حول الموقف من تفجيرات القاهرة الأخيرة

Posted: 21 سبتمبر 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , , , , , , , , ,
15 مايو 2005

أصابت حوادث الأزهر وميدان عبد المنعم رياض والسيدة عائشة، أجهزة الأمن والإعلام بالهلع. وكالعادة تضاربت التصريحات والتقارير، حتى بدا الأمر مجرد مسخرة. وبصرف النظر عن الكذب الوقح الذي تمارسه تلك الأجهزة “السيادية” وعن نتائجه الموجهة بإعطاء قدر كبير من الأهمية ـ فقط ـ للتأكد من صاحب الجثة مفصولة الرأس أسفل كوبري 6 أكتوبر وربط مجمل العمليات ببعضها والقبض على الهاربين، فإننا نجد أنفسنا أمام أسئلة أكثر أهمية بكثير من تلك التي يحاول النظام إبرازها والدخول في تيه إجابتها معللاً بها المزيد من عمليات القبض العشوائي وتعذيب أفضى في حالات للموت، واستخدام واسع لسلطان القمع وقانون الطوارئ.

أول هذه الأسئلة هو: هل عادت أعمال الإرهاب الفردي مرة أخرى ولماذا؟

بالتأكيد الإجابة عن هذا السؤال تستدعي في البدء قراءة ـ ولو سريعة ـ للواقع الذي أفرز مثل هذه الأعمال في أوقات سابقة.

بدأت الحركة الإسلامية الراديكالية في أواخر السبعينات، بعد إطلاق عقالها في بدايتها برعاية النظام نفسه، في استخدام سياسة العنف المسلح كتعبير عن استراتيجية تستهدف تغيير النظام بالقوة وذلك بضرب رموزه ـ استهدفت الرأس نفسها عام 81 ـ واستمرت في حصد رؤوس العديد من عناصر الشرطة وتعرجت على عدد من المفكرين والأدباء. وبالرغم من تنوع المستهدف لدى جماعات الحركة المختلفة إلا أنها كانت تصب جميعها في معاداة النظام واعتباره كافراً يعيث فساداً، وبالتالي كان التحول لعمليات استهدفت السائحين خطوة مهمة لضربه في مقتل وكتعبير عن وضع كل البيض المرفوض في سلة واحدة.

لكن ليست الأفكار السلفية المعادية للنظام والغرب هي التي فرخت جماعات العنف المسلح، بل العكس كانت مجرد تعبير عن الشكل الذي غلف حالة من الغضب والكراهية لنظام يسحق الفقراء ويدشن مصالح طبقة واحدة تسيطر على الثروة والحكم. لقد نمت هذه الجماعات واستطاعت أن تضم بين صفوفها العديد من الشباب الغاضب بالرغم من عدم امتلاكها رؤية بديلة للمشكلات الحقيقية للجماهير، بل استبعادها من أي دور في التغيير الذي تنشده، هذا النجاح كان سببه خلو الساحة السياسية من قوى حقيقية تستطيع تعبئة الجماهير في معارك طبقية لتغيير النظام المستغل، وعلى رأسها بالتأكيد قوى اليسار التي كانت علاوة على عدم جماهيريتها، في طريقها لتتآكل بفعل سياستها الغارقة في العصبوية والصراعات الداخلية والبعد عن معارك الجماهير.

هذه هي الظروف الموضوعية التي أفرزت جماعات العنف المسلح، فهل تم تجاوزها؟

على مستوى سياسات الإفقار التي أنجبت من لديهم الاستعداد لقصف رقبة النظام بالسلاح، فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للفقراء تسير للأسوأ، فعلى مدار الربع قرن الأخير زادت معدلات الإفقار بطريقة مرعبة حتى وصل من هم دون خط الفقر فقط إلى ما يربو على خمسي عدد السكان. أما على المستوى السياسي فلم يتم تقديم أي إصلاحات تذكر.

