كامب ديفيد.. ربع قرن من القتل والتشريد والخيانة

Posted: 16 سبتمبر 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , , ,
أول أبريل 2004

في يوم 9 نوفمبر 1977 وقف السادات أمام مجلس الشعب ـ وفي حضور ياسر عرفات ـ ليعلن استعداده للذهاب (سعياً وراء السلام) إلى إسرائيل نفسها. ولم يمر من الوقت سوى عشرة أيام فقط حتى كان يصافح مجرمي الحرب الصهاينة في القدس المحتلة. وبعد أقل من عام ونصف العام، وبالتحديد في 26 مارس 1979 كان يبيع كل شيء حتى ماء وجهه لكارتر وبيجن في منتجع كامب ديفيد. واليوم وبعد مرور 25 عاماً على هذا الحدث الأسود، وبعد عمليات عديدة من القتل والتشريد مارستها إسرائيل ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني، وأخرى مارستها أمريكا ضد شعوب العراق والسودان والصومال، ما زال حكامنا يرددون نفس العبارة البلهاء “السلام حل استراتيجي” والشعار هنا ليس مجرد خطابة جوفاء، ولكنه تعبير عن انحطاط غير مسبوق وسعي محموم خلف وهم لم يعد موجوداً سوى في رؤوسهم وحدهم فقط.

من الحرب إلى السلام.. المصالح واحدة

ولكن لماذا تغيرت نغمة الحرب إلى نشاز السلام؟ للإجابة على السؤال يجب أن نعود سوياً أكثر من نصف قرن قليلاً.

كان من المنطقي جداً أن تعادي البلدان العربية، والتي نالت استقلالها حديثاً أو كانت في أتون معركتها لنيله، الاستعمار بكافة أشكاله، وبالتالي كان زرع إسرائيل في قلب المنطقة التواقة للتحرر يعني أن الاستعمار لن يترك تلك البلدان تهنأ بالاستقلال وثروة أراضيها. أيضاً كان من الطبيعي أن تحاول تلك الأنظمة التحررية الجديدة، كي تستمر في مشروعها الاستقلالي أن تبني في اتجاهين، تنمية واقتصاد مستقلين، وتعبئة الجماهير خلفها وكسب ودّها. بالتأكيد كانت هذه العملية في منتهى الصعوبة لآن التنمية تحتاج قدر عالي من الاستقرار الداخلي والخارجي خصوصاً إنه يتم بناؤها في اقتصاديات ضعيفة، وأيضاً تعبئة الجماهير خلفها جزء أساسي منه الدفاع غير المشروط عن الوطن واستقلاله. في الحقيقة كان هذا الدفاع يعني أيضاً بقاء تلك الأنظمة على قيد الحياة، بالفعل كانت وقتها معركة مصير وبالتالي لم يكن هناك مفر من الدخول في صراع دموي مع إسرائيل التي تقف خلفها الإمبريالية الأمريكية الجديدة.

لم تكن تلك الأحداث تحدث بمعزل عن العالم بالتأكيد، فهناك كان الاتحاد السوفيتي الذي يساند حركات التحرر الوطني من زاوية مصلحته في خلق معسكر وحلفاء في توازي مع الطرف الإمبريالي الآخر. أيضاً كانت الظروف الاقتصادية في العالم تسمح حينذاك بإمكانيات بناء اقتصاديات أخرى تنافس في السوق الذي كان ما زال مفتوحاً بدرجات. أيضاً كانت أفكار مثل الوطنية والقومية ما زالت تحظى بشعبية كبيرة وسط جماهير ذاقت الأمرين من استعمار استمر عشرات السنين.

لكن الأمور لم تسير أكثر من ذلك كثيراً، ففي عام 67 منيت المؤسسة العسكرية في مصر بهزيمة ثقيلة راح ضحيتها عشرات الألوف من أبناء الشعب بجانب استيلاء إسرائيل على سيناء وباقي فلسطين والضفة الغربية التي كانت في حوزة الأردن وهضبة الجولان السورية، كل ذلك حدث في أقل من أسبوع. شهور قليلة وفشلت الخطة الخمسية التنموية وظهر بدرجات كبيرة مدى الفساد المستشري في مؤسسات الجيش والبيروقراطية الحاكمة. وأصبح النظام في موضع ضعف شديد فالأرض احتلت وانهيارات اقتصادية باتت وشيكة والجماهير تريد الثأر.

