اعتصام عمال الحديد والصلب 1989.. النهاية الحزينة لآخر موجة مد عمالي

Posted: 16 أغسطس 2010 in كتابات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , , , , , , , , ,
سبتمبر 1999

من الواضح تمامًا أن موجة المد العمالي 1984 – 1989 كان لها مجموعة من السمات: مشاركة عمالية واسعة في الاحتجاجات بعد التعبئة المطلبية الواسعة التي سبقت كل حدث فيها، مواجهة عنيفة من الدولة، علاوة على انقسام حاد في صفوف القيادات العمالية التي شاركت في الأحداث، وأخيرًا خروجها من عباءة التنظيم النقابي – لتواجهه أحيانًا حال وقوفه في الخندق المعادي. لكن الملفت أكثر للانتباه هو أن كل حدث احتجاجي كان له قضية مطلبيه مختلفة. في إسكو 86: المطالبة بدفع أجور أيام الراحات، في السكة الحديد 86: المطالبة بكادر خاص للسائقين…. وهكذا. أما عن عمال الحديد والصلب فكان مطلبهم رفع الحوافز الشهرية ومن أجله قام العمال باعتصامين شهيرين في يوليو وأغسطس 1989. على أثر الثاني تم اقتحام الشركة والتنكيل بالعمال ما بين قتيل واحد وعشرات من المصابين ومئات المعتقلين. ولكي نتعرف على الحدث عن قرب ونتعلم خبراته، علينا أن نرى الصورة في كليتها ونعود سويًا لأصل الموضوع لتتضح لنا الرؤية أكثر.

قصة الحوافز.. احتجاجات صغيرة، مقدمة الاعتصام:

بالرغم من أن شركة الحديد والصلب المصرية تخطت مشاكلها المالية، خسائر وصلت لـ20 مليون جنيه عام 78، وحققت أرباح تساوي 21 مليون جنيه في عام 88 قفزت إلى 44 مليون عام 89، بفضل جهد وعرق عمالها بالطبع وعلى حساب حقهم في زيادة مقابلة في أجرهم المتغير، إلا أن مسألة الحوافز لم تنظر منذ عام 80. على العكس سعت الإدارة كثيرًا لتخفيضها وهو ما أثار مقاومة العمال منذ النصف الأول من الثمانينات.

في 25/ 5/ 84 أمتنع عمال الأفران العالية عن صرف مرتباتهم لمدة ثلاثة أيام متتالية بسبب إصرار الإدارة على خفض الحافز من أفران68% إلى 65%. أيضًا امتنع عمال “التلبيد” عن صرف مرتبات شهر يونيو لمحاولة تخفيض الحافز من 95% إلى 87%. وبعد ضغط من العمال اضطرت الإدارة التفاوض معهم وعاد الحافز لمعدله الطبيعي. وعند صرف الأرباح السنوية عن عام 86/ 87 قام عمال المنشآت المعدنية بالامتناع عن الصرف مطالبين بتعديل نسبة الحوافز وبعد التفاوض مع الإدارة حصل العمال على مطالبهم.

لم تتحرك الإدارة حتى 3/ 12/ 88 فانعقدت لجنة لدراسة نظام الحوافز لكنها أقرت المطالبة بزيادة حوافز الإداريين بدلاً من المطالبة بإعادة النظر في الحوافز كلها لمجمل العمال. وبالفعل أقر مجلس الإدارة في 4/ 3/ 89 تلك التوصيات ومنها على سبيل المثال معاملة قطاع إنتاج الغيار على أساس الحافز الفردي وخصم 14% من الحافز لكل عامل تغيب عن العمل لمدة تزيد عن ثلاثة أيام أيا كان نوع الأجازة. وعندما دهب العمال لصرف رواتبهم عن شهر مايو واكتشفوا الخصومات ثاروا ورفضت الوردية الثالثة الانصراف، كما هدد عمال القطاع كله بالإضراب عن العمال في حالة عد التراجع عن هذا القرار. وفعلاً تراجعت الإدارة في 27/5/89، وسحبت شرائط الأجور وأعيد كتابتها على النظام القديم السابق على صدور القرار.

