسمي لها. في شركة إسكو مثلاً ارتفع متوسط أجر العامل من 19.5 جنيه شهريًا عام 1970 إلى 59.5 جنيه شهريًا عام 1980 إلى 260 جنيه شهريًا عام 1990، لكن الآن الأجر الثابت يشكل الجزء الأصغر من إجمالي الأجر بينما يشكل الأجر المتغير (الحوافز والبدلات) الجزء الرئيسي من هذا الإجمالي، ولأن الأجر المتغير يعتمد على الإنتاج الذي يتدهور فعليًا تكون النتيجة هي تدهور الأجور. فمخصصات الأجور ارتفعت في شركة إسكو من 5 مليون عام 1970 إلى 17 مليون عام 1980 إلى 32 مليون عام 1996، أي أنها ارتفعت بنسبة 340% ما بين عامي 70 – 80 وارتفعت بنسبة أقل عن 200% ما بين عامي 80 – 96. وبينما تحصل بعض الوحدات في الدلتا للصلب على 200% حوافز، لا تحصل أي وحدة في إسكو ولا القاهرة للمنسوجات الحريرية على أي حوافز من سنوات. لكن إجمالي الأجور في حد ذاته لا يوضح لنا السياسة الطبقية في توزيع الأجور، فبينما يحصل رؤساء القطاعات في شركة النشا والجولوكوز على أجر شهري يزيد عن 600 جنيه، يتراوح الأجر الشهري للعمال في الشركة ما بين 165 جنيه و55 جنيه.

وفي شركات الملابس الجاهزة الصاعدة لا تزيد أجور العاملات عن 170 جنيه شهريًا في أفضل الأحوال. بينما تتبع شركات القطاع الخاص سياسة مجحفة بخصوص الأجور، فلوائح الانضباط المتشددة والجزاءات القاسية تؤدي إلى انتزاع جزء من الأجور بصورة منتظمة، ولا يؤدي الاحتجاج الفردي إلا إلى الطرد من العمل. أما في مصانع النسيج الصغيرة الخاصة، فالعمال يحصلون على أجرهم بالكامل حسب إنتاجيتهم. وبسبب ضعف الإنتاجية نتيجة لتخلف تكنولوجيا الإنتاج داخل هذه المصانع، وأيضًا بسبب غلاء أسعار المواد الخام وعدم القدرة على تصريف المنتجات، يحصل عمال هذه المصانع على أجور متردية للغاية.

يمكن القول أن أسبابًا عدة تتحكم في يمكن القول أن أسبابًا عدة تتحكم في سياسة الأجور. منها درجة نهوض أو انحدار القطاع الإنتاجي ودرجة حدة الصراع بين العمال والإدارة، بالإضافة إلى التراث الكفاحي ووجود أدوات كفاحية فاعلة. ففي إسكو مثلاً، لأنه لم يظهر لها أي احتجاجات بعد إضراب 1986 ولأن نقابتها متخاذلة ومتواطئة مع الإدارة، تهبط داخلها الأجور بصورة منتظمة. بينما في وولتكس التي لا تقل ترديًا في أحوالها الإنتاجية لا زال عمالها يحصلون على 30 % حوافز شهرية و50 % في شهور المناسبات، بسبب تدخل نقابتها المستمر ومساوماتها للإدارة. بينما في النشا والجولوكوز يصرف العمال 12 شهرًا أرباح سنوية أحيانًا بسبب مشاغباتهم المستمرة مع الإدارة.

لكن على الرغم من انخفاض أجور العمال بشكل عام وتدهور أحوالهم، إلا أن شبرا الخيمة لم تشهد أي تحركات عمالية هامة بعد إضراب إسكو 1986. وذلك يعود إلى تدهور المراكز الصناعية بها وضعف العمال وتفككهم داخل هذه المراكز وخروجهم منها. ولن نجد في العشر سنوات الماضية شيئًا يذكر إلا تحركات محدودة جدًا؛ مظاهرة عمالية في الدلتا للصلب في فبراير 93 تطالب بصرف بعض الحوافز استجابت لها الإدارة ثم تراجعت بعد شهر واحد؛ مظاهرة لعمال النشا والجولوكوز للمطالبة بإعادة النظر في توزيع شقق الإسكان الصناعي انتهت باستجابة الإدارة لطلباتهم؛ مظاهرة صغيرة قام بها ثلاثة آلاف عامل داخل أسوار شركة إسكو في يناير 1994 للمطالبة بصرف أرباح العام السابق؛ اعتصام 200 عامل في النشا والجولوكوز لمدة ساعة واحدة في أبريل 1996 لتثبيت 171 عمل مؤقت وقد استجابت لهم الشركة؛ اعتصام عمال المنشئات المعدنية في فرع المقاولين العرب بشبرا الخيمة في فبراير 1997 ضد محاولة تمديد يوم العمل استجابت لهم الإدارة ثم تراجعت، فقام العمال بتنظيم إضراب عن العمل في شهر مايو.

أيضًا لا نستطيع أن نرصد إلا بعض الاحتجاجات الصغيرة بين عاملات شركات الملابس الجاهزة؛ إضراب لعلامات التريكو في أكتوبر 1996في مصر تايوان؛ احتجاج عاملات فابلس على تحديد أيام أجازتهم مسبقًا، ثم إضراب عاملات قسم النسيج في الشركة في نوفمبر 96 بسبب فصل إحداهن؛ وأخيرًا إضراب عاملات قسم التعبئة والمكواة بفابلس الشهر الماضي (الذي نعرض له هذا العدد من الشرارة). وعلى الرغم من ضعف الاحتجاجات بين عاملات شركات الملابس بسبب نقص خبراتهن الكفاحية، وخوفهن من الطرد من العمل وبالتالي التعرض لظروف الفقر المرعبة، إلا أن احتجاجاتهن الصغيرة هذه تؤشر بالنسبة لنا على بدء انتقال مركز الثقل في الحركة العمالية من عمال القطاع العام إلى عمال القطاع الخاص الجديد.

إن الأزمة الاقتصادية لرأسمالية الدولة في مصر، واتجاهها إلى سياسة الخصخصة وإعادة الهيكلة، أدت إلى تغير بنية الطبقة العاملة في شبرا الخيمة. فحالة الاستقرار وتمركز أعداد واسعة من العمال في مصانع بعينها خاصة مصانع النسيج الكبرى تغيرت تمامًا. فأعداد العمال انكمشت في العديد من المصانع؛ ومصانع عديدة توقف عن الإنتاج وأغلقت أبوابها؛ وصناعة جديدة تظهر تستخدم بالأساس عمالة صغيرة السن وغير مستقرة ولا تملك الخبرات الكفاحية المطلوبة؛ بينما تتدهور الأجور بشكل حاد وشركات عديدة أصبحت على وشك البيع وغير معروف مصير عمالها. وهكذا لم تعد شبرا الخيمة قلعة الأربعينات الحمراء. لكن لا يوجد بيننا من يمكنه أن يصادر على إمكانية صعود حركة عمالية جديدة في شبرا الخيمة تتجاوز في جسارتها وبأسها ومحصلتها الأخيرة تراث الأربعينات الزاخر.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s