ليون تروتسكي

4 فبراير 1921

ترجمة: ناصر الحصري

في كل مره نقوم فيها بدراسة تاريخ الكوميونة، يمكن أن نراها من ناحية جديدة. ويعود الفضل في ذلك إلي الخبرات المتحصلة عن طريق الصراعات الثورية الأخيرة وفي مقدمتها علي الإطلاق الثورات الأخيرة, ليس فقط الثورة الروسية ولكن أيضا الثورتين الألمانية والبلغارية. لقد كانت الحرب الفرنسية – الألمانية انفجارا دمويا ينذر بمذبحة عالمية غير محدودة, في حين كانت كوميونة باريس بشرى مضيئة لثورة بروليتارية عالمية.

إن الكوميونة تظهر لنا مدي بطولة جمهور الطبقات العاملة, وقدرتهم علي الاتحاد في كتلة سياسية واحدة, ونبوغهم في التضحية بأنفسهم باسم المستقبل. ولكنها تظهر لنا في نفس الوقت عدم مقدرة هذه الجماهير علي اختيار طريقها, تظهرترددها وعدم حزمها في مسألة قيادة الحركة, وتحزبها المشئوم الذي وصل بها إلي التوقف بعد النجاحات الأولي وبالتالي السماح للعدو باستعادة أنفاسه وإعادة توطيد مواقعه.

لقد جاءت الكوميونة متأخرة جدا. لقد كان لديها كل إمكانيات الاستيلاء علي السلطة في الرابع من سبتمبر وهو ما كان يسمح للبروليتاريا في باريس بأن تضع نفسها وبضربة واحدة علي رأس العمال في الدولة كلها في صراعهم ضد قوي الماضي, ضد بسمارك كما ضد ثيرز علي السواء. ولكن السلطة وقعت في أيدي ثرثاري الديمقراطية: نواب باريس. ولم يكن لدي البروليتاريا الباريسية حزب أو قيادة مرتبطة بها ارتباطا وثيقا من خلال الصراعات السابقة. أما البرجوازيون الصغار الأبطال الذين ظنوا أنفسهم اشتراكيين ولجأوا إلي مساندة العمال لهم فلم يكن لديهم في الحقيقة أية ثقة في أنفسهم. لقد زعزعوا إيمان البروليتاريا في نفسها. فقد كانوا يلجأون باستمرار إلي المحامين المشهورين, إلى الصحفيين وإلي النواب، والذين لم يكن في جعبتهم سوي حفنة من العبارات الثورية المبهمة, وذلك من أجل أن يعهد إليهم بقيادة الحركة.

إن السبب لماذا أخذت السلطة في باريس في الرابع من سبتمبر من البروليتاريا هو نفسه السبب الذي سمح لهذه القيادات وآخرين كثيرين أن يكونوا أسيادا لحزب البروليتاريا، إن هؤلاء بعيدون بالنظر إلي عواطفهم وأفكارهم المشتركة وسلوكهم وعاداتهم الثقافية عن البروليتاريا الثورية، فأسلوبهم وعباراتهم الاشتراكية هي لا شيء سوي قناع تاريخي لكي يضعوا أنفسهم علي رأس الجماهير. وعندما يكون من اللازم اتخاذ القرار، فليست مسألة تكوين العصبة الوزارية هي المهمة وإنما الأمر الأكثر أهمية والأجدر بالعلم به هو أي الطبقات في فرنسا يجب أن تمسك بزمام السلطة، وحينها فإن هذه القيادات وأمثالهم سيكونون في معسكر ميلليراند ـ وهو شريك وزميل جاليفت ذلك الرجل الذي ذبح الكوميونة…..، وعندما يجد هؤلاء الثرثارين ثوريي الصالونات والبرلمان أنفسهم وجها لوجه ـ في الحياة الواقعية ـ أمام الثورة فإنهم لن يدركوها أبدا.

إن الحزب العمالي الحقيقي ليس آلة للمناورات البرلمانية، فهو الخبرة المتراكمة والمنظمة للبروليتاريا.  ففقط بمساعدة الحزب ـ والذي يرتكز علي الأحداث الماضية في تاريخه كله والذي يرسم مسبقا، بطريقة نظرية، الطريق نحو التقدم بكل مراحله ويستخرج منه الشكل المناسب للعمل ـ تستطيع البروليتاريا تحرير نفسها من الحاجة المتكررة لإعادة بدء تاريخها من جديد بنفس التردد والنقص في اتخاذ القرارات، أي بنفس أخطائها السابقة.

