عام على رحيل المناضل الاشتراكي طه سعد عثمان.. هل ما زالت تصلح دروس أربعينيات القرن الماضي؟

Posted: 25 سبتمبر 2010 in كتابات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , , , , , , ,
15 نوفمبر 2005

لم يكن طه سعد عثمان مجرد قائد عمالي في أكبر نقابة عمالية في الأربعينيات، أو مجرد نقابي مخضرم لعب دوراً بارزاً في فترة شهدت زخم نضالي غير مسبوق في تاريخ الطبقة العاملة. ولم يكن أيضاً مجرد مؤرخ قام بدور لا غنى عنه في نقل خبرات وبطولات طبقة يحاول التاريخ الرسمي دوماً طمسها، بل كان عبارة عن طاقة لا تنفذ من النضال .. نضال استحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع عمره الذي ناهز الـ88 عاماً قبيل وفاته منذ عام مضى في 24/11/2004 .. فقد ظل مؤمناً ومكافحاً من أجل انتصار الطبقة العاملة على قوى الظلم والاستغلال. وإذا نحينا جانبا الاختلاف السياسي مع أفكار وإستراتجيات التكوينات السياسية التي انتمى لها طه سعد، فلن يختلف اثنان على أن هذا الرجل باقتدار كان مناضلاً قلما أجاد به الزمن، ضحى بكل ما يملك وبالذات في أوقات أصبحت الخيانة الطبقية هي العملة السائدة.

استقلالية الحركة العمالية وضرورة النضال القاعدي

مصدر هذا التبجيل في الحقيقة هو أن طه سعد ظل وفياً لعدد من الأفكار السياسية الصحيحة، والتي دفع معظم سنوات حياته ثمناً من أجل نصرتها. أهم هذه الأفكار على الإطلاق الإيمان بأهمية وضرورة النضال القاعدي كطريق وحيد لكسب الطبقة العاملة استقلالية حركتها وبالتالي تطوير وعيها وقدرتها على التغيير.

بدا طه سعد الدخول للحياة العملية والعمل النقابي على أثر نضال تضامني معه ومع عدد من المشرفين بسبب رفض صاحب مصنع “بيار” إعطائهم الزيادات المقررة لهم بعد إنهاء فترة تدريبهم الأولى. وسرعان ما تفهم أن وراء المكسب الذي حصل عليه هو وزملائه نقابة عمال النسيج الميكانيكي بالقاهرة وضواحيها، وبالفعل انضم للنقابة وفي فترة وجيزة أصبح رئيساً لها. تعلم طه سعد في النقابة كيف تم بناء النقابات في مطلع الثلاثينات والتي كانت مهداً لميلاد طبقة عاملة آخذة في التبلور بشكل أصبح أكيداً.

كانت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها. وبين طبقة عاملة صاعدة وصناعة آخذة في التطور برز عمال النسيج الميكانيكي كقوة في قلب الطبقة العاملة، فالاحتلال الذي اكتشف أنه من الممكن تحقيق تراكم رأسمالي بتطوير صناعة الغزل والنسيج في بمصر بكلفة أنتاج أقل، لم يكن يحسب على الإطلاق أن عمال النسيج تحديداً هم من سيقودون أكبر حركة عمالية في تاريخ مصر، ليس فقط للمطالبة بتحسين شروط عملهم، ولكن للمطالبة أيضاً بجلاء الاحتلال نفسه.

ولأن الحركة الوليدة جاءت على خلفية نقابات تم بناؤها، عبر معارك طبقية، بشكل قاعدي في بداية تشكل الطبقة مع بدايات القرن الماضي؛ لذلك كانت معركة تشكيل النقابات وفرض الاعتراف بها، جنباً إلى جنب خوض المعارك المطلبية المباشرة من أجل تحسين شروط العمل، واحدة من أولويات حركة العمال في الأربعينيات التي تيقنت منذ البداية لأهمية هذه الأداة الكفاحية في توحيد العمال وكسب معاركهم.

لذلك نجد أن حزب الوفد، والذي بدأ نجمه الشعبي في ألأفول منذ شكل الوزارة من على ظهر دبابات الاحتلال بعد حادث 4 فبراير 1942 الشهير، يحاول ـ باستماتة ـ هو والنبلاء أمثال عباس حليم في نهاية النصف الأول من القرن العشرين فرض وصايتهم على نقابات العمال لمنع تغلغل العناصر الشيوعية إليها.

