جون مولينو
ترجمة: رمضان متولي

“قام الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، ولكن الأهم مع ذلك هو تغييره”.

تعد هذه العبارة أشهر ما ورد في كتابات ماركس وقد كتبها غالبا في بداية تطوره السياسي والنظري، وتشير إلى حقيقة أن ماركس منذ البداية كان مدفوعا بإرادة عاطفية للنضال من أجل مجتمع أفضل. وقد شهد إنجلز في حديثه أمام قبر ماركس بحقيقة أن هذه الإرادة العاطفية استمرت طوال حياته:

“لأن ماركس كان ثوريا قبل كل شيء آخر. كانت رسالته الحقيقية في الحياة أن يساهم، بطريقة أو بأخرى، في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي ومؤسسات الدولة التي أنشأها هذا المجتمع، أن يساهم في تحرير البروليتاريا الحديثة… وكان النضال هو أداته. وقد ناضل بعاطفة ومثابرة ونجاح لا يضارعه فيها إلا قليلون.” (1)

يصدق ذلك طبعا على الغالبية الساحقة من الاشتراكيين والماركسيين اليوم. إن نقطة البداية بالنسبة لنا هي المقاومة والنضال، هي الرغبة في المساهمة في بناء عالم أفضل. هذا ما يقودنا إلى دراسة النظرية الماركسية لا أن تقودنا دراسة النظرية الماركسية إلى الرغبة في تغيير الأوضاع. ربما يوجد شخص ما في مكان ما قام بدراسة دقيقة للماركسية وجميع النظريات الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية الأخرى وعلى هذا الأساس قرر أن يصبح ماركسيا وهو في سن التسعين. لو أن ذلك حدث، فإنني لم أصادف شخصا كهذا حتى الآن.

على أي حال، كان أعظم إنجازات ماركس أيضا تحويله للاشتراكية من يوطوبيا إلى علم، أو بالأحرى من يوطوبيا أو مؤامرة إلى علم. فقبل ماركس كان هناك منهجان يهيمنان على مساعي بناء الاشتراكية. الأول كان يمثله سان سيمون وفورييه في فرنسا وروبرت أوين في بريطانيا واعتمد على رسم لوحة جميلة للاشتراكية كمجتمع أكثر عقلانية من الرأسمالية إلى حد أنه إن عاجلا أو آجلا سوف يقتنع الجميع، بما فيهم الطبقة الحاكمة، بمزاياها. أما الثاني، الذي يمثله بلانكي في القرن التاسع عشر ويستمد جذوره من تقاليد اليعاقبة في الثورة الفرنسية، فيعتمد على مؤامرة سرية لحفنة صغيرة من الثوريين الواعين يستولون على السلطة عن طريق انقلابي ويفرضون الاشتراكية على المجتمع من أعلى.

رفض ماركس كلا من النظريتين السابقتين، ولم يرفضهما فقط بأن تبنى نهج الاشتراكية من أسفل، والتي تعني التحرر الذاتي للطبقة العاملة، ولكن أيضا بإصراره على أن هذا التحرر الذاتي لا يصبح ممكنا إلا على أساس التناقضات الداخلية والقوى الاجتماعية التي تعمل بشكل موضوعي في بنية الرأسمالية. وكتب في البيان الشيوعي:

“إن استنتاجات الشيوعيين النظرية لا تقوم بأي حال على أساس أفكارأو مبادئ تم ابتكارها أو اكتشافها من قبل هذا المصلح الكوني أو ذاك. وإنما تعبر فقط وبشكل عام عن علاقات فعلية تنبع من صراع طبقي قائم، من حركة تاريخية تجري تحت عيوننا.”(2)

كما كتب ماركس في نوفمبر 1850 وبعد هزيمة ثورات عام 1848:

“في ضوء حالة الرخاء العام السائدة حاليا والتي تسمح بتطور قوى الإنتاج في المجتمع البرجوازي بأقصى سرعة ممكنة داخل إطار المجتمع البرجوازي، لا يوجد مجال لأي ثورة حقيقية. ولن تصبح ثورة جديدة ممكنة إلا نتيجة لأزمة جديدة، لكن حدوثها مؤكد بنفس درجة حدوث الأزمة نفسها.”(3)

هكذا كان لابد أن تقوم النظرية الاشتراكية على أساس دراسة علمية للتاريخ ولعلم الاقتصاد، واستراتيجة الاشتراكية لابد أن تقوم على أساس تحليل علمي للواقع الموضوعي. والحماس الثوري وحده لا يكفي. ومرة أخرى مازالت هذه المشكلات قائمة لدينا. فما أكثر الشباب المتحمسين ممن تحولوا حديثا إلى الاشتراكية الذين يشعرون بأن كل ما عليهم أن يخبروا الناس بأنهم يحملون النبأ السار حتى يرى جميعهم بارقة الضوء؟ وكم من شباب الثوريين يعتقدون، بعد أول مواجهة كبيرة مع قوات الدولة في ميدان ترافلجر أو الهايد بارك، بأن الثورة على مرمى البصر مع عدد قليل من المظاهرات المماثلة؟

الإرادة الثورية لتغيير العالم والتحليل العلمي لقوانين التاريخ والمجتمع كلاهما عاملان يوجدان لدى ماركس وفي الماركسية. ويمكن اقتباس بضعة سطور من ماركس ليبدو كأنه يميل نحو عامل واحد دون الآخر. فإذا أخذنا عبارته “إن الفلاسفة قاموا بتفسير العالم بينما الأهم هو تغييره” بشكل منفصل فقد تشير إلى تجاهل تام لأي فلسفة أو حتى نظرية، بينما تشير عبارته بأن “الطاحونة الهوائية تعطيك مجتمعا يحكمه السيد الاقطاعي، وأن الطاحونة البخارية تعطيك مجتمع الرأسمالية الصناعية”(4) فقد تشير إلى أن التكنولوجيا الجديدة – ربما الإنترنت – سوف تمنحنا الاشتراكية دون أي نضال أو تدخل ثوري. غير أن النشاط الثوري والعلم تواجدا معا خلال حياة ماركس وفي نشاطه وخلال تاريخ الماركسية.

ولكن ألا نجد هنا عدم اتساق؟ إذا كانت الماركسية تزعم أن التاريخ تحكمه قوانين وأن سلوك البشر تشكله الظروف المادية، فكيف يمكن لها أن تزعم أيضا بأن النشاط الثوري الاشتراكي ضروري؟ وحتى نضع السؤال بشكل أكثر فجاجة، إذا كان ماركس قد “برهن”، كما يزعمون أحيانا، على حتمية الاشتراكية، فلماذا نحتاج إلى النضال من أجل تحقيقها؟

هذا السؤال يثير قضية الحتمية – أي المدى الذي تتحدد فيه حركة التاريخ بالاقتصاد وقوى المجتمع الأخرى باستقلال عن إرادتنا وأفعالنا كثوريين. كما يثير أيضا مسألة ترتبط ارتباطا وثيقا بذلك وهي إلى أي مدى ينبغي اعتبار النظرية الماركسية نظرية حتمية.

قبل معالجة هذه الأسئلة معالجة مباشرة ينبغي الإشارة إلى أن الفكر البرجوازي لم يستطع أبدا حل مسألة الحتمية. بل إن هذا الفكر تأرجح بين المثالية الإرادوية، التي تتجاهل الشروط الاجتماعية وتركز تركيزا كاملا على الأفكار العظيمة والأفراد “العظماء”، وبين المادية الميكانيكية التي تشدد على طبائع للناس والمجتمع لا يمكن تغييرها. ويعكس كلا الموقفان جوانب من المجتمع البرجوازي عند النظر إليه من قمته إلى القاعدة. فمن ناحية، نجد البرجوازية التي تستقر على قمة المجتمع متحررة من العمل المنتج وتعيش على استغلال الآخرين، قادرة على ارضاء غرورها بأن أفكارها وأفعالها هي التي تحكم العالم، ومن ناحية أخرى، عندما تنظر إلى جماهير القاع فإنها تراهم مجرد موضوعات خاضعة، تنقاد بسلبية في هذا الاتجاه أو ذاك وفق متطلبات تراكم رأس المال. ولذا تصب أيديولوجيا البرجوازية هجومها على الماركسية على أساس أنها نظرية حتمية أكثر من اللازم وكذلك على أساس أنها نظرية ليست حتمية بدرجة كافية.

ومنذ ماكس فيبر وحتى الآن تدين نظريات علم الاجتماع البرجوازي والعلوم المرتبطة به الماركسية بسبب حتميتها الاقتصادية “الفجة”، وتقليلها من مدى استقلالية الأيديولوجيا، وعلم السياسة والثقافة وبسبب إصرارها على الأهمية المركزية للطبقة. وقد سعى المؤرخون البرجوازيون بإصرار إلى تقويض أي نظرية تتعلق بنمط عام لتطور تاريخ العالم، وتركز هجومهم بشكل خاص على التصور الذي لخصه ماركس في البيان الشيوعي، كما هاجموا فكرة أن الثورتين الفرنسية والبريطانية كان لهما أي طابع طبقي محدد أو أي ضرورة تاريخية.

وفي نفس الوقت، قام علماء البيولوجيا الاجتماعية بإدانة الماركسية وكل أشكال الفكر الاشتراكي واليساري بسبب فشلها “الطوباوي” في إدراك أن عدم المساواة، والتراتبية، والطبقة والمنافسة (بما فيها الحرب والعنصرية والتمييز الجنسي) جميعها مدرجة في جيناتنا ولا يمكن القضاء عليها لهذا السبب.

الجدال حول الحتمية يجرى أيضا بين أولئك الذين يزعمون انتماءهم للماركسية، فقد انتعشت في فترات مختلفة تفسيرات للماركسية حتمية سلبية إلى جانب تفسيرات أخرى شديدة الإرادوية. وكانت الماركسية التي طورها كارل كاوتسكي أهم أمثلة الاتجاه الحتمي التي هيمنت على الاشتراكية الديمقراطية الألمانية في الأممية الثانية خلال الفترة السابقة مباشرة على الحرب العالمية الأولى. وحسب وجهة نظر كاوتسكي تضمن القوانين الاقتصادية للرأسمالية نمو عدد الطبقة العاملة ووعيها إلى حد معين تسقط عنده السلطة “أوتوماتيكيا” في أيديها. وكل ما هو مطلوب من الحركة الاشتراكية هو بناء منظماتها وتدعيم أصواتها الانتخابية وتجنب المغامرات بينما تنتظر صابرة قيام التطور الاقتصادي بعمله (5). وعن هذه الفترة تحديدا كتب جرامشي أن “الجانب القدري والحتمي والميكانيكي أصبح “درعا” أيديولوجيا مباشرا نابعا من فلسفة الممارسة (أي الماركسية) بما يشبه الدين أو المخدرات.”(6)

وعلى الجانب العكسي، كانت الحالتان الأكثر تطرفا للإرادوية التي تنتشر تحت عنوان ماركسي هما الماوية والجيفارية. فلم تزعم الماوية فقط إمكانية تصنيع الصين بقوة الإرادة في “القفزة الكبرى للأمام” الكارثية وإنما حتى إمكانية التحول المباشر إلى الشيوعية الكاملة في الصين وحدها دون أي اعتبار للظروف المادية الموضوعية (وسوف يتم مناقشة ذلك تفصيلا فيما يلي). أما الجيفارية، واعتمادا على الحالة الخاصة في كوبا، فقد طورت نظرية للثورة تشعلها مجموعة صغيرة من العصابات في الريف. وكتب جيفارا أن “الانتظار حتى تتوافر جميع الشروط اللازمة للقيام بالثورة ليس ضروريا: فالانتفاضة تستطيع أن تخلق هذه الشروط.”(7)

ويسعى الماركسيون الثوريون دائما إلى مواجهة كل هذه المواقف. فقد أخضع كل من روزا لوكسمبرج ولينين وتروتسكي وبعدهم لوكاش وجرامشي النزعة القدرية والانتظارية السلبية التي سادت الأممية الثانية للنقد العنيف. كما انبرى لينين وتروتسكي لمواجهة الاتجاه الإرادوي اليساري المتطرف الذي تطور وسط الشيوعيين الأوروبيين خلال الأعوام الأولى من الأممية الشيوعية(8). وخلال الخمسينيات والستينيات قام مؤيدو الاشتراكية الثورية إلى حد كبير بتطوير نقد مادي تاريخي للماوية والكاستروية(9). غير أن مشكلة الحتمية لا تنتهي. فبنية المجتمع الرأسمالي التي تقوم بإبرازالأفراد “العظماء” وقمع شخصية الجماهير تولد كلا من الحتمية الميكانيكية والمثالية الإرادوية كما تستمر هذه الضغوط في التأثير على الماركسيين.

على هذه الخلفية يحاول هذا المقال الدفاع عن المادية التاريخية وتقديم تفسير لها يتجنب كلا الخطرين وهو تفسير يحافظ بدقة على طابع المادية وعلى الإصرار على الممارسة. والخطوة الأولى في هذا الجدال أن نتعرض لمفهوم الحتمية المطلقة ومفهوم الإرادوية المطلقة كعوامل محددة.

الحتمية المطلقة والحتمية النسبية:

أقصد بالحتمية المطلقة ذلك الرأي الذي يعتبر كل حدث في تاريخ الكون منذ الانفجار العظيم إلى نهاية العالم وكل سلوك بشري من كتابة رأس المال إلى قيامي برفع حاجبي الأيمن أم لا حدثا حتميا ولا يمكن أن يكون غير ماكان، أو ما هو عليه أو ما سيكون. والرؤية التي تؤيد الحتمية المطلقة تعتبر أن كل حدث أو سلوك له سببه أو أسبابه، وأن هذه الأسباب تحدد بدقة طبيعة هذا الحدث أو السلوك وأن هذه الأسباب نفسها تحتمها تماما أسباب سابقة عليها. وهكذا فإن كل حدث معين أو سلوك محدد يعد جزءا من سلسلة معقدة ولا نهائية ولكنها محتومة تماما من ردود الفعل متضمنة في واحدية، أو أي شئ آخر في، أصل الكون.

وتمتد جذور هذا الموقف تاريخيا إلى فيزياء نيوتن التي يستمد منها فكرة “كرة البلياردو” حول السببية (وهي فكرة تعتبر سبب جميع الحوادث والعمليات مشابها لنفس الطريقة التي تحدد بدقة حركة كرة البلياردو على أساس سرعة وزاوية الاصطدام بكرة بلياردو أخرى)(10). ولكنها تتضمن أيضا الاعتقاد بأن سلوك البشر يمكن اختزاله في نهاية المطاف إلى حركة الجزيئات الفيزيائية التي يتكون منها الإنسان والتي تنتظم بشكل يوافق القوانين الطبيعية الشاملة. ويبدو أن رؤية كهذه، حتى ولو لم يعلن ذلك صراحة، كان لها تأثيرها على الماركسيين الذين يتبنون موقفا حتميا مطلقا. ورغم ذلك، تبنى هؤلاء الماركسيون وجهة نظر تقتضي أنه في أغراض التحليل الاجتماعي ليس ضروريا اختزاله إلى مستوى علم الفيزياء لأن السلوك البشري تحكمه قوانين اجتماعية تشبه القوانين الطبيعية في عملها.

ويعلق رالف ميليباند عند مناقشته للحتمية المطلقة قائلا: “إن هذه الرؤية لا يمكن الجدال معها: فإما أن تقبلها أو ترفضها. وأنا أرفضها واتجاوز عنها.”(11) ويحمل موقف ميليباند بعض الوجاهة حيث من المستحيل استخدام براهين تجريبية في تفنيد الحتمية المطلقة (تماما كما يستحيل أن تورد وقائع للبرهنة على صحتها). ورغم ذلك، فإن هذه الرؤية يمكن الجدال معها. عندما نضع في اعتبارنا مبدأ ماركس بأن:

“في الممارسة العملية ينبغي على الإنسان أن يثبت الحقيقة، أي واقعية وقوة تفكيره ووجوده في عالمنا هذا. أما النقاش حول واقعية أو عدم واقعية التفكير المعزول عن الممارسة فليس إلا قضية مدرسية بحتة.”(12)

ومن الممكن تقييم مزايا وعيوب الحتمية المطلقة من منطلق الممارسة. فللحتمية المطلقة مزايا هامة مقارنة بنظريات اللاحتمية ولهذا السبب استطاعت أن تلعب دورا تقدميا مؤكدا في بعض الأوقات. أما أول مزاياها فإنها تلزمنا بالبحث عن تفسيرات مادية للحوادث والظواهر، سواء الحروب أو الثورات أو جرائم المراهقين أو الاستغلال الجنسي للأطفال، بدلا من أن نعزو هذه الظواهر ببساطة إلى الصدفة أو التدخل الإلهي أو وساوس الشيطان أو الشخصية الشريرة. والميزة الثانية كما يلاحظ جرامشي تأتي عندما تعاني الطبقة العاملة فترة من الهزائم حيث يمكن أن تصبح الحتمية الميكانيكية “قوة هائلة للمقاومة المعنوية، والتماسك والصبر والمثابرة العنيدة. لقد هزمت الآن، لكن تيار حركة التاريخ يساندني في المدى البعيد.”(13) ومع ذلك فإن لها عددا من العيوب يتطلب رفضها.

أول هذه العيوب هو أن الحتمية المطلقة يستحيل التعايش معها وبواسطتها. فالواقع أن جميع أبناء البشر يمرون بتجربة اتخاذ القرارات والاختيار. وفي حين أنه من الواضح أن أيا من هذه القرارات لا يمكن أن يكون “حرا” تماما إذا كنا نعني بكلمة “حر” أن هذه القرارات لا تتأثر بالشروط المسبقة أو الظروف القائمة، فمن الصحيح أيضا أننا نميز بين القرارات المشروطة بقوة أو القهرية، مثل تلك القرارات التي نتخذها تحت قوة السلاح أو تحت تهديد المجاعة وتلك القرارات التي نتخذها طواعية أو نسبيا طواعية. إذا كان هذا التمييز، أو كامل تجربة اتخاذ القرارات أمرا وهميا، حسب ادعاءات الحتمية المطلقة، فإنه يكون وهما لا مفر منه في حياتنا العملية، بما في ذلك بالنسبة لمن يؤمن بالحتمية المطلقة. ونتيجة لذلك نجد أن الحتمية المطلقة عمليا تحتوي دائما على بند يمثل مهربا تعود من خلاله الإرادوية من الباب الخلفي. وينتج عنها تماما ما وصفه ماركس في نقده للمادية الميكانيكية عند فيورباخ بأنه “يقسم المجتمع إلى قسمين أحدهما يتفوق على الآخر.” (14)

وثانيا، تعرضت الأسس التي أقام عليها نيوتن حتميته المطلقة للتدمير تحت تأثير التطورات العلمية اللاحقة مثل الديناميكا الحرارية، وميكانيكا الكم، بما في ذلك مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج ومعادلة شرودينجر، ومؤخرا ظهور نظرية الفوضى (15). ولأغراض مقالنا هذا، فإن أهم نقطتين هما أن ميكانيكا الكم، التي تعالج سلوك الجسيمات الأولية، تقدم قوانين احتمالية وليست حتمية مطلقة كما أن نظرية الفوضى توضح أن الاختلافات بالغة الضآلة في الظروف الأولية (لأي نظام طبيعي مثل المناخ) قد تؤدي إلى اختلافات هائلة لا يمكن التنبؤ بها في النهاية.(16) وقطعا من الخطأ الفادح أن نقوم بالتعميم بشكل ميكانيكي من العلم الطبيعي إلى العلم الاجتماعي، كما أن جوانب من السلوك البشري والتاريخ بالتأكيد محددة بصرامة أكثر من سلوك الجسيمات الأصغر من الذرة ومن ظواهر المناخ. (تماما كما تسمح ميكانيكا الكم لقوانين نيوتن للحركة أن تحتفظ بصلاحيتها ضمن حدود معينة). ورغم ذلك فإن هذا التطورات العلمية تطعن في ذلك الربط الضمني الشائع بين العلم والحتمية المطلقة.

ثالثا، كشفت التجربة التاريخية لحركة الطبقة العاملة أن الحتمية المطلقة تميل إلى تشجيع الأخطاء السياسية الخطيرة، وخاصة السلبية في أوقات الأزمة الثورية والتقليل من أهمية دور الحزب الثوري. سوف نقوم بمناقشة هذه القضايا فيما بعد ولكن بعض الاقتباسات من جرامشي وتروتسكي تكفي هذه النقطة. ويعلق جرامشي، الذي مر بتجربة شخصية مريرة بسبب النتائج المدمرة للسلبية الحتمية من جانب الحزب الاشتراكي الإيطالي عامي 1919 و 1920، (وبلغته الغامضة التي استخدمها لخداع الرقيب):

“ولكن عندما يصبح التابع حاكما……تصبح النزعة الميكانيكية عند نقطة معينة خطرا آنيا.… ويتقلص حدود ومجال “قوة الظروف”، ولكن لماذا؟ لإنه إذا كان العنصر “المحكوم” بالأمس شيئا، فقد أصبح اليوم شخصا تاريخيا، أي صار بطلا.… أصبح بالضرورة فاعلا يمسك بزمام المبادرة.”(17)

ويشرح ذلك تروتسكي، عندما علق على عدم اقتناعه بالبلشفية قبل 1917، في ضوء اعتقاده الحتمي بأن “الثورة سوف تضطر المناشفة لاتباع الطريق الثوري.” وقام بنقد ذاتي لموقفه قائلا:

“كنت أقلل من أهمية الانتقاء الأيديولوجي التحضيري وتدعيم الموقف السياسي. وفيما يتعلق بمسائل التطور الداخلي للحزب كنت مرتكبا لنوع من القدرية الاشتراكية الثورية.”(18)

ولذلك ينبغي رفض الحتمية المطلقة لأنها تفشل في اختبار الممارسة الحاسم على ثلاث مستويات: على مستوى الحياة اليومية، وعلى مستوى الممارسة العلمية، وعلى مستوى الممارسة السياسية.

وعلى النقيض من الحتمية المطلقة هناك اللاحتمية المطلقة، أي فكرة أن البشر يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون دون قيود وأن كل شيء يحدث في التاريخ يرجع فقط إلى المصادفة. هذا الموقف من السخافة إلى حد يصعب معه أن ندرك كيف يمكن صياغته بطريقة متماسكة. فالحقيقة التي لا مهرب منها أن سلوك البشر مقيد ومحدد بطرق متعددة مثلا بقانون الجاذبية أو بحقيقة أن حرارة الجسم إذا انخفضت تحت مستوى معين فسوف نموت. ومع ذلك فإن نزعة اللاحتمية القوية، وليست المطلقة، تتمتع بانتشار واسع. وأعني بالنزعة اللاحتمية القوية إنكار أي نمط أو شكل عام للتطور في التاريخ والتركيز الشديد على دور الأفراد كسادة على مصائرهم الخاصة وصانعي تاريخهم. وفي السنوات الأخيرة، سادت رؤى “ما بعد الحداثة” بنزعتها “الشكية الرافضة للروايات الكبرى” (19) كتعبير أكاديمي عن هذه النزعة. وفي هذا المضمار يقوم المابعدحداثيون بترديد لحن قديم وضعه مؤرخون برجوازيون من توجهات فكرية مختلفة. كما أنها أيضا تعتبر أساس العديد من التفسيرات الصحفية السطحية للأحداث حسب شخصية السياسيين والقادة الأفراد ورغباتهم الخاصة، كما تجد تعبيرا عنها في العديد من الأقوال الشائعة مثل “إن الحياة هي ما تصنعه” “وإذا كنت تؤمن بنفسك فكل شئ ممكن” أو “إذا كنت ترغب في شيء بقوة كافية فسوف تحصل عليه.”

هذا النوع من اللاحتمية القوية لا يحتاج منا إلى التوقف طويلا عنده. إنها نزعة أيديولوجية بوضوح من حيث أنها تساهم في التعمية على جميع القوى الاجتماعية الحقيقية، أي تركيز وهياكل القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية التي تعمل على تشكيل الأفراد وتحد من حرية أفعالهم. إنها تضعف أي محاولة لصناعة التاريخ بشكل واع أو تغيير المجتمع بجعل التاريخ والمجتمع غير قابلين للفهم. كما أنها أيضا نزعة خاطئة بشكل واضح. فليس حقيقيا أن أغلب أبناء الطبقة العاملة يمكن عندما يكبرون أن يصبحوا أطباء في جراحة المخ أو نجوم سينما إذا بذلوا جهودا كافية. فبغض النظر عن عوامل مثل الظروف الاجتماعية والحرمان الاقتصادي ورداءة التعليم، هناك الحقيقة البسيطة أن الوظائف المتوفرة في مجال جراحة المخ أو السينما محدودة جدا. كما أن اللاحتمية القوية يفندها أبسط الأدلة الاجتماعية مثل إحصائيات التعليم والجريمة والصحة والتي، رغم تعدد مشكلاتها وحدودها، تكشف بلا أدنى شك عن تأثير الطبقة الاجتماعية القوي، مع عوامل أخرى، على فرص الحياة والسلوك الاجتماعي.

إن نزعة اللاحتمية القوية يستحيل التعايش بواسطتها تماما مثل الحتمية المطلقة. فالحياة اليومية تعتمد على القدرة على التنبؤ بالظواهر الطبيعية وأفعال البشر: أن الطقس سوف يكون باردا في الشتاء ودافئا في الصيف، أن بذور الشعير سوف تنمو وتصبح شعيرا وليس قمحا، أن الحافلة رقم 17 سوف تذهب إلى وسط المدينة، أنك إذا قمت ببيع قوة عملك لصاحب عمل سوف تحصل على أجر في نهاية الأسبوع. لكن هذا التنبؤ ليس ضروريا أن يكون دقيقا أو يقينيا – فنحن جميعا نعرف أن هناك شتاءات أقل برودة، وأن الحصاد أحيانا يكون ضعيفا، وأن الحافلات تتعطل وأن أصحاب العمل أحيانا يفلسون – لكن توافر درجة من الانتظام والقدرة على التنبؤ أمر ضروري وإلا استحالت حياتنا الاجتماعية. وتعتمد أي درجة من القدرة على التنبؤ على درجة ما من الحتمية.

إذا كان ضروريا رفض الحتمية المطلقة واللاحتمية المطلقة والقوية، فإن الحتمية النسبية تصبح البديل العملي الوحيد. وإذا قبلنا الحتمية النسبية كموقف عام، فما نحتاجه فعليا من علوم الطبيعة والاجتماع هو أن تخبرنا بما هو حتمي وما ليس حتميا، وما يؤسس في المواقف الملموسة مدى وحدود ما هو حتمي ومدى وحدود ما يمكن تغييره بقرار وتدخل البشر. هذا هو ما نحتاجه في حياتنا اليومية، من أجل زراعة الأرض، وصناعة السلع والأدوات، أو تخطيط رحلة أو قيادة سيارة. وهذا ما نحتاجه من منظور أعلى وبطريقة أكثر تنظيما في مشروع التغيير الواعي للمجتمع.