ولكن إذا كانت قوى اليسار المناضل التي تستطيع تنظيم هذا الغضب ـ وبعد تجربة التسعينات المشئومة ـ ما زالت في طور التكوين. فالأصوات التي ظهرت كمعادية بشكل سافر للنظام وبدأت في التبلور منذ وبعد أحداث التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية 2000  والآن في طريقها للعب دور مهم في تدشين حركة كبيرة من أجل التغيير بعد مرورها بمحطات نضالية عديدة، لا زالت غير قادرة على طرح نفسها كبديل في أعين الجماهير، حتى ولو لمرحلة انتقالية ما بعد إسقاط نظام مبارك.

أيضاً الجماعات الإسلامية ـ البديل الراديكالي والذي كان منوط به شغل الفراغ ـ تم تصفيتها بالكامل. ومن هم خارج السجون الآن إما في المقابر أو مرضى لن يشفون من جراء سنوات التعذيب أو أنهم من دعاة وقف العنف ومراجعة كل ممارساتهم وأفكارهم.

نستطيع إذن أن نفهم من أي منطقة على خارطة الصراع الطبقي جاء حسن بشندي وإيهاب ياسين ورفاقهم؟ .. (اليأس) .. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نراها بأعيننا فكما هناك منتحرون في كل عام يتجاوز عددهم الألفي شخص معظمهم لقوا حتفهم بإرادتهم هرباً من قسوة العيش في ظل نظام يسحق فقرائه، هناك أيضاً انتحاريون قرروا أن يموتوا ولكن بعد أن يحققوا ولو شيئاً بسيطاً يساوي زهق أرواحهم ـ حتى شباب الجماعات الإسلامية الذين نفذوا عمليات كبيرة ومنظمة وبإمكانيات أكبر في سنوات التسعينات كانوا يحملون نفس النفسية ولكن ربما بثقة أكبر في احتمالات للنصر والتغيير أو في أقل التقديرات نيل الشهادة في عمليات انتحارية أو موتاً من التعذيب ـ، هذا لا يعني أنهم لم يتأثروا بأفكار إسلامية راديكالية، أو كان منهم أعضاء في تنظيمات تم تصفيتها، ولكن لم يعد الآن هناك مساحة للانتشار مرة أخرى لأكثر من سبب أولاً: الدور الأمني في الإجهاز على الخلايا الرئيسية وجيوبها. ثانياً: فشل هذه التنظيمات نفسها بعد معارك عنيفة مع الدولة استمرت عشرين عاماً في كسب أي تعاطف جماهيري أو كسب عناصر جديدة بعد التشهير الإعلامي بهم على أثر عملياتهم الموجه ضد مدنيين عُزل. ثالثاً: مراجعة قيادات الجماعات نفسها ومواقفها التي أدت إلى إعلانها التوبة واعتبار ما فعلوه جرائم وبالتالي إعلان وفاة منظماتهم.

لكن هل يدين الاشتراكيون هذه العمليات؟

هناك البعض من يدين كل أعمال العنف والإرهاب بصرف النظر عن كونها فردية أو جماعية، من الدولة أو من وسط الشعب كتعبير عن موقف مثالي رافض كافة أشكال العنف، هذا الموقف باختصار معناه قبول فكرة وهمية أن هناك تكافؤ بين الدولة بعنفها المنظم وجيوشها وأسلحتها ومعتقلاتها وبين رد فعل عنيف من المقهورين ضد من يقهروهم. وبالتالي النتيجة الحتمية لهذا الموقف هو ـ ببعض الالتفاف والخداع ـ قبول تأييد الدولة في تصفيتها الدموية لمقاوميها، هكذا فعلت العديد من القوى السياسية وعلى رأسها حزب التجمع في الوقوف في صف النظام في تصفية الحركة الإسلامية بصفتها ظلامية بالرغم من الرطان حول الإفقار والاستبداد كأسباب في تفريخ الإرهاب.