لذلك لم يكن أمام طه سعد ورفاقه للدفاع عن استقلالية الحركة العمالية وأدواتها الكفاحية، سوى الدفع بالخيار الوحيد وقتها لتحقيق هذه الاستقلالية الفعلية، وهو أن تتمتع هذه النقابات التي يقودونها بثقة جمهور العمال وبالتالي اكتساب القدرة على حشدهم وتعبئتهم خلفها لقيادة نضالاتهم. بالتأكيد تطلب هذا الأمر درجة كبيرة من القاعدية في تشكيل هذه النقابات ودرجة أعلى من الديموقراطية في أخذ القرارات الخاصة بالنضال. يمكننا أيضاً أن نرى أصالة هذه الفكرة في تكوين لجان مندوبين العنابر، الذراع اليمنى للنقابة والأكثر قرباً من التفاصيل اليومية، والتي استطاعت بحكم الارتباط اليومي بالجمهور العمالي من أن تلعب دور القائد البديل عندما تم حل نقابتهم والقبض على عضويتها.

هذه الفكرة بالتأكيد هي المصدر الأساسي لظهور وتطور أفكار مثل الاحتجاجات التضامنية وصناديق الإضراب وتكوين اتحاد للعمال والتواصل مع الحركة العمالية العالمية والكثير من الأفكار التي لاقت انتعاش في أجواء الثقة بالنضال الجماعي ونتائجه.

دروس الأربعينيات.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

اليوم دارت دورة الزمن الرأسمالي لتعود الأوضاع إلى ما هو أسوأ، فالعمال عادوا للعمل لأوقات طويلة وبأجور أقل، والكثير منهم فقدوا وظائفهم إما بالتسريح عبر المعاش المبكر أو بالفصل الجماعي بحجج الغلق والتصفية. والميزات التي كانوا قد حصلوا عليها بالكفاح والتضحيات عبر سنوات طوال، فقدوها الواحدة تلو الأخرى. حتى النقابات التي أسسوها بأنفسهم لتجميع قواهم وقيادة نضالاتهم أصبحت الآن مجرد تابع لدولة رأس المال وأجهزة أمنها. لقد عدنا للخلف لأكثر من خمسين عاماً، فهل يعود بنا أيضاً الزمن لعهد النضالات وإحياء العمل القاعدي وتأسيس الأشكال والأدوات الكفاحية؟!

الإجابة على هذا السؤال تتضمن في حقيقة الأمر العودة إلى قراءة أجواء وخبرات ما قبل الخمسين عاماً المنصرمة. بالتأكيد يذكرنا الوضع الآن في ظل حكم مبارك وسيطرة الحزب الوطني بفساد الملك وحاشيته والذي وصل ذروته بعد أن تبخرت وعود الاستقلال واستمر الاحتلال كغطاء وحماية لنظام حكم تعفن .. خان وباع كل مصالح الجماهير، واستبد بالحكم حتى أصبح تقريباً كل معارضيه الحقيقيين يتنقلون بين سجونه. أيضا الأزمة الاقتصادية ومحاولة تجاوزها على حساب مستوى معيشة العمال والفلاحين الفقراء، حالة الغليان الذي يعتمل تحت السطح ويظهر في احتجاجات ورفض هنا وهناك للسياسات الطبقية والمواقف الوطنية التي تعبر عن عمالة النظام.

ولكن على الرغم من وجود أوجه للشبه إلا أن هناك أيضا أوجه اختلاف منها: أن الحركة العمالية كانت صاعدة والمنظمات الشيوعية ـ على الرغم من إستراتجيتها الوطنية ـ كانت أكثر كفاحية وارتباطاً بجمهور العمال، والأهم أن الصراع الطبقي الدائر كان يجلب العديد من المكاسب والتي تساعد بدورها على تقوية شوكة الحركة.

بالتأكيد لسنا بصدد عمل مقارنة سطحية لا ترى الفروق بين مصر أربعينيات القرن العشرين ومصر في بداية الألفية الثالثة. ولكننا بشكل أعمق بصدد التعرف على المشكلات التي وقعت فيها الحركة الشيوعية التي تزامن نشأتها مع صعود الحركة العمالية والاستفادة من الأخطاء في ظل وضع شبيه أشرف فيه النظام على السقوط.