البروليتاريا في باريس لم يكن لديها مثل هذا الحزب، فالاشتراكيون البرجوازيون والذين احتشدت بهم الكوميونة قد تلعثموا ورفعوا عيونهم إلي القدر في انتظار معجزة تهبط عليهم أوفي انتظار رسالة سماوية أخري. وفي أثناء هذا الوقت، كانت الجماهير قد بدأت تفقد صوابها، وذلك بسبب حيرة البعض وترددهم، وأوهام البعض الآخر وخيالاته. و كانت النتيجة أن الثورة قد انطلقت وهم في منتصف الطريق تماما، متأخرين جداً، وكانت باريس مطوقة تماماً. وانقضت ستة أشهر قبل أن تقوم البروليتاريا بإعادة تنظيم ذاكرتها للاستفادة من دروس الثورات السابقة، معارك الأيام الخوالي والخيانات المتكررة للديمقراطية، وبعدها وضعت يدها علي السلطة.

لقد ثبت أن هذه الشهور الستة كانت خسارة لا تعوض، فلو كان الحزب المتمركز للعمل الثوري موجودا علي رأس البروليتاريا في فرنسا في سبتمبر 1870، لكان تاريخ فرنسا كلها ومعه تاريخ الإنسانية كلها قد أخذ منعطفاً آخر.

وإذا كانت السلطة قد وجدت في أيدي البروليتاريا في باريس في 18 مارس فإن ذلك لم يكن بسبب أنها كانت قد انقضت عليها عن قصد وبعزم، ولكن بسبب أن أعدائها كانوا قد تركوا باريس.

فهؤلاء الأخيرين أخذوا يتقهقرون ويفقدون مراكزهم باستمرار، فالعمال قد كرهوهم واحتقروهم، البرجوازية الصغيرة لم تعد تثق فيهم والبرجوازية الكبيرة خافت من أنهم لم يعودوا قادرين علي حمايتها، وأصبح الجنود عدائيين تجاه الضباط. أما الحكومة فقد هربت من باريس من أجل أن تقوم بتجميع قواتها في مكان آخر. وهكذا ـ وبعد أن حدث كل ذلك ـ فإن البروليتاريا أصبحت تتسيد الموقف في باريس، ولكنها لم تفهم ذلك إلا في الأيام التالية حيث هبطت عليها الثورة في مفاجأة غير متوقعة.

لقد كان النجاح الأول بمثابة مصدر جديد للسكون والسلبية، فالعدو قد هرب إلي فرساي، الم يكن هذا انتصاراً؟ وفي نفس اللحظة فإن العصبة الحكومية كان يمكن تحطيمها كلياً وبدون إراقة دماء تقريباً. ففي باريس كان من الممكن اعتقال جميع الوزراء وعلي رأسهم ثيرز ولم يكن احد حتى ليرفع يديه للدفاع عنهم، ولكن ذلك لم يحدث. فلم يكن هناك تنظيم حزبي متمركز لديه رؤية شاملة للأمور وأعضاء خاصة قادرة علي إدراك قراراته وتنفيذها.

إن الجزء المتبقي من رجال الجيش لم يكن يريد العودة إلي فرساي. وكان الخيط الذي يربط الضباط والجنود دقيقا جداً، فلو كان هناك مركز توجيه حزبي في باريس لكان عليه أن يدمج في الجيوش المتراجعة – حيث كانت هناك إمكانية للتراجع – بعض المئات أو حتى بعض العشرات من العمال المخلصين وذلك مع إعطائهم التعليمات الآتية: توسيع مدي تبرم الجنود وغضبهم تجاه الضباط، انتهاز أول لحظة نفسية مناسبة لتحرير الجنود من ضباطهم والعودة بهم إلي باريس للاتحاد مع الشعب. لقد كان من السهل إدراك ذلك بموجب اعتراف أنصار ثيرز أنفسهم، ولكن لم يفكر أحد في ذلك ولم يكن هناك من يفكر في ذلك. فمرة أخري فإنه في منتصف الأحداث العظيمة فإن مثل هذه القرارات يمكن فقط اتخاذها عن طريق حزب ثوري يتطلع إلي الثورة، يحضر لها ولا يفقد اتجاهه كونه معتاد علي الحصول علي رؤية شاملة للأمور ولا يخاف من أن يقدم علي العمل. مثل هذا الحزب هوبالضبط ما لم تكن تملكه البروليتاريا الفرنسية.

لقد كانت اللجنة المركزية للحرس الوطني في حقيقة الأمر عبارة عن مجلس للنواب عن العمال المسلحين والبرجوازية الصغيرة. مثل هذا المجلس – والذي يتم انتخابه مباشرة عن طريق الجماهير التي اختارت الطريق الثوري – يمثل آلة ممتازة للعمل ولكنة في نفس الوقت – وبسبب اتصاله العاجل والأولي بالجماهير– لا يعكس فقط الجوانب القوية ولكنه يعكس أيضاً الجوانب الضعيفة للجماهير. وهو أولاً يعكس الجوانب الضعيفة أكثر مما يعكس الجوانب القوية، إنه يوضح لنا بجلاء روح التردد والانتظار والميل إلي السكون بعد النجاحات الأولي.

