فبراير 2003

“لقد ندد الاشتراكيون دائماً بالحروب بين الشعوب باعتبارها عملاً من أعمال البرابرة والوحوش. غير أن موقفنا نحن من الحرب يختلف مبدئياً عن موقف المسالمين البرجوازيين (أنصار السلام ودعاته) والفوضويين. فنحن نمتاز عن الأوائل بكوننا ندرك الصلة الحتمية التي تربط بين الحروب والنضال الطبقي في داخل البلاد؛ وندرك أنه يستحيل القضاء على الحروب دون القضاء على الطبقات ودون إقامة الاشتراكية؛ ونمتاز عنهم أيضاً بكوننا نعترف تماماً بشرعية الحرب الأهلية وطابعها التقدمي وضرورتها، أي الحروب التي تخوضها الطبقة المظلومة ضد الطبقة الظالمة”

“لينين”

نحن نعيش في عالم كريه، عالم لابد من تدميره وتشييد عالم إنساني على أنقاضه. هذه هي الحقيقة التي لابد وأن نعترف بها جميعاً، بل ونناضل من أجلها، نحن المقهورون. فالطبقات الرأسمالية المسعورة لا تكتفي بأن تستغل العمال والفقراء ليل نهار، أن تزيد من إفقارهم وجهلهم وقتلهم بالأمراض. لا يكفيها ذلك كله؛ بل قررت أن تبيد أقسام منهم في حروب قذرة، فقط من أجل مطامعها في زيادة أرباحها.

في الغد القريب  ستشن الإمبريالية ـ الرأسمالية في شكلها الاستعماري ـ حرب عنيفة ضد الشعب العراقي، حرب ستستخدم فيها أسلحة تكفي لإبادة مدن بأكملها، كل ذلك تحت زعم محاربة الإرهاب المتمثل في النظام العراقي. الإمبريالية لا تحتاج إلا لتبريرات من هذا النوع الوقح لبدء حربها التي نعلم جميعاً أسبابها الحقيقية وهي المزيد من الربح/النفط/السيطرة، والثمن يدفعه الفقراء من حياتهم ومستقبلهم، تشوهات خلقية لسنوات كثيرة قادمة وجثث لضحايا بالآلاف وفقر مدقع لمن سيبقى سليماً على قيد الحياة التي تحكمها نفس قوانين الغابة والتوحش الإمبريالي.

الحروب والمجتمع الطبقي

الحرب هي الوسيلة التي تستخدمها الطبقات الحاكمة المتعطشة لمزيد من الثروة ولتوسيع وإحكام سيطرتها، لذلك يحاول من يستغلونا أن يقنعونا بأن الحروب سمة أساسية من سمات البشرية نتيجة دوافع وغرائز عدوانية متأصلة في الإنسان. بالتأكيد تلك الرؤية تملك قدراً من التشويه للتاريخ والتضليل الوقح. فالبشرية عاشت فترات من الزمن في مجتمعاتها  البدائية لا تعرف عن الحروب وأسلحتها شيئاً، ولكن حينما انقسم المجتمع لطبقات، حينما أرادت أقلية أن تستأثر بالثروة وتحول باقي المجتمع إلى عبيد لديها؛ هنا فقط ظهرت الحاجة لتكوين فرق عسكرية لتحمي الأقلية المالكة/الحاكمة، وتلبي رغباتها في التوسع وبسط النفوذ والهيمنة على سكان مناطق أخرى أقل قوة وتطوراً. من هنا كانت للحروب ضرورة طبقية قائمة على الحاجة للتوسع في مراكمة الثروات عبر الاستغلال والقهر والإبادة. استخدمها ملاك العبيد لزيادة حصتهم من العبيد وتوسيع إمبراطورياتهم، واستخدمها الإقطاعيون لحماية أراضيهم وتوسيعها، واستخدمتها الرأسمالية لتثبيت أقدام مجتمعها الجديد ولفتح أسواق جديدة ونهب بلاد أقل تطوراً عبر الاستعمار المباشر. لقد دفعت البشرية ثمناً فادحاً من أجل تحويل المجتمع لمفرخة تدر الكثير من البيض/الذهب لأقلية ارتضت أن تعيش مترفة على حساب عمل الأغلبية. فالشعوب ليس لها أي مصلحة في حروب يصير أبناؤها وقوداً لها وتتجرع بمرارة طعم هزائمها، أما النصر بكل غنائمه فهو من نصيب الحكام فقط، وكلما زادت ثرواتهم تعاظم البؤس لدى نفس الشعوب.

