خواطر عن الحيوانات والعنصرية والتفاوت الطبقي

Posted: 12 سبتمبر 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, ,
11 سبتمبر 2010

منذ قرأت كتاب “حيوانات أيامنا”[1] للقاص شديد الموهبة محمد المخزنجي وكتبت عرضا سريعا له، وفكرة عوالم الحيوانات ككائنات يصنفها البعض كقريبة الشبه بالإنسان، ويراها البعض الآخر كمخلوقات أفضل ما يمكن أن نقدمه لها هو معاملتها برفق وفقط، تشغل بالي من آن لآخر. حتى وجدت بالصدفة منذ ثلاثة أشهر ترجمة بالعربية لكتاب: حين تبكي الأفيال “الحياة الوجدانية عند الحيوانات”[2] والذي أظن على ما أتذكر أن المخزنجي نوه له في كتابه الرائع. من هنا بدأ الموضوع يدخل في منطقة أوسع بكثير من شغل البال.

في بيئة المهتمين بعالم الحيوان، كان البعض يحاول أن يثبت أن هناك قواسم مشتركة وأوجه شبه كثيرة بيننا وبين أقاربنا بيولوجيا وفسيولوجيا، ومن ثم تم تعريف ما تم التوصل إليه عن طريق التجربة والمشاهدة المباشرة من مظاهر عاطفية بل وعنيفة أيضا بعلم “الأنسنة”[3]، وبالطبع كان على الطرف الآخر من رفض هذه الفكرة جملة وتفصيلا ورفض ربط أي فعل أو سلوك يصدر عن الحيوانات بما يمكن نسبه لخصائص تنتمي للإنسان وحده.

الكتاب يسعى لدحض وجهتي النظر تلك، الأولى بوصفها لا ترى الحيوانات في سياق بيئتهم المختلفة عن بيئة الإنسان وبالتالي تتجاهل تجربة الإنسانية على مدار التاريخ وتطور الوعي البشري وصقل وجدان الإنسان. والثانية بوصفها تعسفية ومجحفة وتهدر إمكانية أن نكتشف في عالم الحيوان ما يمكن أن نصفه بأحاسيس ومشاعر مهما اختلفت في مقدارها ونسبها لا يمكن نكرانها، وبالتالي فهو يحاول أن يؤسس لفكرة هامة جدا وهي أن لدى الحيوانات، مهما اختلفت أو تفاوتت المساحات فيما بينها من جهة وبين عالم الإنسان من جهة أخرى، بنسب متفاوتة وجدانياتها الخاصة بها. وان هذا الوجدان ليس حكرا على عالم الإنسان وحده، وأن لكل عالم حي وجدانياته والتي يشكلها عبر حياته المعقدة والمتناقضة وربما غير الواعية أيضا، أي أن الوجدان وامتلاك أحاسيس ومشاعر عمليات غير مرتبطة بشكل مباشر بالوعي والعقل.

صحيح تماما  أن للحيوانات أحاسيس ووجدانيات تختلف في التحليل العلمي الأخير عن تلك الموجودة لدى بني الإنسان، ولكن لا يعني الاختلاف هنا أنها أقل في شأنها على المستوى الحسي، ولكنه يكمن في النظر لطبيعة هذه الكائنات وطرق معيشتها المغايرة لبيئة البشر وتجاربهم وتطورهم.

كذلك الأمر في عالمنا الإنساني، لا يمكن أن يكون امتلاك الوجدان حكرا على أصحاب الدرجات الأعلى في التعليم والثقافة والوعي المعرفي ومن ثم فالفقراء والمهمشون وأصحاب الحظ الأقل من التعليم والثقافة وحتى القدرات الاستيعابية لا يمكن النظر إليهم بوصفهم كائنات اقل والتشكك في كونهم لديهم وجدانياتهم وطرقهم في التعبير عنها.

ولكن ماذا بعد؟ دعوني أفكر معكم بصوت عال كيف تدور في ذهني الفكرة التي أحاول التعرض لها: إن النظر بدونية لمخلوقات أقل تطورا ووعيا حتى في عالم الإنسان له مصدر في النظر للتفاوتات على أنها ميزات وليست تنوعا. في مستهل علاقتي بالكتابة والعمل السياسي قابلت شاعرا للعامية المصرية في مقر حزب التجمع بشبرا الخيمة اسمه محمد عليوة، وحين أخبرته بمعلومة أن لدي محاولات لكتابة الشعر، قال لي نصيحة ظلت عالقة في ذهني على مدار الأربعة وعشرين عاما الماضية من حياتي “تخيل وأنت تصعد الكوبري راكبا سيارة وترى حصانا يجر عربة ثقيلة بحمولتها وهو يلهث ويتصبب عرقا، أن هناك رجلا ليس معه نقود مضطرا للذهاب أو العودة من عمله أن يعبر هذا الكوبري الطويل.. وابحث عن العلاقة بينهما والسبب الذي يضطرهما لذلك، ستفهم وستنقل في كتابتك شيئا عن عالم المضطهدين”.