لقد كانت اللجنة المركزية للحرس الوطني في حاجة لمن يقودها، حيث كان من اللازم إيجاد تنظيم دائم الحضور يجسد الخبرة السياسية للبروليتاريا، ليس فقط في اللجنة المركزية ولكن أيضاً في الفيالق، في الكتائب وفي أعمق قطاعات البروليتاريا الفرنسية. وبمفهوم مجلس النواب – وهو في هذه الحالة عبارة عن آلة الحرس الوطني – فإن الحزب كان باستطاعته أن يكون علي اتصال مستمر بالجماهير ومعرفة حالتهم النفسية، فلو قام مركز قيادته بتوجيه نداء تعبئة في أي يوم – وذلك من خلال المسلحين التابعين للحزب – فإن مثل هذا النداء بإمكانه أن يتغلغل بين الجماهير ليوحد أفكارهم وإرادتهم.

لكن ما حدث هو أنه ما إن استطاعت الحكومة الهرب إلي فرساي حتى هرول الحرس الوطني نحو نفي مسؤوليته عن ذلك في نفس اللحظة تماماً التي كانت مسؤوليته عن ذلك كبيرة جداً. لقد تخيلت اللجنة المركزية ضرورة إجراء انتخابات ” قانونية ” للكومونة، ومن أجل ذلك دخلت في مفاوضات مع رؤساء بلديات باريس وذلك حتى تحمي نفسها – من اليمين – ” بالشرعية “.

فلو تم التحضير لهجوم عنيف علي فرساي في نفس وقت المفاوضات مع رؤساء البلديات لكان ذلك خدعة مبررة تماماً من وجهه النظر العسكرية ومتفقة تماماً مع الهدف المنشود. ولكن في حقيقة الأمر فإنه قد تم البدء بإجراء هذه المفاوضات من أجل تفادي الصراع عن طريق معجزة أو أخري. لقد كان الراديكاليون من البرجوازية الصغيرة والاشتراكيين المثاليين وهؤلاء الرجال ممن كانت الدولة القانونية تشملهم في جزء منها – النواب، رؤساء البلديات،……الخ – يتمنون من أعماق قلوبهم أن يقف ثيرز احتراماً أمام باريس الثائرة في نفس الدقيقة التي تغطي فيها هذه الأخيرة نفسها بالكوميونة ” القانونية “.

لقد كانت النظريات المقدسة عن الفيدرالية والحكم الذاتي في هذه الحالة هي ما يدعم السلبية والتردد. فباريس ـ كما ترون ـ هي مجرد كوميونة ضمن كوميونات أخري كثيرة، فباريس لا تريد أن تفرض أي شيء علي أي أحد، إنها لا تحارب من أجل الديكتاتورية، أو حتى علي الأقل من أجل أن تعطي المثال للديكتاتورية.

في المحصلة فإن كل ذلك لم يكن شيئاً سوي محاولة لاستبدال الثورة البروليتارية ـ والتي كانت تنموـ بإصلاح برجوازي صغير: الحكم الذاتي الشيوعي في باريس فقط. إن المهمة الثورية الأساسية هي تمكين البروليتاريا من السلطة في جميع أنحاء الدولة، وكان علي باريس أن تقوم بدور قاعدة هذه البروليتاريا ودعامتها وحصنها. ولبلوغ الهدف المنشود كان من اللازم أن يتم سحق فرساي بدون إضاعة للوقت، وأن يبُعث بنشطاء، منظمين وقوات مسلحة عبر فرنسا كلها. لقد كان من اللازم الدخول في اتصالات مع الجميع وذلك لتثبيت المترددين وتقويتهم وأيضاً لتحطيم قوي المعارضة لدي العدو. وبدلاً من سياسة المبادأة الهجومية هذه، والتي كانت الشيء الوحيد القادر علي حماية الموقف، فإن قادة باريس شرعوا في عزل أنفسهم داخل حكمهم الذاتي الشيوعي: إنهم لن يهاجموا الآخرين طالما أن هؤلاء الآخرين لم يهاجموهم،: لكل مدينة حقها المقدس في حكومة ذاتية…….، إنها ثرثرة مثالية، وهي من نفس نوع تلك الثرثرة الفوضوية والتي تغطي في الحقيقة ذلك الجبن في مواجهه العمل الثوري، ذلك العمل الذي يجب مواصلته باستمرار وحزم حتى النهاية وإلا فإنه يكون من الأفضل عدم البدء فيه.