حاولت الحركة الشيوعية في الأربعينيات لعب دور شبه مهيمن على الحركة العمالية، وعبر ارتباط حي وملموس بالنضالات أصبح قيادات العمال الطبيعيين كوادر وقيادات في المنظمات الشيوعية، ومثقفي الحركة الشيوعية قياديين بارزين وفي أول صفوف المدافعين عن نقابات العمال واستقلالية حركتهم. وبالرغم من الدور الهام الذي لعبه الشيوعيون في تسييس حركة العمال، إلا أن حدود التسيس وقفت عند المطالب الوطنية في الاستقلال، متجاهلا القضايا الطبقية والتي ترى الاستغلال بصفته العدو الأول حتى لو ارتدى عباءة وطنية.

لذلك لم ينجح الشيوعيون في إتمام وحدتهم أو من تجاوز حدود برامج الأحزاب اليمينية والإصلاحية آنذاك  كالوفد والتي اختصرت في الاستقلال. فشل الشيوعيون بالتالي في لعب أي دور يذكر في التغيير الذي صاحب انحلال مجتمع الملك والاحتلال، وبدأو علي الفور في الوقوع في تخبط شديد تجاه الموقف من “الوطنيين الجدد” الممثلين في الضباط الأحرار، والتي انتهت بالرغم من تراوح التخبط لفترة طويلة لحل الحزب في سجون عبد الناصر والذي كانت قد تمت وحدته قبيل السجن بشهور قليلة.

انتهت الحركة الشيوعية الثانية نهاية مؤسفة فمعظم العمال خرجوا من السجن في سن المعاش أو قريب منه أما المثقفين فكانت المناصب في انتظار الكثير منهم كثمن لصفقة حل الحزب.

لقد أسفرت الاستراتيجية الوطنية التي تبناها الشيوعيون وقتها عن سيطرة العسكر على السلطة وتدجين النقابات وشل الحركة العمالية وتدشين عصر جديد من الاستغلال باسم بناء الوطن علاوة على خسارة فادحة لمعركة الديمقراطية.

اليوم لم تختلف كثيرا استراتجيات المنظمات الشيوعية -والتي تكونت منذ النصف الأول من سبعينات القرن الماضي- والتي أسست إستراتجيتها واستندت في مرجعيتها لمفاهيم النضال التي وقفت عندها الحركة الثانية، عن الوقت السابق، ناهينا عن الضعف الشديد لبعضها وانهيار البعض الآخر تماماً.

فهل يمكننا الآن أن نتحدث عن حركة مختلفة لقوى اليسار؟ الإجابة نعم ولكن دون الاهتمام إطلاقاً بالرايات المرفوعة على الصواري وليست على الأكتاف البشرية، بل السعي لتجميع من يتخذون على أرض الواقع وفي قلب المعارك مواقف في مجملها أو بعضها يسارية. بشكل أدق في معركة التغيير القائمة الآن يمكننا عمل فرز لليسار الحقيقي على أرضية المعركة فمن يتبنى منظور أكثر جذرية للحركة ويهتم أكثر بقاعديتها وربطها بمطالب الجماهير الملحة، هو من يمكننا أن نسميه يساراً حقيقياً. يساراً يلعب دوراً في الاستقطاب السياسي على أرضية معركة التغيير الديمقراطي في نفس الوقت الذي يسعى فيه لبناء الحركة وتوسيعها.

أما عن علاقة هذا اليسار بالحركة العمالية فبالتأكيد يمكننا القول أن هذا اليسار يحتاج كدرع يقيه من الوقوع في براثن النخبوية إلى استلهام الخبرة وأدوات الكفاح من عمال الأربعينيات فربط النضال المطلبي بالقدرة على جمهرة العمال، وربط النضالات الاقتصادية المباشرة بالمطالب السياسية الأعم، وتطوير ودفع كل نشاط قاعدي وتوسيع قاعدة الاحتجاج وخلق أوسع تضامن معه، واستنتاج أدوات وأشكال الكفاح من قلب المعارك اليومية وتطوير وعي العمال عبر الارتباط الحي والملموس بهم …. كل هذه السبل هي الطريق الوحيد لإحياء حركة عمالية من جديد  في ظل تراجعها النسبي والهجمة الشرسة للرأسمالية عليها اليوم.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s