إن أي برنامج للعمل السياسي، وأي قرار استراتيجي وتكتيكي يعتمد على أحكام تتعلق بما هو حتمي وما هو غير حتمي. مثال ذلك أنه إذا لم تكن أيديولوجية الجماعات الاجتماعية محتومة بأي صورة بموقعها الاقتصادي ومصلحتها الطبقية، فإن مشروع الاشتراكية الطوباوية بإقناع الطبقة الحاكمة بفضائل المجتمع الاشتراكي يمكن أن ينجح. ومن ناحية أخرى، إذا كانت أيديولوجية الأفراد أو الجماعات الاجتماعية محتومة بشكل ميكانيكي ومطلق بمصالحها الطبقية فلا معنى لمحاولة إقناع أي شخص بأي فكرة، ولا معنى لأي شكل من أشكال السجال السياسي أو الدعاية السياسية.

ما تقدمه الماركسية بطريقة أفضل من أي نظرية أخرى هو بالضبط ما يلي: رؤية لما هو محتوم في المجتمع والتاريخ الإنساني بشكل مستقل عن إرادتنا ولما يمكن تغييره من خلال التدخل الواعي. إن هذا هو ما يجعل الماركسية “ليست دوجما وإنما دليل للعمل” في النضال من أجل الثورة العمالية وتحرير الإنسان.

عند هذه النقطة من الضروري ملاحظة مفارقة واضحة. مع توقف المرء عند ما يعرف بالحتمية المطلقة التي تجعل مفهوم الحرية الإنسانية بلا معنى، لا ترتبط الحتمية (في جانبها النظري) مع الحرية ارتباطا عكسيا بالضرورة. بل على العكس من ذلك، كلما زاد مستوى فهم الإنسان للقوى الطبيعية والاجتماعية التي تحدد حياتنا، كلما اتسعت في الواقع مساحة الحرية والاختيار الإنساني. فقوانين الطبيعة تجعل من المستحيل على الإنسان أن يطير بالنسبة لمن لا يعرفها، لكن فهم هذه القوانين فهما دقيقا ومتطورا (مع استخدام العمل الإنساني) جعل الطيران أمرا شائعا.

وهناك مفهوم آخر يحتاج إلى التوضيح هنا، وهو مفهوم “الحتمية الاحتمالية” (وهو ما ذكرناه فعلا فيما يتعلق بميكانيكا الكم). فبعض الأمور محتومة بقوة وهي بالتالي حتمية فعليا، وبعض الأمور محتملة جدا ولكنها غير يقينية، وبعضها محتمل، وبعضها متراوح في توازن. والأشياء التي تكون محتملة فقط في حالات فردية تصبح يقينية أكثر مع زيادة عدد الحالات. فمن المؤكد أنني سأموت. ومن غير المحتمل ولكنه ليس مستحيلا أنني سأموت غدا. ومن المحتمل، ولكن غير المؤكد، أنني سأموت قبل أن يبلغ عمري مائة عام. وفي حالة مليون إنسان يعتبر من المؤكد تقريبا أن الأغلبية العظمى منهم سيموتون قبل بلوغ المائة عام. وإذا كان احتمال التحاق طفل واحد من الطبقة الوسطى بالجامعة أعلى ولو بدرجة يسيرة من التحاق طفل من أبناء الطبقة العاملة بها، فمن المؤكد تقريبا أن نسبة من سيلتحقون بالجامعة من أبناء الطبقة الوسطى ككل أعلى من أبناء الطبقة العاملة.

إن لمفهوم الحتمية الاحتمالية أهمية سياسية على الأقل من ثلاثة جوانب. فأولا يلعب هذا المفهوم دورا في المعركة الدائرة مع أيديولوجيا الطبقة الحاكمة. فالطبقة الحاكمة التي تستطيع أن تفهم الحتمية الاحتمالية فهما تاما عندما تناسبها (مثلا عند تحديد أقساط التأمين) ترفضها غالبا لأغراض الدعاية – عندما تحاول رفض الربط بين الجريمة والبطالة مثلا. وثانيا، هذا المفهوم حاسم في فهم التاريخ. خذ مثلا السؤال المعتاد حول حتمية اندلاع الحرب العالمية الأولى. فلا معنى للإصرار على أن اندلاع الحرب كان حتميا بالضبط في بداية أغسطس 1914. حيث كان من المحتمل أن يخطئ “برنسيب” التصويب، أو أن الحكومة النمساوية كان يمكن أن ترد بطريقة مختلفة وهكذا. ولا ينبغي أن ننساق إلى محاولة البرهنة على الحتمية المطلقة لاندلاع الحرب العالمية في توقيت معين. ولكن الأفضل منطقيا أن نوضح أن اندلاع الحرب كان محتملا جدا (أو حتمي تقريبا) في ظل تلك الصراعات الهامة.

وثالثا يلعب هذا المفهوم دورا مركزيا في التكتيك السياسي. فقرار الدعوة إلى الإضراب أو حتى مظاهرة يعتمد في جزء كبير منه على حساب الإمكانية الموضوعية لحدوث ونجاح هذا الإضراب أو تلك المظاهرة. وقطعا لا سبيل إلى جعل حساب الإمكانية هذا علما كاملا ودقيقا، ومع ذلك لا يمكن تجاهله. إن مبدأ نابليون الذي يقتبس في أغلب الأحوال “فلنشتبك ثم نرى” يعبر عن حقيقة هامة ولكن ضمن حدود معينة فقط. فأي جيش يشتبك في معركة شاملة مع عدو يتفوق عليه تسليحا ويتجاوزه حجما بكثير سوف يهزم على وجه اليقين تقريبا، كما سيهزم الجيش الذي يغزو روسيا دون أن يضع في اعتباره الآثار الحتمية جدا لشتاء روسيا.

وأخيرا ينبغي ملاحظة أن الحتمية النسبية تعطي نشاطنا السياسي الواعي لتغيير العالم أهمية ومغزى، بينما تجعل الحتمية المطلقة هذا النشاط أمرا غير مبرر، وتجعله الحتمية القوية غير فعال بشكل يدعو إلى اليأس. فإذا كانت نتيجة معينة مرغوبة في موقف معين وكانت هذه النتيجة محتملة الحدوث ولكن غير مضمونة ولا متراوحة، فإن أي فعل يتخذ نحو تحقيقها (بشرط ألا يكون ذا تأثير عكسي طبعا) يؤدي إلى زيادة احتمالية تحقق هذه النتيجة ولذلك يكون فعلا قيما. في ضوء هذه الاعتبارات النظرية، سوف أقوم الآن بدراسة مدى وحدود الحتمية في النظرية الماركسية في التاريخ.

قوى وعلاقات الإنتاج:

إن نظرية ماركس في التاريخ تبدأ بتأكيد بسيط وواضح للغاية:

“إن الإنسان ينبغي أن يكون قادرا على العيش حتى يتمكن من صناعة التاريخ. ولكن الحياة تعني قبل أي شيء آخر الطعام والشراب والمأوى والملبس وأشياء أخرى كثيرة.” (20)

بدون الطعام والشراب يموت الناس. هذه الحقيقة بسيطة وواضحة جدا حتى أن المرء يتعجب لماذا يهتم ماركس بذكرها (ليس مرة واحدة وإنما عدة مرات)(21)، ولما أهتم أنا باقتباسها منه. إن الإجابة على ذلك هي أن هذه الحقيقة دعامة أولى ضرورية وأن “كتابة التاريخ يجب دائما أن تنطلق من هذه الأسس الطبيعية”(22)، ولكن هناك عديد من النظريات والأفكار البرجوازية عن التاريخ والمجتمع تستطيع أن تتجاهل أو تخفي أو تتجنب هذه النقطة الجوهرية.

ويرى ماركس أنه من تلك الضرورة للحصول على المأكل والمشرب والملبس إلخ، يترتب أن يكون أساس أي مجتمع وكل التاريخ الإنساني هو إنتاج وسائل العيش هذه عن طريق العمل الاجتماعي. وهو ما يقود ماركس إلى أطروحة أخرى:

“خلال الإنتاج الاجتماعي لحياتهم، يدخل الناس في علاقات محددة ضرورية ومستقلة تماما عن إرادتهم، هي علاقات الإنتاج التي تتطابق مع مرحلة محددة من تطور قوى الإنتاج المادية.”(23)

هذه الأطروحة التي يمكن تلخيصها في نظرية أن مستوى تطور قوى الإنتاج يحدد علاقات الإنتاج الاجتماعية (واضعين في اعتبارنا أننا مازلنا نترك المعنى الدقيق لكلمة “يحدد” في هذا السياق مفتوحا).

ولا شك أنه في إطار الرؤية “الكلاسيكية” للماركسية – أي الخط الذي يبدأ بماركس عبر أنجلز ولينين ولوكسمبورج وترتسكي – كانت هذه الأطروحة تعتبر حجر الزاوية في المادية التاريخية. ومع ذلك في نفس الوقت كان كل جانب من جوانب هذه الأطروحة موضوعا للجدل العنيف بداية من معنى مصطلح قوى الإنتاج ومصطلح علاقات الإنتاج.

وعادة كان ينظر إلى قوى الإنتاج ببساطة على أنها التكنولوجيا (الأدوات والماكينات) المتاحة للمجتمع – وهو التفسير الذي ساهم كأساس للنظر إلى الماركسية بالضرورة كنظرية حتمية تكنولوجية. وقطعا هناك فقرة عند ماركس إذا أخذت منفصلة سيبدو أنها تؤيد هذا التفسير، وتحديدا تلك الفقرة الشهيرة في “بؤس الفلسفة” التي تقول أن “الطاحونة الهوائية تعطيك مجتمع السيد الاقطاعي، وأن الآلة البخارية تعطيك مجتمع الرأسمالي الصناعي”(24). غير أن ماركس كتب أيضا في نفس النص في فقرة تالية أن “من جميع أدوات الإنتاج تكون الطبقة الثورية نفسها هي أعظم قوة إنتاج.”(25) وهذا يشير إلى تفسير أوسع لقوى الإنتاج بأنها ليست مجرد الآلات، وإنما أيضا عمل المنتجين. وباستثناء هذا التفسير الأخير، فإن اقتباسات أخرى من ماركس تنطوي على معنى أدق كثيرا لسبب بسيط أن الأدوات والآلات نفسها يجب أولا أن يتم إنتاجها بالعمل الإنساني، بل وحتى آنذاك لا تقوم بالإنتاج بنفسها بدون المزيد من العمل الإنساني الذي يقوم بتحريكها. وأكثر من ذلك، فإن العمل الذي تتضمنه هذه العملية أكثر من مجرد القوة العضلية. فارتقاء التكنولوجيا يعتمد بشكل واضح على المعرفة العلمية لصانعها، في حين أنه في كثير من مجالات العمل نجد العمال المهرة والمتعلمين أعلى إنتاجية من العمال غير المهرة. لذلك فإن أفضل تعريف لقوى الإنتاج هو القدرات الإنتاجية العامة في أي مجتمع معين.

يوجد خيار مماثل بين التعريف الضيق والتعريف الواسع لمفهوم علاقات الإنتاج. غير أنه فيما يتعلق بهذه المسألة كانت هناك ثلاثة مواقف رئيسية. الأول يعرف علاقات الإنتاج بعلاقات الملكية القانونية. والثاني يميز بين الملكية القانونية والحيازة المباشرة أو السيطرة، ولكنه مع ذلك يقصر تعريف علاقات الإنتاج على علاقات الحيازة أو السيطرة المباشرة على وسائل الإنتاج. أما الموقف الثالث فيرى مفهوم علاقات الإنتاج على أنه مجموع العلاقات الاجتماعية التي يدخل فيها الأفراد خلال عملية الإنتاج.

يعاني الموقف الأول من عيب خطير يتمثل في تعلية الشكل على المضمون والمظهر على الواقع كما أنه برهن على كونه عقبة أمام فهم ظاهرة بالغة الأهمية مثل رأسمالية الدولة سواء في شكلها كامل التطور في روسيا أو شكلها الجزئي في الصناعات المؤممة في الغرب. ولذلك ينبغي رفضه.

إن الاختلاف بين الموقفين الثاني والثالث يتضح بشكل أفضل عبرالنظر إلى كيف أن كل تعريف منهما يحدد علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي. ووفقا للموقف الثاني تتمثل علاقات الإنتاج فقط في العلاقات بين الطبقة الراسمالية كمالكة أو مسيطرة على وسائل الإنتاج ومستخدمة لقوة العمل والطبقة العاملة كطبقة لا تملك وسائل الإنتاج وتبيع قوة العمل. أما الموقف الثالث فيرى أن علاقات الإنتاج تتمثل في هذه العلاقات بالإضافة إلى العلاقات بين العمال وأنفسهم، بين العمال والمشرفين، وبين المشرفين والمدراء، وبين المدراء والملاك، وبين الملاك والملاك وهكذا.

وهنا يتميز التعريف الضيق بقدرته على تركيز الضوء على تلك العلاقات الاجتماعية التي تعتبر بنيوية في الرأسمالية كنظام وعلى الطبقات الأساسية فيها – البرجوازية والبروليتاريا، ولكن يوجد به أيضا عيوب محددة. فقد يؤدي إما إلى رؤية مبالغة في التبسيط للبنية الطبقية على أنها تتكون فقط من رأسماليين وعمال وبدون شرائح اجتماعية متوسطة، أو التنظير حول هذه الشرائح المتوسطة وفق الاستهلاك ونمط الحياة وليس وفقا لمفهوم علاقات الإنتاج. كما أنه يؤدي أيضا إلى تصور ستاتيكي ملحوظ حول مفهوم علاقات الإنتاج حيث تظل فيه هذه العلاقات دون تغير عبر قرون من التطور الاقتصادي. وهكذا ينظر إلى التحول الهائل من الرأسمالية الصناعية الأولى إلى الرأسمالية المعاصرة متعددة الجنسيات، ومن اقتصاد تسيطر عليه نسبيا شركات صغيرة يملكها ويديرها أفراد إلى اقتصاد تسيطر عليه شركات عملاقة متعددة الجنسية تدار بيروقراطيا، باعتباره لا يتضمن تغييرا في علاقات الإنتاج. وهذا الموقف يتناقض بوضوح مع عبارة ماركس الشهيرة في البيان الشيوعي والقائلة “بأن البرجوازية لا يمكنها أن تعيش دون التثوير المستمر لوسائل الإنتاج، وبالتالي لعلاقات الإنتاج، ومعها جميع العلاقات في المجتمع.”(26)

وأخيرا هناك الحقيقة البسيطة بأن العلاقات بين العامل والعامل، والعامل والمشرف إلخ، هي علاقات اجتماعية بشكل واضح يتم الدخول فيها خلال عملية الإنتاج، أي علاقات إنتاج.

ولهذه الأسباب جميعها من الأفضل تبني التعريف الواسع والأكثر مرونة. ورغم ذلك ، من الضروري عند تبني هذا الموقف أن نضع في اعتبارنا التمييز بين التحولات الكمية التدريجية في علاقات الإنتاج التي لا تتغير فيها الطبقة التي تملك وتسيطر على وسائل الإنتاج وبين التغيرات النوعية الجوهرية التي يتغير فيها ذلك. فالتحولات الأولى تغير ميزان القوى داخل نمط معين للإنتاج، أما التحولات الثانية فتميز الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر.

يعود بنا ذلك إلى المسألة المركزية حول تحدد علاقات الإنتاج بواسطة قوى الإنتاج. فكما رأينا، يكتب ماركس في مقدمة الاقتصاد السياسي في عام 1859، حول “علاقات الإنتاج التي توافق درجة محددة من تطور تلك القوى الإنتاجية المادية،” ثم يجادل بعد ذلك قائلا:

“عند مرحلة معينة من تطورها تتناقض قوى الإنتاج المادي للمجتمع مع علاقات الإنتاج القائمة. وتتحول هذه العلاقات من أشكال لتطور قوى الإنتاج إلى قيود تعيق هذا التطور، وهنا يبدأ عصر الثورة الاجتماعية.”(27)

غير أن مفهوم أولوية قوى الإنتاج هذا برمته كان موضوعا للهجوم من مختلف الاتجاهات. وقد ذكرنا فعلا أكثر هذه الهجمات أهمية من الناحية التاريخية وهو الماوية. إدعاء الماوية بأنها تقوم ببناء الاشتراكية، أو حتى الشيوعية الكاملة، داخل إطار بلد فقير ويغلب عليه الطابع الريفي تطلب بالضرورة التقليل من أهمية قوى الإنتاج. وهكذا يرى المنظر الأساسي للماوية في أوروبا وهو تشارلز بيتلهايم أن “ما يحدث في الصين يبرهن على أن المستوى المتدني لقوى الإنتاج لا يمثل عقبة أمام التحول الاشتراكي في العلاقات الاجتماعية.” وفي هذه الحالة، كان إنكار أولوية قوى الإنتاج مرتبطا بمثالية قصوى وإرادوية أعلت من دور قوة الإرادة والزعامة السياسية في مواجهة الظروف المادية الموضوعية من جميع الجوانب فيما عدا الاسم. وعلاوة على ذلك، فقد برهن ما جرى في الصين على أن انخفاض مستوى تطور قوى الإنتاج لم يكن عقبة أمام التحول الاشتراكي فحسب ولكن أيضا أمام تطور رأسمالية الدولة في بلد واحد.

والحقيقة الأشد غرابة من ذلك ولكنها أكثر أهمية من الناحية النظرية هي أن ألكس كالينيكوس قد اتخذ في كتابه الماركسية والفلسفة موقفا يؤيد أن “نبدأ من علاقات الانتاج ونتعامل معها هي وليس مع قوى الإنتاج باعتبارها متغيرا مستقلا.” ويبدو أن ألكس انتهى إلى هذا الموقف من رغبته في تجنب خطر الحتمية التكنولوجية السلبية التي هيمنت في أوساط الأممية الثانية وكذلك الحتمية الميكانيكية الدوجمائية التي هيمنت على ذروة الفكر الستاليني رغم أنها أقل سلبية. ودعما لموقفه قام كالينيكوس بالاقتباس من كتاب ماركس “رأس المال” تحليله لكيفية توفير علاقات الإنتاج الرأسمالية القوة الدافعة لتطور قوى الإنتاج والتي أدت إلى الثورة الصناعية. كما يرى أيضا أن فكرة أولوية قوى الإنتاج تستمد جذورها من الصياغة الأولية غير المتطورة للمادية التاريخية كما وردت في كتاب “الأيديولوجية الألمانية” وليس من الصياغة الناضجة في أعمال ماركس اللاحقة (مع رفضه كتاب المقدمة في 1859 باعتباره حتمية تكنولوجية وأنه إلى حد بعيد يمثل تلخيصا للأيديولوجية الألمانية).

وردا لاعتبار ألكس ينبغي الإشارة إلى أنه لم يعد يتبنى هذا الموقف. ومع ذلك من المفيد مناقشة هذه الأفكار وفي سياق ذلك ينبغي التأكيد على ضرورة الاعتراف بأن علاقات الإنتاج قطعا تمارس تأثيرا قويا على قوى الإنتاج. وهو تأكيد يمكن البرهنة عليه إمبيريقيا كما أنه معترف به في صياغة ماركس الكلاسيكية. فكتاب “مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي” الصادر عام 1859 يذكر نوعان من التأثير يمكن أن تمارسهما علاقات الإنتاج على قوى الإنتاج: حيث يمكن أن تكون أشكالا لتطورها (والتي أفهمها بأنها تتضمن تشجيعا إيجابيا لتطور قوى الإنتاج) أو أن تصبح معوقات لهذا التطور (أي أنها قد تقيد أو تعوق تطور قوى الإنتاج). والحقيقة أن تحليل ماركس لتناقضات الرأسمالية – وخاصة الميل نحو أزمة الإنتاج الزائد وميل معدل الربح نحو الإنخفاض – يبين أن علاقات الإنتاج الرأسمالية تدفع قوى الإنتاج نحو الأمام كما تدفعها أيضا إلى الخلف في نفس الوقت مع هيمنة اتجاه التطوير في أوقات الرخاء وسيطرة اتجاه التعويق في أوقات الأزمة، كما أن الاتجاه نحو الأزمة يتزايد مع نضوج النظام.

ورغم ذلك فهناك أسباب قوية لاستمرار التأكيد على أولوية قوى الإنتاج واعتبار تأثير علاقات الانتاج ثانويا أو “رد فعل” اشتقاقي يؤثر على قوى الإنتاج. وأهم هذه الأسباب هو أنه لو أضفيت الأولوية على علاقات الإنتاج فلن يمكن وضع تفسير لسبب وجود علاقات الإنتاج على النحو الذي توجد عليه في أي مجتمع أو عصر محدد. ويصبح مفهوم علاقات الإنتاج معلقا، كما كان، في الهواء مقوضا بذلك تماسك المادية التاريخية كنظرية عامة في التطور التاريخي. وفي سياق ذلك يجري تقويض مبدأين جوهريين آخرين في الماركسية الكلاسيكية: نظرية الثورة التي تستمد جذورها من تناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج، والنظرية الأخرى القائلة بأن الشروط الاقتصادية الجوهرية لبناء الاشتراكية هي تطور قوى الإنتاج إلى المدى الذي يجعل من الممكن توفير حياة لائقة للجميع. غير أن نفس هذه المشكلة لا تنشأ إذا اعتبرنا قوى الإنتاج ذات أولوية حيث يتوافر تفسير لوجود ونمو قوى الإنتاج في التحليل الأخير على أساس الصراع من أجل توفير الحاجات الإنسانية البيولوجية، والتي تعد نفسها نتاجا للتطور الطبيعي.

وهناك فكرة إضافية تؤيد هذا الموقف مؤداها أنه يتطابق مع الغالبية العظمى من التحليلات الكلاسيكية للمادية التاريخية التي قام بها كل من ماركس وإنجلز، ليس فقط في “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” في 1859 و”الأيديولوجيا الألمانية”، ولكن أيضا في كتاب “بؤس الفلسفة” و “البيان الشيوعي” و “ضد دوهرينج” و “أصل العائلة والمليكة الخاصة والدولة” ومواضع أخرى. حتى الفقرة التي اقتبسها ألكس من “رأس المال” ليؤيد بها موقفه تحتوي على إشارة على الأولوية الأساسية لقوى الإنتاج والتي تتشابه جدا مع صياغتها في “مساهمة” 1859:

“إن العلاقة المباشرة لملاك وسائل وشروط الإنتاج مع المنتجين المباشرين – وهي علاقة تتوافق دائما وبشكل طبيعي مع مرحلة محددة من تطور طرق العمل وكذلك إنتاجيته الاجتماعية – هي التي تكشف دائما عن الأسرار الخفية والأسس الغامضة لكامل البناء الاجتماعي.”(33) (التشديد من عند الكاتب).

وأخيرا، قدم كريس هارمان دليلا نظريا وإمبيريقيا مقنعا على أولوية قوى الإنتاج فيما يتعلق بدراسة حالة هامة للانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. وكان الماركسي الأمريكي الشهير روبرت برنر قد جادل بأن هذا الانتقال يفسر بشكل أساسي في ضوء الصراع الطبقي في الريف بين السادة والفلاحين (أي في ضوء علاقات الإنتاج) وليس في ضوء تطور التجارة والصناعة وظهور البرجوازية في المدن (أي قوى الإنتاج). وفي مواجهة أفكار برنر والنظريات السابقة لبايرن وسويزي وولرشتاين، اعتمد هارمان على كتابات لو جيف، وكريدل ومؤرخين آخرين للتأكيد على تحليل ماركس بصورة أكثر تطورا للطريقة “التي أدى من خلالها نمو قوى الإنتاج داخل المجتمع الإقطاعي إلى ظهور علاقات إنتاج جديدة، هي العلاقات التي اصطدمت مع المجتمع القديم وأدت إلى الثورة البرجوازية التي تركزت في المدن وتعززت بتمرد الطبقات الريفية.”(34)

ولكن إذا كانت قوى الإنتاج تحتل الأولوية ويلزم أن تكون نقطة الإنطلاق من درجة تطورها بالنسبة لمجمل التحليل الماركسي، فإن علاقتها مع علاقات الإنتاج لا يمكن أن تكون علاقة حتمية ميكانيكية أو أوتوماتيكية. فأي تصور حول الحتمية الأوتوماتيكية هنا تفنده الحقيقة التاريخية للثورة الاجتماعية لأن الثورة الاجتماعية تتضمن تحديدا تحولا جذريا في علاقات الإنتاج على أساس مستوى معين من تطور قوى الإنتاج. ففي روسيا كانت علاقات الإنتاج في 1918 مختلفة اختلافا كبيرا عن علاقات الإنتاج التي كانت سائدة في عام 1916، بينما قوى الإنتاج، تحت أي اعتبار، تدهورت. وأكثر من ذلك أن مفهوم ماركس حول تناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج القائمة سيكون مستحيلا إذا كان هناك حتمية مطلقة أو ميكانيكية لعلاقات الإنتاج تحددها قوى الإنتاج. وواضح إذن أننا عدنا إلى مجال الحتمية النسبية. إن طبيعة هذه الحتمية النسبية، كما أعتقد، يمكن فهمها بأفضل صورة ممكنة كمركب من القوة الدافعة (IMPLULSE) والعائق (CONSTRAINT).

من ناحية يضع مستوى تطور قوى الإنتاج حدودا معينة لعلاقات الإنتاج الممكنة في فترة معينة من الزمن. وهكذا، في المراحل الأولى من التاريخ البشري، عندما كانت قوى الإنتاج تقيد البشرية في إطار مجتمع الصيد وقطف الثمار القبلي، كان ظهور علاقات إنتاج قائمة على الاستغلال (أي انقسام المجتمع إلى طبقات) مستبعدا. لكن قوى الإنتاج في أوروبا القرن الحادي عشر كانت تستبعد إمكانية كلا من الشيوعية البدائية أو علاقات الإنتاج الاشتراكية الحديثة. فعدد السكان (وهم أنفسهم قوة من قوى الإنتاج) كان قد تجاوز كثيرا العدد الذي يمكن أن يعيش على الصيد وقطف الثمار منذ زمن طويل، كما أن فائضا كان يتم إنتاجه بما يسمح للطبقة الحاكمة ببناء قوات مسلحة تستطيع بسهولة تحطيم أي محاولة لتحقيق المساواة البدائية. وفي نفس الوقت كانت قوى الإنتاج كافية لتوفير حياة لائقة ولكن لأقلية ضئيلة فقط من السكان: وبغض النظر عن كيفية تنظيم عملية الإنتاج أو توزيع المنتجات، فلم يكن ممكنا تحرير كل السكان من الفقر والجوع ومن حياة الكد اللانهائي. وعلى النقيض من ذلك، فإن قوى الإنتاج في مجتمعنا المعاصر تستبعد كلا من الشيوعية البدائية أو علاقات الإنتاج الإقطاعية: إنها تسمح فقط بمجتمع رأسمالي أو مجتمع اشتراكي، أو إن شئنا الدقة، علاقات إنتاج انتقالية نحو الاشتراكية.