سرعان ما مات عبد الناصر وجاء السادات ليحاول من البداية الدخول في مباحثات لحل النزاع سلمياً، ولكنه المهزوم! فباءت محاولاته بالفشل ليس فقط لأن أمريكا كانت تقدر الأمور بطريقة مختلفة ولكن لأن الضغط الجماهيري من أسفل جعله غير قادر على عدم خوض الحرب. وبالرغم من الانتصار الهزيل الذي تحقق في 73 ظلت إسرائيل ذات الكفة الأرجح، فالسادات “المنتصر” أجبر بفعل وصول القوات الإسرائيلية للكيلو 101 القاهرة ـ السويس، أن يدخل في مباحثات لفض اشتباك القوات انتهت أيضاً بانسحاب موازي لقواته.

بعدها كانت الظروف قد تغيرت كثيراً فالاتحاد السوفيتي لم يعد صديقاً والانفتاح على العالم الرأسمالي أصبح هو غاية النظام في ظل أزمة اقتصادية اجتاحت العالم في السبعينات وأصبحت تنذر بدور أقل للدولة وبالتالي أضحت التنمية المستقلة من مخلفات الماضي. وعلى المستوى السياسي اتضحت الأمور أكثر للنظام بعدما استطاع التخلص بسلاسة من بقايا العهد الناصري، وبدأ يطبق بعد الحرب مباشرة سياسات اقتصادية جديدة كانت بشكل واضح في صالح الرأسماليين والمستثمرون الجدد ومعادية تماماً للطبقات العاملة والفقيرة. وجاءت انتفاضة يناير 77 لتثبت مدى هشاشة القوى السياسية في مصر وعلى رأسها اليسار وعدم قدرتها على قيادة جماهير منتفضة كتعبير عن عدم وجود تأثير ونفوذ لها في أوساطها.

النظام المصري كعرّاب للسلام

تقريباً منذ فض الاشتباك الثاني وجملة (حرب أخرى مع إسرائيل) قد تم شطبها من قاموس النظام المصري. لذلك أتت معاهدة السلام كتتويج لفكرة البرجوازية المصرية عن اختيار جديد تستمد منه استمرارها ومشروعيتها بعدما بدت معادية للجماهير بشكل سافر. الارتماء في أحضان الإمبريالية والعمل كحليف لها في المنطقة وبالتالي كسب ودها، هي السياسة التي اتبعها النظام الحاكم من وقتها وحتى الآن، وبالفعل كافأت الإمبريالية النظام المصري فبدأت المعونات تنهال بشكل منتظم منذ عام 1979 بعد توقيع اتفاقية الصلح مع العدو الصهيوني بواقع 815 مليون دولار سنوياً ـ وصل المجموع في ربع قرن إلى 23 مليار دولار ـ وكان الثمن هو الصمت والتواطؤ على غزو إسرائيل للبنان عام 1982 بعد وقت قليل جداً على عودة سيناء كاملة (منزوعة السلاح) للسيادة المصرية. بالتأكيد لعب مبارك دوراً واضحاً في التستر على الجرائم الإسرائيلية (ضرب مقر منظمة التحرير في تونس 86 و والمفاعل النووي العراقي 88) والأمريكية (ترحيل عناصر المقاومة من لبنان إلى تونس على سفن مصرية تحمل أعلام أمريكية 82 وضرب ليبيا 86) حتى وصل الأمر إلى المشاركة بقوات في التحالف الذي شن الحرب على العراق فيما سمي بحرب تحرير الكويت 91. ومنذ هذا الوقت وبعد عقد مؤتمر مدريد للسلام لتصفية “الإرهاب” ـ المقصود به الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في 87 وعمليات الإسلاميين المسلحة ـ بدأ مبارك في استكمال ما فشل فيه سلفه السادات في ترويج بضاعة السلام، وظهر كعرّاب له في وقت بدا للجميع أن انتصار الإمبريالية الأمريكية أمراً لا شك فيه بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية وزحف سياسات الليبرالية الجديدة على اقتصاديات الدول.

