أبريل 1997

في عام 1845، وفي أول نص كتباه ليدافعا عن نظريتهما المادية في التاريخ والمجتمع، طرح ماركس وإنجلز موقفهما من العلاقة بين الأفكار والطبقات على النحو الآتي: “الأفكار السائدة في المجتمع هي أفكار الطبقة السائدة”. ربما لا تظهر هذه الحقيقة بشكل أكثر جلاءًا من ظهورها في مجال الأفكار عن “الدولة”. فالطبقة السائدة في كل المجتمعات المعاصرة – البرجوازية – تسيد، بدأب لا يعرف الكلل، تصورًا عن الدولة على أنها شيء مقدس.. لا يجب مساسه من قريب أو بعيد. شيء خارق خارج قوانين المجتمع ومفروض عليه من خارجه”. الدولة كما تراها البرجوازية، “هي كيان مثبت فوق جسم المجتمع، ويقف على الحياد من الصراع الدائر داخله”.

وحتى في الدوائر الأكاديمية، دوائر “العلم” البرجوازي، ترى أن المفهوم عن الدولة يخضع لمصالح الطبقة الحاكمة. ففي هذه الدوائر يحلو للعلماء والمفكرين المعاصرين أن يؤكدوا أن الدولة ضرورية لأي مجتمع متحضر حديث. إذ لا بد – هكذا يدعون – أن تكون هناك سلطة قسر عامة في كل وأي مجتمع به درجة من التعقيد في تقسيم العمل لتقوم بدور “التوفيق بين المصالح” المتعارضة للأفراد المتنافسين، ولتحقق الخير للمجموع. ويحذر هؤلاء العلماء جمهور قرائهم ومستمعيهم من أنه بدون دولة تحتكر العنف المنظم “سوف يأكل المجتمع بعضه بعضًا”!

هكذا تبدو الدولة من وجهة نظر البرجوازية: شر لا منه تحتمه الطبيعة الشريرة والعنيفة للإنسان. أما من وجهة نظر أعداء البرجوازية من البرجوازيين الصغار، والذين يتألمون من الاستغلال والاضطهاد “برجوازيين في نفس الوقت الذي لا يستطيعون فيه تمييز مصدرهما أو طرق القضاء عليهما، فإن شر الدولة يختصر في الطبيعة القمعية والدموية لعدد قليل من الرموز على رأس النظام. الدولة شر، في رأي هؤلاء الأخيرين، ليس بسبب مضمونها الطبقي وإنما بسبب توجهات وسياسات رموزها.

إن ما يميز الاشتراكيون الثوريون عن باقي التيارات الأخرى، من أدنى يمينها إلى أقصى يسارها، بصدد مسألة الدولة هو موقفهم الجذري من مسألة العلاقة بين الدولة والمجتمع الطبقي. وحتى يتسنى لنا أن نفهم كيف يبني الثوريون موقفهم، وعلى أي أدلة تاريخية واجتماعية يستندون، علينا أن نطرح مجمل موقف الماركسية من الدولة أصل العائلة وسر استمرارها في كل مجتمع طبقي.

في البدء ولا بد وأن نشير إلى مسألة الدولة كما قال لينين: “شوشت وعقدت بشدة لأنها ببساطة تمس مصالح الطبقات السائدة. فمن شأن التعاليم بصدد الدولة أن تبرر وجود الامتيازات الاجتماعية للاستثمار والرأسمالية ذاتها، لذلك فمن فاحش الخطأ توقع عدم التحيز في هذه المسألة أو أن يكون بوسع أولئك الذين يدعون الموضوعية – أصحاب تلك التعاليم – أن يقدموا وجهة نظر عملية صرفة في تلك المسألة “ولذلك، وحتى نستطيع أن نقدم رؤية “علمية صرفة” لمسألة الدولة، علينا أن نخضع القضية للمنظور الثوري للطبقة العاملة.