وفي اجتماع مجلس الإدارة في 20/6/89 وبعد اجتماع لجنة الحوافز، نجح العضوان المنتخبان عن العمال في الضغط على المجلس ليصدر قرارًا يقضي برفع نسبة الحافز من 90% إلى 115% حين تصل نقطة التعادل لتحقيق الخطة إلى 870 ألف طن، وكانوا قد طالبوا بنسبة 125% وتم الوعد بالوصول إليها. جاء هذا النجاح بالاعتماد طبعًا على قوة الضغط العمالي.

حاولت اللجنة النقابية، التي طالما وقفت ضد العمال، نسب هذا الانتصار إلى مجهوداتها كمحاولة منها لتبييض وجهها أمام العمال. استشاط العمال غضبًا من هذا الزعم الكاذب وبدئوا في القيام بحملة لجمع التوقيعات لسحب الثقة من اللجنة. واندفعت حملة سحب الثقة إلى الأمام رغم كل شيء حتى عندما أعلن أربعة من أعضاء اللجنة النقابية – وهم من المنتمين لليسار وأعضاء بحزب التجمع – دعم موقف اللجنة والدفاع عنها ورفض مسألة سحب الثقة. وكمحاولة أخرى، لحفظ ماء وجه اللجنة النقابية، وبالاتفاق هذه المرة مع رئيس مجلس الإدارة، اجتمع رئيسا مجلسي الإدارة والنقابة في 3/7/89 ونسجا سويًا تمثيلية مفادها أن الثاني طلب من الأول صرف حافز مادي للعمال بما يوازي 25 يوم بناءً على الزيادة الحاصلة في الإنتاج والمبيعات، فوافق الأول على صرف 15يوم فقط. بالطبع فهم العمال اللعبة ببساطة عندما علموا أن هذا الحافز سيتم خصمه من مكافأة نهاية العام. أحدثت تلك التمثلية هزة في أوساط العمال وقسمت الصفوف قليلاً ما بين مؤيد لموقف اللجنة النقابية ورافض لها بوصفه الهدف منه عرقلة عملية سحب الثقة تمهيدًا لإفشالها خاصة وأن عدد التوقيعات كان قد وصل للنصاب القانوني الذي يسمح بعقد جمعية عمومية تتولى سحب الثقة.

الاعتصام الأول.. العمال يفضحون النقابة:

لم تمر سوى أيام قليلة حتى فوجئ العمال بقرار أصدره وزير الصناعة في 11/7/89 بوقف عضوي مجلس الإدارة المنتخبين محمد مصطفى وعبد الرحمن هريدي – وهم من المنتمين لليسار – لمدة 6 شهور وإحالتهم للتحقيق. في اليوم التالي والموافق 12/7/89 ليلة وقفة عيد الأضحى دخل العضوان الشركة بالرغم من وجود قرار بمنعهم من الدخول، وأطلعوا العمال على القرار الذي استنفر العمال بشدة. وزاد الاستنفار عندما حاولت قوة من مباحث أمن الدولة إلقاء القبض على محمد مصطفى الذي تم حمايته من قبل العمال. نتيجة لذلك تفجر الغضب العمالي بشكل عفوي تمامًا واتخذ العمال قرار الاعتصام.

وسرعان ما نظم العمال أنفسهم واتجهوا في مظاهرة ضخمة إلى إدارة الصلب واحتجزوا نائب رئيس مجلس الإدارة وطالبوه بالاتصال برئيس مجلس الإدارة لإبلاغه بمطالبهم وهي

1. إصدار قرار صريح ورسمي برفع الحوافز بنسبة من 90% إلى 115%

2. الضغط على وزير الصناعة لإلغاء قراره بوقف عضوي مجلس الإدارة.