وفي مرة أخرى رأيت فيديو، وضعته صديقتي زينب مصطفى على صفحتها في موقع الفيسبوك، لقطتين واحدة لقت حتفها والأخرى تحاول أن تنعش لها قلبها بالضغط بقديمها الأماميتين على صدرها، وتنحني لتشتم أنفها بحثا عن عودة القدرة على التنفس لرفيقتها. الكتاب الذي قرأته مليء أيضا بقصص ومشاهدات لتفاعلات وجدانية لدى العديد من الحيوانات بأنواعها وفصائلها المختلفة. فالحيوانات تثبت بالمشاهدات الكثيرة والتجارب المطولة أن لديها قدرة على التعبير عن مشاعرها وشعورها بالفرح والحزن والأسى والوحدة والاكتئاب والخوف والأمل والرحمة والغضب والإيثار أيضا، بل أنها تخجل وتبكي وتندم وتصادق وتحب، وتمرض نفسيا.

لذلك اعتقد أن النظر بدونية للحيوانات مصدره الأساسي ليس في كونها حيوانات وفقط، أي أقل منزلة ومكانة وشعورا منا نحن بني البشر (كما يحاولون أن يوهمونا)، بل في سطوة أفكار تم غرسها فينا على مدار عشرات ومئات وآلاف السنين عن أن العالم مقسوما، لأغنياء وفقراء، مالكي للثروة ومعدميها، أصحاب أعمال وأجراء لديهم، أغلبيات وأقليات عرقية ودينية، أقوياء وضعفاء، رجال ونساء، بيض وسود، نخب وعامة، علماء وجهلاء، أذكياء وأغبياء، ذوي أذهان ووعي وعقول رصينة وأصحاب عقول العصافير، وأخيرا بشر وحيوانات. فاحتقار الأقباط  ونعتهم بأقذر الصفات في مصر، ووصف المسلمين في الغرب بالإرهابيين، وما كرسته الفاشية في النظر بعنصرية لأجناس تنتمي لشعوب أخرى ولأقليات عرقية، وكراهية واستعباد والتخلص من السود (مذبحة قوات الأمن المصرية للاجئين السودانيين في مصر بدم بارد في 30 ديسمبر 2005 واحدة من هذه الممارسات العنصرية ضد أناس مختلفين في لون البشرة هاربون من الاضطهاد والمذابح في بلادهم)، ونظرة نصف الكرة الأرضية الشمالي لسكان نصفها الجنوبي/عالمنا الثالث، والتي ظهرت في الاستعمار لقرون والنهب المنظم لثرواته وجلب العبيد منه، ونظرة التحقير والسطوة التي يرى بها ويمارسها الرجل ضد المرأة، بل ونظرة الطبقات الحاكمة للشعوب والجماهير الفقيرة على أنها أقل مكانة ووعيا لأسباب لا تخرج عن الشعور بزهو احتكارها للثروة والعلم والثقافة. كل هذه النظرات جزء أساسي من خلق التراتبية الطبقية والتفرقة بين الناس على أساس الجنس والدين واللغة ولون البشرة والانتماء الجغرافي. وتظهر بشكل يزيد في فجاجته في التعامل مع الحيوانات بوصفها أقل تطورا ومكانة.