ومن ناحية أخرى، ولد تطور قوى الإنتاج في أوروبا منذ القرن الخامس عشر على الأقل قوة دافعة قوية لظهور علاقات الإنتاج الرأسمالية تطورت، كما أشار ماركس، “في مرحلة المجتمع الإقطاعي”. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى الآن أنشأ تطور قوى الإنتاج قوة دافعة قوية باستمرار نحو الاشتراكية. فتزايد تحول عملية الإنتاج إلى عملية اجتماعية، ونمو الطبقة العاملة العالمية، وظهور الاقتصاد العالمي، وتقدم العلوم والتكنولوجيا (بقدراتها الهائلة على التدمير وكذلك على البناء) كل ذلك يضغط على البشرية في اتجاه الملكية الاجتماعية والتخطيط الديمقراطي.

ومع ذلك، فقد كشفت التجربة التاريخية بشكل حاسم أن تطور قوى الإنتاج لا يكفي في حد ذاته ليحتم الانتقال من نمط معين للإنتاج إلى نمط آخر، سواء من الإقطاع إلى الرأسمالية أو من الرأسمالية إلى الاشتراكية. إن هذا التطور شرط ضروري ولكنه ليس كافيا. لأن حدوث هذا الانتقال يتطلب أيضا قيام طبقة اجتماعية جديدة (ظهورها يحتمه نمو قوى الإنتاج وتعتبر جزءا من هذا النمو) بالإطاحة بالطبقة الحاكمة القديمة (التي تدين بوضعها المتميز لنمط الإنتاج القديم ولديها مصلحة أصيلة في الحفاظ عليه) والاستحواذ على سلطة الدولة من يدها. وهذا هو مغزى الفكرة القائلة بأن الصراع الطبقي هو قاطرة التاريخ.

البنية التحتية والبنية الفوقية:

عند هذه النقطة يمكن أن نقدم بعض التعليقات العامة حول المسألة التي تتعرض لجدل واسع حول أن البنية الفوقية للمجتمع تحددها القاعدة الاقتصادية. قال إنجلز في كلمته على قبر ماركس:

“مثلما اكتشف دارون قانون تطور الطبيعة العضوية، اكتشف ماركس أيضا قانون تطور المجتمع البشري: تلك الحقيقة البسيطة التي مازالت حتى الآن تختفي تحت نمو ركام كبير من الأيديولوجيا، والقائلة بأن البشر يجب قبل أي شيء آخر أن يأكلوا ويشربوا ويوفروا المسكن والملبس قبل أن يفكروا في السياسة والعلوم والفنون والدين إلخ، وبالتالي فإن إنتاج وسائل العيش المادية المباشرة، ودرجة التطور الاقتصادي التي حققها شعب معين أو خلال عصر معين تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم القانونية والفنون، بل وحتى الأفكار المتعلقة بالدين الذي يدين به هذا الشعب تتطورعنها، وبالتالي ينبغي أن تفسر في ضوئها وليس العكس كما هو الحال حتى الآن.” (35)

إن هذا الإصرار على أولوية البنية الاقتصادية التحتية في علاقتها بالبنية الفوقية، وعلى تفسير الأخيرة بالأولى وليس العكس، وعلى تفسير الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي، وليس الوجود الاجتماعي بالوعي، شائع في جميع التحليلات الكلاسيكية للمادية التاريخية من قبل مؤسسيها، وواضح أنه أمر جوهري في الماركسية ككل.

ومع ذلك، ففي سياق ملاحظتنا لهذا الأمر، ينبغي أيضا أن نلاحظ أن ماركس وإنجلز في الغالبية العظمى من هذه الأطروحات يقومان بصياغة العلاقة بين البنية الفوقية والبنية التحتية في إطار”التوافق” و “الاشتراط” أو “النشأة” وليس الحتمية الصارمة. هكذا نجد في “مساهمة 1859”:

“البنية الاقتصادية للمجتمع، الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه بنية فوقية قانونية وسياسية، وتتوافق معها أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن نمط إنتاج الحياة المادية يشترط عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية بشكل عام. ومع تغير الأساس الاقتصادي فإن كامل البنية الفوقية الهائلة يتحول سريعا بهذه الدرجة أو تلك” (التشديد من عند الكاتب). (36)

وعلاوة على ذلك فإن إنجلز في رسائله الأخيرة كرر التأكيد على أنه لم تكن لديه ولا لدى ماركس أي نية للقول بحتمية مطلقة أو ميكانيكية في علاقة البنية الفوقية بالبنية التحتية:

“وفقا للمفهوم المادي للتاريخ فإن إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحقيقية هو الشرط التاريخي المحدد في نهاية المطاف. ولم يحدث أبدا أن قام ماركس ولا أنا بالادعاء بأكثر من ذلك. ومن هنا، فإذا قام أحدهم بتشويه هذا الموقف للزعم بأن العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد المحدد، فإنه بذلك يحول القضية إلى عبارة مجردة وسخيفة وبلا معنى. إن الوضع الاقتصادي يمثل الأساس، ولكن العوامل المختلفة التي تشكل البنية الفوقية – الأشكال السياسية للصراع الطبقي ونتائجه، أي المؤسسات التي تقيمها الطبقة المنتصرة بعد معركة ناجحة، إلخ، والأشكال القانونية والقضائية بل وحتى انعكاسات كل هذه الصراعات الحقيقية على عقول وأفكار المشاركين فيها، والنظريات السياسية والقانونية والفلسفية، والآراء الدينية وتطورها اللاحق إلى أنساق دوجمائية – كلها تمارس تأثيراتها على مسار الصراعات التاريخية وفي حالات كثيرة تلعب دورا مهيمنا في تحديد شكل تلك الصراعات. ” (37)

وفي الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، يقدم ماركس تعبيرا واضحا عن الطريقة التي يمكن بها للأفكار أن تتجاوز الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت فيها:

إن تقاليد الأجيال الغابرة تربض كالكابوس على عقول الأحياء، وعندما يبدو أنهم منخرطون في تغيير أنفسهم وأوضاعهم تغييرا ثوريا، وفي خلق أوضاع جديدة تماما لم تكن قائمة من قبل، وتحديدا في فترات الأزمة الثورية يقومون في عجالة وتوتر باستدعاء أرواح الماضي لخدمتهم ويستعيرون منها الأسماء، وصيحات المعركة والأزياء من أجل عرض هذا المشهد الجديد من تاريخ العالم في صورة ذلك العصر المهيبة وبتلك اللغة المستعارة. (38)

وفي مقدمة كتابه “تاريخ الثورة الروسية” يربط تروتسكي بين غياب هذه الحتمية الميكانيكية وحقيقة الثورة الروسية:

“إن المجتمع لا يغير مؤسساته عند ظهور الحاجة إلى ذلك بنفس طريقة تغيير الميكانيكي لأدواته. بل على النقيض من ذلك يعتبر المجتمع فعليا أن المؤسسات التي هيمنت عليه قد ظهرت مرة واحدة وإلى الأبد. وهكذا فإن التغيرات السريعة في آراء الجماهير ومشاعرها في عصر الثورة لا تنبع من مرونة وعي الإنسان وحركيته، بل تنبع على العكس تماما من نزعته المحافظة العميقة. إن تخلف الأفكار والعلاقات المزمن عن الظروف الموضوعية الجديدة، حتى تلك اللحظة التي تصطدم الجماهير بهذه الظروف الجديدة بطريقة كارثية، هو ما يخلق في فترة الثورة تلك الحركة الوثابة في الأفكار والمشاعر والتي تبدو للعقلية البوليسية مجرد نتيجة لأنشطة العناصر الديماجوجية.” (39)

واضح إذن أن أي اتهام للماركسية بأنها تتبنى الحتمية الميكانيكية أو الحتمية الاقتصادية الفجة بعيد تماما عن الواقع. والمادية التاريخية تتبنى الحتمية النسبية فيما يتعلق بمسألة البنية التحتية والبنية الفوقية وكذلك في مسألة قوى وعلاقات الإنتاج وينطبق هنا أيضا مفهوم القوة الدافعة والعائق.

فمن ناحية، تضع طبيعة القاعدة الاقتصادية حدودا معينة لطبيعة البنية الفوقية للمجتمع، وبالتالي مثلا لا تتناسب البنية التحتية للمجتمع الإقطاعي مع قانون الانتخاب العام والديمقراطية البرلمانية وواضح أنها لا تدعم ظهور فلسفة جون ستيوارت مل، ولا علم آدم سميث في الاقتصاد، ولا الرواية باعتبارها الشكل الأدبي السائد أو الفن التشكيلي لكل من رمبرانت وجاكسون بولوك. ومن ناحية أخرى، فإن تطور البنية التحتية في كل من قوى وعلاقات الإنتاج ينتج ضغوطا مستمرة لتغيير في البنية الفوقية. وهكذا أدت بوادر الرأسمالية في أوروبا إلى توليد ضغوط لتحدي الكنيسة الكاثوليكية والتي كانت من أهم الإقطاعيين ملاك الأرض وكانت تقدم الشرعية الأيديولوجية للنظام الاقطاعي ككل. وكانت النتيجة النهائية لهذه الضغوط ظهور حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر مع ظهور الكالفينية بشكل جديد للمسيحية يلائم احتياجات التراكم البدائي لرأس المال. وفي نفس الوقت وفرت الثورة الصناعية في بريطانيا دافعا لإقرار حق التصويت، في البداية للبرجوازية الصناعية والطبقة الوسطى ثم بعد ذلك للطبقة العاملة الصناعية (مما نتج عنه قوانين الإصلاح لأعوام 1832، و 1867، و1884). ومثل ذلك كان التغير في البنية التحتية – الزيادة الكبيرة في توظيف النساء بأجر خلال فترة الرخاء الاقتصادي الطويل بعد الحرب – دافعا نحو تغير كبير، رغم أنه جزئي، في الموقف الاجتماعي السائد نحو المرأة. ومع ذلك، ينبغي أن نضيف فورا أن أيا من هذه الضغوط والدوافع لم يتحقق أوتوماتيكيا بدون صراع مرير كان من الممكن أن تختلف نتائجه.

وهنا يمكن أن نتناول تلك المسألة المعقدة والصعبة التي تتعلق بمدى ودرجة الحتمية في ارتباط مختلف عناصر البنية الفوقية مع البنية التحتية. وبشكل عام يمكن القول بأن عناصر البنية الفوقية التي يكون لها تأثير عملي مباشر مثل القانون والقضاء والشرطة والجيش ونظام التعليم وغيرها ترتبط أكثر بالبنية التحتية، وخاصة بالمصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة من العناصر التي تتسم أكثر بالطابع الأيديولوجي مثل الأفكار الدينية والفلسفة والفن. وبالتالي لا يستطيع اقتصاد رأسمالي حديث أن يتعايش مع قوانين مناهضة للرأسمالية سواء تلك التي تتطلع للماضي نحو الاقطاع، مثلا عن طريق تجريم الربا (أي إقراض المال والحصول على الفائدة) أو تتطلع نحو المستقبل من خلال منع استخدام العمل المأجور أو تقنين مصادرة الفقراء لممتلكات الأغنياء. غير أن الاقتصاد الرأسمالي يمكن أن يتعايش مع فن يحن إلى الماضي الاقطاعي (مثل الفن التشكيلي قبل روفائيل في بريطانيا العصر الفيكتوري، وشعر إيما باوند، والروايات الخيالية لتولكين)، أو فنون تروج لمستقبل اشتراكي (مثل مسرحيات بريخت، ولوحات ليجر إلخ). من الممكن أيضا أن نميز بين مختلف أشكال الفنون، حيث فن العمارة مثلا يتأثر مباشرة أكثر بقيود اقتصادية صارمة مقارنة بالشعر. وبالتأكيد تستطيع الرأسمالية بل وتتعايش مع عدد كبير من الديانات المتنوعة والتي يرجع ظهورها إلى عهود طويلة قبل الرأسمالية (رغم أنه طبعا يجب على هذه الديانات أن تتأقلم مع الرأسمالية حتى تستمر).

غير أن جميع هذه التعميمات تحتاج إلى مواءمة كبيرة. وقد اهتم إنجلز كثيرا بتفسير الاستقلال النسبي للمجال القانوني:

“بمجرد أن يصبح التقسيم الجديد الذي يؤدي إلى ظهور المحامين ضروريا ينتج عن ذلك فتح مجال جديد ومستقل، ورغم اعتماده بشكل عام على الإنتاج والتجارة يكون له مع ذلك قدرة للتأثير عليهما. وفي الدولة الحديثة، لا يجب أن يتوافق القانون مع الأوضاع الاقتصادية العامة ويكون تعبيرا عنها فحسب، وإنما يجب أيضا أن يكون تعبيرا متسقا داخليا بحيث لا يختزل نفسه إلى لاشيء بسبب تناقضات داخلية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يتعرض تعبيره الدقيق عن الأوضاع الاقتصادية إلى معاناة مستمرة.” (40)

وبنفس الطريقة يعالج تحليل ماركس للبونابرتية وتحليل تروتسكي للفاشية مواقف تقوم فيها آلة الدولة الرأسمالية بتجاوز حدود السيطرة المباشرة للطبقة الرأسمالية وتستطيع بالتالي فرض سياسات معينة لا تكون في مصلحة هذه الطبقة: مثل المحرقة النازية التي لا يمكن تفسيرها سواء من خلال الحاجات الاقتصادية أو السياسية للبرجوازية الألمانية. (41)

في نفس الوقت نجد أن أفضل الإنجازات في مجال الفلسفة والفن تستمد عظمتها بالضبط من علاقتها الوطيدة بالبنية الاقتصادية. وتعتبر الماركسية نفسها نموذجا لذلك من حيث أن نقطة قوتها لا تتمثل في استقلالها أو انفصالها ولكن في تناولها الدقيق للتناقضات الجوهرية في الأساس الاقتصادي للمجتمع وفي تعبيرها الدقيق عن مصالح قوة الإنتاج الرئيسية في هذا المجتمع أي الطبقة العاملة (42). وفي الفن التشكيلي نستطيع أن نذكر لوحات رمبرانت العديدة التي صورت البرجوازية الهولندية الصاعدة (مثال ذلك لوحة “تشريح دكتور تالب، والحارس الليلي، والموظفون الإداريون) أو لوحتي تيرنر “المطر” و “البخار والسرعة” والتي تستلهم القوى المحركة الكبيرة في رأسمالية القرن التاسع عشر، والقاطرة والبيانات وقصائد ولوحات “المستقبليين” والتي تحتفي بظهور السيارة والكهرباء وعواصم القرن العشرين، وفي الأدب روايات ديفو وأوستن وبلزاك وديكنز (حتى نذكر القليل منهم) وجميعها تكشف عن علاقة مباشرة مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية.

وواضح رغم ذلك أن من نتائج موقف الحتمية النسبية أنه في مجال العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية ككل، وخاصة في نطاق الأيديولوجيا، تنطوي جميع التعميمات والخطوط الفكرية – رغم ضرورتها – على قيمة محدودة فقط وينبغي أن تفسح المجال بسرعة للتحليل الملموس.

قوانين حركة الرأسمالية:

إن أحد الجوانب الهامة لمشكلة الحتمية عموما ولمشكلة العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية هو مدى ودرجة الحتمية في السلوك البشري في علاقتها بقوانين الحركة الاقتصادية للرأسمالية. إن حقيقة أن ماركس كرس الجزء الأكبر من حياته في الكشف عن هذه القوانين في كتابه الأساسي “رأس المال” يبين أنه اعتبر هذه القوانين ذات أهمية قصوى في تشكيل السلوك الإنساني المعاصر ومستقبلا. وعلاوة على ذلك فإن مجرد فكرة وجود قانون اقتصادي للحركة يتضمن درجة عالية من الحتمية.

وحقيقة الأمر، تتجلى أقصى درجة من الحتمية في النظرية الماركسية عند تناولها للسلوك الاقتصادي للأفراد وبدرجة أكبر للطبقات. فالماركسية تصر على أن الطبقة العاملة ككل لا خيار أمامها إلا أن تبيع قوة عملها لأصحاب العمل (43)، مع مساحة ضئيلة من الاختيار في بيع قوة عملها لهذا أو ذاك من أصحاب العمل. وبنفس الدرجة تصر على أن الرأسماليين، ومدراء الشركات الرأسمالية لا خيار أمامهم بسبب المنافسة إلا محاولة تعظيم تراكم رأس المال وبالتالي محاولة تعظيم معدل الاستغلال. وترى الماركسية أن قيمة السلع، بما في ذلك قيمة قوة العمل، وبالتالي أسعارها في المدى الطويل تتحدد موضوعيا لا ذاتيا ولا اعتباطيا. (44)

وكذلك ترى الماركسية أن التراكم التنافسي لرأس المال على أساس قانون القيمة يؤدي حتما إلى ميل معدل الربح نحو الانخفاض (45)، والذي يؤدي بدوره إلى أزمة اقتصادية في صورة ركود بوتيرة وحدة تتزايد باستمرار.

لا يمكن هنا مناقشة صلاحية النظرية الاقتصادية الماركسية من عدمها وصلاحية نظريتها في الأزمة (46) ، وإنما أرغب فقط في التأكيد على طبيعتها الحتمية الشديدة.

على أننا هنا أيضا لا نتحدث عن حتمية ميكانيكية مطلقة. فأفراد من العمال يمكنهم أن ينضموا إلى جماعات مثل الهيبيز أو غيرها أو يصبحوا ثوارا متفرغين. ويمكن لأفراد من الرأسماليين أن يمارسوا أعمالا خيرية وقطعا يمكن أن يرتكبوا أخطاءا جسيمة في سعيهم وراء جني الأرباح. كما أن عوامل متعددة، ظاهرة أو خفية، يمكن أن تعوق اتجاه معدل الربح نحو الانخفاض وبالتالي تؤجل حدوث الأزمة الاقتصادية (47). ولا يوجد في النظرية الماركسية ما يستبعد إمكانية حادث كوني يحبط كامل هذه العملية. ومع ذلك فإن عنصر الحتمية في هذا المجال قوي جدا على ما يبدو.

هذه النزعة الحتمية القوية فيما يتعلق بقوانين حركة الراسمالية يترتب عليها نقطة يدور حولها صراع حاد بين الماركسية وجميع النظريات الإصلاحية على تنوعها. حيث يعتقد الإصلاحيون من مختلف الاتجاهات، أو على الأقل يزعمون أنهم يعتقدون، أن الحكومات إذا تولاها أشخاص من ذوي النوايا الطيبة والنظرة الثاقبة (أي إذا تولوها هم أنفسهم) ستكون قادرة دون الحاجة أولا إلى إزالة علاقات الإنتاج الرأسمالية على إدارة حركة الاقتصاد الرأسمالي بطريقة تعالج أزماته، وتخفيف وطأة الاستغلال وتجعله بشكل عام يعمل في مصلحة الطبقة العاملة. بينما يرى الماركسيون في ذلك وهما مدمرا وأن قوانين الاقتصاد الرأسمالية أقوى كثيرا من النوايا الطيبة عند الساسة الإصلاحيين.

ومع مواجهة حقائق الاقتصاد الرأسمالي نجد الحكومات الإصلاحية إما أنها تتخلى عن برامجها الإصلاحية (وهو السيناريو الأكثر شيوعا) وتؤقلم نفسها بخنوع مع أولويات الرأسمالية، أو، إذا تبنت موقفا أكثر إصرارا تحت ضغط جماهيري هائل من أسفل، تندفع بسرعة في حالة من الفوضى والارتباك. والأمر الوحيد الذي لا تستطيع إنجازه هو التعديل الجوهري لمنطق حركة النظام من ناحية واتجاهه نحو الأزمة من ناحية أخرى. مرة أخرى، لا مجال هنا لمناقشة وجهة نظر الماركسية بأي درجة من التفصيل في قضية الحكومات الاشتراكية الديمقراطية. ويكفي الإشارة إلى أن سجلها التاريخي – بما في ذلك سجل سبع حكومات لحزب العمال في بريطانيا منذ عام 1924 وسجل جمهورية الفايمر، والوحدة الشعبية في شيلي، وحكومة ميتران في فرنسا وجونزالس في أسبانيا – يقدم شهادة قوية لصالح الحتمية الماركسية.

ومع ذلك، فإن الماركسية تتخذ أيضا موقفا مناهضا للحتمية فيما يتعلق بقوانين حركة الرأسمالية عند مستوى مختلف من السجال في نفس الوقت الذي تؤكد فيه على القوة الحتمية لهذه القوانين. فالاتجاه العام وسط أكثر المدافعين الأيديولوجيين عن الرأسمالية – خبراء الاقتصاد، والسياسيون وغيرهم – ووسط الرأسماليين أنفسهم هو معاملة هذه القوانين التي يطلقون عليها قوانين السوق كقوانين مطلقة لا تتغير. وأحيانا ما يعتبرونها قوانين طبيعية مباشرة – فقد كانت مارجريت تاتشر هي القائلة بأنك “لا تستطيع أن تتحدي قوانين السوق بأكثر مما تستطيع مقاومة قانون الجاذبية”. بل ينظر إلى هذه القوانين وكأنها نابعة من الطبيعة البشرية الثابتة خارج إطار الزمن – أي الطبيعة البشرية الأنانية والفردية التي تسعى إلى تعظيم المنفعة عند علماء الاقتصاد الكلاسيكي. وعلى كل، تقدم هذه القوانين كأنها خارجة عن ومتجاوزة أي إمكانية لسيطرة البشر عليها ويجري تصوير أي محاولة لمقاومتها أو تحديها على أنها خيالية وضارة وشريرة في نفس الوقت.

ترفض الماركسية هذا الموقف، وتؤكد أن قوانين الاقتصاد المعاصرة لا تنبع من الطبيعة ولا الطبيعة البشرية وإنما تنتج فقط من علاقات الإنتاج الرأسمالية وهي علاقات بدورها نتيجة تاريخية، أي أنها نتاج لأفعال بشرية سابقة، ويمكن تغييرها بواسطة أفعال البشر. ومع ذلك، فطالما استمرت علاقات الإنتاج الرأسمالية قائمة فسوف تظل قوانين حركة الرأسمالية في عملها وسوف تكسر أي معارضة أو مقاومة لها في الأجل الطويل. (48)

وقبل أن نغادر مسألة الدور الحتمي لقوانين الرأسمالية، من الضروري أن نناقش مجال الحرية النسبية في سلوك مختلف الطبقات الاجتماعية. وهنا نواجه مفارقة واضحة. ففيما يتعلق بالسلوكيات الشخصية أو الفردية، واضح أن أعضاء الطبقة الرأسمالية يتمتعون بحرية أكبر كثيرا من أفراد الطبقة العاملة. حيث يمكنهم الاسترخاء والتمتع بالعطلات والأكل والشراب واللعب عندما يشاءون ذلك. وعلى العكس، نجد أن العمال لا خيار لهم في هذه الأمور أو أن الخيار أمامهم محدود للغاية. ولكن عندما يتعلق الأمر بتحرك اجتماعي أو سياسي، أي التصرف كطبقة اجتماعية، تصبح الطبقة العاملة أكثر حرية من ناحية جوهرية، وأقل خضوعا للحتمية في سلوكها مقارنة بالبرجوازية كطبقة. البرجوازية تاريخيا سجينة النظام الذي تسيطر عليه، سجينة للاندفاع نحو تراكم رأس المال من ناحية ولتناقضات النظام من ناحية أخرى. إنها تتحقق في اغترابها، وكما يعبر ماركس عن ذلك قائلا “إن الرأسمالي مجرد تشخيص لرأس المال ويلعب في عملية الإنتاج دورا لا يتجاوز دور وكيل رأس المال.”(49) أما الطبقة العاملة فتستطيع مقاومة متطلبات رأس المال وتقاومها. ومنذ اللحظة التي تقاوم فيها تصبح الطبقة العاملة أكثر من مجرد تشخيص لقوة العمل. إنها تخطو خطوة على طريق تجاوز اغترابها وسيطرتها الواعية على الإنتاج والمجتمع والتاريخ.

إن لهذا التعارض بين أسر البرجوازية والحرية (النسبية) للبروليتاريا نتائجه بالنسبة للفئات المتوسطة التي يشار إليها عموما بالطبقة الوسطى. ففي الجناح اليساري من هذه الشريحة الاجتماعية ترتبط استراتيجية الإصلاحية السياسية ارتباطا وثيقا باستراتيجية الترقي الشخصي في سلم المهن والمؤسسات، ويردد الصحفي والمدرس ومسئول الحكومة المحلية والإخصائي الاجتماعي لأنفسهم والآخرين أنه من الضروري أن يتقدموا في هياكل إدارة الهيئة أو المدرسة أو الصحيفة أو الجهة التي يعملون بها من أجل وضع أفكارهم موضع التنفيذ وامتلاك القدرة على تغيير الأوضاع. غير أنه في واقع الأمر كلما تقدم الفرد وترقى يصبح محاصرا أكثر بمنطق رأس المال، ويفقد أكثر فأكثر حريته في معارضة ذلك المنطق، وبهذا المعنى يصبح سلوكه محتما أكثر فأكثر.

الحتمية والصراع الطبقي:

إن الحرية النسبية الأكبر لدى البروليتاريا، أي قدرتها على اختيار مقاومة قيود رأس المال، يقودنا مباشرة إلى مسألة علاقة الحتمية بالصراع الطبقي. إلى أي حد يكون وجود ومسار ونتائج الصراع الطبقي محتما موضوعيا بشكل مستقل عن الإرادة والوعي والتدخل القصدي من قبل العمال والاشتراكيين الثوريين؟ إن هذا السؤال، أو سلسلة الأسئلة، هو الجانب الأهم من الناحية السياسية في قضية الحتمية ككل. حيث أنه يمثل النقطة التي يؤثر فيها هذا السجال الفلسفي تأثيرا مباشرا أكثر على الممارسة الاشتراكية.