وفي الوقت الذي حاصرت فيه قوات الأمن مقر الشركة تأهبًا للاقتحام، كانت المفاوضات تدور بين العمال ورئيس مجلس الإدارة بالتليفون. أصدر رئيس المجلس م/ محمد ضياء طنطاوي منشورًا رسميًا بقرار المجلس، والذي نص على الزيادة مع استمرار عمل لجنة الحوافز لدراسة رفع الحافز إلى 125%. لكن العمال – وفي نشوة الانتصار – أصروا على الاستجابة للمطلب الثاني، وبعد مشادات عنيفة وإصرار العمال على حضور وزير الصناعة بنفسه كتب رئيس المجلس تعهد بالتدخل لإلغاء القرار.

انهي العمال اعتصامهم بعد ما حققوا انتصاراً أكسبهم الثقة في أنفسهم وحقق مطالبهم العادلة، الجدير بالذكر أن حركة العمال فضحت تمامًا الموقف النقابي المتخاذل والذي حاول النصب على العمال، ففي أثناء أجازة عيد الأضحى بالتحديد في 14/7/89 اجتمعت اللجنة النقابية وقررت تقديم استقالتها تخوفًا من المواجهة مع العمال وحملتهم لسحب الثقة منها، والتي اتخذت أبعاداً أكثر قوة وجذرية بعد الاعتصام الناجح، أثبتت الأحداث للعمال أين يقف التنظيم النقابي منهم، فبالرغم من اهتزاز العمال وتأرجحهم، بل انقسامهم أحيانًا، بخصوص موقفهم من اللجنة النقابية، إلا أن اتخاذهم موقف الاحتجاج المباشر ذي الطابع ألصدامي مع الإدارة فضح ببساطة النقابة أمامهم لأنها لم تكن تعبر عنهم بأي حال من الأحوال. ولكن كان يلزم العمال معركة حقيقية ليتبينوا بأنفسهم حدود هذه اللجنة الصفراء.

الاعتصام الثاني.. الدولة تقمع العمال وحركة التضامن:

من جانبها زعمت اللجنة أن إقدامها على الاستقالة كان حفاظًا منها على وحدة العمال ومصالحهم في وجه مؤامرة اعتصام 12/7. بينما رفضت النقابة العامة للعاملين بالصناعات الهندسية والمعدنية والكهربائية طلب استقالة اللجنة وراحت تغزل معها مؤامرة جديدة لاستعادة مكانتها وإفشال عملية سحب الثقة. وبالفعل بدأت تظهر النقابة المستقيلة وسط العمال تبشرهم بالعودة محملة بالمكاسب وعلى رأسها الوجبة الغذائية. وصدر منشور من النقابة العامة يبشر العمال أنه في القريب العاجل سوف تصدر قرارات بشأن تعديل وتطوير نظام حوافز الإنتاج، وتعديل بعض بنود لائحة المزايا العينية، وتقديم وجبة غذائية، وحل مشكلة نقل العمال، وصرف تعويض الأجر الحافز خلال فترة المرض، وتعديل جدول ترتيب واشتراطات الوظائف. راح أعضاء اللجنة النقابية يجوبون الشركة موزعين للمنشور ومعلنين أن أسلوب التفاوض مع الإدارة هو الأفضل وأن الاعتصام لن يجني منه أي ثمار. راح الأعضاء الأربعة اليساريون أيضًا يرددون نفي الترهات، بل راحت جريدة الأهالي، لسان حال الحزب الذي ينتمون إليه، تردد نفس الأكاذيب التي حيكت ضد الاعتصام بل سمحت بنشر أحاديث لأعضاء اللجنة تصف الاعتصام بالانتهازية وعدم تحقيق المطالب من خلاله.