الإمبريالية والحرب

الحروب في واقعنا الراهن لم تختلف كثيراً عن ذي قبل. فالرأسمالية كطبقة مسيطرة لها نفس المطامع في تراكم ثرواتها مثلها كمثل كل الطبقات الحاكمة في المجتمعات البائدة. ولكن الحروب الآن أصبحت أكثر وحشية، فالأسلحة أكثر تطوراً، والرأسمالية أصبح لها القدرة أكثر على تحقيق أهدافها.

فبالرغم من أن غالبية الثروة التي تحصل عليها الرأسمالية تأتي من الاستغلال المباشر للعمال في وحدات العمل، إلا أن الرأسمالية ليست كتلة واحدة منسجمة أجزاؤها. فكل طبقة رأسمالية في بلد ما تريد أن تنعم بالسلام الداخلي لخلق علاقات مستقرة بينها وبين عمالها، لتنظم بسلاسة عمليات النهب والاستغلال، في نفس الوقت الذي تسعى فيه لشن الحرب خارج أراضيها. كان ذلك يحدث في القرن التاسع عشر بصورة محدودة  نتيجة أن الإنتاج كان موزع بين شركات صغيرة تنافس بعضها البعض وللدولة لعب الدور الرئيسي في محاولة تنظيم تلك العملية وحماية الطبقة برمتها من العدو الخارجي ولشن هجمات على بلاد الهدف منها استعمارها وإيجاد مواد خام رخيصة لمنتجات رأسماليها وفتح أسواق جديدة لهم.

ولكن في القرن العشرين توسع الإنتاج بدرجة كبيرة سمحت للشركات الكبرى والعملاقة منها بالتهام المشاريع الصغيرة؛ لذلك قلت المنافسة ما بين الشركات المحلية وحلت بدلاً منها المنافسة بين الشركات على المستوى العالمي. ولأنه لا توجد دولة رأسمالية عالمية تستطيع تنظيم عملية المنافسة تلك، كان البديل هو إعادة تقسيم خرئط النفوذ والسيطرة في العالم بالدخول في حروب كبرى واستعمار البلدان المتخلفة بالجملة، لكي تستطيع إحدى الرأسماليات الانتصار على الأخرى وتحقق لنفسها أعلى نسبة من الثروات والنفوذ وسط العالم. كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية ـ والذي راح فيهم ما يقرب من 80 مليون من الضحايا ـ والحرب الباردة والحروب الإقليمية نتاج السعي المحموم لنهب الثروات عبر اقتسام العالم وتوزيع ثرواته طبقاً لنتائج الحرب. يقول “بوخارين” أحد قادة البلاشفة في هذا الصدد: “يؤدي تطور الرأسمالية إلى عولمة الحياة الاقتصادية، في حين أن نفس عملية التطور الاقتصادي تكثف الميل لاتخاذ المصالح الرأسمالية القومية طابع قومي ليشكل ذلك مجموعات قومية محدودة مسلحة حتى أسنانها ومستعدة للهجوم على بعضها البعض في أي لحظة ثم يتحول كبت فوضى المنافسة داخل البلدان عن طريق الاحتكار إلى انفجار بين الدول على شكل حرب” ويضيف بوخارين: “إن وجود مجتمع رأسمالي مستحيل بدون أسلحة، كما هو مستحيل بدون حروب”

وبالتالي دشن المجتمع الرأسمالي نفسه عبر الحروب، فلا عجب أن يعتقد من يديرونه أن الحروب كانت ضرورية وعادلة، بالطبع!! من وجهة نظر مصالحهم الوحشية التوسعية.