لقد عاش المجتمع البشري آلاف السنين في مجتمع خالي تمامًا من الطبقات، ولم يكن به وجود لما يسمى الآن بالدولة. فلم تكن توجد، في المراحل البدائية لتطور البشرية، أي ضرورة لأن يظهر – على حد تعبير لينين – “فريق خاص من الناس ولا عمل له غير الحكم، ويحتاج لأجل الحكم، لأجل قهر إرادة الآخرين بالعنف، إلى جهاز خاص للقسر، إلى سجون وجيش وغير ذلك”. فمتى إذن ظهرت الدولة؟

يجيب إنجلز على هذا السؤال، ملخصًا جوهر التصور الماركسي عن أصل الدولة، بقوله: “الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، وإنه قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها. ولكيلا تقوم هذه المتناقضات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضًا وكذلك المجتمعات في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف الظاهر فوق المجتمع قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود “النظام” إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة”.

إذن فالدولة ليست، كما يدعى مفكرو البرجوازية، مؤسسة للتوفيق بين مصالح الأفراد ذوي الطبائع الشريرة، وإنما هي مؤسسة لإخضاع شروط حياة الطبقة الخاضعة لمصالح الطبقة السائدة. التناقض الذي أصبح كامنًا في قلب المجتمع بعدما انقسم إلى طبقات هو التناقض بين الطبقات، والدولة لم تأت للقضاء على هذا التناقض وإنما للإبقاء عليه لمصلحة طبقة وضد طبقة أخرى.

هذا الارتباط الجدلي بين ظهور الدولة وانقسام المجتمع إلى طبقات يظهر بجلاء عندما نتتبع تطور المجتمع البشري في مراحله البدائية. في المجتمعات البدائية كان جميع السكان -القادرين منهم على العمل- يعملون. وكان توزيع منتوج العمل يتم بشكل جماعي حسب الحاجات. في هذه المجتمعات لم تكن أدوات الإنتاج البدائية ملكًا لأحد بعينه، بل كانت ملكًا لكل أفراد القبيلة مجتمعين. وكانت وظيفة إدارة الشئون العامة للجماعة لها طبيعة ديمقراطية أكثر نقاء وحرية من تلك الديمقراطية البرجوازية الزائفة التي يتشدقون بها اليوم.

القائمون على هذه الوظيفة لم يكونوا يمثلون سلطة بالمعنى الطبقي القسري الدراج اليوم. إذ لم يكونوا محتاجين إلى أجهزة عنف وقهر -سجون وجيش وشرطة- للتنسيق بين أنشطة الأفراد المنضمين في جماعة بشرية لم تتقسم بعد إلى طبقات متضادة.

ولكن مع التطور النسبي في قوى الإنتاج بدأ يظهر فائض من الإنتاج زائد عن الحاجات الاستهلاكية المباشرة. هذا الفائض سمح بظهور فئة من الناس بمقدورها أن تعيش على الاستئثار بفائض عمل الآخرين، ومع نموه بدأ يظهر شكل جديد لتقسيم العمل. “إن من احتلوا مواقع معينة في تقسيم العمل هذا هم الذين تحولوا إلى متحكمين في الفائض، ومن ثم أصبحوا الطبقة المسيطرة”.

من هنا فقط، منذ ظهور الملكية الخاصة وظهور الحاجة إلى تثويرها، أصبح المجتمع العشائري القبلي القديم -بعلاقاته الإنتاجية- غير قادر على استيعاب التطور المتزايد في قوى الإنتاج الذي حفزه ظهور الطبقات. لقد أصبح المجتمع العشائري عقبة في وجه تطور قوى الإنتاج، ومن ثم أخذ ينهار. وهكذا تبلورت أقلية استطاعت أن تستحوذ على كل ثروة المجتمع، في مقابل أغلبية انحصر دورها في إنتاج هذه الثروة.

عند هذا المنعطف من التاريخ باتت الدولة ضرورة. فقد احتاجت الأقلية المالكة إلى مؤسسات للقسر، للعنف المنظم، تستطيع بواسطتها الحفاظ على النظام الاجتماعي القائم على استغلال الأغلبية. وهكذا تحولت وظيفة إدارة شئون الجماعة من يد مؤسسة ذات طابع ديمقراطي أصيل يستند إلى نمط إنتاج يقوم في جوهره على التعاون بين المنتجين الأحرار، إلى يد مؤسسة ذات طابع ديكتاتوري يقوم على استغلال الأقلية للأغلبية… أي تحولت إلى الدولة.