حاولت الإدارة بعد الاعتصام سحب البساط من تحت أقدام قادة الاعتصام ففي 1/8/1989 صدر منشور عن مجلس الإدارة يعلن عن أنه تقرر في اجتماع المجلس في اليوم السابق رفع الحافز إلى 125% بالإضافة إلى خفض نقطة التعادل من 870 إلى 800 ألف طن، وعلى صرف وجبة غذائية جافة تكلفتها جنيه واحد، وتعديل لائحة المزايا العينية. تخيلت الإدارة أنها تستطيع شد انتباه العمال لإنجازاتها وضرورة التفاوض معها وإقناعهم أنه لا جدوى من أفكار على شاكلة الاعتصام. أيضًا تخيلت أنها تستطيع تفرقة العمال والقضاء على وحدتهم والتفافهم حول قيادتهم الحقيقية. عمت الفرحة جموع العمال فور سماع تلك الأخبار، لكن محمد مصطفى وعبد الرحيم هريدي نبها العمال إلى أنه لم تتم دعوتها إلى الاجتماع الصادر عنه دلالة على استبعادهم. ونجحا في حشد العمال من الجراجات والتوجه بهم إلى مبنى الإدارة.

أخذ عدد المتظاهرين في التزايد وأغلقوا بوابات الشركة، ولم تفتح إلا لاستقبال عمال الورديات الأخرى. وأخذ العمال في ترتيب أوضاعهم: عمال معتصمون داخل أماكن العمل مع الوردية المستمرة في عملها، وآخرون معتصمون في الساحات وأمام البوابات لتأمينها. وبعد وقت قليل تحول الاعتصام إلى مؤتمر عمالي كبير يضم حوالي 16 ألف عامل يتحدثون عن مشاكلهم ويتبادلون الخبرات. حصل العمال أيضًا على مكبر صوت وأخذ أحدهم يروى للعمال خبرة اعتصام عمال الحديد والصلب في أغسطس 1971، وكيف أنه بالرغم من التنكيل بقادة الاعتصام تمت الاستجابة لمطالب العمال. وسيطرت أجواء من الحماسة على العمال ورفضوا كل المحاولات والوعود الكاذبة في مقابل فض الاعتصام مثل الوعد بإرجاع عضوي مجلس الإدارة الموقفين وحل اللجنة النقابة واستدعاء وزير الصناعة. أيضًا لم تهزهم التهديدات بالقتل من قبل قوات الأمن في حالة عدم الاستجابة لفض الاعتصام. فقط أخذت تتعالي الهتافات “سامعين صوت المكن الداير، بيقول بس كفاية مذلة، نفس الصوت اللي في حلوان، بترديه إنتى يا محلة”.

في الخامسة وخمس وأربعون دقيقة فجر يوم 2/8، وبعد حوالي 18 ساعة من الاعتصام، انطلقت الرصاصات الحية والمطاطية والقنابل المسيلة للدموع في اتجاه العمال المعتصمين لتنفذ واحد من أبشع اقتحامات قوات أمن الدولة رأس المال. قدر عدد القوات المقتحمة بحوالي 15 ألف جندي تصطحبهم المصفحات. وأسفر الاقتحام عن مصرع العامل عبد الحي محمد إصابة العشرات من العمال بالرصاص، علاوة على القبض على ما يقرب من ألف عامل تمت أهانتهم بشدة ضربًا وسبًا طوال الطريق لأقسام الشرطة التي لاقوا فيها اشد صنوف التعذيب، خصوصًا قادة الاعتصام الذين سلموا أنفسهم بعد فشل محاولات الهرب.

لاقت قضية عمال الحديد والصلب تعاطفًا وتأييدًا من معظم أحزاب المعارضة وجمعيات حقوق الإنسان والقادة العماليين والنقابيين وعمال مصانع أخرى وعدد من المثقفين اليساريين، وتوسعت حملة التضامن لتشمل رعاية المعتقلين وأسرهم والتشهير والفضح السياسي. ولكن في نفس الوقت الذي تسربت فيه روح اليأس بين العمال من جراء الاقتحام الوحشي لفض الاعتصام بالقوة، وموافقة الدولة على تلبية المطالب تخوفًا من معاودة الاحتجاج أو انتقاله إلى مناطق عمالية أخرى، وخطتها لتشريد القادة العماليين بعد عودتهم من المعتقل، أقدمت الدولة على واحدة من حيلها القذرة لدفن قصة الاعتصام ففي فجر 24/8/89 قامت قوات الأمن بإلقاء القبض على أعضاء حركة التضامن مع الاعتصام وتلفيق تهمة تقليدية لهم وهي انتسابهم إلى تنظيم شيوعي (حزب العمال الشيوعي) ممول من الخارج حرض على الاعتصام لتدمير القطاع العام في مصر.