الحرب وخداع الجماهير

ولكن الطبقة الرأسمالية في أي بلد تحتاج إلى مساندة الشعب وحشد الرأي العام خلفها لخوض حروبها، لكي تستطيع خوض الحروب وتحقيق الانتصارات في الخارج دون أي زعزعة لاستقرار نظامها في الداخل. وتستخدم في ذلك العديد من الأكاذيب الوقحة لاستنفار النعرة الوطنية مثل “نحن لا تريد الحرب، ولكننا لا نستطيع غير ذلك، نحن مدفوعون إليها بسبب هجمات العدو، نحن فقط ندافع عن أنفسنا” استخدمت أمريكا هذه الحيلة لتبرير ضرب فيتنام وأفغانستان والعراق. الحكومات الرأسمالية تحاول خداع الجماهير بأن الحروب التي تخوضها لها أهداف نبيلة فهي من أجل وقف العنف والإرهاب وإعلاء قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، تحاول إيهام الجماهير بأن مصالح الرأسمالية هي نفسها مصالح الوطن. لقد أكد “لينين” على أن “الحروب الإمبريالية لا تؤدي بالطبع إلى التقدم الإنساني، بل هي لا تزيد عن كونها حروب بين مجموعة من اللصوص على غنيمة”.

كثيراً ما كانت تنخدع الشعوب  وتقبل أفكار على شاكلة أن من حق حكوماتهم احتلال بلاد حكومات أخرى واستغلال ثرواتها وقهر شعوبها. ولكن هذا النوع من الخداع سرعان ما يتم فضحة حين يصل الوعي بالواقع المعاش لدرجة تفهم تلك الأكاذيب عبر تجربة الجماهير مع رأسماليتها المستغلة  “إن الحرب هي امتداد للسياسة ولكن بشكل دموي” بالضبط أي نوع من السياسة تدافع عنها الرأسمالية لكي نفهم أي نوع من الحروب تلك التي تدعو لها. فإذا وافقنا على السياسات الاستغلالية التي أدت إلى الحرب، سوف نستمر في تأييد تلك السياسات وتنفيذها في شكلها الجديد ألا وهو الحرب. أما إذا عارضنا تلك السياسات بالقطع ستعني الحرب بالنسبة لنا هي واحدة من نفس الأساليب الرأسمالية لتوسيع عملية الاستغلال ولكن هذه المرة باستغلال شعوب جديدة.

الحروب التي ندافع عنها

لكن هل كل الحروب يرفضها الاشتراكيون الثوريون وتقاومها الشعوب؟! البعض من أمثال المثاليين والبرجوازيين المسالمين وأشباههم يرفضون الحروب بكافة أشكالها، ويحاولون أن يبحثوا عن بدائل أخرى لحل النزاعات غير الحرب، أنهم يريدون الرأسمالية ولكنهم لا يريدون الحرب. لقد حاول هؤلاء تكوين منظمات تدعو أفكارها إلى نزع الأسلحة ووقف الحروب وتعميم السلام. نسى هؤلاء ببساطة أن الحرب هي نتاج لتقسيم المجتمع لطبقات، وأنها كأداة ضرورية للرأسمالية لبسط هيمنتها بالقسر، وأن نزع فتيل الحروب من العالم ووقف إنتاج الأسلحة وتوجيه ميزانيتها لخدمة احتياجات البشر الحقيقية؛ يلزمه أن تكف الرأسمالية عن الفعل/ أن تموت، ويخرج من أحشائها مجتمع جديد أساس بناؤه على أنقاضها ونفي تناقضاتها، وأن الوحيدين الذين يستطيعون عمل ذلك هم أصحاب المصلحة الحقيقية في عالم أفضل، وأن هذا العمل شاق وطويل ولن يمر بسلام بل سيكون هناك المزيد من الضحايا من جانب العمال وحلفائهم الطبقيين عبر العديد من المعارك لأنه وببساطة لن تسلم الرأسمالية رايتها بدون أن تريق الكثير من الدماء دفاعاً عن قلاعها وثرواتها.

من هنا فإن الاشتراكيين الثوريين يدافعون عن نوعية معينة من الحروب. تلك الحروب التي تدافع بها الأغلبية المظلومة عن نفسها ضد الأقلية التي تظلمها. لذلك فإن الدفاع عن الوطن في الحروب له معنى بالقياس لأي نوع من الوطن نتحدث عنه. الدفاع المطلق عن الوطن كما تريد الرأسمالية أن نفعل، يعني تأييد كل أنواع الحروب بما فيها الحروب الاستعمارية، ولكن النظر للوطن من وجهة نظر المصالح الحقيقية للطبقة العاملة، وهو الموقف الإنساني والثوري الصحيح، يتيح لنا أن نميز بين حرب تضعف البرجوازية وتقوي العمال وبين حرب تؤدي إلى إخضاع العمال للرأسمالية.