ولكن ترى ما السبب في تزكية تلك النعرات القومية وتأجيج العنصرية تجاه آخرين واضطهادهم، والاستبداد والاستغلال الطبقي الذي تمارسه الطبقات الحاكمة على الخاضعة تحت سلطتها وسطوتها، بل وقتل الآلاف من المنتميين لها عبر حروب تأخذ أشكالا مختلفة؟ تعالوا نرى الأمر بوضوح. ألم يكن نجاح الحكومة المصرية في تنفيذ مجزرة السودانيين جزء كبير منه كان في تزكية الروح العنصرية لدى العديد من المصريين في مواجهة مضطهدين مثلهم. ألم تكن حملة الازدراء للشعب الجزائري بعد مباريات تصفيات المونديال من صنع الطبقة الحاكمة وابن الرئيس للتغطية على جرائمهم بتزكية الروح الشوفينية للجماهير المغلوبة على أمرها، وكأن مصلحتنا والنظام واحدة. أليست جرائم الاغتصاب والتحرش الجنسي بالنساء هي التعبير الأكثر وقاحة عن فكرة المجتمع الطبقي عن سلعية المرأة ودونيتها والحق في انتهاكها. أليس التعذيب في المعتقلات ومقار الشرطة هو، بالإضافة لكونه أداة للقمع والترهيب، نوع من السادية يمارسه السادة المجرمين لاعتقادهم أن المنتمين للشعب والمعارضة هم أقلية مخربة يجب لجمها بالعنف وفرض الطاعة عليها. أليست الدعاية الفاشية ضد الأقليات العرقية والعربية والمسلمة في أوربا والمطالبة بطردها، يخدم في النهاية تحويل نظر الفقراء عن قضاياهم الحقيقية وسبب البلاء في حياتهم ألا وهي سياسات الطبقات الحاكمة الرأسمالية نفسها. أليس إعطاء العمال أجورا لا تفي بمتطلباتهم المعيشية في الوقت الذي تتراكم فيه الأرباح لدى أصحاب الأعمال، نوع من التفكير يجد ما يبرره في وقاحة القسمة الطبقية بين من يمتلكون الثروة كحق طبيعي ومن يعملون كأجراء لديهم كواحدة من طبائع الأمور؟!.

تعالى معي لنرى أوجه العنصرية في حياتنا اليومية. هل رددت يوما أو سمعت بذاءات تنضح بالعنصرية تجاه آخرين في أيا من الموضوعات السابقة؟ بالتأكيد حدث ذلك كثيرا بوعي أو بدون! فكم مرة سمعت أو رددت مقولة إن الشعب المصري لا يمشي إلا بالكرباج، وانه شعب فرعوني تعود أن ينتمي للعبيد، ولن يثور أبدا على أوضاعه المهينة. وكم مرة اصطدمت بمقولة أن الفلسطينيين ليسوا بلاجئين ولا حق لهم في العودة لديارهم، لأنهم باعوا أراضيهم لليهود. وأن الأقباط رائحتهم قذرة ولا يستحمون بعد ممارستهم للجنس، أو سمعت انتقادات لتناولهم الطعام في شهر رمضان أمام المسلمين، دون أدنى اكتراث للضرر الواقع عليهم حين يشتموا رائحة المشويات في الشوارع في صيامهم النباتي. وأن فلان شكله “وحش”، أو هذه الفتاة “معفنة” كيف لك أن تتعلق بها. هل تخيلت يوما أن تحب فتاة زنجية وتقبلها بشغف دون أن تشعر بالقرف لأن لون بشرتها أسود. هل لدينا رؤية أخرى عن النوبيين سوى أنهم بوابين وخدم منازل وكسالى بطبعهم كما تظهرهم الأفلام والمسلسلات. هل نرى سكان صعيد مصر أكثر من أغبياء ومغفلين ومادة للتنكيت. كم مرة وصفت شخصا بأنه حمار أو غبي لمجرد أنه يخالفك الرأي، أو أنه “عربجي” لمجرد أنه تصرف بحماقة في موقف. كم مرة سب بعضنا البعض بالأب في مقابل تكييل النعات القذرة والحقيرة ليل نهار للأم لمجرد أنها امرأة. أليس البعض منا متأكدا أن المرأة لعوب بطبعها وغير قدراتها على الغواية فهي مؤهلة طيلة الوقت للخيانة ولا أمان لها. لماذا نصف المرأة بأنها مومس لمجرد إقامتها لعلاقات جنسية ولا ننعت الرجال الذين يفعلون نفس الشيء بأي وصف. لماذا أكثر من 90% من نكاتنا عن الصعايدة والمثليين جنسيا وخيانات المرأة الزوجية. كم مرة سمعت أن العمال والفلاحين جهلاء لا يمكنهم أبدا أن يقودوا المجتمع لأنهم غير متعلمين وغير مثقفين، بل أن نفوسهم ضعيفة يقبلون الرشاوى والهبات والتجسس على زملائهم والوشاية بهم. أليس التعريف الشعبي للفقير أنه مجرد شحاذ! لكن الأغنياء “عينيهم مليانة” ويتم وصفهم أبنائهم بـ”ولاد ناس محترمين”. أليست النظرة السائدة لبدو سيناء هي أنهم مجرد تجار سلاح وقطاع طرق ويعمل الكثير منهم مع إسرائيل. كم مرة سخرت بداخلك من مشاعر شخص أو طرق تعبيره عنها لمجرد انك تراه أقل وعيا منك؟!. وهناك الكثير من الأمثلة في حياتنا اليومية تنضح بالعنصرية والتمييز والاحتقار لآخرين، أو لبعضنا البعض.