إن واحدا من أهم أعمدة المادية التاريخية طبعا هو أن الصراع الطبقي عبر التاريخ ينبع من علاقات الإنتاج القائمة على الاستغلال. وحقا أن الاستغلال، اي الاستيلاء على فائض العمل من المنتجين المباشرين، هو الذي ينتج الصراع الذي يشكل الصراع الطبقي. أو كما يوضح سانت كروا “إن الطبقية (وهي علاقة اجتماعية بالضرورة) هي التعبير الاجتماعي الكلي عن واقع الاستغلال، أي الطريقة التي يكون فيها الاستغلال متضمنا في البناء الاجتماعي.”(50) وفي المجتمع الرأسمالي ينتج العداء والصراع بين البروليتاريا والبرجوازية من الاستحواذ على فائض القيمة الذي يتخفى في علاقة العمل المأجور. وهناك تعارض موضوعي في المصالح بين الطبقات حيث أن الرأسماليين بدافع من المنافسة يسعون باستمرار إلى زيادة معدل الاستغلال (من خلال تخفيض الأجور، او إطالة يوم العمل، وزيادة الإنتاجية) والعمال بدافع الحاجات الطبيعية والحاجات الاجتماعية يسعون إلى تخفيض هذا المعدل. وهذه معركة تدور رحاها في كل يوم عمل أو أسبوع عمل وفي كل مكان في مختلف أنحاء العالم الرأسمالي وطوال عصر الرأسمالية والتي تتخلل، عبر أشكال متفاوتة ومتباينة، كل جوانب ومستويات حياة المجتمع. ولذلك فإن وجود الصراع الطبقي ليس اختراعا ولا ابتكارا جاء به أو ابتدعه ماركس أو الماركسيين، أو المحرضين أو مثيري الشغب. إنه أحد الخصائص الحتمية في المجتمع الرأسمالي يحتمه النشاط الاقتصادي.

غير أن مستوى حدة الصراع الطبقي يتفاوت بدرجة كبيرة. والمجتمع البرجوازي يمر بفترات تتميز بالسلام الطبقي الواضح حيث يختفي الصراع بين الطبقات، رغم استمراره، تحت السطح وفترات أخرى تشهد حربا طبقية مفتوحة بالمعنى الحرفي لكلمة الثورة أو الحرب الأهلية، كما يمر بفترات أخرى وسيطة بدرجات متفاوتة بين هذا المستوى وذاك.

وعند تحليل درجة الحتمية الاقتصادية في الصراع الطبقي من عدمها، يجب العودة باختصار إلى التمييز الذي قدمناه أعلاه بين حرية الحركة النسبية لدى البرجوازية والبروليتاريا. إن جانبا الصراع الطبقي البرجوازي والبروليتاري يرتبطان بعضهما مع الآخر ارتباطا واضحا ولكنهما ليسا متطابقين ولا متناسبين. فالجانب البرجوازي تشتد فيه الحتمية الاقتصادية. وواضح أن عوامل سياسية وتاريخية وفردية وسيكولوجية تلعب دورا في التأثير على التكتيكات والشراسة التي تستخدمها البرجوازية في تحقيق مصالحها، ومع ذلك فإن الطابع الجبري للاقتصاد قوي جدا كما أن البرجوازية قد طورت “غريزة طبقية” شديدة، أي وعيا عمليا واضحا جدا حول اتجاه مصالحها. ولذلك يمكن صياغة قاعدة عامة أو “قانون” مؤداه أن البرجوازية في أوقات الأزمات الاقتصادية وعندما تنخفض معدلات الأرباح وتزداد حدة المنافسة بين رؤوس الأموال سوف تقوم بتصعيد هجومها على مستوى معيشة الطبقة العاملة.

ورغم ذلك، عندما يتعلق الأمر بالجانب البروليتاري من الصراع لا يمكننا القول، وفق حتمية نيوتن، أن كل فعل (برجوازي) يقابله رد فعل (بروليتاري) مساوي له في القوة ومضاد له في الاتجاه. الواقع الإمبيريقي يؤكد أن هناك دائما مقاومة للاستغلال والقهر حتى في أشد الظروف قسوة (حتى في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية، وحتى في معسكرات الموت أو في الجولاج). ولكن واقعا بنفس الدرجة أيضا يشير إلى أن هناك دائما خضوعا بل وحتى تعاونا. والوزن النسبي بين هذه الأشكال المختلفة من ردود الفعل يختلف اختلافا كبيرا ولا توجد علاقة ثابتة أو ميكانيكية بين ذلك وبين الأوضاع الاقتصادية.

وواضح أن مستوى تطور قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج المصاحبة لها، مع الظرف الاقتصادي المباشر تمثل نقطة الإنطلاق في مستوى الصراع وسط الطبقة العاملة. إن درجة وطبيعة التصنيع في أي مجتمع تحدد حجم الطبقة العاملة ووزنها الموضوعي داخل الاقتصاد. وهي تحدد بالتالي القوة الممكنة للطبقة العاملة في الصراع ولكنها، في حد ذاتها، لا تحدد الدرجة التي ستتحول بها هذه القوة الممكنة إلى قوة فعلية. في الأعوام الأولى من هذا القرن،( القرن العشرين) كانت الطبقة العاملة في ألمانيا وبريطانيا، اللتان كانتا متقدمتين اقتصاديا، أكبر حجما وأقوى من حيث الإمكانية من الطبقة العاملة في روسيا المتخلفة، لكن مستوى الصراع الطبقي في روسيا كان أعلى كثيرا. إن الأوضاع الاقتصادية المباشرة يمكن أن توفر حوافز قوية في الصراع الطبقي – مثلا يعتبر التضخم دافعا قويا للنضال من أجل زيادة الأجور – ولكن مرة أخرى هذه النتيجة ليست أوتوماتيكية.

ناقش تروتسكي هذه المسألة في مناسبات عديدة (51). وكان يرى أن ظهور حركة عمالية جماهيرية وثورية ونجاح الصراع على سلطة الدولة يقوم بلا شك على أساس أزمة عامة في النظام الرأسمالي، أي تفاقم التناقض الجوهري بين قوى وعلاقات الإنتاج الذي يؤدي إلى فترة طويلة من عدم الاستقرار والتناوب السريع بين فترات الرخاء وفترات الأزمة. ولكنه يرفض فكرة “اعتماد الحركة الثورية البروليتارية على أي أزمة بأي صورة أوتوماتيكية. هناك فقط التفاعل الديالكتيكي.(52)” ويبين تروتسكي تحديدا كيف أنه في بعض الظروف، خاصة عندما تكون الطبقة العاملة منهكة بعد معارك كبرى، يمكن أن تؤدي فترة البطالة الطويلة إلى إحباط وإضعاف صراعاتها، بينما يمكن لفترة انتعاش اقتصادي مؤقت أن ترفع مستوى الصراع.

“على العكس، إن انتعاش الصناعة، وقبل كل شيء، يؤدي إلى زيادة ثقة الطبقة العاملة بنفسها، تلك الثقة التي قوضتها التجارب الفاشلة والانقسام في صفوفها: هذا الانتعاش يؤدي إلى توحيد الطبقة العاملة في المصانع والمعامل ويعزز الرغبة في وحدة وشمول الحركة النضالية (53). إن ثقة العمال بأنفسهم تتعزز في نفس اللحظة التي تتوقف فيها المصانع عن التخلص من العمال الأكبر سنا لإحلالهم بعمال جدد، لأنهم يشعرون بأهميتهم مجددا.(54)”

هذه الملاحظات تمثل مؤشرات وإرشادات بالغة الأهمية، ولكن لا يجب التعامل معها كتعميمات صالحة كليا أكثر من النظرة الميكانيكية القائلة بأن الأزمة تساوي الثورة. أولا، لأن كل أزمة اقتصادية وكل رخاء اقتصادي لا يشبه الآخر من الناحية الاقتصادية البحتة. وثانيا لأن العلاقة بين الأوضاع الاقتصادية ونضال العمال يتخللها عوامل عديدة – منها مستوى وجودة التنظيم النقابي، مستوى وجودة التنظيم السياسي، مستوى الوعي السياسي العام، مستوى الشعور بالغضب، سلوك القيادات النقابية والسياسية، وقوة الطبقة الرأسمالية وثقتها بنفسها ومهارتها الخ – وجميعها ليست مشروطة بالوضع الراهن فحسب وإنما أيضا مشروطة بالماضي القريب أو حتى بالماضي البعيد، وجميعها أيضا في تفاعل معقد فيما بينها.

ولذا فإن أي تحليل جيد لمستوى الصراع الطبقي ومساره سواء في الماضي أو في الحاضر يلزم أن يكون تحليلا ملموسا يتخذ نقطة انطلاقه من الأوضاع الاقتصادية ولكن يتضمن جميع هذه العوامل ويشملها. إن تعقيدات هذا الأمر تعني أن أي محاولة للتنبؤ بشكل نضال الطبقة العاملة، حتى في المستقبل القريب، وقطعا في المستقبل البعيد، ينبغي أن تتوخى الحذر الشديد. ويعتبر تحذير جرامشي بالغ الأهمية هنا:

“في الواقع لا يمكن للمرء أن يتنبأ بشكل علمي إلا بالصراع، ولا يمكن أن يتوقع اللحظة الحقيقية لهذا الصراع والذي لا يمكن إلا أن يكون نتاجا للقوى المتعارضة في حركاتها الدائمة التي لا يمكن اختزالها إلى كميات محددة لأن الكم يتحول باستمرار إلى كيف في سياق الحركة.(55)”

غير أن الهدف النهائي من كل التحليل الماركسي للصراع الطبقي ليس التنبؤ بمستقبل هذا الصراع ولا تقديم تفسير وافي لتاريخه، وإنما التدخل في هذا الصراع من أجل المساهمة في تشكيل اتجاهه. ومن منطلق هذا التدخل تحديدا يجب النظر إلى مستوى الصراع الطبقي في حدود معينة سواء من قبل المناضل الاشتراكي الفرد أو الحزب الثوري باعتباره مستوى معطى، يتحدد موضوعيا وبشكل مستقل عن إرادة الفرد أو الحزب. وكما يعرف كل قيادة عمالية أو مندوب نقابي (أو يتعلم بسرعة) لا يمكن الدعوة إلى الإضراب وفق الإرادة وفي غياب رغبة أصيلة من جانب العمال المعنيين في النضال. ينطبق ذلك بقوة أكبر على الإضراب العام أو الانتفاضة كما أن أي تجاوز على قانون الاستراتيجية الثورية هذا تكون له نتائج كارثية بدرجة أو بأخرى. (المثال الكلاسيكي السلبي على صحة هذه القاعدة هو حركة مارس 1921 عندما حاول الحزب الشيوعي الألماني تحريض الطبقة العاملة الألمانية بشكل مفتعل على الثورة ولم ينجح إلا في تمزيق عضويته وتقويض مصداقيته)(56).

وفي نفس السياق، هناك أوقات تقوم فيها قطاعات من الطبقة العاملة أو حتى غالبيتها بالانخراط في الصراع بغض النظر عن اعتراضات وتحفظات حتى أكثر قادتها تقدما. هذه الحركة كانت ثورة فبراير في 1917 عندما أطيح بالقيصرية في روسيا من خلال تمرد جماهيري واسع رغم تردد الحزب البلشفي في البداية، ويسجل تروتسكي ذلك قائلا:

“كان الثالث والعشرون من فبراير بوم المرأة العالمي، وخططت الحلقات الاشتراكية الديمقراطية الاحتفال بهذا اليوم بطريقة عامة: من خلال عقد اللقاءات وإلقاء الكلمات وتوزيع المنشورات. ولم يتوقع أحد أن هذا اليوم سيكون أول أيام الثورة، ولم تدع منظمة واحدة إلى إضرابات في هذا اليوم. وأكثر من ذلك، حتى منظمة البلاشفة، وأكثر المنظمات نضالية – لجنة منطقة فايبورج، وجميع العمال – كانوا يعارضون الإَضرابات.

وفي الصباح التالي ورغم جميع التوجيهات قامت عاملات النسيج في العديد من المصانع بالإضراب عن العمل وأرسلن وفودا إلى عمال التعدين للدعوة إلى التضامن معهن.

وهكذا، نجد حقيقة أن ثورة فبراير بدأت من أسفل، متغلبة على مقاومة المنظمات الثورية التي قادتها.(57)”

وفي كل من هذه الأحداث يجب على القادة الثوريين على المستوى المحلي والقومي أولا أن يتأقلموا مع الواقع المحدد موضوعيا.

ورغم ذلك فإن إدراك الضرورة هذا لا يمثل إلى نقطة الإنطلاق في الحركة. فالقيادة المهيأة لتركيز النضال ورفع مستواه إلى مرحلة أعلى ضرورية من أجل ضمان النجاح. ومثل ذلك نجد أن جانبا من خبرة كل مناضل قاعدي وكل قيادة سياسية أن هناك لحظات يمكن فيها لخطبة واحدة في اجتماع واسع، أو خطوة شجاعة من لجنة نقابية موقعية أو تدخل منظم من قبل حزب سياسي أن يحدث تغييرا هاما أو حتى حاسما في مسار الصراع سواء تغيير إيجابي أو تغيير سلبي. هكذا أحدث قرار قيادة نقابة عمال المناجم ومؤتمر النقابات البريطاني في أكتوبر 1992 تسيير أول مظاهرة كبيرة ضد إغلاق المناجم حول هايد بارك بدلا من قيادتها مباشرة إلى البرلمان اختلافا كبيرا على قدرة حكومة المحافظين في اجتياز الأزمة. وبالعكس أحدث قرار، أو سلسلة القرارات، التي اتخذها حزب العمال الاشتراكي في 1977 لمواجهة الجبهة الوطنية في ليويشام وإطلاق عصبة مناهضة النازية اختلافا كبيرا في النضال ضد الفاشية في بريطانيا.

يقودنا ذلك إلى مسألة ما إذا كان ممكنا اعتبار النتيجة النهائية للصراع الطبقي محتومة أم لا، أي إلى المسألة القديمة حول “حتمية الاشتراكية”. ويجب الاعتراف بأن هناك قدر من الغموض حول هذه المسألة في التراث الماركسي الكلاسيكي. حتى في البيان الشيوعي نفسه نجد صياغات متعارضة. فمن ناحية:

“لذلك، إن أهم ما تنتجه البرجوازية هم حفارو قبرها، إن سقوطها وانتصار البروليتاريا حتميا بنفس الدرجة. (58)”

ومن الناحية الأخرى:

“إن تاريخ المجتمع القائم كان ولا زال تاريخ الصراع الطبقي … ذلك الصراع الذي ينتهي كل مرة إما بإعادة تشكيل المجتمع ككل ثوريا أو بالدمار المشترك للطبقات المتصارعة.(59)”

وقطعا يوجد بعض البلاغة اللغوية في عبارة “حتمي بنفس الدرجة” تماما كما يغيب التحديد الدقيق في عبارة “التدمير المشترك للطبقات المتصارعة”. ولكن بعد مرور 150 عاما تقريبا على البيان الشيوعي نجد أن خطاب الحتمية يتضمن حلقة مفقودة، بينما الشكل الملموس “للدمار المشترك” أصبح واضحا تماما. فمنذ اللحظة التي قامت فيها الرأسمالية بتسليح نفسها بالسلاح النووي، وبالتالي كشفت عن قدرتها على تدمير نفسها وتدمير البشرية معها، أصبح الحديث عن حتمية الاشتراكية حديثا سخيفا (60).

غير أن الأمر لا يقتصر فقط على مسألة إمكانية حدوث محرقة نووية، فتجربة الثورات العمالية خلال القرن العشرين برهنت على نفس الفكرة. فبعد الثورة الروسية و الثورة الألمانية والثورة الإسبانية وثورات أخرى بدا واضحا تماما خطأ اعتبار الثورة الاشتراكية حتمية تماما أو عملية مضمونة التحقيق. الاعتراف بذلك لا يعني اختزال الاشتراكية إلى حلم خيالي ولا اعتبار انتصار الطبقة العاملة مرهونا بالصدفة. وإنما على العكس، كما تبين الماركسية دائما، هناك قوى تاريخية موضوعية ومؤثرة تعمل في صالح انتصار البروليتاريا. من هذه القوى: التفوق العددي الكبير للبروليتاريا على البرجوازية؛ تركز الطبقة العاملة في مواقع العمل وفي المدن؛ اعتماد البرجوازية على الطبقة العاملة في كل أنشطتها بما في ذلك إدارة الدولة؛ وحقيقة أن الطبقة العاملة يمكنها أن تحكم المجتمع بدون البرجوازية لكن البرجوازية لا يمكن أن توجد بدون الطبقة العاملة، مما يعني أن البرجوازية عليها أن تستمر في هزيمة الطبقة العاملة في عدد غير محدود من المعارك بينما لن تحتاج البروليتاريا إلى هزيمة البرجوازية إلا مرة واحدة فقط (بالمعنى التاريخي العالمي). هذه العوامل تجعل من الإنتصار النهائي للبروليتاريا إمكانية واقعية. بل ربما تجعل هذا الانتصار محتملا أكثر، ولكنها لا تضمنه رغم ذلك.

إنها لا تضمن هذا الانتصار لأن البرليتاريا حتى تحقق الانتقال من طبقة خاضعة إلى طبقة حاكمة عليها أن تمر خلال مواجهة حادة مع البرجوازية، والتي تكون قوة الطبقتين خلالها متعادلة تقريبا لفترة معينة، وعند هذه النقطة سوف تقوم البرجوازية إذا سنحت لها الفرصة بمعاودة الهجوم على الطبقة العاملة بقوة هائلة. ولذلك، فعند هذه النقطة يمكن أن يتجه التاريخ إلى إحدى طريقين. وقد استخدم تروتسكي عندما كتب عشية انتصار هتلر في ألمانيا صيغة مدهشة في وصف هذا الموقف:

“إن ألمانيا تمر حاليا بواحدة من تلك اللحظات التاريخية العظيمة سوف يعتمد عليها مصير الشعب الألماني ومصير أوروبا ومصير البشرية عموما بمقاييس معينة ولعقود قادمة. فإذا وضعت كرة على رأس هرم، يمكن لأي مؤثر بسيط أن يدفعها إلى السقوط نحو اليسار أو نحو اليمين. هذا هو الموقف الذي يقترب ساعة بعد أخرى في ألمانيا اليوم. هناك قوى ترغب في أن تسقط الكرة ناحية اليمين وتقصم ظهر الطبقة العاملة. وهناك قوى معينة سوف تحبذ بقاء الكرة على قمة الهرم. ولكن ذلك محض خيال وحلم. إن الكرة لا يمكن أن تستمر على رأس الهرم. ويريد الشيوعيون أن تسقط هذه الكرة إلى جهة اليسار وأن تقصم ظهر الرأسمالية.(61)”

وقد مرت الثورة الروسية بنفس تلك اللحظة في سبتمبر وأكتوبر من عام 1917، فقد حاولت الثورة المضادة في مبادرة الجنرال كورنيلوف إغراق الثورة في الدماء وقد تم ردع هذه المحاولة. فقد كانت تستعد لضربة أخرى. كان البلاشفة قد فازوا بالأغلبية في السوفيتات وكانت الطبقة العاملة تتطلع إليهم لتحويل كلماتهم إلى أفعال. وكانت الحكومة المؤقتة بقيادة كيرنسكي مشلولة وعلى وشك الانهيار. وكان مصير الثورة على حافة سكين بين ديكتاتورية البروليتاريا وديكتاتورية الثورة المضادة.

لم يدرك أحد هذا الموقف أفضل من لينين. وقد هاجم لينين في سلسلة من الخطب والمقالات والرسائل اللجنة المركزية للحزب البلشفي مع إلحاح شديد في مطالبتهم “بانتهاز الفرصة” وتنظيم الانتفاضة. وكانت فحوى هذه الرسائل التي تكررت كثيرا هي أن الثورة وصلت إلى نقطة تحول حاسمة وأن “التباطؤ والمماطلة يعني الموت (62)”. وقد كتب لينين في 29 سبتمبر 1917:

“لقد بلغت الأزمة مرحلة النضج. الأمر يتعلق بمستقبل الثورة الروسية ككل. إن شرف ومصداقية الحزب البلشفي رهن المساءلة. فالأمر يتعلق بمستقبل الثورة الاشتراكية للطبقة العاملة العالمية. إن التخلي عن الاستيلاء على السلطة الآن أو الانتظار يعني الحكم على الثورة بالفشل.(63)” (التشديد في الأصل).

وفي 24 أكتوبر كتب لينين:

“إن الموقف الآن حرج للغاية… إنني أدعو رفاقي بكل قوة أن يدركوا أن كل شيء الآن معلق بخيط واحد… الحكومة تترنح. ويجب تدميرها بأي تكلفة. إن التأخر في ذلك سيكون كارثيا.(64)”

ولدى تعليقه على هذا الموقف وكذلك على “أيام أبريل” الحاسمة بنفس الدرجة عندما قام لينين بإعادة توجيه الحزب البلشفي بعيدا عن فكرة استكمال الثورة البرجوازية نحو سلطة السوفيت، أكد تروتسكي أن دور لينين في انتصار الثورة كان دورا لا غنى عنه. وكتب أنه “لولا لينين لما كانت هناك ثورة أكتوبر؛ وكان يمكن لقيادة الحزب البلشفي أن تمنع حدوثها.(65)”

أهمية هذه الفكرة في مسألة الحتمية ككل تتضح من خلال إسحاق دويتشر الذي انتقد تروتسكي تحديدا في هذه النقطة. في كتابه “النبي المنبوذ”، يتهم دويتشر تروتسكي بأنه بالغ في دور لينين، مع الخضوع في هذا السياق “لأتباع” لينين، وطرح فكرة “تتعارض تماما مع جوهر التراث الفكري الماركسي(66)”. ويقتبس من كتاب “دور الفرد في التاريخ” لبليخانوف باعتباره مرجعه “وممثلا رفيعا لهذا التراث” تأكيده أن “الأفراد المؤثرين يمكنهم تغيير بعض ملامح الأحداث وبعض نتائجها المحددة ولكن لا يمكنهم تغيير الاتجاه العام الذي تحتمه قوى أخرى.(67)” (التشديد في الأصل).

في الأمور المحددة في هذه المسألة، يميل هذا الدليل بقوة إلى تأييد تروتسكي في أنه لم يكن محتملا على الإطلاق أن أي قيادة ثورية أخرى في روسيا 1917 كان يمكنها أن تفعل ما فعله لينين، أي كسب قيادة البلاشفة لفكرة الانتفاضة (68). ولكن المهم أن منطق فكرة بليخانوف – دويتشر يمتد إلى ما وراء هذه الحالة المحددة بالنسبة للينين إلى كامل الدور التاريخي لقيادة الحزب، لأن مساهمة لينين الهامة لم تكن في كونه فردا ملهما للجماهير، وإنما في مساهمته في الحزب البلشفي ومن خلاله. وكما كتبت في موضع آخر:

“إذا لم يكن تاثير الأفراد وقراراتهم حاسما، فكيف يكون الأمر بالنسبة لقرارات قيادة الحزب، والتي تتشكل من أفراد، أو الأحزاب ككل، والتي تظل جماعات صغيرة نسبيا مقارنة بالقوى الرئيسية للثورة، أي الطبقات؟ يعتقد دويتشر أن هذا الرأي يتعارض مع الفكرة الجوهرية في الماركسية التي ترى أن التغييرات التاريخية الكبرى تحدثها قوى اجتماعية جماهيرية. وما لا يدركه دويتشر هو الفكرة الجدلية بأن التطور التاريخي نتاج للتناقض، حيث تتحرك قوى اجتماعية كبيرة في اتجاهات متناقضة، وأنه في لحظات تحول تاريخية هامة قد تتوازن هذه القوى الاجتماعية مع بعضها بدرجة تامة تقريبا.

في هذه المواقف تحديدا يمكن لعوامل تبدو صغيرة بوضوح مثل كفاءة القيادة أو قرارات لجنة مركزية أن تحدث تحولا حاسما في ميزان القوى وبالتالي في اتجاه التاريخ هذه الوجهة أو غيرها. وتكمن خطورة التصور الحتمي في أن الثورة البروليتارية لا يمكن أن تتحقق إلا في مواقف مماثلة من توازن القوى. فخلافا للبرجوازية، لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق تراكما مستمرا في القوة حتى تصبح أكثر قوة من الناحية الاقتصادية والسياسية والثقافية من أعدائها. فوضعها كطبقة كادحة ومستغلة وبلا ملكية يعني أن موقف توازن القوى هو أفضل وأعلى نقطة يمكن أن تبلغها البروليتاريا في ظل الرأسمالية. وإذا ضاعت هذه اللحظة، سوف تتمكن سلطة رأس المال والبرجوازية حتما من إعادة ترسيخ نفسها.(69)”

هنا وفي مواضع أخرى يقف بليخانوف ودويتشر كمعبرين عن تفسير شديد الحتمية للماركسية، والذي ينزلق بسهولة شديدة إلى قدرية سلبية، وهو تفسير يعد رفضه أحد الأهداف الرئيسية لهذا المقال. (70)

مصير الثورة الألمانية يقدم تأكيدا إضافيا على الموقف المعارض للحتمية. وقد استمرت الثورة الألمانية خمس سنوات، بالنظر إلى عملية الثورة ككل، من نهاية عام 1918 وحتى نهاية 1923، ولكنها بلغت ذروتها في عام 1923. ففي صيف وخريف ذلك العام، اجتمعت كل القوى الموضوعية التي تكون وضعا ثوريا محتدما: أي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عامة تزايدت حدتها بشدة بعد احتلال الفرنسيين لمنطقة الروهر، مما أدى إلى انفجار كارثي في معدل التضخم؛ ثم الإفقار المفاجئ والواسع لأغلبية السكان؛ وحركة الطبقة العاملة كانت ضخمة وقوية؛ مع فقدان الثقة السريع في القادة الإصلاحيين ومنظماتهم؛ مع موجة هائلة من الإضرابات العفوية؛ ووجود حزب ثوري كبير (الحزب الشيوعي الألماني) والذي كان يكسب بسرعة تأييد أغلبية الطبقة العاملة. ومع ذلك، هذه الفرصة الثورية الهامة تم إهدارها. فقد فشل الحزب الشيوعي الألماني على مدار صيف 1923 في تطوير خطة عمل متماسكة للصراع على السلطة أو في توفير قيادة ثورية قوية. وتطلع إلى موسكو طلبا للنصيحة واستمر في الترنح بين تشكيل حكومات ائتلافية محلية مع الاشتراكيين الديمقراطيين واللعب بمسألة الانتفاضة حتى انتهى إلى الفشل الذريع في الانتفاضة المعزولة لبضعة مئات من الشيوعيين في مدينة هامبورج في أكتوبر والتي تم تصفيتها في 48 ساعة. وكما لاحظ تروتسكي: “لقد رأينا في ألمانيا بيانا كلاسيكيا لكيف يمكن أن تفقد وضعا ثوريا كاملا بصورة استثنائية وذا أهمية تاريخية وعالمية.(71)”

من المستحيل تفسير انتصار الثورة في روسيا وهزيمتها في ألمانيا من خلال نظرية تقوم على الحتمية الاقتصادية أو الاجتماعية المطلقة. حيث أن الفرق بينهما يكمن في العامل الذاتي، أي كفاءة القيادة الثورية من زاوية أن هنريك براندلر وقادة آخرين في الحزب الشيوعي الألماني فشلوا في أخذ زمام المبادرة في اللحظة الحاسمة. وبطبيعة الحال، يمكن بعد انتهاء الحدث أن تكتشف الأسباب التي جعلت القيادة الألمانية تفشل – حيث قيدت حركتهم من قبل زينوفييف (وستالين) في موسكو الذي قدم لهم نصائح فاسدة؛ أو أنهم أحبطوا وترددوا بسبب أخطائهم في حركة مارس. ومع ذلك، فإن التدقيق والتقصي في كل من هذه الأسباب يعود بنا إلى أحداث وظروف كان يمكن بسهولة أن تؤدي إلى نتائج مختلفة: لو أن لينين لم يعان أزمة قلبية وكان في مركز القيادة في موسكو؛ لو كانت القيادة الروسية قد استجابت لطلب براندلر بإرسال تروتسكي إلى ألمانيا؛ لو لم يتم اغتيال روزا لوكسمبورج، التي كانت أعظم قيادة على الإطلاق في الحزب الشيوعي الألماني، في عام 1919. ولكن إذا قبلت فكرة إمكانية انتصار الثورة في ألمانيا في عام 1923، فإن ذلك يعني أنك تقبل إمكانية أن تكون الأحداث اللاحقة في تاريخ العالم مختلفة تماما – أي لا فاشية في ألمانيا، ولا ستالينية في روسيا بالإضافة إلى إمكانية واقعية لتحقيق الثورة العالمية. (72)

والخلاصة، يمكن القول بأن الماركسية تتخذ نفس موقف الحتمية النسبية فيما يتعلق بالصراع الطبقي والذي ناقشناه بطريقة مجردة في فقرات سابقة من هذا المقال. فهي تعالج مسألة وجود الصراع الطبقي باعتبارها حتمية قوية إلى أقصى حد، بينما تعالج مسألة مستوى الصراع الطبقي عموما باعتبارها حتمية قوية ولكن ليست تامة بأي معنى، فيما ترى النتيجة النهائية لهذا الصراع مسألة احتمالية حسب الظروف.