الموقف الاشتراكي الثوري ينطلق أساساً من مصلحة الجماهير، فبقدر ما يلعب فعل ما دور في تقوية شوكة الجماهير وإعلاء مصالحها بقدر ما يندفع المناضل الاشتراكي في تأييده وتوسيعه إلى أكبر قدر ممكن لتحقيقي أكبر مكاسب أيضاً ممكنة. يقول تروتسكي في هذا الصدد ” الإرهاب الفردي مرفوض في نظرنا بالضبط لأنه يحط، في وعي الجماهير، من دورها ويجعلها تستسلم لعجزها ويشد نظرها إلى بطل منتقم ومنقذ تأمل أن يأتي ذات يوم وينجز رسالته .. فبقدر ما تكون الأعمال الإرهابية “فعالة” وبقدر ما يعظم أثرها، يتقلص اهتمام الجماهير بالتنظيم الذاتي وبالتربية الذاتية. لكن تتبدد أدخنة البلبلة ويزول الهلع ويظهر خليفة الوزير المغتال وتستقر الحياة من جديد وفق المعتاد القديم وتدور عجلة الاستغلال الرأسمالي كسابق عهدها. وحده القمع البوليسي يزداد شراسة وثقة في النفس ووقاحة. والنتيجة أنه بدل الآمال التي تم خلقها بالتهييج المصطنع تحل الخيبة والخمول.

من هنا يأتي عدم تأييد ورفض هذه الطرق في مقاومة النظام والسعي لتغييره، لأن كما أن مكمن قوة الدولة الرأسمالية ليست في البرلمان كما يتخيل الإصلاحيون فإن قوتها أيضاً لا تخور باغتيال عناصر من موظفيها الكبار أو بضرب قطاع حيوي كالسياحة في مقتل. قوة الدولة الحقيقية في الحفاظ على نظام يدير بحنكة وبجميع مؤسساته عجلة الاستغلال، وبالتالي فتغيير النظام الذي تسبب في إفقار الملايين تغييراً جذرياً لا يمكن أن يمر عبر طريق آخر سوى حركة الجماهير المتضررة بشكل مباشر والتي تستطيع بتنظيم نفسها إلحاق الهزيمة به.

ولكن هل معنى كلامنا هذا أننا ندين الإرهاب عموماً؟ بالتأكيد لا وفي حالتنا تلك المدان الحقيقي هو الدولة بالأساس بصفتها منظومة للعدو الطبقي، بصفتها تقتل وتبيد العشرات يومياً إما بالمبيدات المسرطنة أو بالدفع لهوة الانتحار، أو من التعذيب في المعتقلات، أو في حوادث الطرق المرعبة، أو بالسقوط في البالوعات ..الخ. وهناك فرق كبير بين عدم تأييد هذا النوع من المقاومة ورفضه وبين توجيه إدانة له لا يستفيد منها غير الدولة في حربها المسعورة على الجميع. يدافع الاشتراكيون عن إرهاب من نوع آخر إرهاب جماعي تستخدمه الجماهير لترويع الطبقة الحاكمة وزلزلة عرشها سعياً لإزاحتها للأبد. وإذا كان الإرهاب كما يصفه تروتسكي ” كل عمل يثير الفزع أو يضر بالعدو، فطبيعي ألا يكون صراع الطبقات برمته غير إرهاب”.

أخيراً

بالتأكيد العمليات التي قام بها بشندي ورفاقه بالرغم من أنها تنم عن يأس وإمكانيات محدودة ـ لأن بناء التنظيمات يحتاج تراكم خبرات وبناء لسنوات ـ إلا أننا بالفعل في حاجة لكسب أمثال هؤلاء الشباب لموقف مختلف من التغيير، موقف يرى أنه لا يمكننا عبور الأزمة الدائمة التي وضعتنا في الرأسمالية إلا بإزاحتها هي نفسها، موقف يرى أن معركة التغيير اليوم من أجل إسقاط نظام مبارك هي خطوة مهمة في طريق تغيير نظام مستغل سعى لافقارنا وضحى بمستقبل كل الشغيلة وأسرهم من أجل أن يستمر في جني الأرباح. إن عدم كسب هؤلاء الشباب يعني فشل حركة التغيير في أن تكون بؤرة للجذب والتعبئة في معركتها تلك، وأن يستمر هؤلاء الشباب صرعى اليأس والإحباط.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s