كل هذه العنصرية ونظرات التمييز والدونية والتحقير والازدراء، من المسئول عنها، كيف أصبحت جزءا من نسيج حياتنا ومقولاتنا ووعينا ورؤيتنا لبعضنا البعض؟ فتش عن الإجابة في المجتمع الطبقي والتفاوتات التي خلقها والحروب التي يشعلها ليل نهار بيننا ليظل هو بمنأى عن الضرر. فالطبقات الحاكمة تحتاج بجانب أدوات القمع التي تستخدمها عند الحاجة لأسلحة أيديولوجية تزيف بها وعي الناس وتحرفهم عن قضاياهم الأساسية، تغرقهم حتى آذانهم في مستنقع لا نهاية له من الصراعات وكأنها مصير حتمي لحياتهم. تصبح مشكلة المرأة هي التحرر من الرجل حتى لو كان هو زوجها الفقير قليل الحيلة مثلها وليس المجتمع المستفيد من هذا الصراع الوهمي بين رجال ونساء الطبقات الخاضعة. وسيتم حل الأزمة الاقتصادية في أوروبا حين يتم طرد العرب والمسلمين والغجر لأنهم طفيل يستولي على وظائف ومستحقات أهل البلد الأصليين. وسنعيش في نعيم لو أسلم الأقباط أو تم التخلص منهم بأي طريقة، وقمنا باسترداد كرامتنا بعد أن لقنا الجزائر درسا قاسيا بهزيمتها في بطولة أفريقيا بعد أن أخرجتنا بـ”المؤامرة” من المونديال.

لقد مرت المجتمعات البشرية بمحطات في تاريخها أزكت هذه الروح الرجعية واللإنسانية، كانت البداية هي الانفصال عن عالم الحيوان الذي أصبح منذ ذلك الحين عدوا للإنسان أو مصدرا لطعامه بصيده واستئناسه أو استخداماته المختلفة. وجاء تقسيم العمل الأول بين الرجل والمرأة ليدشن بداية جديدة لاضطهاد لم تكن عرفته البشرية من قبل وتنحية قسم من المجتمع عن لعب دوره في إدارته، ثم حسمت عملية انقسام العمل لذهني وعضلي وضع العالم حتى الآن بين مطرقة الاستغلال وسندان الاضطهاد المنظمين، وليعلن عن ميلاد أول مجتمع طبقي في التاريخ احتاج كي يستمر إلى اختراع الدولة وأجهزتها القمعية لتحمي الملكية الخاصة الوليدة وتفرض السيطرة لأقلية لا تعمل وتملك الثروة وتستأثر بالسلطة وأغلبية محرومة من كل شيء إلا من قوة عملها التي تبيعها نظير تجديدها يوميا. من هنا أصبحت المرأة أداة للمتعة ومصدرا للحفاظ على سلالة من يورث الملك ثروة وحكما، وأصبح الضعفاء والفقراء والعبيد مصدرا لجلب الثروة. لقد أصبحت المرأة والعبد بفعل المجتمع الطبقي مساويين للحيوانات تماما، ليس في امتلاك وجدانيات أو خلعها عنهم، ولكن كمصدر للثروة، ومن ثم أصبح قمعهم وتدجينهم أحد الأدوات الهامة في الحفاظ عليها.

إذا كان ليس من حق المضطهدين والمستغلين أن ينعموا بالحياة ويصبحوا شركاء في إدارة حياتهم، فهل يمكن النظر إليهم سوى أنهم أقل مكانة، وهل يمكن أن يتم إعطاء إحساسهم ومشاعرهم نفس درجة التقدير التي يعطيها الأسياد لأنفسهم، بالتأكيد لأنها تصدر عن كائنات أقل في المنزلة فهي غير متساوية. فما بالك بالنظر للحيوانات؟!


[1] ـ حيوانات أيامنا (كتاب قصصي) تأليف/ محمد المخزنجي. الناشر/ دار الشروق 2006.

[2] ـ حين تبكي الأفيال “الحياة الوجدانية عند الحيوانات” تأليف/ جيفري ماوساييف ماسون وسوزان مكارثي ـ ترجمة/ إبراهيم محمد إبراهيم. مراجعة/محمد زاهر المنشاوي. الناشر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب 2000.

[3] ـ مصطلح يطلق على إضفاء الخصائص الإنسانية على ما هو غير إنساني.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s