عن إبراهيم عيسى وحرية الصحافة

Posted: 8 أكتوبر 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , ,
8 أكتوبر 2010

ربما نحتاج إلى إضافة جملة على وصف لينين للسياسة بأنها “فن الممكنات” عندما كان يتحدث عن النضال في قلب الصراع الطبقي من وجهة نظر الاشتراكيين: و”لعبة قذرة عندما تستخدمها البرجوازية”. يمكنكم أن ترون ذلك بوضوح في أروقة الصحافة الليبرالية وفي مستنقعات المعارضة الكارتونية.

ينطبق هذا المفهوم بقوة على قضية إقالة إبراهيم عيسى منذ يومين من رئاسة تحرير الدستور وقبلها بأيام الاستغناء عن خدماته في قناة (أون تي في)، أيضا على ما أثير من مواقف معه أو ضده في أوساط الصحفيين المواليين والمعارضين للنظام والنشطاء السياسيين. فالرجل محسوب بشكل أو بآخر على المعارضة بمفهومها الواسع للنظام، وله مع النظام معارك وصلت إلى رأس الدولة نفسه كلفته النزول ضيفا على سجون الديكتاتور. في نفس الوقت الذي لا يخلو تاريخه من اللعب على حبال عدة، ومن هنا جاءت القضية لتحمل لنا الكثير من اللغط وبالذات في أوساط المعارضين والنشطاء السياسيين.

لفهم الموضوع بشكل صحيح علينا أن نتطرق إلى عدة مسائل تعيننا على التوصل إلى وتبني موقف صحيح ومتسق مع قضايا من هذه العينة. ظهر جليا من هذه الواقعة كيف ستكون حال الصحافة والصحفيين في مجتمع تسيطر عليه حفنة من رجال الأعمال، فهؤلاء الذي تحكموا في عدد من الفضائيات ونزلوا إلى ملعب الصحافة بشراء جرائد أو تأسيس أخرى جديدة، سينظرون للعملية برمتها من زاوية مصالحهم بالتأكيد. فلا يمكن تخيل جريدة يصدرها رجل أعمال ويسمح فيها بكتابات تعادي أصدقاءه وحلفاءه الطبقيين والدولة التي ترعاه خصوصا إذا كان في تحالف سياسي معها وليس من ضمن أجنحة ليبرالية معارضة تريد تغييرا في السياسة من زاوية مصالح مغايرة تماما وربما معادية للجماهير.

رئيس حزب الوفد والذي اشترى جريدة الدستور مؤخرا، والذي يتم تجهيزه هو وحزبه للعب دور الوصيف في الانتخابات القادمة، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يبقي إبراهيم عيسى في مكانه ليس من باب أن عيسى معارض من الطراز الجذري للنظام، ولكن لأن اللعبة قد انتهت بالفعل.. فالتطاول على النظام ورأس الدولة وعائلته مسألة لم تعد مقبولة خصوصا إذا كان التوريث أصبح في حكم الأمر الواقع تقريبا. أيضا لا يمكن أن تفتح الجريدة المملوكة للمتحالف مع النظام أبوابها لتنشر مقالات لحركة التغيير الديمقراطي وقياداتها، مهما كان مضمونها ضعيفا ولا يعبر عن شيء يذكر كمقال البرادعي عن حرب أكتوبر الذي كان القشة التي قضمت ظهر عيسى.

إذا كانت الأمور ستسير هكذا: سيطرة رأسمالية على حرية التعبير، رأسمالية ليست من النوع الليبرالي على الطراز الغربي ولكن مربوطة بصلات قذرة مع الدولة وتحت هيمنة مصالح الأسرة الحاكمة، فما العمل؟

المعركة بين الدولة وحلفائها من جانب والمعارضة الحقيقية والجماهير من الجانب الآخر تدور وستدور رحاها على مستويات عدة، ستأتي حرية الصحافة في مقدمتها بوصفها أداة للفضح والتشهير وربما التعبئة على خوض معارك مع النظام، حرية تلعب دور -حال استخدامها بشكل يرتبط بمصالح الناس- في إشعال فتيل “الصبر المتأجج” في قلوب اكتوت بنار الأسعار والاستغلال والقمع والاضطهاد والتهميش.

وإذا كانت حرية الصحافة كما أفهمها الحق في الوصول إلى وتداول ونشر معلومات وأفكار عن قضايا وهموم البشر بدون أي رقابة ودون الترخيص بذلك، فما حدث لعيسى وكان يحدث لفهمي هويدي وآخرون برفض نشر مقالات لهم في الأهرام، وغلق جرائد كالشعب، ومصادرة أعداد من جرائد كما حصل مع المصري اليوم مؤخرا في واقعة نشر صور دعاية انتخابية لعمر سليمان، وحبس الصحفيين ومنعهم من الكتابة ووضع قيود على إصدار الصحف، كلها أمور تؤكد أن المعركة أوسع بكثير من أن يتم حصرها داخل فئة الصحفيين أو أن تخصهم وحدهم كقضايا مهنية فئوية. فالدفاع عن الحق في نشر أخبار واحتجاجات عمالية وجماهيرية، وكتابة مقالات سجالية حول معركة وحركة التغيير الديمقراطي، والتعرض لهموم الناس المعيشية اليومية أمور تخص المجتمع بأسره ويجب أن تدار معاركها جنبا إلى جنب الحق في التظاهر والإضراب وتشكيل النقابات والأحزاب والجمعيات، بل والحق في حياة كريمة وعمل إنساني وأجر عادل.