إن العدائية تجاه التنظيم الرأسمالي – الموروث عن الاستقلالية الذاتية والمحلية البرجوازية الصغيرة – هي بلا شك الجانب الضعيف لقطاع معين من البروليتاريا الفرنسية. ففكرة أن الحكم الذاتي للأقاليم، للأحياء، للكتائب وللمدن هو الضمان الأعظم للفعالية الحقيقية، الاستقلال الذاتي لثوار معينين،  كان خطأً عظيماً كلف البروليتاريا الفرنسية كثيراً.

فتحت شعار “الكفاح ضد المركزية الاستبدادية” والنظام “الخانق” فإن معركة لحماية الذات قد بدأت من قبل مجموعات مختلفة وتجمعات فرعية في الطبقة العاملة – من أجل مصالحهم الصغيرة التافهة – ضد قيادات الأحياء الصغيرة وكلامهم الكهنوتي عن المحلية. إن الطبقة العاملة المُثلي – وفي أثناء حمايتها لأصولها الثقافية وتميزها السياسي – قادرة علي العمل بشكل منهجي منظم ثابت وحازم بغير أن تبقي تحت رحمة الأحداث كما تكون قادرة علي توجيه ضرباتها القاتلة في كل مرة إلي القطاعات الضعيفة من العدو، إذا ما كان ذلك ضمن تفكيرها – فهناك جهاز متمركز فوق الأحياء، المقاطعات والمجموعات ومربوط بها بنظام حديدي. فالميل نحو التجزئة – مهما يكن الشكل الذي يتخذه – إنما هو من مواريث الماضي الميت وكلما أسرعت شيوعية الشيوعيين – الاشتراكيين وشيوعية النقابيين في فرنسا بتخليص نفسها من هذا الميل نحو التجزئة كلما كان ذلك أفضل لها وللثورة البروليتارية.

* * *

الحزب لا يخلق الثورة عندما يريد، فهولا يختار لحظة الاستيلاء علي السلطة كما يحب. بل  يتدخل بفاعلية في الأحداث، متوغلا في كل لحظة في الحالة الفكرية للجماهير الثورية، ويقدر قوي المقاومة لدي العدو، وبالتالي يحدد اللحظة الأكثر مناسبة للعمل الحاسم. وهذا هو الجانب الأكثر صعوبة في مهمة الحزب. فالحزب لا يملك قرارا صالحا لجميع الحالات، ولكنه في حاجة إلي نظرية صحيحة، اتصال حميم بالجماهير، فهم عميق لأبعاد الموقف، إدراك حسي ثوري وعزم هائل. وكلما كان تغلغل الحزب الثوري في جميع ميادين نضال البروليتاريا أكثر تعمقا، وكلما كانت وحدة الهدف ونظام العمل أكثر وحدة كلما استطاع الحزب أن ينجز مهمته في وقت أسرع وبطريقة أفضل.

الصعوبة هنا تكمن في الحصول علي هذا التنظيم للحزب المتمركز، المتلاحم داخليا بنظام حديدي ومترابط بحركة الجماهير – بمدها وجزرها – ترابطا حميما. انتزاع السلطة لا يمكن أن يتم إلا في ضغط ثوري فعال من الجماهير الكادحة، ولكن عند القيام بهذا العمل فإن عنصر الإعداد يصبح حتميا بكل ما في الكلمة من معني. وكلما كان الحزب أفضل في فهمه للأزمة وللحظة التفوق، كلما استطاع أن يعد القواعد الأساسية للمقاومة بطريقة أفضل. وكلما استطاع أن يوزع قواته وأدوارها بطريقة أفضل، كلما كان النصر أكيدا وكلما قل عدد الضحايا. فإقامة علاقة متبادلة بين عمل محضر له بعناية وحركة جماهيرية هي المهمة السياسية – الاستراتيجية للاستيلاء علي السلطة.

إن المقارنة بين 18 مارس 1871 و7 نوفمبر 1917 من وجهه النظر هذه تكون بالغة الدلالة، ففي باريس هناك نقص كامل في روح المبادرة بالعمل في ذلك الجزء الخاص بدوائر القيادة الثورية، البروليتاريا – والتي تم تسليحها بواسطة حكومة برجوازية – هي في حقيقة الأمر المسيطر علي المدينة، لديها كل مقومات القوة المادية – مدافع وبنادق – في حوزتها، ولكنها لا تعبأ بها، تقوم البرجوازية بمحاولة استرجاع السلاح من هذا المارد: إنها تريد سرقة المدافع من البروليتاريا، المحاولة تفشل، الحكومة تهرب من باريس في فزع. القادة يستيقظون علي اثر الأحداث، وهم يسجلونها بعد أن تكون هذه الأخيرة قد حدثت بالفعل، ويفعلون كل ما في وسعهم لتجنب الحافة الثورية.