شارك مبارك بكل همته كسمسار للسلام تقريباً في كل المباحثات التي دارت بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل لدرجة عقد العديد من تلك الاتفاقات على أرض مصر. ولكن إسرائيل كانت إستراتجيتها حينذاك هي عقد مباحثات السلام بشكل منفرد لتفتيت قوى أطراف الصراع معها، مما أثر بعد مضي الوقت على الدور المصري (المثال الأفضل على ذلك هو الصلح الأردني المنفرد دون علم مبارك).

بعد حصول الفلسطينيين بعد عناء على أرض بلا سيادة وصلت المفاوضات إلى طرق مسدودة، بعدها توقف كل شيء في 25 يوليو 2000 (كامب ديفيد الثانية) خريطة التوازنات بالتأكيد اختلت، فالشعب الفلسطيني بدأ انتفاضته الثانية وإسرائيل اجتاحت أراضي الحكم الذاتي وأصبحت الحرب هي اللغة السائدة بين طرفي الصراع في الأرض المحتلة. يمكننا القول الآن أن السلام الذي ما زال يحاول ترويجه مبارك ما هو إلا حسبة خارج التاريخ وتوازناته، مبارك يريد استقراراً في المنطقة ومتسع من إمكانيات وفرص الاستثمار، في الوقت الذي تفجر فيه الانتفاضة غضب الشارع العربي والمصري بالطبع، علاوة على الغضب الكامن في الصدور من جراء الأزمة الخانقة التي يدفع ثمنها كل يوم الكادحين وحدهم.

والآن وبعد مرور ربع قرن على بداية عقد الصلح مع العدو الصهيوني، هل أتى السلام بمكاسب حقيقية للأنظمة العربية؟ الاستمرار في الحكم دون سقوط عنيف على أثر هزائم عسكرية متتالية، والعمل كحليف للإمبريالية، بالتأكيد تعد مكاسب ولكن بثمن باهظ، فسياسات إسرائيل وأمريكا هي المحرك الوحيد للأحداث، ولأن مطامعهم لا حد لها فبالتالي أصبح من قوانين الصراع أن تكون الجماهير طرفاً جديداً تقلق مضاجع تلك الأنظمة.

لا مفر من المعركة

وبعد نعود إلى سؤالنا، لماذا تغيرت نغمة الحرب إلى نشاز السلام؟ بالتأكيد التفسير الوحيد أن هذه الأنظمة لم تكن في يوم من الأيام تحمل لواء مناهضة الإمبريالية كما ادعت سنوات طوال، واليوم سقط القناع ولم يبق سوى الوجه الذليل الذي يتسول السلام والاستقرار. لقد أثبتت تلك الأنظمة أن البرجوازية ـ حتى ولو صحت “وطنيتها” ـ لا يمكن أن تقود الجماهير ضد الإمبريالية لا يمكن أن تكون في النهاية أقل من خائنة لمصالحها. تلك الأنظمة البرجوازية اقتاتت على معاداة الإمبريالية والصهيونية كما تريد أن تقتات اليوم من السلام، الشيء المهم هو من أين تتحقق مصالحها.

أما عن اليوم فتلك الأنظمة تضعها الإمبريالية كل يوم في مأزق جديد أمام شعوبها، ولا مناص من المواجهة، وبعد قليل ستكون المواجهة ليست فقط على أرضية القضايا الوطنية ولكن أيضاً ستواجه بتفجرات على أرضية سياسية واقتصادية داخلية. وبالتأكيد ستطلب تلك الأنظمة الحماية من الإمبريالية. المعركة إذن ستكون بين الجماهير وبين كل الأعداء ولا مفر من خوضها والانتصار فيها، لأن الهزيمة تعني العودة إلى البربرية.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s