ومع ذلك فإن هذه النتيجة معلقة واحتمالية وسط بدائل تندرج تحت الحتمية القوية، هي في نهاية المطاف معلقة بين الاشتراكية أو البربرية. إن الرأسمالية طبعا نظام بربري بصفة مستمرة – تذكر مثلا “سوم” و”أوشويتز” و”هيروشيما” و”حرب الخليج” و”رواندا” وأمثلة أخرى عديدة – ولكن في التراث الاشتراكي يتضمن مصطلح البربرية معنى آخر يرتبط بهذا المعنى ولكنه يتميز عنه. “ربما يشير إلى الدمار الكامل للحضارة عبر تدهور المجتمع البشري إلى عصور ما قبل التاريخ.(73)” أو ما وصفه ماركس “بالدمار المشترك للطبقات المتصارعة.” والمعنى الأخير للبربرية هو الذي استخدمه في هذا المقال، بسبب أن الرأسمالية إذا استمرت إلى الأبد فإنها سوف تدمرنا جميعا بسبب قوانين حركتها وتناقضاتها الحتمية بدرجة عالية.

هذا التحليل له نتائجه الواضحة جدا على الممارسة الاشتراكية. إنه يعني أن في كل موقف ملموس هناك حدود معينة لما يمكننا تحقيقه عبر حركتنا الواعية. وفي نفس الوقت، فإن كل تحرك، بغض النظر عن حجمه، يساهم في دعم نضال الطبقة العاملة يساهم أيضا في جعل انتصارها النهائي ممكنا، ولو بدرجة قليلة فقط. وفي جميع الأحوال، يعتبر أكثر التحركات فاعلية التي يمكن للاشتراكيين القيام بها هو تجميع جهودهم وتنظيمها في حزب سياسي يعمل على دفع النضال الطبقي إلى حدوده القصوى “هنا والآن” من ناحية ويستعد للحظة أو لحظات المواجهة الحاسمة في المستقبل.

وغني عن البيان أنه ليس بالإمكان “الإعداد” مقدما لوجود “لينين” أو “تروتسكي” أو “لوكسمبورج” في الوقت المناسب، لكن بناء الحزب الثوري يظل رغم ذلك أكثر الطرق فاعلية أو بالأحرى الطريقة الوحيدة الفعالة في صناعة قيادة مؤثرة. وكما كتب لينين:

“إن إحدى وظائف المنظمة الحزبية والقيادات الحزبية الجديرة باسمها هي في الواقع أن تكتسب من خلال جهود مستمرة وطويلة ومتنوعة وشاملة لجميع الممثلين الفكريين لطبقة معينة المعارف والخبرة، وبالإضافة إلى المعرفة والخبرة، تكتسب القدرات السياسية الضرورية لإيجاد الحلول السريعة والصحيحة للمشكلات السياسية المعقدة. (74)”

وكما أشار تروتسكي:

“إن البلشفية ليست نظرية (أي ليست مجرد نظرية) وإنما نظام للتدريب الثوري من أجل الانتفاضة البروليتارية. ماهي بلشفة الأحزاب الشيوعية؟ إنها منح هذه الأحزاب ذلك التدريب، وتفعيل هذا الانتقاء للمجموعة القائدة الذي يمنعها من الإنزلاق عندما تحين ساعة أكتوبرها، إن هذا هو هيجل كاملا، وحكمة الكتب ومعنى الفلسفة كلها.(75)”

خاتمة: نظرة عامة

كما لاحظنا في مقدمة هذا المقال، تتأرجح الأيديولوجيا البرجوازية بين الإرادوية المثالية، التي ترفض الدور المحدد للظروف المادية والعلاقات الاجتماعية، وبين المادية الميكانيكية التي تنظر إلى أبناء البشر باعتبارهم موضوعات سلبية وتنكر دور الممارسة الإنسانية الواعية. وهذان النمطان من التفكير كلاهما تعميم ينشأ عن الأبعاد المتناقضة للوجود الاجتماعي للبرجوازية والطبيعة الاجتماعية للرأسمالية. فالإرادوية المثالية تعكس موقف البرجوازية كطبقة حاكمة، تعيش على عمل الآخرين، وتتوهم أن أفكارها وإرادتها هي التي تصنع التاريخ حسب هواها. أما المادية الميكانيكية فتعكس خضوع البرجوازية نفسها لقوانين الرأسمالية الاقتصادية ونظرتها إلى جماهير العمال كمجرد عوامل للإنتاج.

وترفض الماركسية كلا من الموقفين عبر اتخاذها الوجود الاجتماعي للطبقة العاملة نقطة انطلاق لها. فالطبقة العاملة تواجه مباشرة الآثار المحتومة التي لا مفر منها لكل من الطبيعة الفيزيائية، مثل وزن الأحجار، وصلابة المعادن، وبرد الشتاء وحرارة الشمس، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، مثل ضغوط الفقر، وضرورة بيع قوة العمل، وتأثير البطالة، والعقبات التي تواجه الحراك الاجتماعي، وهي عقبات خفية ولكنها حقيقية أيضا. ومع ذلك، وفي نفس الوقت، تنخرط الطبقة العاملة باستمرار وبشكل مباشر في جهود واعية لتغيير الطبيعة وتغيير العلاقات الاجتماعية. ومن حيث الإمكانية، تمتلك الطبقة العاملة ككل القدرة على تغيير كامل النظام الاجتماعي وإقامة مجتمع جديد تقوم فيه بالإنتاج وإدارة هذا الإنتاج إدارة واعية في نفس الوقت. وعلى هذا الأساس تتجاوز الماركسية كلا من المثالية والمادية الميكانيكية عبر المادية الجدلية والتي تجد أرقى تعبير عنها في الممارسة الثورية الواعية. هذه الممارسة الثورية الواعية نشاط يستفيد من إدراك شامل قدر الإمكان لجميع القوى الطبيعية والاجتماعية التي تحدد السلوك البشري وتشكله من أجل ترجيح كفة الميزان لصالح الطبقة العاملة وإنقاذ البشرية من الهاوية.

في كل وضع تاريخي هناك شد وجذب يين “الضرورة” و”الحرية”، بين ما هو محتم موضوعيا وبين ما يمكننا استحداثه أو تغييره، لكن التوازن بين “الضرورة” و “الحرية” ليس ثابتا ولا مستقرا. ففي فجر التاريخ الإنساني ولحقبة طويلة بعده كان عنصر “الضرورة” مسيطرا بدرجة عالية. وكان سلوك البشر يخضع لهيمنة هائلة من قبل قوى تخرج عن سيطرتنا، عبر التفاعل بين الطبيعة الخارجية وتكويننا الجسدي الخاص. غير أن جنين “الحرية” البشرية كان أيضا موجودا منذ البداية – بل كان عاملا مميزا للبداية – وهو العمل الاجتماعي الواعي. والتاريخ البشري كله يتمثل في الصراع من أجل زيادة “الحرية” البشرية من خلال تطوير قدرات العمل البشري. (76)

غير أن هذا التطوير لم يكن سلسا ولا متناغما. وإنما تقدم بصورة ديالكتيكية، أي أنه تقدم من خلال التناقضات. فزيادة إنتاجية العمل الاجتماعي تضمنت تقسيم المجتمع إلى طبقات متصارعة وإخضاع عمل الأغلبية لسيطرة واستغلال أقلية صغيرة. وبلغت هذه العملية ذروتها في عصر الرأسمالية والتي أدت إلى تطور غير مسبوق في قوى الانتاج ومعها السيطرة على الطبيعة، ومع ذلك تخضع العالم كله، بما في ذلك الطبقة الرأسمالية نفسها بوجه خاص، لقوانين السوق اللاشخصية واللإنسانية، وأهم هذه القوانين هو التراكم من أجل التراكم.

الثورة الإشتراكية تمثل حلا لهذا التناقض. وبكلمات إنجلز، هي القفزة “الإنسانية” من عالم “الضرورة” إلى عالم “الحرية”(77). ولكن عالم الضرورة بالطبع لا يتم القضاء عليه. فقوانين الطبيعة وقواها تواصل عملها على بني البشر وتواصل إجبارهم على العمل (78)، وفي المرحلة الأولى تظل الإشتراكية “مطبوعة بآلام المخاض من المجتمع القديم الذي تخرج من رحمه.(79)” ومع ذلك فإن ميزان “الضرورة” و “الحرية” يبدأ في التحول بشكل حاسم لصالح “الحرية” مع إقامة سلطة العمال. فمع كل خطوة تتخذ باتجاه القضاء على الطبقات في العالم وتوحيد الجنس البشري، تتزايد سيطرة البشر أكثر فأكثر على مصائرهم. ويتم التغلب باستمرار على الندرة المادية، وينتهي “طغيان الاقتصاد” نتيجة لذلك. وما ظل حتى الآن “عاملا محددا لحركة التاريخ في نهاية المطاف”، أي إنتاج الضروريات اللازمة لحياة البشر، لن يختفي، ولكنه دوره في تشكيل سلوك البشر سوف يتناقص باستمرار. وسوف يتم إقامة مجتمع جديد يكون فيه “التطور الحر للفرد شرطا للتطور الحر للمجموع.(80)” وعند هذا الحد تكون المادية التاريخية قد حققت أهدافها وبلغت أيضا منتهاها.

هوامش:

1 F Engels, Speech at the Graveside of Karl Marx , Marx and Engels, Selected Works, Vol II (Moscow, 1962), p168.

2 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party (Beijing, 1988), p50.

3 K Marx, cited in F Mëhring Karl Marx (London, 1966), pp207-8.

4 K Marx, The Poverty of Philosophy, cited in D McLellan, The Thought of Karl Marx (London, 1971), p38.

5 For a fuller analysis of Kautskyism, see J Molyneux, What is the Real Marxist Tradition? (London, 1985).

6 A Gramsci, Selections from the Prison Notebooks (London, 1971), p336.

7 C Guevara, Guerrilla Warfare (New York, 1967).

8 See especially V I Lenin, Left Wing Communism–an Infantile Disorder (Peking, 1965).

9 See, for example, Y Gluckstein, Mao s China (London, 1957); N Harris, The Mandate of Heaven (London, 1978); T Cliff, Permanent Revolution , in International Socialism 61 (first series).

10 See P McGarr, Order out of Chaos , in International Socialism 48, especially pp140-142.

11 R Miliband, Class Power and State Power (London, 1983), p32.

12 K Marx, Theses on Feuerbach , Marx-Engels, Selected Works, Vol 2 (Moscow, 1962), p403.

13 A Gramsci, op cit, p336.

14 K Marx, Theses on Feuerbach, op cit, p403.

15 An account of these developments, for the layperson such as myself, is provided by P McGarr, op cit. McGarr also discusses their implications for determinism and argues convincingly a) that chaos theory constitutes a real advance in our scientific understanding of the world; b) that it does not represent a threat or problem for genuine Marxism.

16 Ibid, p147.

17 A Gramsci, op cit, pp336-337.

18 L Trotsky, My Life, (New York, 1970), p224.

19 J F Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge (Mimosa and Manchester, 1984), pxxiii.

20 K Marx and F Engels, The German Ideology (London, 1985), p48.

21 Ibid, pp42 and 50.

22 Ibid, p42.

23 K Marx, Preface to A Contribution to the Critique of Political Economy, in D McLellan, Karl Marx: Selected Writings (Oxford, 1977), p389.

24 K Marx, cited in D McLellan, The Thought of Karl Marx (London, 1971), p38.

25 Ibid, p38.

26 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party (Beijing, 1988), p36.

27 K Marx, Preface, in D McLellan, op cit, p389.

28 C Bettleheim, Class Struggles in the USSR, 1917-23 (Hassocks, 1976), p62. For a critique of Bettleheim, see A Callinicos, Marxism, Stalinism and the USSR , International Socialism 5.

29 A Callinicos, Marxism and Philosophy (Oxford, 1983), p112. The main part of Alex s argument for this proposition is to be found in ibid, pp48-52.

30 Ibid, p51.

31 This concept of a reaction back is taken from Engels to C Schmidt, October 27 1890, in Marx-Engels Selected Works, Vol II, op cit, p494, where it is used to describe the influence of the law on the economy.

32 In The German Ideology Marx famously asserted that this development of the productive forces… is an absolutely necessary practical premise because without it want is merely made general and with destitution the struggle for necessities and all the old filthy business would necessarily be reproduced , op cit, p56. Moreover both Trotsky and Cliff grounded their analysis for the degeneration of the Russian Revolution in this insight.

33 K Marx, Capital, Vol Ill (Moscow, 1966), p791, cited in A Callinicos, op cit, p50. Alex s attempt to defend the primacy of the relations of production by counterposing the mature historical materialism of Capital to the crude version of The German Ideology is not consistent. He tells us that Marx resolved this unclarity by introducing in The Poverty of Philosophy (1847) the concept of the relations of production (p49) and that with the explicit formulation of the concept of relations of production… historical materialism can be said to be fully constituted (p51). Yet, as we have seen, The Poverty of Philosophy is committed to the primacy of the production forces. See footnote 22 above.

34 C Harman, From Feudalism to Capitalism , International Socialism 45, p82.

35 F Engels, Speech at the Graveside of Karl Marx, in Marx-Engels Selected Works Vol II, op cit, p167.

36 K Marx, Preface, op cit.

37 F Engels to J Bloch, September 21-22, 1890 in Marx-Engels Selected Works Vol II, op cit, p488. For alternative formulations and elaboration s of the same ideas see F Engels to C Schmidt 5 August 1890, ibid pp486-88, F Engels to F Mehring, 14 July 1893, ibid pp496-501.

38 K Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (New York, 1968), p15.

39 L Trotsky, The History of the Russian Revolution (London, 1977), p18.

40 F Engels to C Schmidt 27 October 1890, op cit, p493.

41 Though there are still very definite limits to this autonomy. The Nazi state remained a capitalist state in that it presided over a capitalist economy, preserved capitalist relations of production and could not have been used to expropriate the capitalist class.

42 This analysis of Marxism, in opposition to the Althusserian view of it as autonomous theory or science, is outlined more fully in J Molyneux, What is the Real Marxist Tradition? op cit. The development of Marxism in the years 1843-1848 was highly determined in that it could not have emerged in an earlier period before the development of capitalism had reached a degree of maturity and before the proletariat had at least begun to make its presence felt. But it cannot he seen as absolutely determined. Without the individual genius of Marx it might have taken considerably longer for scientific socialism to have received coherent formulation.

43 It might be argued that though this was true in Marx s day, when it was a case of work or starve, it ceases to be true in the context of a welfare state. However, it is clear that no capitalist society would or could allow benefits to rise to the point where more than a tiny minority of the working class would voluntarily choose not to work.

44 Marx s labour theory of value is that the value of a commodity is determined by the amount of socially necessary labour required for its production. The relation of price to value is complex but essentially the value of a commodity is a notional average around which its actual price fluctuates.

45 See K Marx, Capital, Vol III, op cit, Part III.

46 For the most impressive statement, defence and application of Marxist theory of crisis to contemporary capitalism, see C Harman, Explaining the Crisis (London, 1987).

47 See K Marx, Capital, Vol III, op cit, ch xiv.

48 Though not, of course, in every specific instance.

49 K Marx, Capital, Vol II, op cit, ch xiv.

50 G E M de Ste Croix, The Class Struggle in the Ancient Greek World (London, 1981), p51.

51 The key passages from his writings have been collected and published as L Trotsky, The interaction between booms, slumps and strikes , International Socialism 20.

52 Ibid, p135.

53 Ibid, p139.

54 Ibid, p142.

55 A Gramsci. op cit, p438.

56 For an account of this episode and Lenin s assessment of it, see T Cliff, Lenin, Vol 4 (London, 1979), ch 5 and ch 7.

57 L Trotsky, The History of the Russian Revolution, op cit, pp 121-122.

58 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party, op cit, p49.

59 Ibid, pp32-33.

60 Which has not of course prevented it. Most notably the Posadasist Tendency–a fragment of the Fourth International–combined the inevitability of socialism with the inevitability of imperialist war and concluded that the Soviet Union should launch a preemptive nuclear strike on the West, secure in the knowledge that socialism would inevitably arise from the ashes.

61 L Trotsky, The Struggle Against Fascism in Germany (New York, 197 1), p137.

62 V I Lenin, Selected Works, vol 6 (London, 1936), p297.

63 Ibid, pp230-232.

64 Ibid, pp334-335.

65 L Trotsky, Diary in Exile (London, 1958), p54. This is not a chance or offhand judgement. Trotsky made it on several occasions. See The History of the Russian Revolution, op cit, pp343-44, and his Letter to Preobrazhensky, cited in I Deutscher, The Prophet Outcast (Oxford, 1970), p241.

66 Ibid, p242.

67 Cited in ibid, p244.

68 Trotsky himself is by the far the strongest alternative candidate for this role but his status as a newcomer to the party would almost certainly have disbarred him. It should be remembered that this still counted against him six years later in 1923.

69 J Molyneux, Leon Trotsky s Theory of Revolution (Brighton, 1981), pp64-65.

70 For how Deutscher s passive fatalist Marxism led to his capitulation to Stalinism see T Cliff, The End of the Road: Deutscher s Capitulation to Stalinism , in T Cliff Neither Washington nor Moscow (London, 1982).

71 L Trotsky, The Lessons of October , in The Challenge of the Left Opposition (1923-25) (New York, 1975), p201. For a full account of the German disaster see C Harman, The Lost Revolution: Germany 1918-23 (London, 1982).

72 This example seems to me to refute the argument of Ralph Miliband that individuals can have an important effect on generated history but not on transgenerational history. See R Miliband, op cit, pp 143-152.

73 T Cliff, Russia–A Marxist Analysis (London, n d), p 128.

74 V I Lenin, Left Wing Communism–An Infantile Disorder (Moscow, 1968), p52.

75 L Trotsky, The Lessons of October , op cit, p256.

76 It is a terrible irony and mark of human alienation that the profoundly true and profoundly Marxist statement, Arbeit macht frei , adorned the gates of the Nazi death camps.

77 F Engels, Anti-Duhring (Peking, 1976), p367.

78 Just as the savage must wrestle with nature to satisfy his wants, to maintain and reproduce life, so must civilised man, and he must do so in all social formations and under all possible modes of production. K Marx, Capital, Vol III, op cit, p820.

79 K Marx, Critique of the Gotha Programme , Marx-Engels, Selected Works, Vol II, op cit, p23.

80 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party, op cit.

هل الماركسية فلسفة حتمية؟


رمضان متولي <!– رمضان متولي
ramadanaly@yahoo.com –>
2010 / 10 / 11
Bookmark and Share

<!–Rating: 4.8 / 5 | Rate this article | More from same author |–>

بقلم جون مولينو
ترجمة: رمضان متولي
“قام الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، ولكن الأهم مع ذلك هو تغييره”
تعد هذه العبارة أشهر ما ورد في كتابات ماركس وقد كتبها غالبا في بداية تطوره السياسي والنظري، وتشير إلى حقيقة أن ماركس منذ البداية كان مدفوعا بإرادة عاطفية للنضال من أجل مجتمع أفضل. وقد شهد إنجلز في حديثه أمام قبر ماركس بحقيقة أن هذه الإرادة العاطفية استمرت طوال حياته:
“لأن ماركس كان ثوريا قبل كل شيء آخر. كانت رسالته الحقيقية في الحياة أن يساهم، بطريقة أو بأخرى، في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي ومؤسسات الدولة التي أنشأها هذا المجتمع، أن يساهم في تحرير البروليتاريا الحديثة… وكان النضال هو أداته. وقد ناضل بعاطفة ومثابرة ونجاح لا يضارعه فيها إلا قليلون.” (1)
يصدق ذلك طبعا على الغالبية الساحقة من الاشتراكيين والماركسيين اليوم. إن نقطة البداية بالنسبة لنا هي المقاومة والنضال، هي الرغبة في المساهمة في بناء عالم أفضل. هذا ما يقودنا إلى دراسة النظرية الماركسية لا أن تقودنا دراسة النظرية الماركسية إلى الرغبة في تغيير الأوضاع. ربما يوجد شخص ما في مكان ما قام بدراسة دقيقة للماركسية وجميع النظريات الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية الأخرى وعلى هذا الأساس قرر أن يصبح ماركسيا وهو في سن التسعين. لو أن ذلك حدث، فإنني لم أصادف شخصا كهذا حتى الآن.
على أي حال، كان أعظم إنجازات ماركس أيضا تحويله للاشتراكية من يوطوبيا إلى علم، أو بالأحرى من يوطوبيا أو مؤامرة إلى علم. فقبل ماركس كان هناك منهجان يهيمنان على مساعي بناء الاشتراكية. الأول كان يمثله سان سيمون وفورييه في فرنسا وروبرت أوين في بريطانيا واعتمد على رسم لوحة جميلة للاشتراكية كمجتمع أكثر عقلانية من الرأسمالية إلى حد أنه إن عاجلا أو آجلا سوف يقتنع الجميع، بما فيهم الطبقة الحاكمة، بمزاياها. أما الثاني، الذي يمثله بلانكي في القرن التاسع عشر ويستمد جذوره من تقاليد اليعاقبة في الثورة الفرنسية، فيعتمد على مؤامرة سرية لحفنة صغيرة من الثوريين الواعين يستولون على السلطة عن طريق انقلابي ويفرضون الاشتراكية على المجتمع من أعلى.
رفض ماركس كلا من النظريتين السابقتين، ولم يرفضهما فقط بأن تبنى نهج الاشتراكية من أسفل، والتي تعني التحرر الذاتي للطبقة العاملة، ولكن أيضا بإصراره على أن هذا التحرر الذاتي لا يصبح ممكنا إلا على أساس التناقضات الداخلية والقوى الاجتماعية التي تعمل بشكل موضوعي في بنية الرأسمالية. وكتب في البيان الشيوعي:

“إن استنتاجات الشيوعيين النظرية لا تقوم بأي حال على أساس أفكارأو مبادئ تم ابتكارها أو اكتشافها من قبل هذا المصلح الكوني أو ذاك. وإنما تعبر فقط وبشكل عام عن علاقات فعلية تنبع من صراع طبقي قائم، من حركة تاريخية تجري تحت عيوننا.”(2)
كما كتب ماركس في نوفمبر 1850 وبعد هزيمة ثورات عام 1848:
“في ضوء حالة الرخاء العام السائدة حاليا والتي تسمح بتطور قوى الإنتاج في المجتمع البرجوازي بأقصى سرعة ممكنة داخل إطار المجتمع البرجوازي، لا يوجد مجال لأي ثورة حقيقية. ولن تصبح ثورة جديدة ممكنة إلا نتيجة لأزمة جديدة، لكن حدوثها مؤكد بنفس درجة حدوث الأزمة نفسها.”(3)
هكذا كان لابد أن تقوم النظرية الاشتراكية على أساس دراسة علمية للتاريخ ولعلم الاقتصاد، واستراتيجة الاشتراكية لابد أن تقوم على أساس تحليل علمي للواقع الموضوعي. والحماس الثوري وحده لا يكفي. ومرة أخرى مازالت هذه المشكلات قائمة لدينا. فما أكثر الشباب المتحمسين ممن تحولوا حديثا إلى الاشتراكية الذين يشعرون بأن كل ما عليهم أن يخبروا الناس بأنهم يحملون النبأ السار حتى يرى جميعهم بارقة الضوء؟ وكم من شباب الثوريين يعتقدون، بعد أول مواجهة كبيرة مع قوات الدولة في ميدان ترافلجر أو الهايد بارك، بأن الثورة على مرمى البصر مع عدد قليل من المظاهرات المماثلة؟
الإرادة الثورية لتغيير العالم والتحليل العلمي لقوانين التاريخ والمجتمع كلاهما عاملان يوجدان لدى ماركس وفي الماركسية. ويمكن اقتباس بضعة سطور من ماركس ليبدو كأنه يميل نحو عامل واحد دون الآخر. فإذا أخذنا عبارته “إن الفلاسفة قاموا بتفسير العالم بينما الأهم هو تغييره” بشكل منفصل فقد تشير إلى تجاهل تام لأي فلسفة أو حتى نظرية، بينما تشير عبارته بأن “الطاحونة الهوائية تعطيك مجتمعا يحكمه السيد الاقطاعي، وأن الطاحونة البخارية تعطيك مجتمع الرأسمالية الصناعية”(4) فقد تشير إلى أن التكنولوجيا الجديدة – ربما الإنترنت – سوف تمنحنا الاشتراكية دون أي نضال أو تدخل ثوري. غير أن النشاط الثوري والعلم تواجدا معا خلال حياة ماركس وفي نشاطه وخلال تاريخ الماركسية.
ولكن ألا نجد هنا عدم اتساق؟ إذا كانت الماركسية تزعم أن التاريخ تحكمه قوانين وأن سلوك البشر تشكله الظروف المادية، فكيف يمكن لها أن تزعم أيضا بأن النشاط الثوري الاشتراكي ضروري؟ وحتى نضع السؤال بشكل أكثر فجاجة، إذا كان ماركس قد “برهن”، كما يزعمون أحيانا، على حتمية الاشتراكية، فلماذا نحتاج إلى النضال من أجل تحقيقها؟
هذا السؤال يثير قضية الحتمية – أي المدى الذي تتحدد فيه حركة التاريخ بالاقتصاد وقوى المجتمع الأخرى باستقلال عن إرادتنا وأفعالنا كثوريين. كما يثير أيضا مسألة ترتبط ارتباطا وثيقا بذلك وهي إلى أي مدى ينبغي اعتبار النظرية الماركسية نظرية حتمية.
قبل معالجة هذه الأسئلة معالجة مباشرة ينبغي الإشارة إلى أن الفكر البرجوازي لم يستطع أبدا حل مسألة الحتمية. بل إن هذا الفكر تأرجح بين المثالية الإرادوية، التي تتجاهل الشروط الاجتماعية وتركز تركيزا كاملا على الأفكار العظيمة والأفراد “العظماء”، وبين المادية الميكانيكية التي تشدد على طبائع للناس والمجتمع لا يمكن تغييرها. ويعكس كلا الموقفان جوانب من المجتمع البرجوازي عند النظر إليه من قمته إلى القاعدة. فمن ناحية، نجد البرجوازية التي تستقر على قمة المجتمع متحررة من العمل المنتج وتعيش على استغلال الآخرين، قادرة على ارضاء غرورها بأن أفكارها وأفعالها هي التي تحكم العالم، ومن ناحية أخرى، عندما تنظر إلى جماهير القاع فإنها تراهم مجرد موضوعات خاضعة، تنقاد بسلبية في هذا الاتجاه أو ذاك وفق متطلبات تراكم رأس المال. ولذا تصب أيديولوجيا البرجوازية هجومها على الماركسية على أساس أنها نظرية حتمية أكثر من اللازم وكذلك على أساس أنها نظرية ليست حتمية بدرجة كافية.
ومنذ ماكس فيبر وحتى الآن تدين نظريات علم الاجتماع البرجوازي والعلوم المرتبطة به الماركسية بسبب حتميتها الاقتصادية “الفجة”، وتقليلها من مدى استقلالية الأيديولوجيا، وعلم السياسة والثقافة وبسبب إصرارها على الأهمية المركزية للطبقة. وقد سعى المؤرخون البرجوازيون بإصرار إلى تقويض أي نظرية تتعلق بنمط عام لتطور تاريخ العالم، وتركز هجومهم بشكل خاص على التصور الذي لخصه ماركس في البيان الشيوعي، كما هاجموا فكرة أن الثورتين الفرنسية والبريطانية كان لهما أي طابع طبقي محدد أو أي ضرورة تاريخية.
وفي نفس الوقت، قام علماء البيولوجيا الاجتماعية بإدانة الماركسية وكل أشكال الفكر الاشتراكي واليساري بسبب فشلها “الطوباوي” في إدراك أن عدم المساواة، والتراتبية، والطبقة والمنافسة (بما فيها الحرب والعنصرية والتمييز الجنسي) جميعها مدرجة في جيناتنا ولا يمكن القضاء عليها لهذا السبب.
الجدال حول الحتمية يجرى أيضا بين أولئك الذين يزعمون انتماءهم للماركسية، فقد انتعشت في فترات مختلفة تفسيرات للماركسية حتمية سلبية إلى جانب تفسيرات أخرى شديدة الإرادوية. وكانت الماركسية التي طورها كارل كاوتسكي أهم أمثلة الاتجاه الحتمي التي هيمنت على الاشتراكية الديمقراطية الألمانية في الأممية الثانية خلال الفترة السابقة مباشرة على الحرب العالمية الأولى. وحسب وجهة نظر كاوتسكي تضمن القوانين الاقتصادية للرأسمالية نمو عدد الطبقة العاملة ووعيها إلى حد معين تسقط عنده السلطة “أوتوماتيكيا” في أيديها. وكل ما هو مطلوب من الحركة الاشتراكية هو بناء منظماتها وتدعيم أصواتها الانتخابية وتجنب المغامرات بينما تنتظر صابرة قيام التطور الاقتصادي بعمله (5). وعن هذه الفترة تحديدا كتب جرامشي أن “الجانب القدري والحتمي والميكانيكي أصبح “درعا” أيديولوجيا مباشرا نابعا من فلسفة الممارسة (أي الماركسية) بما يشبه الدين أو المخدرات.”(6)
وعلى الجانب العكسي، كانت الحالتان الأكثر تطرفا للإرادوية التي تنتشر تحت عنوان ماركسي هما الماوية والجيفارية. فلم تزعم الماوية فقط إمكانية تصنيع الصين بقوة الإرادة في “القفزة الكبرى للأمام” الكارثية وإنما حتى إمكانية التحول المباشر إلى الشيوعية الكاملة في الصين وحدها دون أي اعتبار للظروف المادية الموضوعية (وسوف يتم مناقشة ذلك تفصيلا فيما يلي). أما الجيفارية، واعتمادا على الحالة الخاصة في كوبا، فقد طورت نظرية للثورة تشعلها مجموعة صغيرة من العصابات في الريف. وكتب جيفارا أن “الانتظار حتى تتوافر جميع الشروط اللازمة للقيام بالثورة ليس ضروريا: فالانتفاضة تستطيع أن تخلق هذه الشروط.”(7)
ويسعى الماركسيون الثوريون دائما إلى مواجهة كل هذه المواقف. فقد أخضع كل من روزا لوكسمبرج ولينين وتروتسكي وبعدهم لوكاش وجرامشي النزعة القدرية والانتظارية السلبية التي سادت الأممية الثانية للنقد العنيف. كما انبرى لينين وتروتسكي لمواجهة الاتجاه الإرادوي اليساري المتطرف الذي تطور وسط الشيوعيين الأوروبيين خلال الأعوام الأولى من الأممية الشيوعية(8). وخلال الخمسينيات والستينيات قام مؤيدو الاشتراكية الثورية إلى حد كبير بتطوير نقد مادي تاريخي للماوية والكاستروية(9). غير أن مشكلة الحتمية لا تنتهي. فبنية المجتمع الرأسمالي التي تقوم بإبرازالأفراد “العظماء” وقمع شخصية الجماهير تولد كلا من الحتمية الميكانيكية والمثالية الإرادوية كما تستمر هذه الضغوط في التأثير على الماركسيين.
على هذه الخلفية يحاول هذا المقال الدفاع عن المادية التاريخية وتقديم تفسير لها يتجنب كلا الخطرين وهو تفسير يحافظ بدقة على طابع المادية وعلى الإصرار على الممارسة. والخطوة الأولى في هذا الجدال أن نتعرض لمفهوم الحتمية المطلقة ومفهوم الإرادوية المطلقة كعوامل محددة.
الحتمية المطلقة والحتمية النسبية:
أقصد بالحتمية المطلقة ذلك الرأي الذي يعتبر كل حدث في تاريخ الكون منذ الانفجار العظيم إلى نهاية العالم وكل سلوك بشري من كتابة رأس المال إلى قيامي برفع حاجبي الأيمن أم لا حدثا حتميا ولا يمكن أن يكون غير ماكان، أو ما هو عليه أو ما سيكون. والرؤية التي تؤيد الحتمية المطلقة تعتبر أن كل حدث أو سلوك له سببه أو أسبابه، وأن هذه الأسباب تحدد بدقة طبيعة هذا الحدث أو السلوك وأن هذه الأسباب نفسها تحتمها تماما أسباب سابقة عليها. وهكذا فإن كل حدث معين أو سلوك محدد يعد جزءا من سلسلة معقدة ولا نهائية ولكنها محتومة تماما من ردود الفعل متضمنة في واحدية، أو أي شئ آخر في، أصل الكون.
وتمتد جذور هذا الموقف تاريخيا إلى فيزياء نيوتن التي يستمد منها فكرة “كرة البلياردو” حول السببية (وهي فكرة تعتبر سبب جميع الحوادث والعمليات مشابها لنفس الطريقة التي تحدد بدقة حركة كرة البلياردو على أساس سرعة وزاوية الاصطدام بكرة بلياردو أخرى)(10). ولكنها تتضمن أيضا الاعتقاد بأن سلوك البشر يمكن اختزاله في نهاية المطاف إلى حركة الجزيئات الفيزيائية التي يتكون منها الإنسان والتي تنتظم بشكل يوافق القوانين الطبيعية الشاملة. ويبدو أن رؤية كهذه، حتى ولو لم يعلن ذلك صراحة، كان لها تأثيرها على الماركسيين الذين يتبنون موقفا حتميا مطلقا. ورغم ذلك، تبنى هؤلاء الماركسيون وجهة نظر تقتضي أنه في أغراض التحليل الاجتماعي ليس ضروريا اختزاله إلى مستوى علم الفيزياء لأن السلوك البشري تحكمه قوانين اجتماعية تشبه القوانين الطبيعية في عملها.
ويعلق رالف ميليباند عند مناقشته للحتمية المطلقة قائلا: “إن هذه الرؤية لا يمكن الجدال معها: فإما أن تقبلها أو ترفضها. وأنا أرفضها واتجاوز عنها.”(11) ويحمل موقف ميليباند بعض الوجاهة حيث من المستحيل استخدام براهين تجريبية في تفنيد الحتمية المطلقة (تماما كما يستحيل أن تورد وقائع للبرهنة على صحتها). ورغم ذلك، فإن هذه الرؤية يمكن الجدال معها. عندما نضع في اعتبارنا مبدأ ماركس بأن:
“في الممارسة العملية ينبغي على الإنسان أن يثبت الحقيقة، أي واقعية وقوة تفكيره ووجوده في عالمنا هذا. أما النقاش حول واقعية أو عدم واقعية التفكير المعزول عن الممارسة فليس إلا قضية مدرسية بحتة.”(12)
ومن الممكن تقييم مزايا وعيوب الحتمية المطلقة من منطلق الممارسة. فللحتمية المطلقة مزايا هامة مقارنة بنظريات اللاحتمية ولهذا السبب استطاعت أن تلعب دورا تقدميا مؤكدا في بعض الأوقات. أما أول مزاياها فإنها تلزمنا بالبحث عن تفسيرات مادية للحوادث والظواهر، سواء الحروب أو الثورات أو جرائم المراهقين أو الاستغلال الجنسي للأطفال، بدلا من أن نعزو هذه الظواهر ببساطة إلى الصدفة أو التدخل الإلهي أو وساوس الشيطان أو الشخصية الشريرة. والميزة الثانية كما يلاحظ جرامشي تأتي عندما تعاني الطبقة العاملة فترة من الهزائم حيث يمكن أن تصبح الحتمية الميكانيكية “قوة هائلة للمقاومة المعنوية، والتماسك والصبر والمثابرة العنيدة. لقد هزمت الآن، لكن تيار حركة التاريخ يساندني في المدى البعيد.”(13) ومع ذلك فإن لها عددا من العيوب يتطلب رفضها.
أول هذه العيوب هو أن الحتمية المطلقة يستحيل التعايش معها وبواسطتها. فالواقع أن جميع أبناء البشر يمرون بتجربة اتخاذ القرارات والاختيار. وفي حين أنه من الواضح أن أيا من هذه القرارات لا يمكن أن يكون “حرا” تماما إذا كنا نعني بكلمة “حر” أن هذه القرارات لا تتأثر بالشروط المسبقة أو الظروف القائمة، فمن الصحيح أيضا أننا نميز بين القرارات المشروطة بقوة أو القهرية، مثل تلك القرارات التي نتخذها تحت قوة السلاح أو تحت تهديد المجاعة وتلك القرارات التي نتخذها طواعية أو نسبيا طواعية. إذا كان هذا التمييز، أو كامل تجربة اتخاذ القرارات أمرا وهميا، حسب ادعاءات الحتمية المطلقة، فإنه يكون وهما لا مفر منه في حياتنا العملية، بما في ذلك بالنسبة لمن يؤمن بالحتمية المطلقة. ونتيجة لذلك نجد أن الحتمية المطلقة عمليا تحتوي دائما على بند يمثل مهربا تعود من خلاله الإرادوية من الباب الخلفي. وينتج عنها تماما ما وصفه ماركس في نقده للمادية الميكانيكية عند فيورباخ بأنه “يقسم المجتمع إلى قسمين أحدهما يتفوق على الآخر.” (14)
وثانيا، تعرضت الأسس التي أقام عليها نيوتن حتميته المطلقة للتدمير تحت تأثير التطورات العلمية اللاحقة مثل الديناميكا الحرارية، وميكانيكا الكم، بما في ذلك مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج ومعادلة شرودينجر، ومؤخرا ظهور نظرية الفوضى (15). ولأغراض مقالنا هذا، فإن أهم نقطتين هما أن ميكانيكا الكم، التي تعالج سلوك الجسيمات الأولية، تقدم قوانين احتمالية وليست حتمية مطلقة كما أن نظرية الفوضى توضح أن الاختلافات بالغة الضآلة في الظروف الأولية (لأي نظام طبيعي مثل المناخ) قد تؤدي إلى اختلافات هائلة لا يمكن التنبؤ بها في النهاية.(16) وقطعا من الخطأ الفادح أن نقوم بالتعميم بشكل ميكانيكي من العلم الطبيعي إلى العلم الاجتماعي، كما أن جوانب من السلوك البشري والتاريخ بالتأكيد محددة بصرامة أكثر من سلوك الجسيمات الأصغر من الذرة ومن ظواهر المناخ. (تماما كما تسمح ميكانيكا الكم لقوانين نيوتن للحركة أن تحتفظ بصلاحيتها ضمن حدود معينة). ورغم ذلك فإن هذا التطورات العلمية تطعن في ذلك الربط الضمني الشائع بين العلم والحتمية المطلقة.
ثالثا، كشفت التجربة التاريخية لحركة الطبقة العاملة أن الحتمية المطلقة تميل إلى تشجيع الأخطاء السياسية الخطيرة، وخاصة السلبية في أوقات الأزمة الثورية والتقليل من أهمية دور الحزب الثوري. سوف نقوم بمناقشة هذه القضايا فيما بعد ولكن بعض الاقتباسات من جرامشي وتروتسكي تكفي هذه النقطة. ويعلق جرامشي، الذي مر بتجربة شخصية مريرة بسبب النتائج المدمرة للسلبية الحتمية من جانب الحزب الاشتراكي الإيطالي عامي 1919 و 1920، (وبلغته الغامضة التي استخدمها لخداع الرقيب):
“ولكن عندما يصبح التابع حاكما……تصبح النزعة الميكانيكية عند نقطة معينة خطرا آنيا.… ويتقلص حدود ومجال “قوة الظروف”، ولكن لماذا؟ لإنه إذا كان العنصر “المحكوم” بالأمس شيئا، فقد أصبح اليوم شخصا تاريخيا، أي صار بطلا.… أصبح بالضرورة فاعلا يمسك بزمام المبادرة.”(17)
ويشرح ذلك تروتسكي، عندما علق على عدم اقتناعه بالبلشفية قبل 1917، في ضوء اعتقاده الحتمي بأن “الثورة سوف تضطر المناشفة لاتباع الطريق الثوري.” وقام بنقد ذاتي لموقفه قائلا:
“كنت أقلل من أهمية الانتقاء الأيديولوجي التحضيري وتدعيم الموقف السياسي. وفيما يتعلق بمسائل التطور الداخلي للحزب كنت مرتكبا لنوع من القدرية الاشتراكية الثورية.”(18)
ولذلك ينبغي رفض الحتمية المطلقة لأنها تفشل في اختبار الممارسة الحاسم على ثلاث مستويات: على مستوى الحياة اليومية، وعلى مستوى الممارسة العلمية، وعلى مستوى الممارسة السياسية.
وعلى النقيض من الحتمية المطلقة هناك اللاحتمية المطلقة، أي فكرة أن البشر يستطيعون أن يفعلوا ما يشاءون دون قيود وأن كل شيء يحدث في التاريخ يرجع فقط إلى المصادفة. هذا الموقف من السخافة إلى حد يصعب معه أن ندرك كيف يمكن صياغته بطريقة متماسكة. فالحقيقة التي لا مهرب منها أن سلوك البشر مقيد ومحدد بطرق متعددة مثلا بقانون الجاذبية أو بحقيقة أن حرارة الجسم إذا انخفضت تحت مستوى معين فسوف نموت. ومع ذلك فإن نزعة اللاحتمية القوية، وليست المطلقة، تتمتع بانتشار واسع. وأعني بالنزعة اللاحتمية القوية إنكار أي نمط أو شكل عام للتطور في التاريخ والتركيز الشديد على دور الأفراد كسادة على مصائرهم الخاصة وصانعي تاريخهم. وفي السنوات الأخيرة، سادت رؤى “ما بعد الحداثة” بنزعتها “الشكية الرافضة للروايات الكبرى” (19) كتعبير أكاديمي عن هذه النزعة. وفي هذا المضمار يقوم المابعدحداثيون بترديد لحن قديم وضعه مؤرخون برجوازيون من توجهات فكرية مختلفة. كما أنها أيضا تعتبر أساس العديد من التفسيرات الصحفية السطحية للأحداث حسب شخصية السياسيين والقادة الأفراد ورغباتهم الخاصة، كما تجد تعبيرا عنها في العديد من الأقوال الشائعة مثل “إن الحياة هي ما تصنعه” “وإذا كنت تؤمن بنفسك فكل شئ ممكن” أو “إذا كنت ترغب في شيء بقوة كافية فسوف تحصل عليه.”
هذا النوع من اللاحتمية القوية لا يحتاج منا إلى التوقف طويلا عنده. إنها نزعة أيديولوجية بوضوح من حيث أنها تساهم في التعمية على جميع القوى الاجتماعية الحقيقية، أي تركيز وهياكل القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأيديولوجية التي تعمل على تشكيل الأفراد وتحد من حرية أفعالهم. إنها تضعف أي محاولة لصناعة التاريخ بشكل واع أو تغيير المجتمع بجعل التاريخ والمجتمع غير قابلين للفهم. كما أنها أيضا نزعة خاطئة بشكل واضح. فليس حقيقيا أن أغلب أبناء الطبقة العاملة يمكن عندما يكبرون أن يصبحوا أطباء في جراحة المخ أو نجوم سينما إذا بذلوا جهودا كافية. فبغض النظر عن عوامل مثل الظروف الاجتماعية والحرمان الاقتصادي ورداءة التعليم، هناك الحقيقة البسيطة أن الوظائف المتوفرة في مجال جراحة المخ أو السينما محدودة جدا. كما أن اللاحتمية القوية يفندها أبسط الأدلة الاجتماعية مثل إحصائيات التعليم والجريمة والصحة والتي، رغم تعدد مشكلاتها وحدودها، تكشف بلا أدنى شك عن تأثير الطبقة الاجتماعية القوي، مع عوامل أخرى، على فرص الحياة والسلوك الاجتماعي.
إن نزعة اللاحتمية القوية يستحيل التعايش بواسطتها تماما مثل الحتمية المطلقة. فالحياة اليومية تعتمد على القدرة على التنبؤ بالظواهر الطبيعية وأفعال البشر: أن الطقس سوف يكون باردا في الشتاء ودافئا في الصيف، أن بذور الشعير سوف تنمو وتصبح شعيرا وليس قمحا، أن الحافلة رقم 17 سوف تذهب إلى وسط المدينة، أنك إذا قمت ببيع قوة عملك لصاحب عمل سوف تحصل على أجر في نهاية الأسبوع. لكن هذا التنبؤ ليس ضروريا أن يكون دقيقا أو يقينيا – فنحن جميعا نعرف أن هناك شتاءات أقل برودة، وأن الحصاد أحيانا يكون ضعيفا، وأن الحافلات تتعطل وأن أصحاب العمل أحيانا يفلسون – لكن توافر درجة من الانتظام والقدرة على التنبؤ أمر ضروري وإلا استحالت حياتنا الاجتماعية. وتعتمد أي درجة من القدرة على التنبؤ على درجة ما من الحتمية.
إذا كان ضروريا رفض الحتمية المطلقة واللاحتمية المطلقة والقوية، فإن الحتمية النسبية تصبح البديل العملي الوحيد. وإذا قبلنا الحتمية النسبية كموقف عام، فما نحتاجه فعليا من علوم الطبيعة والاجتماع هو أن تخبرنا بما هو حتمي وما ليس حتميا، وما يؤسس في المواقف الملموسة مدى وحدود ما هو حتمي ومدى وحدود ما يمكن تغييره بقرار وتدخل البشر. هذا هو ما نحتاجه في حياتنا اليومية، من أجل زراعة الأرض، وصناعة السلع والأدوات، أو تخطيط رحلة أو قيادة سيارة. وهذا ما نحتاجه من منظور أعلى وبطريقة أكثر تنظيما في مشروع التغيير الواعي للمجتمع.
إن أي برنامج للعمل السياسي، وأي قرار استراتيجي وتكتيكي يعتمد على أحكام تتعلق بما هو حتمي وما هو غير حتمي. مثال ذلك أنه إذا لم تكن أيديولوجية الجماعات الاجتماعية محتومة بأي صورة بموقعها الاقتصادي ومصلحتها الطبقية، فإن مشروع الاشتراكية الطوباوية بإقناع الطبقة الحاكمة بفضائل المجتمع الاشتراكي يمكن أن ينجح. ومن ناحية أخرى، إذا كانت أيديولوجية الأفراد أو الجماعات الاجتماعية محتومة بشكل ميكانيكي ومطلق بمصالحها الطبقية فلا معنى لمحاولة إقناع أي شخص بأي فكرة، ولا معنى لأي شكل من أشكال السجال السياسي أو الدعاية السياسية.
ما تقدمه الماركسية بطريقة أفضل من أي نظرية أخرى هو بالضبط ما يلي: رؤية لما هو محتوم في المجتمع والتاريخ الإنساني بشكل مستقل عن إرادتنا ولما يمكن تغييره من خلال التدخل الواعي. إن هذا هو ما يجعل الماركسية “ليست دوجما وإنما دليل للعمل” في النضال من أجل الثورة العمالية وتحرير الإنسان.
عند هذه النقطة من الضروري ملاحظة مفارقة واضحة. مع توقف المرء عند ما يعرف بالحتمية المطلقة التي تجعل مفهوم الحرية الإنسانية بلا معنى، لا ترتبط الحتمية (في جانبها النظري) مع الحرية ارتباطا عكسيا بالضرورة. بل على العكس من ذلك، كلما زاد مستوى فهم الإنسان للقوى الطبيعية والاجتماعية التي تحدد حياتنا، كلما اتسعت في الواقع مساحة الحرية والاختيار الإنساني. فقوانين الطبيعة تجعل من المستحيل على الإنسان أن يطير بالنسبة لمن لا يعرفها، لكن فهم هذه القوانين فهما دقيقا ومتطورا (مع استخدام العمل الإنساني) جعل الطيران أمرا شائعا.
وهناك مفهوم آخر يحتاج إلى التوضيح هنا، وهو مفهوم “الحتمية الاحتمالية” (وهو ما ذكرناه فعلا فيما يتعلق بميكانيكا الكم). فبعض الأمور محتومة بقوة وهي بالتالي حتمية فعليا، وبعض الأمور محتملة جدا ولكنها غير يقينية، وبعضها محتمل، وبعضها متراوح في توازن. والأشياء التي تكون محتملة فقط في حالات فردية تصبح يقينية أكثر مع زيادة عدد الحالات. فمن المؤكد أنني سأموت. ومن غير المحتمل ولكنه ليس مستحيلا أنني سأموت غدا. ومن المحتمل، ولكن غير المؤكد، أنني سأموت قبل أن يبلغ عمري مائة عام. وفي حالة مليون إنسان يعتبر من المؤكد تقريبا أن الأغلبية العظمى منهم سيموتون قبل بلوغ المائة عام. وإذا كان احتمال التحاق طفل واحد من الطبقة الوسطى بالجامعة أعلى ولو بدرجة يسيرة من التحاق طفل من أبناء الطبقة العاملة بها، فمن المؤكد تقريبا أن نسبة من سيلتحقون بالجامعة من أبناء الطبقة الوسطى ككل أعلى من أبناء الطبقة العاملة.
إن لمفهوم الحتمية الاحتمالية أهمية سياسية على الأقل من ثلاثة جوانب. فأولا يلعب هذا المفهوم دورا في المعركة الدائرة مع أيديولوجيا الطبقة الحاكمة. فالطبقة الحاكمة التي تستطيع أن تفهم الحتمية الاحتمالية فهما تاما عندما تناسبها (مثلا عند تحديد أقساط التأمين) ترفضها غالبا لأغراض الدعاية – عندما تحاول رفض الربط بين الجريمة والبطالة مثلا. وثانيا، هذا المفهوم حاسم في فهم التاريخ. خذ مثلا السؤال المعتاد حول حتمية اندلاع الحرب العالمية الأولى. فلا معنى للإصرار على أن اندلاع الحرب كان حتميا بالضبط في بداية أغسطس 1914. حيث كان من المحتمل أن يخطئ “برنسيب” التصويب، أو أن الحكومة النمساوية كان يمكن أن ترد بطريقة مختلفة وهكذا. ولا ينبغي أن ننساق إلى محاولة البرهنة على الحتمية المطلقة لاندلاع الحرب العالمية في توقيت معين. ولكن الأفضل منطقيا أن نوضح أن اندلاع الحرب كان محتملا جدا (أو حتمي تقريبا) في ظل تلك الصراعات الهامة.
وثالثا يلعب هذا المفهوم دورا مركزيا في التكتيك السياسي. فقرار الدعوة إلى الإضراب أو حتى مظاهرة يعتمد في جزء كبير منه على حساب الإمكانية الموضوعية لحدوث ونجاح هذا الإضراب أو تلك المظاهرة. وقطعا لا سبيل إلى جعل حساب الإمكانية هذا علما كاملا ودقيقا، ومع ذلك لا يمكن تجاهله. إن مبدأ نابليون الذي يقتبس في أغلب الأحوال “فلنشتبك ثم نرى” يعبر عن حقيقة هامة ولكن ضمن حدود معينة فقط. فأي جيش يشتبك في معركة شاملة مع عدو يتفوق عليه تسليحا ويتجاوزه حجما بكثير سوف يهزم على وجه اليقين تقريبا، كما سيهزم الجيش الذي يغزو روسيا دون أن يضع في اعتباره الآثار الحتمية جدا لشتاء روسيا.
وأخيرا ينبغي ملاحظة أن الحتمية النسبية تعطي نشاطنا السياسي الواعي لتغيير العالم أهمية ومغزى، بينما تجعل الحتمية المطلقة هذا النشاط أمرا غير مبرر، وتجعله الحتمية القوية غير فعال بشكل يدعو إلى اليأس. فإذا كانت نتيجة معينة مرغوبة في موقف معين وكانت هذه النتيجة محتملة الحدوث ولكن غير مضمونة ولا متراوحة، فإن أي فعل يتخذ نحو تحقيقها (بشرط ألا يكون ذا تأثير عكسي طبعا) يؤدي إلى زيادة احتمالية تحقق هذه النتيجة ولذلك يكون فعلا قيما. في ضوء هذه الاعتبارات النظرية، سوف أقوم الآن بدراسة مدى وحدود الحتمية في النظرية الماركسية في التاريخ.
قوى وعلاقات الإنتاج:
إن نظرية ماركس في التاريخ تبدأ بتأكيد بسيط وواضح للغاية:
“إن الإنسان ينبغي أن يكون قادرا على العيش حتى يتمكن من صناعة التاريخ. ولكن الحياة تعني قبل أي شيء آخر الطعام والشراب والمأوى والملبس وأشياء أخرى كثيرة.” (20)
بدون الطعام والشراب يموت الناس. هذه الحقيقة بسيطة وواضحة جدا حتى أن المرء يتعجب لماذا يهتم ماركس بذكرها (ليس مرة واحدة وإنما عدة مرات)(21)، ولما أهتم أنا باقتباسها منه. إن الإجابة على ذلك هي أن هذه الحقيقة دعامة أولى ضرورية وأن “كتابة التاريخ يجب دائما أن تنطلق من هذه الأسس الطبيعية”(22)، ولكن هناك عديد من النظريات والأفكار البرجوازية عن التاريخ والمجتمع تستطيع أن تتجاهل أو تخفي أو تتجنب هذه النقطة الجوهرية.
ويرى ماركس أنه من تلك الضرورة للحصول على المأكل والمشرب والملبس إلخ، يترتب أن يكون أساس أي مجتمع وكل التاريخ الإنساني هو إنتاج وسائل العيش هذه عن طريق العمل الاجتماعي. وهو ما يقود ماركس إلى أطروحة أخرى:
“خلال الإنتاج الاجتماعي لحياتهم، يدخل الناس في علاقات محددة ضرورية ومستقلة تماما عن إرادتهم، هي علاقات الإنتاج التي تتطابق مع مرحلة محددة من تطور قوى الإنتاج المادية.”(23)
هذه الأطروحة التي يمكن تلخيصها في نظرية أن مستوى تطور قوى الإنتاج يحدد علاقات الإنتاج الاجتماعية (واضعين في اعتبارنا أننا مازلنا نترك المعنى الدقيق لكلمة “يحدد” في هذا السياق مفتوحا).
ولا شك أنه في إطار الرؤية “الكلاسيكية” للماركسية – أي الخط الذي يبدأ بماركس عبر أنجلز ولينين ولوكسمبورج وترتسكي – كانت هذه الأطروحة تعتبر حجر الزاوية في المادية التاريخية. ومع ذلك في نفس الوقت كان كل جانب من جوانب هذه الأطروحة موضوعا للجدل العنيف بداية من معنى مصطلح قوى الإنتاج ومصطلح علاقات الإنتاج.
وعادة كان ينظر إلى قوى الإنتاج ببساطة على أنها التكنولوجيا (الأدوات والماكينات) المتاحة للمجتمع – وهو التفسير الذي ساهم كأساس للنظر إلى الماركسية بالضرورة كنظرية حتمية تكنولوجية. وقطعا هناك فقرة عند ماركس إذا أخذت منفصلة سيبدو أنها تؤيد هذا التفسير، وتحديدا تلك الفقرة الشهيرة في “بؤس الفلسفة” التي تقول أن “الطاحونة الهوائية تعطيك مجتمع السيد الاقطاعي، وأن الآلة البخارية تعطيك مجتمع الرأسمالي الصناعي”(24). غير أن ماركس كتب أيضا في نفس النص في فقرة تالية أن “من جميع أدوات الإنتاج تكون الطبقة الثورية نفسها هي أعظم قوة إنتاج.”(25) وهذا يشير إلى تفسير أوسع لقوى الإنتاج بأنها ليست مجرد الآلات، وإنما أيضا عمل المنتجين. وباستثناء هذا التفسير الأخير، فإن اقتباسات أخرى من ماركس تنطوي على معنى أدق كثيرا لسبب بسيط أن الأدوات والآلات نفسها يجب أولا أن يتم إنتاجها بالعمل الإنساني، بل وحتى آنذاك لا تقوم بالإنتاج بنفسها بدون المزيد من العمل الإنساني الذي يقوم بتحريكها. وأكثر من ذلك، فإن العمل الذي تتضمنه هذه العملية أكثر من مجرد القوة العضلية. فارتقاء التكنولوجيا يعتمد بشكل واضح على المعرفة العلمية لصانعها، في حين أنه في كثير من مجالات العمل نجد العمال المهرة والمتعلمين أعلى إنتاجية من العمال غير المهرة. لذلك فإن أفضل تعريف لقوى الإنتاج هو القدرات الإنتاجية العامة في أي مجتمع معين.