فالحروب التي تنظمها حركات التحرر الوطني ضد الاستعمار ـ دون إعطاؤها صبغة اشتراكية ـ هي حروب من أجل الحق في تقرير المصير، وهو حق ديمقراطي عن طريقه تحدد الأمم مستقبلها السياسي بعيداً عن أي سيطرة خارجية. في الحرب الأمريكية ضد فيتنام أيد الثوريون جبهة التحرر الوطني، على الرغم من أن قيادتها كانت ستالينية ـ والتي لا يساندون سياستها ـ وكانوا يعلمون تماماً أنها فور التحرر ستنشئ نظام رأسمالية دولة والذي ينكر كل الحقوق الديمقراطية للعمال والفلاحين، ولكن على الرغم من ذلك فمن حق الفيتناميون أن يقرروا مصيرهم بأنفسهم. هكذا ناقش الكومنترن في عام 1920 أن الثورة العمالية ستكون على محورين:1 ـ محور نضال الطبقة العاملة من أجل الثورة الاشتراكية في الدول الإمبريالية. 2 ـ محور نضال الدول المستعمرة من أجل التحرر من الاستعمار الإمبريالي.

أيضاً هناك الحروب الأهلية التي تخوضها الطبقة العاملة وحدها أو بجانب قوى أخرى على يمينها ضد الفاشية أو الثورات المضادة التي تهدف إلى القضاء على منجز ديمقراطي أو تدمير منظمات ومكاسب العمال. فمعظم الهجمات على الديمقراطية في العصر الحديث هو هجوم طبقي على حقوق العمال والكادحين الممثلة في حرية تشكيل النقابات والصحف والأحزاب والجمعيات والمنظمات السياسية. في عام 1917 وفي غمار التحضير للانتفاضة المسلحة قاد الجنرال “كورنيلوف” انقلاباً يمينياً للإطاحة بحكومة “كيرنسكي” اليمينية أيضاً، فهم البلاشفة وقتها أن هذا الانقلاب ما هو إلا محاولة من ملاك الأراضي والرأسماليين لتدمير السوفيتات ولتأسيس ديكتاتورية يمينية تقضي على ما اكتسبه العمال خلال ثورة فبراير 1917. وعلى الرغم من انضمام البلاشفة لقوات “كيرسنكي” فلم يساندوا حكومته وقاموا بتأسيس اللجنة العسكرية للسوفيتات، هذه السياسة أدت إلى فوز البلاشفة بالأغلبية في السوفيتات ومهدت للإطاحة بكيرسنكي بعد ذلك.

كلمة أخيرة

كل المؤشرات تؤكد أن العالم اليوم يرفض كل السياسات المعادية للجماهير متمثلة في العولمة والتوحش الإمبريالي. الجماهير أعلنت ـ وما زالت تعلن ـ عبر احتجاجاتها الواسعة أن العالم الذي نعيش فيه ضد الإنسانية، ولابد من عالم أفضل  نشعر فيه بإنسانيتنا. وبالرغم من أن ملامح هذا المجتمع وطريقة التغيير المطلوبة لتحقيقه، مازالت هناك قضايا غير واضحة بالنسبة لجمهور الحركة المعادية للرأسمالية بكل توحشها. إلا أن استمرار الحركة وتوسعها في ظل التناقضات المتفجرة بين الرأسمالية كنظام عفن والجماهير الغاضبة، سيطرح إمكانيات وفرص أعلى لآن يلعب اليسار الثوري دور قيادي أكبر، وأن تلعب الطبقة العاملة دور محوري في تلك الحركة يسمح لها باستعادة الدور المفصلي لها في التاريخ وبالتالي تصبح هناك ضرورة لتطوير الحركة ليس فقط لرفض الحرب بل للقضاء على المجتمع الذي تسبب في الحروب.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s