في بتروغراد تطورت الأحداث بشكل مختلف، فقد تحرك الحزب بثبات وعزم نحو الاستيلاء علي السلطة، لقد كان لديه رجال في كل مكان، يدعم ويعزز كل موقع، وأيضا يوسع هوة الخلاف بين العمال والحامية من جهة والحكومة من الجهة الأخرى.

لقد كانت المظاهرة المسلحة في تلك الأيام من يوليو استطلاعا واسعا، تمت مباشرته عن طريق الحزب لامتحان مدي قرب الاحتكاك بين الجماهير وقوي المقاومة لدي العدو.  وتحول الاستطلاع إلي نزاع علي الخطوط الأمامية، لقد عدنا للخلف، ولكن في نفس الوقت فإن هذا العمل قد رسخ الاتصال بين الحزب وأعماق الجماهير. وتشهد شهور أغسطس، سبتمبر وأكتوبر تدفق ثوري قوي، استفاد الحزب منه واستطاع أن يزيد إلي حد كبير المواقع المؤيدة له في الطبقة العاملة في الجيش. وحدث الانسجام والتناغم بين الإعدادات التآمرية والفعل الجماهيري بطريقة آلية تقريبا. لقد كان من المقرر عقد المؤتمر الثاني للسوفييت في شهر نوفمبر، وكانت كل نشاطاتنا السابقة تقود إلي الاستيلاء علي السلطة عن طريق المؤتمر. وبناء عليه فإن الانقلاب كان متهيئا سلفا إلي السابع من نوفمبر، لقد كان العدو يعلم ويفهم هذه الحقيقة جيدا، كيرينسكي وأتباعه من أعضاء المجلس لم يدخروا جهدا لكي يحصنوا أنفسهم – مهما كان حجمهم صغيرا – في بتروغراد من أجل اللحظة الحاسمة. وأيضا فإنهم ظلوا في حاجة إلي إرسال القطاعات الأكثر ثورية في حامية المدينة خارج العاصمة. نحن من جانبنا استفدنا من هذه المحاولة من كيرينسكي وذلك من أجل أن نجعلها مصدرا لنزاع جديد ،والذي كانت له أهمية حاسمة. لقد قمنا بإدانة حكومة كيرينسكي علانية – لقد وجدت إدانتنا إثبات كتابي فيما بعد في وثيقة رسمية – لقيامها بالتخطيط لتسريح ثلث حامية بتروغراد، والذي لم يكن نابعا من الاعتبارات العسكرية وإنما بهدف تشكيل تحالفات مضادة للثورة. لقد كان هذا النزاع الذي ربطنا ما يزال قريبا من الحامية العسكرية وهو قد وضع أمام  الأخيرة مهمة معرفة جيدا، مساندة مؤتمر السوفييت والمحدد انعقاده في 7 نوفمبر. وبما أن الحكومة أصرت – وإن كان بأسلوب ضعيف تماما – علي أن الحامية قد تم تسريحها، فقد كوننا في سوفييت بتروغراد – الذي كان في أيدينا بالفعل – لجنة حرب ثورية، وذلك تحت ستار التحقق من الأسباب العسكرية للخطة الحكومية.

وهكذا كان لدينا أداة عسكرية بكل معني الكلمة، تقف علي رأس حامية بتروغراد، والتي كانت في حقيقة الأمر أداة قانونية للانتفاضة المسلحة. وفي نفس الوقت بعثنا ببعض المفوضين ” الشيوعيين ” في جميع الوحدات العسكرية، في المخازن العسكرية….الخ. وأنجز التنظيم العسكري السري مهام فنية دقيقة، كما زود لجنة الحرب الثورية بمناضلين جديرين بالاعتماد عليهم في الأعمال العسكرية المهمة. لقد تم إدراك العمل الأساسي فيما يتعلق بالتخطيط، وبعدها بدأت الانتفاضة المسلحة علانية. وهكذا فقد كان من الطبيعي أن البرجوازية – تحت قيادة كيرينسكي – لم تفهم ما الذي كان يحدث تحت عينيها تماما ( في باريس، استوعبت البروليتاريا في اليوم التالي فقط أنها منتصرة فعلا – ذلك النصر الذي – مرة أخري – لم تتجه إليه عن عمد – وأنها المسيطرة علي الموقف في باريس. في بتروغراد كان الوضع معكوسا. فحزبنا، واضعا نفسه في مقدمة العمال والحامية كان قد استولي علي السلطة بالفعل، وقد أمضت البرجوازية ليلة هادئة تماما وعلمت فقط في اليوم التالي أن دفة الأمور في الدولة هي الآن في أيدي حفاري قبرها).