يوجد خيار مماثل بين التعريف الضيق والتعريف الواسع لمفهوم علاقات الإنتاج. غير أنه فيما يتعلق بهذه المسألة كانت هناك ثلاثة مواقف رئيسية. الأول يعرف علاقات الإنتاج بعلاقات الملكية القانونية. والثاني يميز بين الملكية القانونية والحيازة المباشرة أو السيطرة، ولكنه مع ذلك يقصر تعريف علاقات الإنتاج على علاقات الحيازة أو السيطرة المباشرة على وسائل الإنتاج. أما الموقف الثالث فيرى مفهوم علاقات الإنتاج على أنه مجموع العلاقات الاجتماعية التي يدخل فيها الأفراد خلال عملية الإنتاج.
يعاني الموقف الأول من عيب خطير يتمثل في تعلية الشكل على المضمون والمظهر على الواقع كما أنه برهن على كونه عقبة أمام فهم ظاهرة بالغة الأهمية مثل رأسمالية الدولة سواء في شكلها كامل التطور في روسيا أو شكلها الجزئي في الصناعات المؤممة في الغرب. ولذلك ينبغي رفضه.
إن الاختلاف بين الموقفين الثاني والثالث يتضح بشكل أفضل عبرالنظر إلى كيف أن كل تعريف منهما يحدد علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي. ووفقا للموقف الثاني تتمثل علاقات الإنتاج فقط في العلاقات بين الطبقة الراسمالية كمالكة أو مسيطرة على وسائل الإنتاج ومستخدمة لقوة العمل والطبقة العاملة كطبقة لا تملك وسائل الإنتاج وتبيع قوة العمل. أما الموقف الثالث فيرى أن علاقات الإنتاج تتمثل في هذه العلاقات بالإضافة إلى العلاقات بين العمال وأنفسهم، بين العمال والمشرفين، وبين المشرفين والمدراء، وبين المدراء والملاك، وبين الملاك والملاك وهكذا.
وهنا يتميز التعريف الضيق بقدرته على تركيز الضوء على تلك العلاقات الاجتماعية التي تعتبر بنيوية في الرأسمالية كنظام وعلى الطبقات الأساسية فيها – البرجوازية والبروليتاريا، ولكن يوجد به أيضا عيوب محددة. فقد يؤدي إما إلى رؤية مبالغة في التبسيط للبنية الطبقية على أنها تتكون فقط من رأسماليين وعمال وبدون شرائح اجتماعية متوسطة، أو التنظير حول هذه الشرائح المتوسطة وفق الاستهلاك ونمط الحياة وليس وفقا لمفهوم علاقات الإنتاج. كما أنه يؤدي أيضا إلى تصور ستاتيكي ملحوظ حول مفهوم علاقات الإنتاج حيث تظل فيه هذه العلاقات دون تغير عبر قرون من التطور الاقتصادي. وهكذا ينظر إلى التحول الهائل من الرأسمالية الصناعية الأولى إلى الرأسمالية المعاصرة متعددة الجنسيات، ومن اقتصاد تسيطر عليه نسبيا شركات صغيرة يملكها ويديرها أفراد إلى اقتصاد تسيطر عليه شركات عملاقة متعددة الجنسية تدار بيروقراطيا، باعتباره لا يتضمن تغييرا في علاقات الإنتاج. وهذا الموقف يتناقض بوضوح مع عبارة ماركس الشهيرة في البيان الشيوعي والقائلة “بأن البرجوازية لا يمكنها أن تعيش دون التثوير المستمر لوسائل الإنتاج، وبالتالي لعلاقات الإنتاج، ومعها جميع العلاقات في المجتمع.”(26)
وأخيرا هناك الحقيقة البسيطة بأن العلاقات بين العامل والعامل، والعامل والمشرف إلخ، هي علاقات اجتماعية بشكل واضح يتم الدخول فيها خلال عملية الإنتاج، أي علاقات إنتاج.
ولهذه الأسباب جميعها من الأفضل تبني التعريف الواسع والأكثر مرونة. ورغم ذلك ، من الضروري عند تبني هذا الموقف أن نضع في اعتبارنا التمييز بين التحولات الكمية التدريجية في علاقات الإنتاج التي لا تتغير فيها الطبقة التي تملك وتسيطر على وسائل الإنتاج وبين التغيرات النوعية الجوهرية التي يتغير فيها ذلك. فالتحولات الأولى تغير ميزان القوى داخل نمط معين للإنتاج، أما التحولات الثانية فتميز الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر.
يعود بنا ذلك إلى المسألة المركزية حول تحدد علاقات الإنتاج بواسطة قوى الإنتاج. فكما رأينا، يكتب ماركس في مقدمة الاقتصاد السياسي في عام 1859، حول “علاقات الإنتاج التي توافق درجة محددة من تطور تلك القوى الإنتاجية المادية،” ثم يجادل بعد ذلك قائلا:
“عند مرحلة معينة من تطورها تتناقض قوى الإنتاج المادي للمجتمع مع علاقات الإنتاج القائمة. وتتحول هذه العلاقات من أشكال لتطور قوى الإنتاج إلى قيود تعيق هذا التطور، وهنا يبدأ عصر الثورة الاجتماعية.”(27)
غير أن مفهوم أولوية قوى الإنتاج هذا برمته كان موضوعا للهجوم من مختلف الاتجاهات. وقد ذكرنا فعلا أكثر هذه الهجمات أهمية من الناحية التاريخية وهو الماوية. إدعاء الماوية بأنها تقوم ببناء الاشتراكية، أو حتى الشيوعية الكاملة، داخل إطار بلد فقير ويغلب عليه الطابع الريفي تطلب بالضرورة التقليل من أهمية قوى الإنتاج. وهكذا يرى المنظر الأساسي للماوية في أوروبا وهو تشارلز بيتلهايم أن “ما يحدث في الصين يبرهن على أن المستوى المتدني لقوى الإنتاج لا يمثل عقبة أمام التحول الاشتراكي في العلاقات الاجتماعية.” وفي هذه الحالة، كان إنكار أولوية قوى الإنتاج مرتبطا بمثالية قصوى وإرادوية أعلت من دور قوة الإرادة والزعامة السياسية في مواجهة الظروف المادية الموضوعية من جميع الجوانب فيما عدا الاسم. وعلاوة على ذلك، فقد برهن ما جرى في الصين على أن انخفاض مستوى تطور قوى الإنتاج لم يكن عقبة أمام التحول الاشتراكي فحسب ولكن أيضا أمام تطور رأسمالية الدولة في بلد واحد.
والحقيقة الأشد غرابة من ذلك ولكنها أكثر أهمية من الناحية النظرية هي أن ألكس كالينيكوس قد اتخذ في كتابه الماركسية والفلسفة موقفا يؤيد أن “نبدأ من علاقات الانتاج ونتعامل معها هي وليس مع قوى الإنتاج باعتبارها متغيرا مستقلا.” ويبدو أن ألكس انتهى إلى هذا الموقف من رغبته في تجنب خطر الحتمية التكنولوجية السلبية التي هيمنت في أوساط الأممية الثانية وكذلك الحتمية الميكانيكية الدوجمائية التي هيمنت على ذروة الفكر الستاليني رغم أنها أقل سلبية. ودعما لموقفه قام كالينيكوس بالاقتباس من كتاب ماركس “رأس المال” تحليله لكيفية توفير علاقات الإنتاج الرأسمالية القوة الدافعة لتطور قوى الإنتاج والتي أدت إلى الثورة الصناعية. كما يرى أيضا أن فكرة أولوية قوى الإنتاج تستمد جذورها من الصياغة الأولية غير المتطورة للمادية التاريخية كما وردت في كتاب “الأيديولوجية الألمانية” وليس من الصياغة الناضجة في أعمال ماركس اللاحقة (مع رفضه كتاب المقدمة في 1859 باعتباره حتمية تكنولوجية وأنه إلى حد بعيد يمثل تلخيصا للأيديولوجية الألمانية).
وردا لاعتبار ألكس ينبغي الإشارة إلى أنه لم يعد يتبنى هذا الموقف. ومع ذلك من المفيد مناقشة هذه الأفكار وفي سياق ذلك ينبغي التأكيد على ضرورة الاعتراف بأن علاقات الإنتاج قطعا تمارس تأثيرا قويا على قوى الإنتاج. وهو تأكيد يمكن البرهنة عليه إمبيريقيا كما أنه معترف به في صياغة ماركس الكلاسيكية. فكتاب “مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي” الصادر عام 1859 يذكر نوعان من التأثير يمكن أن تمارسهما علاقات الإنتاج على قوى الإنتاج: حيث يمكن أن تكون أشكالا لتطورها (والتي أفهمها بأنها تتضمن تشجيعا إيجابيا لتطور قوى الإنتاج) أو أن تصبح معوقات لهذا التطور (أي أنها قد تقيد أو تعوق تطور قوى الإنتاج). والحقيقة أن تحليل ماركس لتناقضات الرأسمالية – وخاصة الميل نحو أزمة الإنتاج الزائد وميل معدل الربح نحو الإنخفاض – يبين أن علاقات الإنتاج الرأسمالية تدفع قوى الإنتاج نحو الأمام كما تدفعها أيضا إلى الخلف في نفس الوقت مع هيمنة اتجاه التطوير في أوقات الرخاء وسيطرة اتجاه التعويق في أوقات الأزمة، كما أن الاتجاه نحو الأزمة يتزايد مع نضوج النظام.
ورغم ذلك فهناك أسباب قوية لاستمرار التأكيد على أولوية قوى الإنتاج واعتبار تأثير علاقات الانتاج ثانويا أو “رد فعل” اشتقاقي يؤثر على قوى الإنتاج. وأهم هذه الأسباب هو أنه لو أضفيت الأولوية على علاقات الإنتاج فلن يمكن وضع تفسير لسبب وجود علاقات الإنتاج على النحو الذي توجد عليه في أي مجتمع أو عصر محدد. ويصبح مفهوم علاقات الإنتاج معلقا، كما كان، في الهواء مقوضا بذلك تماسك المادية التاريخية كنظرية عامة في التطور التاريخي. وفي سياق ذلك يجري تقويض مبدأين جوهريين آخرين في الماركسية الكلاسيكية: نظرية الثورة التي تستمد جذورها من تناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج، والنظرية الأخرى القائلة بأن الشروط الاقتصادية الجوهرية لبناء الاشتراكية هي تطور قوى الإنتاج إلى المدى الذي يجعل من الممكن توفير حياة لائقة للجميع. غير أن نفس هذه المشكلة لا تنشأ إذا اعتبرنا قوى الإنتاج ذات أولوية حيث يتوافر تفسير لوجود ونمو قوى الإنتاج في التحليل الأخير على أساس الصراع من أجل توفير الحاجات الإنسانية البيولوجية، والتي تعد نفسها نتاجا للتطور الطبيعي.
وهناك فكرة إضافية تؤيد هذا الموقف مؤداها أنه يتطابق مع الغالبية العظمى من التحليلات الكلاسيكية للمادية التاريخية التي قام بها كل من ماركس وإنجلز، ليس فقط في “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي” في 1859 و”الأيديولوجيا الألمانية”، ولكن أيضا في كتاب “بؤس الفلسفة” و “البيان الشيوعي” و “ضد دوهرينج” و “أصل العائلة والمليكة الخاصة والدولة” ومواضع أخرى. حتى الفقرة التي اقتبسها ألكس من “رأس المال” ليؤيد بها موقفه تحتوي على إشارة على الأولوية الأساسية لقوى الإنتاج والتي تتشابه جدا مع صياغتها في “مساهمة” 1859:
“إن العلاقة المباشرة لملاك وسائل وشروط الإنتاج مع المنتجين المباشرين – وهي علاقة تتوافق دائما وبشكل طبيعي مع مرحلة محددة من تطور طرق العمل وكذلك إنتاجيته الاجتماعية – هي التي تكشف دائما عن الأسرار الخفية والأسس الغامضة لكامل البناء الاجتماعي.”(33) (التشديد من عند الكاتب).
وأخيرا، قدم كريس هارمان دليلا نظريا وإمبيريقيا مقنعا على أولوية قوى الإنتاج فيما يتعلق بدراسة حالة هامة للانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. وكان الماركسي الأمريكي الشهير روبرت برنر قد جادل بأن هذا الانتقال يفسر بشكل أساسي في ضوء الصراع الطبقي في الريف بين السادة والفلاحين (أي في ضوء علاقات الإنتاج) وليس في ضوء تطور التجارة والصناعة وظهور البرجوازية في المدن (أي قوى الإنتاج). وفي مواجهة أفكار برنر والنظريات السابقة لبايرن وسويزي وولرشتاين، اعتمد هارمان على كتابات لو جيف، وكريدل ومؤرخين آخرين للتأكيد على تحليل ماركس بصورة أكثر تطورا للطريقة “التي أدى من خلالها نمو قوى الإنتاج داخل المجتمع الإقطاعي إلى ظهور علاقات إنتاج جديدة، هي العلاقات التي اصطدمت مع المجتمع القديم وأدت إلى الثورة البرجوازية التي تركزت في المدن وتعززت بتمرد الطبقات الريفية.”(34)
ولكن إذا كانت قوى الإنتاج تحتل الأولوية ويلزم أن تكون نقطة الإنطلاق من درجة تطورها بالنسبة لمجمل التحليل الماركسي، فإن علاقتها مع علاقات الإنتاج لا يمكن أن تكون علاقة حتمية ميكانيكية أو أوتوماتيكية. فأي تصور حول الحتمية الأوتوماتيكية هنا تفنده الحقيقة التاريخية للثورة الاجتماعية لأن الثورة الاجتماعية تتضمن تحديدا تحولا جذريا في علاقات الإنتاج على أساس مستوى معين من تطور قوى الإنتاج. ففي روسيا كانت علاقات الإنتاج في 1918 مختلفة اختلافا كبيرا عن علاقات الإنتاج التي كانت سائدة في عام 1916، بينما قوى الإنتاج، تحت أي اعتبار، تدهورت. وأكثر من ذلك أن مفهوم ماركس حول تناقض قوى الإنتاج مع علاقات الإنتاج القائمة سيكون مستحيلا إذا كان هناك حتمية مطلقة أو ميكانيكية لعلاقات الإنتاج تحددها قوى الإنتاج. وواضح إذن أننا عدنا إلى مجال الحتمية النسبية. إن طبيعة هذه الحتمية النسبية، كما أعتقد، يمكن فهمها بأفضل صورة ممكنة كمركب من القوة الدافعة (IMPLULSE) والعائق (CONSTRAINT).
من ناحية يضع مستوى تطور قوى الإنتاج حدودا معينة لعلاقات الإنتاج الممكنة في فترة معينة من الزمن. وهكذا، في المراحل الأولى من التاريخ البشري، عندما كانت قوى الإنتاج تقيد البشرية في إطار مجتمع الصيد وقطف الثمار القبلي، كان ظهور علاقات إنتاج قائمة على الاستغلال (أي انقسام المجتمع إلى طبقات) مستبعدا. لكن قوى الإنتاج في أوروبا القرن الحادي عشر كانت تستبعد إمكانية كلا من الشيوعية البدائية أو علاقات الإنتاج الاشتراكية الحديثة. فعدد السكان (وهم أنفسهم قوة من قوى الإنتاج) كان قد تجاوز كثيرا العدد الذي يمكن أن يعيش على الصيد وقطف الثمار منذ زمن طويل، كما أن فائضا كان يتم إنتاجه بما يسمح للطبقة الحاكمة ببناء قوات مسلحة تستطيع بسهولة تحطيم أي محاولة لتحقيق المساواة البدائية. وفي نفس الوقت كانت قوى الإنتاج كافية لتوفير حياة لائقة ولكن لأقلية ضئيلة فقط من السكان: وبغض النظر عن كيفية تنظيم عملية الإنتاج أو توزيع المنتجات، فلم يكن ممكنا تحرير كل السكان من الفقر والجوع ومن حياة الكد اللانهائي. وعلى النقيض من ذلك، فإن قوى الإنتاج في مجتمعنا المعاصر تستبعد كلا من الشيوعية البدائية أو علاقات الإنتاج الإقطاعية: إنها تسمح فقط بمجتمع رأسمالي أو مجتمع اشتراكي، أو إن شئنا الدقة، علاقات إنتاج انتقالية نحو الاشتراكية.
ومن ناحية أخرى، ولد تطور قوى الإنتاج في أوروبا منذ القرن الخامس عشر على الأقل قوة دافعة قوية لظهور علاقات الإنتاج الرأسمالية تطورت، كما أشار ماركس، “في مرحلة المجتمع الإقطاعي”. ومنذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى الآن أنشأ تطور قوى الإنتاج قوة دافعة قوية باستمرار نحو الاشتراكية. فتزايد تحول عملية الإنتاج إلى عملية اجتماعية، ونمو الطبقة العاملة العالمية، وظهور الاقتصاد العالمي، وتقدم العلوم والتكنولوجيا (بقدراتها الهائلة على التدمير وكذلك على البناء) كل ذلك يضغط على البشرية في اتجاه الملكية الاجتماعية والتخطيط الديمقراطي.
ومع ذلك، فقد كشفت التجربة التاريخية بشكل حاسم أن تطور قوى الإنتاج لا يكفي في حد ذاته ليحتم الانتقال من نمط معين للإنتاج إلى نمط آخر، سواء من الإقطاع إلى الرأسمالية أو من الرأسمالية إلى الاشتراكية. إن هذا التطور شرط ضروري ولكنه ليس كافيا. لأن حدوث هذا الانتقال يتطلب أيضا قيام طبقة اجتماعية جديدة (ظهورها يحتمه نمو قوى الإنتاج وتعتبر جزءا من هذا النمو) بالإطاحة بالطبقة الحاكمة القديمة (التي تدين بوضعها المتميز لنمط الإنتاج القديم ولديها مصلحة أصيلة في الحفاظ عليه) والاستحواذ على سلطة الدولة من يدها. وهذا هو مغزى الفكرة القائلة بأن الصراع الطبقي هو قاطرة التاريخ.

