أول سبتمبر 2003

أثارت مسألة إحالة خمسة من المناضلين الاشتراكيين للمحاكمة بتهمة تأسيس وقيادة منظمة “الاشتراكيين الثوريين” العديد من الأسئلة لدى الكثير من الناس مثل، من هم الاشتراكيون الثوريون؟ هل لا زالت هناك اشتراكية يدافع عنها أحد ويناضل من أجلها؟ وماذا ستحقق هذه الاشتراكية بعد فشلها في تجاربها السابقة؟ وهل هناك ما يميزها عن غيرها من أفكار؟ وبعيداً عن السخف الذي تردد في العديد من مقالات كتاب السلطة وضيقو الأفق من المثقفين المتراجعين في لحظة الإعلان عن القضية، فإننا سوف نحاول في هذا المقال الإجابة على بعض الأسئلة ونترك الأخرى لمقالات قادمة؟

لا شك أن العالم الذي نعيش فيه معادي للإنسان وتقدم الإنسانية، فالرأسمالية لا يهمها سوى جني المزيد من الأرباح حتى وإن كان ذلك على حساب الملايين من الجثث. ففي الوقت الذي يستولي فيه20% من سكان العالم على أكثر من 60% من إجمالي الناتج العالمي يقتسم الـ20% الأفقر 4% فقط من نفس الإجمالي، أي هناك أكثر من 2 مليار شخص يعيشون عند خط الفقر أو تحته. هذا بالإضافة إلى الحروب والسياسات الاستعمارية التي تنهب ثروات الشعوب وتتسبب في موت الآلاف يومياً.

الاشتراكية تقدم الحل (عالم بلا طبقات) عالم أفضل لصالح الأغلبية المستغلة. عالم مبني على أساس أن ملكية الثروة حق لمن ينتجها، وأن القرارات السياسية حق للأغلبية تأخذها عبر أشكالها الديمقراطية التي تبدعها من أجل تلبية هذا الغرض. عالم تنتهي فيه إلى الأبد كل أشكال الاستغلال والاضطهاد والتفرقة.

ولكن الطريق إلى تحقيق هذا الواقع الجديد ليس مفروشاً بالأماني الطيبة، فهناك قدر كبير من النضال يجب أن يخاض، وتجارب كبيرة يتحقق فيها العديد من النجاحات وكذلك الإخفاقات. سيخوض أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير صراع لا يهدأ ضد أصحاب المصلحة في بقاء الوضع الحالي. وستحتاج قوى التغيير إلى خلق أسلحتها النضالية، لمواجهة عدو شرس ومنظم، ستحتاج أيضاً إلى التسلح بالوعي وبلورة مشروعها الثوري لكسب أغلبية الكادحين إلى خندقها. وستحتاج قوى التغيير أن تبرز منها طليعة تتقدم المشهد وتنظم نفسها لقيادة مشروع التغيير.

تبرز هنا الاشتراكية الثورية كخلاصة لفهم العالم في عصره الحالي وتقدم تصورها عن نوع التغيير الذي سيصب في صالح الأغلبية. العالم في شكله الحديث تتربع على قمته بالعنف والقسر طبقة الرأسماليين التي تعيش على عمل وجهد طبقة العمال وباقي كادحي المجتمع. في هذا السياق برزت الطبقة العاملة بوصفها الطبقة الأشد عداوة لقوى الاستغلال، ودارت رحى الصراع لتحسين الأوضاع المعيشية، ولكن مع تجربتها النضالية الطويلة اكتشفت أن هناك ضرورة لتغيير الواقع بشكل جذري لصالحها وانتزاع مقاليد الأمور ليتم استعادة إنسانية العالم والقضاء على أسباب شروره.

وفي السير على هذا الطريق ظهرت العديد من الأفكار التي لعبت دور مهم في خلق حالات من التشوش وإبعاد النضال عن مساره الحقيقي وبالتالي افتقاد الهدف النهائي تحت وطأة التراجعات والانحرافات. الاشتراكية الثورية هي الوحيدة التي حاربت هذه الأنواع من الانحرافات، واستحقت بجدارة أن تصبح نظرية انتصار الثورة العمالية، ولكن الحرب من أجل إنجاح مشروع الثورة عملية شاقة وتتم في طريق وعر.

ضد الإصلاحية

ظهر في أوساط العمال تيار يدافع عن إمكانية تغيير المجتمع لصالح الكادحين عبر طرق أخرى غير الثورة وانتزاع السلطة والثروة من سارقيها. ويمكن تحقيق هذا عبر تكوين حزب إصلاحي كبير يضم الأغلبية من العمال في عضويته ويخوض نضالاً عبر الانتخابات يحصل به على أغلبية في البرلمان وبالتالي يكون له الحق في تشكيل الحكومة التي بدورها ستأخذ قرارات في صالح العمال، وتكون النتيجة وفق هذا التصور هي تطبيق التحول للاشتراكية عبر تصويت الأغلبية لحزبها/ممثلها السياسي. لقد عشنا تجارب عديدة سارت في هذا الطريق وكانت النتيجة إما خيانة لم يسبق لها مثيل للعمال والذوبان في المجتمع الرأسمالي كما حدث للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في بداية القرن العشرين، أو الفشل الذريع عبر انقلاب رجعي دموي على هذه الحكومة التلفيقية يروح ضحيته الآلاف من العمال كما حدث مع سلفادور إيندي في شيلي 1973. تكمن المشكلة الحقيقية في هذا الطرح الإصلاحي في أكثر من نقطة أولاً: أن يفترض أن الفاعل الإيجابي في عملية التغيير هو الحزب ويقتصر دور الجماهير على التصويت لصالحه في لحظة الانتخابات. ثانياً: أنه يفترض أن السلطة والقرارت في يد البرلمان والحكومة بالرغم من وجودها في منطقة أخرى هي الأكثر نفوذاً وشراسة الدولة، الرأسماليون، الجيش والشرطة.