النهاية الحزينة.. نضال العمال وخيانة اليسار

لتأمل الأحداث الحديث والصلب من أعداء الاستغلال لا يستطيع إلا أن يبدي تقديره وتحيته لواحد من أهم الأحداث النضالية للطبقة العاملة المصرية والذي سطره عمال الحديد والصلب بكفاحهم ودمائهم كخبرة يعتد بها في مسيرة النضال من أجل إسقاط الرأسمالية. وواحد من أهم الدروس التي تمثلها تلك الخبرة هي الخاصة بدور وتأثير القادة النقابيين اليساريين في حركة العمال.

فعلى الرغم من الاختلاف التنظيمي والانتخابي بين القادة اليساريين خلال أحداث الحديد والصلب، والذي انعكس على مواقفهم منها ما بين راديكاليين مؤيدين ومحرضين وداخل حركة العمال وآخرين مدينين لها، فإن غياب موقف سياسي نقدي واضح من تكتيكات التفاعل مع الهيكل النقابي الموجود وكيفية الاستفادة منه في تعميق وتجذير حركة العمال، وغياب فهم واضح لمواقف الجناح الثاني وأساليبه السياسية ومعنى ذلك بالنسبة لصياغة بديل ثوري له، أديا إلى ضعف المناعة في مواجهتها وانزلاق الجناح الراديكالي إلى حلبة تلك السياسات الانتهازية في النهاية. وهو ما كان له تأثير شديد على ما صارت إليه حركة العمال. وسنحاول أن نفسر كلامنا أكثر في ضوء أحداث الحديد والصلب ونشأة اليسار في قلب الأحداث العمالية.

كانت الانتخابات النقابية العمالية في 1976 أول فرصة لتواجد اليسار النقابي في الحديد والصلب وذلك بعدد من المرشحين وبرنامج انتخابي كان الشعار الأساسي فيه استقلالية الحركة النقابية. وبالرغم من سقوط قوائم اليسار، إلا أن المعركة أسفرت عن شن حملة قوية لسحب الثقة من اللجنة النقابية المنتخبة التي جاءت أغلبيتها من المعادين للعمال بفعل التزوير. لم تنجح الحملة فقد توقفت عند ثلاثة آلاف توقيع، لكنها تركت صدى واسع فقد أجبرت اللجنة النقابية على الرضوخ لتبني مطلب تعديل لائحة المزايا العينية.

شارك اليسار أيضًا في انتخابات 1979 ببرنامج وشعارات تدافع عن ضرورة استقلالية الحركة النقابية والفصل بين منصبي وزير القوى العاملة ورئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، وضرورة مواجهة تدخل المدعي العام الاشتراكي لشطب المرشحين للنقابة، وحق العمال في الاحتجاج.

لكن انتخابات 1983 كانت بداية انقسام اليسار بشكل فعلى داخل الشركة. فقد نزل أعضاء حزب التجمع بقائمة منفصلة قوامها 9 مرشحين وشهرتهم مجموعة أهالي التبين – نسبة للنشرة التي بدأ في إصدارها حزب التجمع. ونزلت مجموعة أخرى قوامها 3 مرشحين ببرنامج يحمل عنوان “من أجل نقابة ثورية” – عرفت فيما بعد بمجموعة مجلة الصنايعية. لم يفز غير واحد فقط. ومع انتخابات 1987، وهي الدورة التي شهدت أحداث الاعتصام، وتحقيق اليسار لنتائج أفضل: أربعة داخل اللجنة النقابية من مجموعة أهالي التبين، واثنين لمجلس الإدارة من مجموعة الصنايعية، ظهر الانقسام واضحًا أكثر وأكثر وشكلت الأحداث ذروته. بالطبع حزب التجمع وأعضاؤه لهم باع وتاريخ طويل في فن المساومات الرخيصة، ناهينا بالطبع عن القدرة الخارقة على وصف احتجاج عمالي أو حركة جماهير بالانتهازية أو التخريب لمجرد أنه ضد كوادره أو سيتسبب في هز “رمانة ميزان” مصالحة مع النظام.