أما بالنسبة للاستراتيجية، فقد كان هناك الكثير من الاختلافات في الرأي داخل الحزب.

فجزء من اللجنة المركزية قد أعلن – كما هو معروف – انه ضد الاستيلاء علي السلطة معتقدا أن الوقت لم يحن بعد لذلك، بسبب انعزال بتروغراد  عن بقية الدولة، البروليتاريا عن الفلاحين….الخ.

وأعتقد رفاق آخرون أننا لم نكن نتمتع بميزات ذات أهمية كافية بالنسبة إلي عناصر المؤامرة العسكرية. وطلب أحد أعضاء اللجنة المركزية في أكتوبر تطويق مسرح الكساندرين حيث كان المؤتمر الديمقراطي في حالة انعقاد وإعلان ديكتاتورية اللجنة المركزية للحزب، وقد قال: إنه بتركيز نشاطاتنا الدعائية فضلا عن عملنا العسكري التمهيدي علي لحظة المؤتمر الثاني للسوفييت فإننا بذلك نكشف خططنا للعدو ونعطيه إمكانية تجهيز نفسه وأيضا إمكانية التعامل معنا بإجراءات وقائية مرهقة. ولكن لا شك أن هذه المحاولة في المؤامرة العسكرية وتطويق مسرح الكساندرين كانت ستكون واقعة غريبة جدا علي تطور الأحداث ذلك أنها كانت ستكون واقعة مربكة جدا للجماهير. حتى في سوفييت بتروغراد، حيث كانت خلافاتنا تهيمن عليه، فإن مثل هذه المغامرة – والتي كانت تعجل بالتطور المنطقي للصراع – كان من الممكن أن تثير فوضي هائلة في تلك اللحظة. وخصوصا في الحامية حيث كان هناك فرق مترددة وغير موثوق فيها بشكل كبير، وفي المقام الأول فرق الفرسان. كان سيصبح من السهل علي كيرينسكي أن يحطم مؤامرة غير متوقعة من الجماهير أكثر من مهاجمة الحامية والتي تحصن نفسها في موقعها أكثر فأكثر : الدفاع عن حصانتها من أجل مؤتمر السوفييت المستقبلي. وبناء على ذلك، فإن أغلبية اللجنة المركزية قد رفضت خطة تطويق المؤتمر الديمقراطي. وقد كان ذلك صحيحا، لقد تم التعامل مع الأزمة بطريقة جيدة جدا. فالانتفاضة المسلحة، وبدون إراقة دماء تقريبا، قد انتصرت في الموعد المحدد تماما، والمحدد بوضوح سلفا بميعاد انعقاد المؤتمر الثاني للسوفييت.

هذه الاستراتيجية – مهما يكن – لا يمكن أن تكون قاعدة عامة، فهي تحتاج لشروط معينة. فلم يكن أحد ما يزال يعتقد في الحرب مع الألمان، ولم يكن الضباط الأقل ثورية يريدون ترك بتروغراد والذهاب للجبهة، وحتى لو كانت الحامية في مجملها تقف في جانب العمال لهذا السبب الوحيد، فإن وجهه نظرها قد أصبحت أقوي إلي حد بعيد، حيث انكشفت دسائس كيرينسكي. ولكن هذه الحالة النفسية في حامية بتروغراد كان لها أسباب عميقة  نابعة من موقف الطبقة الفلاحية وتطور الحرب الإمبريالية. فلو كان هناك انشقاق في الحامية، ولو كان كيرينسكي قد حصل علي إمكانية الدعم من بعض الفرق، لكانت خطتنا قد فشلت. لو كانت عناصر العمل العسكري التآمري (المؤامرة والسرعة الهائلة للعمل) قد انكشفت، لكان من اللازم – بالطبع – أن يتم اختيار لحظة أخري للانتفاضة.

لقد كان لدي الكوميونة أيضا إمكانية أن تكسب الفرق الفلاحية إلي جانبها، ذلك أن هذه الأخيرة كانت قد فقدت كل الثقة وكل الاحترام للسلطة وللقيادة. وعلي الرغم من ذلك، فهي لم تفعل شيئا من أجل أن تصل إلي هذه النهاية. الخطأ هنا ليس في العلاقات المتبادلة بين الفلاحين والطبقة العاملة ولكن في الاستراتيجية الثورية.