ولكن ما علاقة كل ذلك بالموقف من إبراهيم عيسى و”قضيته”؟ بالطبع الكل يتفق على أن إقالة عيسى جاءت وفق خطة أوسع لإخراس وتكميم الأفواه وقصف الأقلام “الحرة” التي تفضح وتعري وتجابه النظام وحلفاءه السياسيين والطبقيين بأي صورة وأي درجة. ولكن ما العمل حين يكون هذا المعارض من العينة الانتهازية التي لا صلة لها من قريب أو من بعيد بقضايا وهموم الناس وتحركاتهم لتغيير أوضاعهم، فقد دأب عيسى على تلميع نفسه سياسيا وصحفيا وإعلاميا واعتاد على ارتداء ثوب البطولة في كل معاركة وتصوير نفسه على انه شهيد الالتزام بقلمه الحر؟.

البعض يرى أن عيسى لا يستحق أي دفاع عنه، فالرجل الذي كان يتقاضى 30 ألف جنيه أو 40 في روايات أخرى كرئيس تحرير للدستور اعتاد على التعامل مع الجريدة بوصفها عزبته الخاصة، يكتب مقالته في صفحة غلافها، ويعامل الصحفيين والمحررين بطريقة متعالية، ولا يستجيب لمطالبهم بالتثبيت والتسجيل نقابيا والأهم رفع أجورهم الزهيدة. غير أنه كان يأكل على موائد رجال الأعمال أحمد بهجت في (دريم)، وساويرس في (أون تي في) والتي كان يحصل من خلال برامجه فيها، والتي نزلت عليه كالسيل بعدما ارتفعت أسهمه ولمع نجمه، على مبالغ بعشرات الآلاف لا يحلم بها كل صحفيي الدستور مجتمعين.

على الجانب الآخر نجد مجموعة من النشطاء وبالذات على الشبكات الاجتماعية تويتر وفيس بوك، يدافعون عن عيسى وكأنه زعيم شعبي علينا كسب معركة رجوعه لرئاسة تحرير الدستور، وكأنها معركتنا الوحيدة أو الأخيرة التي لو خسرناها سنفقد حريتنا تماما.

في تقديري أن الموقفين خاطئين تماما فالاثنان يران إبراهيم عيسى في حد ذاته إما كمعبر عن الانتهازية أو كمثال لقلم تم قصفه، وذلك دون النظر لمدلول هجمة الدولة وحليفها السيد البدوي على الانتقاص من حريتنا وحقنا في صحافة حرة ضمن قضايا أخرى، ودون ربط هذه المعركة بمعارك مواجهة خطط هيمنة رجال الأعمال على كل مقدرات حياتنا، وتطبيق سياسات الليبرالية الجديدة عبر توريث الحكم لجمال مبارك.

اعتقد إن خسارة إبراهيم عيسى لمعركته يجب أن ينظر لها من زاوية كسب النظام وخسارتنا نحن بالمعنى الواسع للكلمة، وأن كسبه لهذه المعركة سيعني أن النظام تراجع وخسر جولة ربما تصلح كفرصة للبناء عليها على طريق كسب قضايا ومواقف أخرى من زاوية مصالح الجماهير لا للتخديم على مصالحه هو.

من المؤسف حقا أن نضطر للدفاع عن شخص يتسم بالانتهازية في مواقفه لأنه في مواجهة مع النظام وحلفائه من زاوية معارضة، ولكن لأن معركتنا الأساسية مع الدولة وأجهزتها القمعية وسياستها المعادية للجماهير؛ بالتالي لا يمكن تفويت هذه الفرصة لعمل حملة تشهير وفضح واسعة لها وخلق تضامن أوسع مع هذه “الضحية” بشرط أن يكون تضامنا معه وتأييدنا لمطالبه مصحوب بنقد لتخاذله وانتهازيته ولعبه على حبال سيرك الصراع حتى لا يتم وضعنا معه في خانة واحدة.

Advertisements
تعليقات
  1. حسين جعفر كتب:

    انا مش شايف ان المعركة مع النظام بس ..المعركة مع اتنين النظام واحد منهم والتاني هىّ النخبة اللي خانت الجماهير.. النحبة من أحزاب وتيارات ما يدعى بالمعارضة والمثوقفين.. دول اللي خانوا الجماهير وادوهم مقص حرامية .. وف الآخر بيتهموا الناس بقلة الوعي و الخوف وهمّ عايشين حياتهم ومتحالفين مع دا ودا….وعايزين الناس تصدقهم ويمشوا وراهم… اديني عقلك

    إعجاب

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s