ولكن كيف استطاعت تاريخيًا تلك الآلة -الدولة- أن تخضع أغلبية المجتمع لسيطرة المستثمرين؟ بالطبع كان لا بد لها أن تدمر بقايا المجتمع العشائري القديم القائم على السكان المنظمين اقتصاديًا وعسكريًا من تلقاء نفسها”؟ لقد غدت أمرًا مستحيلاً مع ظهور مجتمع سمته الأساسية هو صراع الطبقات. ولذلك كان الحل هو تجريد السكان من أسلحتهم وخلق أجهزة جديدة تحتكر العنف المنظم لحماية مصالح الأقلية المنظمة. هذه الأجهزة وجدت تتويجها في الجيش والشرطة المسلحين، وفي السجون والمعتقلات.

إن تدشين قوة الدولة، وذلك عبر خلق وتطوير أجهزة ومؤسسات تلعب أدوارًا مختلفة حسب اللحظات التاريخية، بات أمرًا ضروريًا لكل طبقة تقف في أعلى السلم الطبقي حتى تضمن استمرار بقائها في مواقع محتكري الثروة. فبجانب أجهزة القمع تبلورت “بيروقراطية الدولة” وهي مؤسسات أخطبوطية يعمل بها آلاف وملايين من الموظفين شغلهم الشاغل هو مراعاة دقة تنفيذ سياسات الطبقة الحاكمة مع صيانة وجودها من أي أخطار قد تحيق به. وكلما اتسعت وتشعبت عمليات الإنتاج، كلما زادت الطبقة الحاكمة من “إتقان” آلة الدولة حتى تصل إلى درجة مخيفة من “الكمال” في ظل الدولة الرأسمالية الحديثة. ومن ثم أصبح هذا الطفيلي الزائد عن حاجة المجتمع، المسمى بجهاز الدولة، هو المتحكم في مصائر الملايين من الكادحين لصالح حفنة من المالكين.

كل هذا الإتقان لآلة الدولة -التي قلبت وظيفة إدارة شئون المجتمع ضد المجتمع ذاته- يحدث في نفس الوقت الذي تتحدث فيه أبواق البرجوازية عن عظمة وفضائل “الديمقراطية الحديثة”. هذه الديمقراطية التي، كما قال ماركس، لا تعدو أن تكون “الشكل الأمثل لحكم الطبقة البرجوازية”. فهي، وإن كانت تسمح للطبقات المستغلة بأن تنظم نفسها سياسيًا، إلا أنها لا تمس جوهر الاستبداد الاقتصادي للأقلية المالكة القائم في قلب المجتمع الرأسمالي، بل تدعمه وتقويه. فهل هذه هي الديمقراطية التي تطمح لها الإنسانية؟!

لقد خلقت الرأسمالية الطبقة التي بمقدورها أن تقود المجتمع بأسره في نضاله ضد كل استغلال وكل اضطهاد: الطبقة العاملة. هذه الطبقة لا تستطيع أن تحرر نفسها إلا بتحطيم آلة الدولة البرجوازية وإحلالها بدولة من نوع جديد – ديكتاتورية البروليتاريا – لا تمثل، بحسب قول ماركس “إلا مرحلة انتقال لزوال الطبقات والانتقال لمجتمع بدون طبقات”.

منذ أكثر من قرن من الزمان كتب إنجلز في الرد على أولئك الذين يرون في التطلع إلى مجتمع خال من الطبقات ومن الدولة كلمات، لم تفقد عمقها وأصالتها حتى الآن، ننقلها كما هي كأبلغ خاتمة لهذا المقال: “.. نحن نقترب الآن بخطوات سريعة من درجة في تطور الإنتاج  لا يكف عندها وجود.. الطبقات عن أن يكون ضرورة وحسب، بل يصبح عائقًا مباشرًا للإنتاج. ستزول الطبقات بالضرورة كما نشأت في الماضي بالضرورة. ومع زوال الطبقات ستزول الدولة بالضرورة. والمجتمع الذي ينظم الإنتاج تنظيمًا جديدًا على أساس اتحاد المنتجين بحرية وعلى قدم المساواة سيرسل آلة الدولة بأكملها إلى حيث ينبغي أن تكون حينذاك: إلى متحف العاديات بجانب المغزل البدائي والفأس البرونزية”.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s