كيف سيكون الموقف  من هذه الوجهة في الدول الأوروبية في اللحظة التاريخية الحاضرة؟ ليس من السهل التكهن بأي شيء بشأن الإجابة عن ذلك. وعلي الرغم من ذلك، وبالنظر إلي أن الأحداث تتطور ببطء والحكومات البرجوازية تبذل كل ما في وسعها لكي تستفيد من خبراتها السابقة، فإنه يكون من الواضح مسبقا أن البروليتاريا – من أجل أن تجتذب تعاطف الضباط – سيكون عليها أن تتغلب علي مقاومة هائلة ومنظمة جيدا في لحظة معينة. فهجوم بارع في توقيت محدد جيدا سيكون ضروريا بالنسبة للجزء المتعلق بالثورة، ومهمة الحزب هي أن يعد نفسه لها، ولهذا فقط يجب عليه أن يصون ويطور كيانه كتنظيم متمركز،  يوجه علانية الحركة الثورية للجماهير. وأن يكون في نفس الوقت الجهاز السري للانتفاضة المسلحة.

* * *

لقد كانت مسألة انتخاب القيادة أحد أسباب النزاع بين الحرس الوطني وثيرز، فباريس قد رفضت قبول القيادات التي عينها ثيرز، ومن ثم صاغ فالرين ذلك بطلب أن تكون القيادات في الحرس الوطني، من القمة إلي القاع، منتخبة من رجال الحرس الوطني أنفسهم، وهنا وجدت اللجنة المركزية للحرس الوطني مناصريها.

هذه المسألة يجب معالجتها من جهتين: من الجهة السياسية ومن الجهة العسكرية. وهما مرتبطتان ولكن يجب أن يكونا متميزتان، تكمن المهمة السياسية في تطهير الحرس الوطني من القيادة الثورية المضادة، وقد كانت الانتخابية الكاملة هي السبيل الوحيد إلي ذلك، فالأغلبية العظمي من الحرس الوطني كانت تتألف من العمال والبرجوازية الصغيرة الثورية. وبالإضافة لذلك، فإن شعار “انتخاب القيادة” قد امتد إلي كتائب المشاة. كان ممكنا تجريد ثيرز من سلاحه الأساسي، الضباط المناصرين للثورة المضادة، بضربة واحدة. ومن أجل تحقيق هذا المخطط فإن تنظيما حزبيا، لديه رجال في جميع الوحدات العسكرية، كان مطلوبا. باختصار فإن الانتخاب في هذه الحالة كان له بمثابة مهمة فورية. هذه المهمة لم تكن استبدال قيادات الكتائب بأخرى جيدة، ولكن تحريرها من القيادات التابعة للبرجوازية. لقد لعب الانتخاب دور الإسفين الذي قسم الجيش إلي قسمين، بطول الحدود الطبقية، وهكذا كان شأنه في عهد كيرينسكي، وخصوصا في عشية أكتوبر.

ولكن تحرير الجيش من جهاز القيادة القديم يتضمن حتما إضعاف التنظيمات الملتصقة به، وبالتالي القدرة القتالية. كقاعدة، فإن القيادة المنتخبة تكون ضعيفة إلي حد ما من وجهة النظر التكتيكية ـ العسكرية، وذلك مع الأخذ في الاعتبار بقاء كل من الترتيب والنظام. هكذا، في اللحظة التي يحرر فيها الجيش نفسه من القيادة القديمة المناصرة للثورة المضادة، فإن مسألة منحه قيادة ثورية مؤهلة لإتمام مهمتها ستظهر للعيان. هذه المسألة لا يمكن بأي حال من الأحوال حسمها بالانتخابات البسيطة، فقبل أن تكتسب الجماهير العريضة من الجنود الخبرة اللازمة لاختيار وانتقاء قياداتها جيدا، فإن الثورة سوف تهزم من العدو والذي هو موجه في اختيار قيادته بخبرة قرون من الزمان، فالطرق الديمقراطية عديمة الشكل هذه (الانتخاب البسيط) يجب تعديلها وإلي حد بعيد استبدالها بمقاييس الانتقاء من الأعلى، الثورة يجب أن تخلق جهازا يتألف من الحزبيين ذوي الخبرة الموثوق فيهم، حيث يستطيع أي أحد أن يضع فيه كامل ثقته، وتعطيه السلطة كاملة لاختيار، تعيين وتثقيف القيادة. فلو كانت التجزئة والحكم الذاتي الديمقراطي يمثلان خطرا بعيد المدى علي الثورة البروليتارية بوجه عام، فهما أخطر بعشر مرات علي الجيش. لقد رأينا ذلك في مثال الكوميونة المأساوي.

