15 أكتوبر 2003

“الأفكار يجب أن يكون لها أصل مادي في الواقع الملموس” هكذا علمتنا الماركسية. فلم يكن في استطاعة أحد أن يتبنى منظور اشتراكي للتغيير في مصر قبل أن تتقدم المشهد النضالي طبقة عاملة فتية تجاوزت مراحل التكوين الأولى. لذلك ظهر الحزب الاشتراكي المصري الأول في ظل أوضاع مهيأة نسبياً من حيث تطور المجتمع الرأسمالي وبالتالي تطور الطبقة العاملة.

الطبقة العاملة المصرية وتطورها نضالياً

خلقت تجربة محمد علي في التحديث المناخ الملائم لخلق مجتمع رأسمالي حديث بعلاقات إنتاج جديدة، من خلال تفكيكه للعلاقات الاجتماعية القديمة في الريف والمدن. وبالتالي فقد تم تمهيد الطريق لخلق طبقة عاملة جديدة وكبيرة نسبياً.

ولكن النشأة الحقيقية للطبقة العاملة المصرية الحديثة كان نتيجة الاندماج المتسارع لمصر في الاقتصاد الرأسمالي العالمي خصوصاً في النصف الثاني من القرن الـ19. وبالرغم من التطور المحدود للقطاعات الصناعية والخدمية حتى الحرب العالمية الأولى، إلا أن العمال استطاعواالتعلم سريعاً من تجربتهم القصيرة والتعرف على الأسلحة النضالية لتحسين شروط العمل القاسية مما تحمله من أجور ضعيفة وساعات عمل تصل في بعض الأحيان إلى 17 ساعة عمل يومياً. ساعدهم على ذلك وجود قطاع عريض من العمال الأجانب في أوساطهم بما يحملوه من خبرة نضالية كبيرة.

بدأت الطبقة العاملة في الإعلان عن سر قوتها عام 1882 مع إضراب عمال الفحم. بينما أعلنت عن قدرتها على تنظيم نفسها في إضراب عمال السجائر عام 1899 والذي استمر ثلاث شهور وأسفر عن تشكيل أول نقابة عمالية في مصر. وتوالت الاحتجاجات بين إضراب واعتصام وإعتصاب (الإضراب المصحوب باعتصام) فأضرب عمال السكك الحديدية والغزل الأهلية بالأسكندرية وكان إضراب عمال الترام عام 1911 نقطة ذروة فلأول مرة يحدث مصادمات بين العمال وقوات الحكومة أسفرت عن 11 مصاب من العمال و17 من القوات.

وفور انتهاء الحرب العالمية الأولى اشتعلت مصر رفضاً لاستمرار الاحتلال وتحمل ثمن الأزمة التي خلفتها الحرب، وكان للعمال دور أساسي في اشتعال ثورة 1919 فقد أضرب العمال تقريباً في كل فروع الإنتاج ووسائل النقل. حتى مع انحسار موجة الثورة واصلت قطاعات عمالية هامة إضرابتها وانعكست تلك التحركات في زيادة عدد النقابات حتى وصلت إلى 21 نقابة. وتؤكد الوقائع التاريخية أنه ما بين شهري أغسطس ونوفمبر وقع 24 إضراب كبير، على سبيل المثال استمر إضراب السكة الحديد 65 يوماً. وما بين شهر ديسمبر 1919 وبداية عام 1921 حدث 81 إضراب منهم 67 إضراب على مستوى صناعة بأكملها.

كانت الفترة ما بين عام 1921 و1924 فترة تصاعد حقيقي للنضالات أفصحت عن سمات جديدة في القدرة على التنظيم وخلق أدوات النضال والصبر النضالي. فقد حدث في الفترة ما بين شهر يوليو 21 ومارس 22 81 إضراب كان أطولهم إضراب عمال تكرير البترول بالسويس والذي استمر 113 يوم. أيضاً توصل العمال لتكتيك احتلال المصانع كما حدث في إضراب عمال شركة “أبو شنب” للزيوت والصابون عام 1924. أيضاً شهدت تلك الفترة تزايد أعداد النقابات حتى وصلت عام 1922 إلى 90 نقابة.

ممارسة نضالية دءوبة برؤية سياسية متناقضة

يرجع تكوين خلايا اشتراكية في مصر لعام 1918، ولكن تم تأسيس الحزب بشكل رسمي في أغسطس 1921 وقد لعب الدور الأساسي في عملية التكوين عدد من الفوضويون أمثال “روزنتال” والإصلاحيين أمثال “سلامة موسى” وماركسيين أمثال “انطون مارون” وقد لعبت هذه التوليفة في عدم تماسك الحزب لفترة، ولم يمض سوى 11 شهر حتى قامت شعبة الحزب بالأسكندرية في 30/7/1922 في عمل مؤتمر للقضاء على النزعة التوفيقية للحزب كجزء من محاولة الانتماء للسياسة الثورية السائدة في الأممية الثالثة. وفي ديسمبر 1922 تم تغيير اسم الحزب من الاشتراكي إلى الشيوعي.