لكن ما تلا الأحداث كان حصادًا مرًا بالنسبة للجناح الثاني أيضًا. انتخابات مجلس الشعب والتي قاتل فيها عمال الحديد والصلب لإنجاح القائد العمالي محمد مصطفى ليدخل بعد شهور قليلة من نجاحه الحزب الوطني ويبيع تاريخه للهواء. القادة النقابيين الذين نجحوا في معركة تاريخية في 91 زكمت رائحة فسادهم العفنة الأنوف. حتى الأدوات التي استخدمها هؤلاء القادة للتفاعل مع الحركة ومحاولة لعب دور مهم في دفع حالة التسيس لدى العمال انقلبت لتصبح فارغة من أي محتوى، على سبيل المثال مجلة الصنايعية أصبحت مجرد أوراق متناثرة لمناقشة اللوائح في شقها القانوني علاوة على ازدحامها بجداول الأجور والعلاوات، أما عن دار الخدمات النقابية والتي كانت لها دور كبير في قلب الأحداث أصبحت الآن مجرد واحدة من مؤسسات المجتمع المدني التي لا تهتم إلا بالندوات وورش عمل الأبحاث، وبالتالي أصبحت بعيدة تمامًا عن العمال وقضاياهم الحقيقية. وكما قلنا السبب يكمن في غياب رؤية نقدية حقيقية لسياسات اليسار الانتهازي.. كيف؟ نستطيع أن نرى ذلك في العديد من المواقف والتي توضح لنا التشوش في سياسات اليسار الراديكالي.

أولاً ظهر ذلك في عمومية الشعارات السياسية التي طرحوها، وخلوها من الخطط والتكتيكات المطلوبة لوضعها في إطار مهام عملية وحملات مطلبية واضحة، وهو ما ينبع من فوقيتها الشديدة. يمكن أن نرى ذلك بوضوح في الأفكار التي بدأت في التبلور عن المندوبين النقابيين بعد انتخابات 79 وخلال انتخابات 91. ببساطة لم يتم طرحها كبديل عن الشكل النقابي الموجود ولكن كمجرد طريقة لـ “توسيع قاعدة العمل النقاب ووسيلة لمراقبة حسن سيره”، أي مراقب للجنة النقابية دون أن يكون له أي سلطات عليها. لذلك ولدت الفكرة لكي تموت بعد اجتماعين فقط لم يتم فيهما شيء يذكر. القاسم المشترك في فكرة المندوبين النقابيين عبر انتخابات 79 وخلال انتخابات 91 كان في مجيء هذه الفكرة من أعلى. فلم يكن نتيجة إيداع عمالي من أسفل، أو نتيجة تصور حول الدور الحقيقي الذي يمكن أن تلعبه في دفع حركة ونضالية العمال.

ثانيا الموقف من الانتخابات. يمكننا القول أن اليسار كان يتعامل مع الانتخابات كوسيلة للوصول لمقاعد النقابة وليس كمعركة سياسية يتم فيها الدفاع عن منظور مختلف لمسألة تمثيل العمال في الأشكال النقابية. أيضًا كانت الانتخابات مجرد منطقة للمساومة على المقاعد بصرف النظر عن حاجة العمال ومصالحهم، وهذا ما حدث في انتخابات 79 حين قبل هؤلاء اليساريين “الشرفاء” لعبة قذرة مفادها مساومة رخيصة على مقاعد اللجنة النقابية والنقابة العامة، أسفرت عن دخول سليمان إدريس المشهور بولائه للإدارة والوزارة والاتحاد العام للعمال، وصاحب الموقف المعادي للعمال طوال الأحداث التي سردناها طول المقال، وأعطوا أصواتهم أيضًا الوغد القذر ليصبح رئيسًا للنقابة التي لم ينتخبه العمال للدخول فيها أصلاً.