لقد اكتسبت اللجنة المركزية للحرس الوطني سلطتها من الانتخابات الديمقراطية. وفي اللحظة التي كانت اللجنة المركزية في حاجة إلي تطوير مبادرتها في الهجوم إلي الحد الأقصى، مجردة من قيادة نابعة من حزب بروليتاري، فقدت صوابها، وهرولت لتحويل سلطاتها إلي ممثلي الكوميونة والتي طلبت أساس ديمقراطي أكثر اتساعا. لقد كان اللعب بالانتخابات في هذه الفترة خطأ كبيرا. ولكن مرة واحدة فإنه قد تم الجمع بين إقامة الانتخابات والكوميونة، لقد كان من اللازم تركيز كل شيء في الكوميونة في كتله واحدة ومساعدتها لخلق أداة تحوز سلطة حقيقية لإعادة تنظيم الحرس الوطني. لم تكن هذه هي القضية المثارة. فبجانب الكوميونة المنتخبة  بقت هناك اللجنة المركزية: والشخصية المنتخبة لهذه الأخيرة قد منحتها سلطة سياسية  أصبحت قادرة بفضلها علي التنافس مع الكوميونة. ولكن في نفس الوقت، فإن ذلك قد جردها من القوة والعزم اللازمين للمسائل العسكرية المحضه، وقد بررت وجودها بعد تنظيم الكوميونة. الانتخاب والطرق الديمقراطية لم تكن سوي واحدة من الوسائل التي في أيدي البروليتاريا وحزبها. فلم يكن من الممكن أن يكون الانتخاب هو المعبود الأول بأي حال من الأحوال، أوالدواء لكل الشرور. فطريقة الانتخاب كان يجب أن تتحد مع الوظائف الأخرى، لقد جاءت السلطة للكوميونة من الحرس الوطني المنتخب، ولكن ما أن تكونت،  كان علي الكوميونة أن تعيد تنظيم الحرس الوطني بيد قوية، من القمة إلي القاع، مع منحها قيادة موثوق فيها وتأسيس نظام حكم ذي قواعد صارمة جدا. الكوميونة لم تفعل ذلك، لتصبح هي نفسها مجردة من مركز توجيه ثوري فعال. وهكذا تم سحقها.

إننا نستطيع  أن نتصفح تاريخ الكوميونة كله, صفحة صفحة، وسوف نجد فيه درسا وحيدا: مطلوب قيادة حزبية قوية. فأكثر من أي بروليتاريا أخري بذلت البروليتاريا الفرنسية تضحيات من أجل الثورة، ولكنها أيضا تعرضت للانخداع  أكثر من كل الآخرين. ففي مرات عديدة بهرتها البرجوازية بجميع ألوان الجمهورية، الراديكالية، الاشتراكية، بالرغم من أنها دائما توثق أغلال الرأسمالية عليها. وبمفهوم ممثليها، محاميها، وصحافييها فإن البرجوازية قد أصدرت كتلة كاملة من الصيغ الديمقراطية، البرلمانية، الاستقلالية والتي لم تكن شيئا سوي عوائق تحت أقدام البروليتاريا، لإعاقة تقدمها إلي الأمام.

إن نزعة التمرد لدي البروليتاريا الفرنسية هي بمثابة حمم ثورية، ولكن هذه الحمم مغطاة الآن ببقايا الشك المتولد عن كثرة مرات الانخداع ثم الإفاقة من الوهم. كذلك، يجب علي البروليتاريين في فرنسا أن يكونوا أكثر صرامة باتجاه حزبهم، وكشف أي عدم اتفاق بين القول والفعل بطريقة لا تتخللها الرحمة. فالعمال الفرنسيين في حاجة إلي تنظيم، قوي كالفولاذ، لديه قيادات توجهها الجماهير في كل مرحلة جديدة للحركة الثورية.

كم من الوقت سيمنحنا التاريخ لكي نعد أنفسنا؟ إننا لا نعرف. فعلى مدى خمسين عاما احتفظت البرجوازية الفرنسية بالسلطة في أيديها بعد انتخاب الجمهورية الثالثة علي عظام رجال الكوميونة. محاربوا 1871 هؤلاء لم تكن تنقصهم البطولة، ولكن ما كان ينقصهم هو الوضوح في المنهج والتنظيم القيادي المتمركز. وهذا هو السبب في أنهم قُهروا. وسيمضي وقت قبل أن تقوي البروليتاريا في فرنسا علي طرح مسألة الانتقام لموت رجال الكوميونة. ولكن هذه المرة فإن الفعل سيكون أكثر قوة، أكثر تركيزا. وسيكون علي ورثة ثيرز أن يدفعوا الدين التاريخي بالكامل.

ـــــــــــــــــــــ

  • كتب في 4 فبراير 1921 نشر لأول مرة : زلاتوست، 4 فبراير 1921
  • المصدر الأصلي : الأممية الجديدة، مارس 1935، جزء 2 رقم 2، صفحات 43 ـ 47
Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s