ومنذ الوهلة الأولى لتأسيس الحزب ومحاولات الالتقاء بحركة العمال تسير على قدم وساق. ففي نفس العام الذي تأسس فيه الحزب تأسس الاتحاد العام للعمل بعضوية تتألف من 3 آلاف عامل موزعين على 20 نقابة، وسرعان ما لعب الحزب بعضويته التي لا تتخطى المئات القليلة دوراً قيادياً داخل الاتحاد لدرجة كان يصعب فيها التمييز بين قيادة ونشاط الاثنين. وفي عام 1924 وصلت عضوية الاتحاد إلى 20 ألف.

ولم يقتصر دور الحزب على قيادة الاتحاد بوصفه منظمة نقابية بل امتد إلى قيادة الإضرابات والتحريض عليها وتوزيع المنشورات بالمصانع والتدخل في أدق التقاصيل التي تخص العمال داخل شركاتهم. وقد لعب الحزب دوراً مهماً في سلسلة الإضرابات التي تلت عام 22 وحتى عام 24 رافعاً أحد الشعارات الهامة وهي: “ضعوا أيديكم على المحراث” أي عدم ترك المصنع أثناء الإضراب.

وبالرغم من الممارسة النضالية للحزب في الواقع العمالي، والمحاولات التي بذلت لتسييد توجهات ثورية؛ إلا أن الحزب وقع في فخ السياسة التي اتبعتها الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. فالبرنامج الذي طرحه لا يخرج عن كونه وطني ديمقراطي عام، وبالرغم من وجود بنود تتحدث عن العمال لكن صار البعد الطبقي للقضايا غير موجود. أيضاً قضايا الثورة الاشتراكية لم تكن مطروحة بأي شكل من الأشكال. لقد وقع الحزب في تناقض بين برنامجه هذا وبين شروط الأممية الـ21 التي لا تكتفي فقط بتنقية الأحزاب الثورية من الميول الوسطية بل بجعل قضية الثورة الاشتراكية أنية. انتهى الأمر غالباً بالحزب باعتبار شروط الأممية هي برنامج الحد الأقصى وبجعل برنامجه برنامجاً للحد الأدنى المرتبط بإنجاز الاستقلال وبعض الإصلاحات دون تجاوز المجتمع الرأسمالي المهيمن. لقد فضل الحزب تأجيل الثورة الاشتراكية لحين إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية (التي لم تتحقق أبداً).

واحدة من المشكلات التي وقع فيها الحزب أيضاً هي ثقته المفرطة في ديمقراطية حزب الوفد وسياسته التي لا تعدو أكثر من حفاظ على بنية المجتمع الطبقي بجلاء الاحتلال وإحلال البرجوازية المحلية بدلاً منه، مما أوقعه بسهولة في مواجهة شرسة معه حين وصل الأمر للتحريض على احتلال المصانع.

لم يمهل النظام للحزب والواقع الفرصة لإثبات خطأ العديد من التصورات السياسية، فقد تم القبض على قيادة الحزب في مارس 1924 وصدر الحكم بسجنهم. وبالرغم من المحاولات العديدة ـ منذ يوم المحاكمة ـ لاستعادة النشاط وجعل جزء منه سرياً، إلا أن الملاحقات الأمنية لم تهدأ فتم القبض على 13 عضو عام 1925، و22 أخرين عام 1928، و22 عام 1934. وأغلب الظن أن الضربة الأولى قد أثرت بشدة على قوة الحزب ودرجة فاعليته. قليل فقط من العضوية التي استمرت حتى التحقت بتنظيمات الحركة الشيوعية الثانية في الأربعينيات.

وبالرغم من السنوات القليلة التي شهدت وجود ذلك الحزب، وبالرغم أيضاً من الأخطاء التنظيمية والسياسية التي وقع فيها؛ إلا أن تلك التجربة النضالية في تكوين حزب اشتراكي، وتطوره بعد ذلك إلى حزب شيوعي، ظلت في تاريخ الحركة الشيوعية المصرية واحدة من العلامات المضيئة والتي تؤكد على صحة الأفكار التي تدعو إلى ضرورة النضال في ظل شروط بعضها مواتي من الناحية الموضوعية وبعضها شديد الصعوبة من الناحية الذاتية.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s