ثمة أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا لمحاولة فهم أحداث الحديد والصلب مثل…. لماذا لم تستمر حملة سحب الثقة من اللجنة النقابية وتمتد على استقامتها لتكون حملة مطلبية تلعب فيها القواعد العمالية دورًا مهمًا وحاسمًا، وتكون بالفعل فرصة ذهبية لطرح فكرة لجان مندوبي العنابر على أرضية معركة نضالية حقيقية؟، لماذا لم تسفر أحداث الحديد والصلب عن تنظيمات عمالية قاعدية تتناسب مع ضخامة الحدث وما سبقه من احتجاجات؟

الإجابة على هذه الأسئلة وأخرى شبيهة يكمن في غياب القيادة بالمعنى الثوري للكلمة، فالقيادة العمالية التي فرزتها الأحداث لم يكن لديها أي تصور سياسي حقيقي عن ما ينبغي عمله، فقط كانت تتحرك بقوة دفع العمال والإخلاص الأخلاقي. وهذا القصور في الحقيقة ليس مسؤولية هؤلاء القادة وحدهم بل مسؤولية المنظمات السياسية التي كان ينتمون إليها. فغياب السياسي المنوط به فهم وتحليل حالة الصراع الطبقي والتفاعل المباشر مع الاحتجاجات وإيداع الأدوات النضالية المناسبة لكل معركة، هو السبب في حالة التخبط وعدم وضوح الرؤية وبالتالي السقوط عند أول منعطف تتراجع فيه الحركة.

لكن ستظل حركة عمال الحديد والصلب في 1989 علامة مهمة على قدرة العمال على النضال والصمود في وجه مستغليهم يجب أن يستلهمها عمال مصر الآن في ظل هجوم الدولة الشرس عليهم.

تعليقات
  1. سمير زيدان قال:

    ستظل أحداث كثيرة غير مفهومة و غامضة غموض تلك العقلية التى تدير مصر؛ فالمصنع الذى بسبب سوؤ الإدارة، التى أدت لخسائر تزيد عن عشرين مليون جنيه فى نهاية السبعينيات، خسائر فادحة لأضخم و أكير مصانع الحديد و الصلب فى المصانع، فجائت حملة التقشف و الإصلاح لتقصم ظهر البرىء الوحيد، إن لم يكن الضحية لسيسات خرقاء و نهب و إختلاسات من دولة غير مسئولة، و هو العامل البسيط الذى يعمل بإستمرار دون الحصول على أدنى حقوقه أو حتى أجره المستحق عن عمله، فى صناعة ثقيلة مثل صناعة الحديدو الصلب، فتم خصم كافة الحوافز و البدلات و لكن للعمال فقط؛ و بالمقابل زادت و تضاعفت لأرقام خيالية للإدراة فقط . و عندما زادت الأرباح فى نهاية الثمانينيات بشكل ملحوظ، الذى معناه تعويض الخسائر و زيادة المكاسب، توقع العمال بصورة طبيعية زيادة حوافزهم بشكل عادل أو حتى منصف لما يبذلونه من عرق و دماء، فى عمل بدون أقل أنواع الحماية و الرعاية لذلك العامل البسيط، فبدلاً من وقوف الدولة بجانب مواطنيها المعتصمين سلمياً، تم فض الإعتصام بالقوة المسلحة، و سيبقى لغز فى عقلية ذلك النظام البائد العائد بالإنقلاب، لماذا يفضل دوماً الإنحياز للزلم ضد شعب أعزل، ليلغى مطالبه الشرعية المتمثلة فى حق ذلك الشعب فى حياة إنسانية كريمة.

    أعجبني

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s