ضد الاستبدالية

ليست الإصلاحية وحدها التي تدافع عن تغيير من أعلى لا يستند إلى الجماهير، بل ظهرت العديد من الأفكار التي تدعو إلى بقاء الجماهير أماكنها، لأن مشروع “الثورة” يستكمل في أماكن أخرى. هكذا ظهر ممثلون للطبقات البرجوازية الصغيرة المحلية في بلدان تعيش تحت وطأة الاستعمار، أو تريد التخلص من النظام السائد بعمل مسلح مباغت أو حرب عصابات طويلة. يقع تحت هذا النوع حروب التحرر الوطني التي يقودها حفنة من المثقفين على رأس جيش من فقراء الريف والمدن الذين انفصلوا تماماً عن مجتمعاتهم وانخرطوا في حروب طويلة، أيضاً الانقلابات العسكرية التي تحدث في صفوف الضباط الوطنيين، أو في جماعات تنعزل عن المجتمع وربما تعيش خارجه وتكتفي بتسديد ضربات عنيفة للنظام كالجماعات الإسلامية. مكمن الخطر في هذا الطرح ليس فقط في إبعاد الجماهير عن أي فعل سياسي واستبدال نضالها بنضال حفنة صغيرة، ولكن في درجة التهافت التي تعبر عن نفسها في الخواء السياسي وطرح بديل ضبابي، ومن ثم حالات التخبط التي يقع فيا أصحاب التجارب الناجحة في الوصول للسلطة، والتي سرعان ما تعيد سمات المجتمع القديم تحت مسميات وطنية وشعارات قومية ودينية.

الاشتراكية من أسفل

كما رأينا لا يمكن أن يحدث تغيير حقيقي بدون أن يكون بيد أصحاب المصلحة الحقيقية فيه. أصحاب التغيير يحددون أسلوبه وطرق تحقيقه، النخبويين ينحون الجماهير جانباً ليحققوا أهدافاً بالتأكيد في مصلحتهم هم. على النقيض اكتشف الاشتراكيون الثوريون القوة الكامنة في الطبقة العاملة وقدرتها على خلق وإبداع أساليب نضالها الجماعي. “لن يفقد العمال في هذا الصراع سوى قيودهم” هكذا اكتشف ماركس الضرورة التي دفعت العمال للنضال ضد قوى الاستغلال والظلم. لقد أثبتت التجارب الثورية في القرن العشرين القدرة الهائلة للطبقة العاملة دون باقي الطبقات في المجتمع على مواجهة الرأسمالية وقيادة بقية الكادحين في ثورة تكون نتائجها مجتمع يديره الكادحين بأنفسهم عبر ملكيتهم للثروة ومجالسهم المنتخبة والمراقبة بشكل جماعي وديمقراطي.

دور الحزب الثوري

بالتأكيد مشروع الثورة وتغيير العالم، أي هدم المجتمع الطبقي بكل جبروته وبناء الاشتراكية، عملية شاقة وطويلة. هنا يأتي دور الوعي كسلاح ينير للعمال طريقهم ويسمح لهم بإنجاز عملية التحول عبر بلورة مشروع يستحق بجدارة أن يصبح بديل علمي وإنساني للمجتمع الطبقي. لقد قال ماركس أن الوعي السائد في المجتمع هو وعي الطبقة السائدة، بالتالي عبر تجربة العمال التاريخية في النضال يبدأ دور تشكل وعي بديل، وعي يعتمد على خبرات الطبقة نفسها، ونقدها للأسس القائم عليها مجتمع الاستغلال، وعي يطرح بديل مقنع لكسب باقي المضطهدين، وعي مبني بالأساس على تجربة جماعية حية للنضال.

ولكن التاريخ وتراكم خبراته لا يسيران في خطوط مستقيمة، فالهزائم والانكسارات تخلق الفجوات بين التجارب وتحول دون تراكم خبرة جماعية وعالمية. هنا تأتي الحاجة لخلق ما أطلق عليه الاشتراكي الثوري الإيطالي “جرامشي” المثقف الجمعي للطبقة العاملة، البوتقة التي يتم فيها صهر التجارب والخبرات وتنقيتها وتقديمها لأجيال العمال على أنها خلاصة تجربة طبقتهم. هذه البوتقة لا يقتصر وظيفتها على هذا الدور فقط بل يمتد إلى تنظيم الطليعة النشطة والمستعدة للنضال في أوقات التراجع لحين كسب أقسام أكبر من الطبقة في لحظات الصعود. الحزب الثوري لا يطرح نفسه بوصفه بديلاً عن الطبقة بل كقائد ومرشد للنصر، حزب يضم في عضويته طليعتها الثورية والمستعدة للنضال من أجل الثورة الاشتراكية وسلطة العمال.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s