البنية التحتية والبنية الفوقية:
عند هذه النقطة يمكن أن نقدم بعض التعليقات العامة حول المسألة التي تتعرض لجدل واسع حول أن البنية الفوقية للمجتمع تحددها القاعدة الاقتصادية. قال إنجلز في كلمته على قبر ماركس:
“مثلما اكتشف دارون قانون تطور الطبيعة العضوية، اكتشف ماركس أيضا قانون تطور المجتمع البشري: تلك الحقيقة البسيطة التي مازالت حتى الآن تختفي تحت نمو ركام كبير من الأيديولوجيا، والقائلة بأن البشر يجب قبل أي شيء آخر أن يأكلوا ويشربوا ويوفروا المسكن والملبس قبل أن يفكروا في السياسة والعلوم والفنون والدين إلخ، وبالتالي فإن إنتاج وسائل العيش المادية المباشرة، ودرجة التطور الاقتصادي التي حققها شعب معين أو خلال عصر معين تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم القانونية والفنون، بل وحتى الأفكار المتعلقة بالدين الذي يدين به هذا الشعب تتطورعنها، وبالتالي ينبغي أن تفسر في ضوئها وليس العكس كما هو الحال حتى الآن.” (35)
إن هذا الإصرار على أولوية البنية الاقتصادية التحتية في علاقتها بالبنية الفوقية، وعلى تفسير الأخيرة بالأولى وليس العكس، وعلى تفسير الوعي الاجتماعي بالوجود الاجتماعي، وليس الوجود الاجتماعي بالوعي، شائع في جميع التحليلات الكلاسيكية للمادية التاريخية من قبل مؤسسيها، وواضح أنه أمر جوهري في الماركسية ككل.
ومع ذلك، ففي سياق ملاحظتنا لهذا الأمر، ينبغي أيضا أن نلاحظ أن ماركس وإنجلز في الغالبية العظمى من هذه الأطروحات يقومان بصياغة العلاقة بين البنية الفوقية والبنية التحتية في إطار”التوافق” و “الاشتراط” أو “النشأة” وليس الحتمية الصارمة. هكذا نجد في “مساهمة 1859”:
“البنية الاقتصادية للمجتمع، الأساس الحقيقي الذي يقوم عليه بنية فوقية قانونية وسياسية، وتتوافق معها أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن نمط إنتاج الحياة المادية يشترط عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية بشكل عام. ومع تغير الأساس الاقتصادي فإن كامل البنية الفوقية الهائلة يتحول سريعا بهذه الدرجة أو تلك” (التشديد من عند الكاتب). (36)
وعلاوة على ذلك فإن إنجلز في رسائله الأخيرة كرر التأكيد على أنه لم تكن لديه ولا لدى ماركس أي نية للقول بحتمية مطلقة أو ميكانيكية في علاقة البنية الفوقية بالبنية التحتية:
“وفقا للمفهوم المادي للتاريخ فإن إنتاج وإعادة إنتاج الحياة الحقيقية هو الشرط التاريخي المحدد في نهاية المطاف. ولم يحدث أبدا أن قام ماركس ولا أنا بالادعاء بأكثر من ذلك. ومن هنا، فإذا قام أحدهم بتشويه هذا الموقف للزعم بأن العامل الاقتصادي هو العامل الوحيد المحدد، فإنه بذلك يحول القضية إلى عبارة مجردة وسخيفة وبلا معنى. إن الوضع الاقتصادي يمثل الأساس، ولكن العوامل المختلفة التي تشكل البنية الفوقية – الأشكال السياسية للصراع الطبقي ونتائجه، أي المؤسسات التي تقيمها الطبقة المنتصرة بعد معركة ناجحة، إلخ، والأشكال القانونية والقضائية بل وحتى انعكاسات كل هذه الصراعات الحقيقية على عقول وأفكار المشاركين فيها، والنظريات السياسية والقانونية والفلسفية، والآراء الدينية وتطورها اللاحق إلى أنساق دوجمائية – كلها تمارس تأثيراتها على مسار الصراعات التاريخية وفي حالات كثيرة تلعب دورا مهيمنا في تحديد شكل تلك الصراعات. ” (37)
وفي الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، يقدم ماركس تعبيرا واضحا عن الطريقة التي يمكن بها للأفكار أن تتجاوز الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت فيها:
إن تقاليد الأجيال الغابرة تربض كالكابوس على عقول الأحياء، وعندما يبدو أنهم منخرطون في تغيير أنفسهم وأوضاعهم تغييرا ثوريا، وفي خلق أوضاع جديدة تماما لم تكن قائمة من قبل، وتحديدا في فترات الأزمة الثورية يقومون في عجالة وتوتر باستدعاء أرواح الماضي لخدمتهم ويستعيرون منها الأسماء، وصيحات المعركة والأزياء من أجل عرض هذا المشهد الجديد من تاريخ العالم في صورة ذلك العصر المهيبة وبتلك اللغة المستعارة. (38)
وفي مقدمة كتابه “تاريخ الثورة الروسية” يربط تروتسكي بين غياب هذه الحتمية الميكانيكية وحقيقة الثورة الروسية:
“إن المجتمع لا يغير مؤسساته عند ظهور الحاجة إلى ذلك بنفس طريقة تغيير الميكانيكي لأدواته. بل على النقيض من ذلك يعتبر المجتمع فعليا أن المؤسسات التي هيمنت عليه قد ظهرت مرة واحدة وإلى الأبد. وهكذا فإن التغيرات السريعة في آراء الجماهير ومشاعرها في عصر الثورة لا تنبع من مرونة وعي الإنسان وحركيته، بل تنبع على العكس تماما من نزعته المحافظة العميقة. إن تخلف الأفكار والعلاقات المزمن عن الظروف الموضوعية الجديدة، حتى تلك اللحظة التي تصطدم الجماهير بهذه الظروف الجديدة بطريقة كارثية، هو ما يخلق في فترة الثورة تلك الحركة الوثابة في الأفكار والمشاعر والتي تبدو للعقلية البوليسية مجرد نتيجة لأنشطة العناصر الديماجوجية.” (39)
واضح إذن أن أي اتهام للماركسية بأنها تتبنى الحتمية الميكانيكية أو الحتمية الاقتصادية الفجة بعيد تماما عن الواقع. والمادية التاريخية تتبنى الحتمية النسبية فيما يتعلق بمسألة البنية التحتية والبنية الفوقية وكذلك في مسألة قوى وعلاقات الإنتاج وينطبق هنا أيضا مفهوم القوة الدافعة والعائق.
فمن ناحية، تضع طبيعة القاعدة الاقتصادية حدودا معينة لطبيعة البنية الفوقية للمجتمع، وبالتالي مثلا لا تتناسب البنية التحتية للمجتمع الإقطاعي مع قانون الانتخاب العام والديمقراطية البرلمانية وواضح أنها لا تدعم ظهور فلسفة جون ستيوارت مل، ولا علم آدم سميث في الاقتصاد، ولا الرواية باعتبارها الشكل الأدبي السائد أو الفن التشكيلي لكل من رمبرانت وجاكسون بولوك. ومن ناحية أخرى، فإن تطور البنية التحتية في كل من قوى وعلاقات الإنتاج ينتج ضغوطا مستمرة لتغيير في البنية الفوقية. وهكذا أدت بوادر الرأسمالية في أوروبا إلى توليد ضغوط لتحدي الكنيسة الكاثوليكية والتي كانت من أهم الإقطاعيين ملاك الأرض وكانت تقدم الشرعية الأيديولوجية للنظام الاقطاعي ككل. وكانت النتيجة النهائية لهذه الضغوط ظهور حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر مع ظهور الكالفينية بشكل جديد للمسيحية يلائم احتياجات التراكم البدائي لرأس المال. وفي نفس الوقت وفرت الثورة الصناعية في بريطانيا دافعا لإقرار حق التصويت، في البداية للبرجوازية الصناعية والطبقة الوسطى ثم بعد ذلك للطبقة العاملة الصناعية (مما نتج عنه قوانين الإصلاح لأعوام 1832، و 1867، و1884). ومثل ذلك كان التغير في البنية التحتية – الزيادة الكبيرة في توظيف النساء بأجر خلال فترة الرخاء الاقتصادي الطويل بعد الحرب – دافعا نحو تغير كبير، رغم أنه جزئي، في الموقف الاجتماعي السائد نحو المرأة. ومع ذلك، ينبغي أن نضيف فورا أن أيا من هذه الضغوط والدوافع لم يتحقق أوتوماتيكيا بدون صراع مرير كان من الممكن أن تختلف نتائجه.
وهنا يمكن أن نتناول تلك المسألة المعقدة والصعبة التي تتعلق بمدى ودرجة الحتمية في ارتباط مختلف عناصر البنية الفوقية مع البنية التحتية. وبشكل عام يمكن القول بأن عناصر البنية الفوقية التي يكون لها تأثير عملي مباشر مثل القانون والقضاء والشرطة والجيش ونظام التعليم وغيرها ترتبط أكثر بالبنية التحتية، وخاصة بالمصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة من العناصر التي تتسم أكثر بالطابع الأيديولوجي مثل الأفكار الدينية والفلسفة والفن. وبالتالي لا يستطيع اقتصاد رأسمالي حديث أن يتعايش مع قوانين مناهضة للرأسمالية سواء تلك التي تتطلع للماضي نحو الاقطاع، مثلا عن طريق تجريم الربا (أي إقراض المال والحصول على الفائدة) أو تتطلع نحو المستقبل من خلال منع استخدام العمل المأجور أو تقنين مصادرة الفقراء لممتلكات الأغنياء. غير أن الاقتصاد الرأسمالي يمكن أن يتعايش مع فن يحن إلى الماضي الاقطاعي (مثل الفن التشكيلي قبل روفائيل في بريطانيا العصر الفيكتوري، وشعر إيما باوند، والروايات الخيالية لتولكين)، أو فنون تروج لمستقبل اشتراكي (مثل مسرحيات بريخت، ولوحات ليجر إلخ). من الممكن أيضا أن نميز بين مختلف أشكال الفنون، حيث فن العمارة مثلا يتأثر مباشرة أكثر بقيود اقتصادية صارمة مقارنة بالشعر. وبالتأكيد تستطيع الرأسمالية بل وتتعايش مع عدد كبير من الديانات المتنوعة والتي يرجع ظهورها إلى عهود طويلة قبل الرأسمالية (رغم أنه طبعا يجب على هذه الديانات أن تتأقلم مع الرأسمالية حتى تستمر).
غير أن جميع هذه التعميمات تحتاج إلى مواءمة كبيرة. وقد اهتم إنجلز كثيرا بتفسير الاستقلال النسبي للمجال القانوني:
“بمجرد أن يصبح التقسيم الجديد الذي يؤدي إلى ظهور المحامين ضروريا ينتج عن ذلك فتح مجال جديد ومستقل، ورغم اعتماده بشكل عام على الإنتاج والتجارة يكون له مع ذلك قدرة للتأثير عليهما. وفي الدولة الحديثة، لا يجب أن يتوافق القانون مع الأوضاع الاقتصادية العامة ويكون تعبيرا عنها فحسب، وإنما يجب أيضا أن يكون تعبيرا متسقا داخليا بحيث لا يختزل نفسه إلى لاشيء بسبب تناقضات داخلية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يتعرض تعبيره الدقيق عن الأوضاع الاقتصادية إلى معاناة مستمرة.” (40)
وبنفس الطريقة يعالج تحليل ماركس للبونابرتية وتحليل تروتسكي للفاشية مواقف تقوم فيها آلة الدولة الرأسمالية بتجاوز حدود السيطرة المباشرة للطبقة الرأسمالية وتستطيع بالتالي فرض سياسات معينة لا تكون في مصلحة هذه الطبقة: مثل المحرقة النازية التي لا يمكن تفسيرها سواء من خلال الحاجات الاقتصادية أو السياسية للبرجوازية الألمانية. (41)
في نفس الوقت نجد أن أفضل الإنجازات في مجال الفلسفة والفن تستمد عظمتها بالضبط من علاقتها الوطيدة بالبنية الاقتصادية. وتعتبر الماركسية نفسها نموذجا لذلك من حيث أن نقطة قوتها لا تتمثل في استقلالها أو انفصالها ولكن في تناولها الدقيق للتناقضات الجوهرية في الأساس الاقتصادي للمجتمع وفي تعبيرها الدقيق عن مصالح قوة الإنتاج الرئيسية في هذا المجتمع أي الطبقة العاملة (42). وفي الفن التشكيلي نستطيع أن نذكر لوحات رمبرانت العديدة التي صورت البرجوازية الهولندية الصاعدة (مثال ذلك لوحة “تشريح دكتور تالب، والحارس الليلي، والموظفون الإداريون) أو لوحتي تيرنر “المطر” و “البخار والسرعة” والتي تستلهم القوى المحركة الكبيرة في رأسمالية القرن التاسع عشر، والقاطرة والبيانات وقصائد ولوحات “المستقبليين” والتي تحتفي بظهور السيارة والكهرباء وعواصم القرن العشرين، وفي الأدب روايات ديفو وأوستن وبلزاك وديكنز (حتى نذكر القليل منهم) وجميعها تكشف عن علاقة مباشرة مع التطورات الاقتصادية والاجتماعية.
وواضح رغم ذلك أن من نتائج موقف الحتمية النسبية أنه في مجال العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية ككل، وخاصة في نطاق الأيديولوجيا، تنطوي جميع التعميمات والخطوط الفكرية – رغم ضرورتها – على قيمة محدودة فقط وينبغي أن تفسح المجال بسرعة للتحليل الملموس.
قوانين حركة الرأسمالية:
إن أحد الجوانب الهامة لمشكلة الحتمية عموما ولمشكلة العلاقة بين البنية التحتية والبنية الفوقية هو مدى ودرجة الحتمية في السلوك البشري في علاقتها بقوانين الحركة الاقتصادية للرأسمالية. إن حقيقة أن ماركس كرس الجزء الأكبر من حياته في الكشف عن هذه القوانين في كتابه الأساسي “رأس المال” يبين أنه اعتبر هذه القوانين ذات أهمية قصوى في تشكيل السلوك الإنساني المعاصر ومستقبلا. وعلاوة على ذلك فإن مجرد فكرة وجود قانون اقتصادي للحركة يتضمن درجة عالية من الحتمية.
وحقيقة الأمر، تتجلى أقصى درجة من الحتمية في النظرية الماركسية عند تناولها للسلوك الاقتصادي للأفراد وبدرجة أكبر للطبقات. فالماركسية تصر على أن الطبقة العاملة ككل لا خيار أمامها إلا أن تبيع قوة عملها لأصحاب العمل (43)، مع مساحة ضئيلة من الاختيار في بيع قوة عملها لهذا أو ذاك من أصحاب العمل. وبنفس الدرجة تصر على أن الرأسماليين، ومدراء الشركات الرأسمالية لا خيار أمامهم بسبب المنافسة إلا محاولة تعظيم تراكم رأس المال وبالتالي محاولة تعظيم معدل الاستغلال. وترى الماركسية أن قيمة السلع، بما في ذلك قيمة قوة العمل، وبالتالي أسعارها في المدى الطويل تتحدد موضوعيا لا ذاتيا ولا اعتباطيا. (44)
وكذلك ترى الماركسية أن التراكم التنافسي لرأس المال على أساس قانون القيمة يؤدي حتما إلى ميل معدل الربح نحو الانخفاض (45)، والذي يؤدي بدوره إلى أزمة اقتصادية في صورة ركود بوتيرة وحدة تتزايد باستمرار.
لا يمكن هنا مناقشة صلاحية النظرية الاقتصادية الماركسية من عدمها وصلاحية نظريتها في الأزمة (46) ، وإنما أرغب فقط في التأكيد على طبيعتها الحتمية الشديدة.
على أننا هنا أيضا لا نتحدث عن حتمية ميكانيكية مطلقة. فأفراد من العمال يمكنهم أن ينضموا إلى جماعات مثل الهيبيز أو غيرها أو يصبحوا ثوارا متفرغين. ويمكن لأفراد من الرأسماليين أن يمارسوا أعمالا خيرية وقطعا يمكن أن يرتكبوا أخطاءا جسيمة في سعيهم وراء جني الأرباح. كما أن عوامل متعددة، ظاهرة أو خفية، يمكن أن تعوق اتجاه معدل الربح نحو الانخفاض وبالتالي تؤجل حدوث الأزمة الاقتصادية (47). ولا يوجد في النظرية الماركسية ما يستبعد إمكانية حادث كوني يحبط كامل هذه العملية. ومع ذلك فإن عنصر الحتمية في هذا المجال قوي جدا على ما يبدو.

هذه النزعة الحتمية القوية فيما يتعلق بقوانين حركة الراسمالية يترتب عليها نقطة يدور حولها صراع حاد بين الماركسية وجميع النظريات الإصلاحية على تنوعها. حيث يعتقد الإصلاحيون من مختلف الاتجاهات، أو على الأقل يزعمون أنهم يعتقدون، أن الحكومات إذا تولاها أشخاص من ذوي النوايا الطيبة والنظرة الثاقبة (أي إذا تولوها هم أنفسهم) ستكون قادرة دون الحاجة أولا إلى إزالة علاقات الإنتاج الرأسمالية على إدارة حركة الاقتصاد الرأسمالي بطريقة تعالج أزماته، وتخفيف وطأة الاستغلال وتجعله بشكل عام يعمل في مصلحة الطبقة العاملة. بينما يرى الماركسيون في ذلك وهما مدمرا وأن قوانين الاقتصاد الرأسمالية أقوى كثيرا من النوايا الطيبة عند الساسة الإصلاحيين.
ومع مواجهة حقائق الاقتصاد الرأسمالي نجد الحكومات الإصلاحية إما أنها تتخلى عن برامجها الإصلاحية (وهو السيناريو الأكثر شيوعا) وتؤقلم نفسها بخنوع مع أولويات الرأسمالية، أو، إذا تبنت موقفا أكثر إصرارا تحت ضغط جماهيري هائل من أسفل، تندفع بسرعة في حالة من الفوضى والارتباك. والأمر الوحيد الذي لا تستطيع إنجازه هو التعديل الجوهري لمنطق حركة النظام من ناحية واتجاهه نحو الأزمة من ناحية أخرى. مرة أخرى، لا مجال هنا لمناقشة وجهة نظر الماركسية بأي درجة من التفصيل في قضية الحكومات الاشتراكية الديمقراطية. ويكفي الإشارة إلى أن سجلها التاريخي – بما في ذلك سجل سبع حكومات لحزب العمال في بريطانيا منذ عام 1924 وسجل جمهورية الفايمر، والوحدة الشعبية في شيلي، وحكومة ميتران في فرنسا وجونزالس في أسبانيا – يقدم شهادة قوية لصالح الحتمية الماركسية.

ومع ذلك، فإن الماركسية تتخذ أيضا موقفا مناهضا للحتمية فيما يتعلق بقوانين حركة الرأسمالية عند مستوى مختلف من السجال في نفس الوقت الذي تؤكد فيه على القوة الحتمية لهذه القوانين. فالاتجاه العام وسط أكثر المدافعين الأيديولوجيين عن الرأسمالية – خبراء الاقتصاد، والسياسيون وغيرهم – ووسط الرأسماليين أنفسهم هو معاملة هذه القوانين التي يطلقون عليها قوانين السوق كقوانين مطلقة لا تتغير. وأحيانا ما يعتبرونها قوانين طبيعية مباشرة – فقد كانت مارجريت تاتشر هي القائلة بأنك “لا تستطيع أن تتحدي قوانين السوق بأكثر مما تستطيع مقاومة قانون الجاذبية”. بل ينظر إلى هذه القوانين وكأنها نابعة من الطبيعة البشرية الثابتة خارج إطار الزمن – أي الطبيعة البشرية الأنانية والفردية التي تسعى إلى تعظيم المنفعة عند علماء الاقتصاد الكلاسيكي. وعلى كل، تقدم هذه القوانين كأنها خارجة عن ومتجاوزة أي إمكانية لسيطرة البشر عليها ويجري تصوير أي محاولة لمقاومتها أو تحديها على أنها خيالية وضارة وشريرة في نفس الوقت.
ترفض الماركسية هذا الموقف، وتؤكد أن قوانين الاقتصاد المعاصرة لا تنبع من الطبيعة ولا الطبيعة البشرية وإنما تنتج فقط من علاقات الإنتاج الرأسمالية وهي علاقات بدورها نتيجة تاريخية، أي أنها نتاج لأفعال بشرية سابقة، ويمكن تغييرها بواسطة أفعال البشر. ومع ذلك، فطالما استمرت علاقات الإنتاج الرأسمالية قائمة فسوف تظل قوانين حركة الرأسمالية في عملها وسوف تكسر أي معارضة أو مقاومة لها في الأجل الطويل. (48)
وقبل أن نغادر مسألة الدور الحتمي لقوانين الرأسمالية، من الضروري أن نناقش مجال الحرية النسبية في سلوك مختلف الطبقات الاجتماعية. وهنا نواجه مفارقة واضحة. ففيما يتعلق بالسلوكيات الشخصية أو الفردية، واضح أن أعضاء الطبقة الرأسمالية يتمتعون بحرية أكبر كثيرا من أفراد الطبقة العاملة. حيث يمكنهم الاسترخاء والتمتع بالعطلات والأكل والشراب واللعب عندما يشاءون ذلك. وعلى العكس، نجد أن العمال لا خيار لهم في هذه الأمور أو أن الخيار أمامهم محدود للغاية. ولكن عندما يتعلق الأمر بتحرك اجتماعي أو سياسي، أي التصرف كطبقة اجتماعية، تصبح الطبقة العاملة أكثر حرية من ناحية جوهرية، وأقل خضوعا للحتمية في سلوكها مقارنة بالبرجوازية كطبقة. البرجوازية تاريخيا سجينة النظام الذي تسيطر عليه، سجينة للاندفاع نحو تراكم رأس المال من ناحية ولتناقضات النظام من ناحية أخرى. إنها تتحقق في اغترابها، وكما يعبر ماركس عن ذلك قائلا “إن الرأسمالي مجرد تشخيص لرأس المال ويلعب في عملية الإنتاج دورا لا يتجاوز دور وكيل رأس المال.”(49) أما الطبقة العاملة فتستطيع مقاومة متطلبات رأس المال وتقاومها. ومنذ اللحظة التي تقاوم فيها تصبح الطبقة العاملة أكثر من مجرد تشخيص لقوة العمل. إنها تخطو خطوة على طريق تجاوز اغترابها وسيطرتها الواعية على الإنتاج والمجتمع والتاريخ.
إن لهذا التعارض بين أسر البرجوازية والحرية (النسبية) للبروليتاريا نتائجه بالنسبة للفئات المتوسطة التي يشار إليها عموما بالطبقة الوسطى. ففي الجناح اليساري من هذه الشريحة الاجتماعية ترتبط استراتيجية الإصلاحية السياسية ارتباطا وثيقا باستراتيجية الترقي الشخصي في سلم المهن والمؤسسات، ويردد الصحفي والمدرس ومسئول الحكومة المحلية والإخصائي الاجتماعي لأنفسهم والآخرين أنه من الضروري أن يتقدموا في هياكل إدارة الهيئة أو المدرسة أو الصحيفة أو الجهة التي يعملون بها من أجل وضع أفكارهم موضع التنفيذ وامتلاك القدرة على تغيير الأوضاع. غير أنه في واقع الأمر كلما تقدم الفرد وترقى يصبح محاصرا أكثر بمنطق رأس المال، ويفقد أكثر فأكثر حريته في معارضة ذلك المنطق، وبهذا المعنى يصبح سلوكه محتما أكثر فأكثر.
الحتمية والصراع الطبقي:
إن الحرية النسبية الأكبر لدى البروليتاريا، أي قدرتها على اختيار مقاومة قيود رأس المال، يقودنا مباشرة إلى مسألة علاقة الحتمية بالصراع الطبقي. إلى أي حد يكون وجود ومسار ونتائج الصراع الطبقي محتما موضوعيا بشكل مستقل عن الإرادة والوعي والتدخل القصدي من قبل العمال والاشتراكيين الثوريين؟ إن هذا السؤال، أو سلسلة الأسئلة، هو الجانب الأهم من الناحية السياسية في قضية الحتمية ككل. حيث أنه يمثل النقطة التي يؤثر فيها هذا السجال الفلسفي تأثيرا مباشرا أكثر على الممارسة الاشتراكية.
إن واحدا من أهم أعمدة المادية التاريخية طبعا هو أن الصراع الطبقي عبر التاريخ ينبع من علاقات الإنتاج القائمة على الاستغلال. وحقا أن الاستغلال، اي الاستيلاء على فائض العمل من المنتجين المباشرين، هو الذي ينتج الصراع الذي يشكل الصراع الطبقي. أو كما يوضح سانت كروا “إن الطبقية (وهي علاقة اجتماعية بالضرورة) هي التعبير الاجتماعي الكلي عن واقع الاستغلال، أي الطريقة التي يكون فيها الاستغلال متضمنا في البناء الاجتماعي.”(50) وفي المجتمع الرأسمالي ينتج العداء والصراع بين البروليتاريا والبرجوازية من الاستحواذ على فائض القيمة الذي يتخفى في علاقة العمل المأجور. وهناك تعارض موضوعي في المصالح بين الطبقات حيث أن الرأسماليين بدافع من المنافسة يسعون باستمرار إلى زيادة معدل الاستغلال (من خلال تخفيض الأجور، او إطالة يوم العمل، وزيادة الإنتاجية) والعمال بدافع الحاجات الطبيعية والحاجات الاجتماعية يسعون إلى تخفيض هذا المعدل. وهذه معركة تدور رحاها في كل يوم عمل أو أسبوع عمل وفي كل مكان في مختلف أنحاء العالم الرأسمالي وطوال عصر الرأسمالية والتي تتخلل، عبر أشكال متفاوتة ومتباينة، كل جوانب ومستويات حياة المجتمع. ولذلك فإن وجود الصراع الطبقي ليس اختراعا ولا ابتكارا جاء به أو ابتدعه ماركس أو الماركسيين، أو المحرضين أو مثيري الشغب. إنه أحد الخصائص الحتمية في المجتمع الرأسمالي يحتمه النشاط الاقتصادي.
غير أن مستوى حدة الصراع الطبقي يتفاوت بدرجة كبيرة. والمجتمع البرجوازي يمر بفترات تتميز بالسلام الطبقي الواضح حيث يختفي الصراع بين الطبقات، رغم استمراره، تحت السطح وفترات أخرى تشهد حربا طبقية مفتوحة بالمعنى الحرفي لكلمة الثورة أو الحرب الأهلية، كما يمر بفترات أخرى وسيطة بدرجات متفاوتة بين هذا المستوى وذاك.
وعند تحليل درجة الحتمية الاقتصادية في الصراع الطبقي من عدمها، يجب العودة باختصار إلى التمييز الذي قدمناه أعلاه بين حرية الحركة النسبية لدى البرجوازية والبروليتاريا. إن جانبا الصراع الطبقي البرجوازي والبروليتاري يرتبطان بعضهما مع الآخر ارتباطا واضحا ولكنهما ليسا متطابقين ولا متناسبين. فالجانب البرجوازي تشتد فيه الحتمية الاقتصادية. وواضح أن عوامل سياسية وتاريخية وفردية وسيكولوجية تلعب دورا في التأثير على التكتيكات والشراسة التي تستخدمها البرجوازية في تحقيق مصالحها، ومع ذلك فإن الطابع الجبري للاقتصاد قوي جدا كما أن البرجوازية قد طورت “غريزة طبقية” شديدة، أي وعيا عمليا واضحا جدا حول اتجاه مصالحها. ولذلك يمكن صياغة قاعدة عامة أو “قانون” مؤداه أن البرجوازية في أوقات الأزمات الاقتصادية وعندما تنخفض معدلات الأرباح وتزداد حدة المنافسة بين رؤوس الأموال سوف تقوم بتصعيد هجومها على مستوى معيشة الطبقة العاملة.
ورغم ذلك، عندما يتعلق الأمر بالجانب البروليتاري من الصراع لا يمكننا القول، وفق حتمية نيوتن، أن كل فعل (برجوازي) يقابله رد فعل (بروليتاري) مساوي له في القوة ومضاد له في الاتجاه. الواقع الإمبيريقي يؤكد أن هناك دائما مقاومة للاستغلال والقهر حتى في أشد الظروف قسوة (حتى في ألمانيا النازية وروسيا الستالينية، وحتى في معسكرات الموت أو في الجولاج). ولكن واقعا بنفس الدرجة أيضا يشير إلى أن هناك دائما خضوعا بل وحتى تعاونا. والوزن النسبي بين هذه الأشكال المختلفة من ردود الفعل يختلف اختلافا كبيرا ولا توجد علاقة ثابتة أو ميكانيكية بين ذلك وبين الأوضاع الاقتصادية.
وواضح أن مستوى تطور قوى الإنتاج، وعلاقات الإنتاج المصاحبة لها، مع الظرف الاقتصادي المباشر تمثل نقطة الإنطلاق في مستوى الصراع وسط الطبقة العاملة. إن درجة وطبيعة التصنيع في أي مجتمع تحدد حجم الطبقة العاملة ووزنها الموضوعي داخل الاقتصاد. وهي تحدد بالتالي القوة الممكنة للطبقة العاملة في الصراع ولكنها، في حد ذاتها، لا تحدد الدرجة التي ستتحول بها هذه القوة الممكنة إلى قوة فعلية. في الأعوام الأولى من هذا القرن،( القرن العشرين) كانت الطبقة العاملة في ألمانيا وبريطانيا، اللتان كانتا متقدمتين اقتصاديا، أكبر حجما وأقوى من حيث الإمكانية من الطبقة العاملة في روسيا المتخلفة، لكن مستوى الصراع الطبقي في روسيا كان أعلى كثيرا. إن الأوضاع الاقتصادية المباشرة يمكن أن توفر حوافز قوية في الصراع الطبقي – مثلا يعتبر التضخم دافعا قويا للنضال من أجل زيادة الأجور – ولكن مرة أخرى هذه النتيجة ليست أوتوماتيكية.
ناقش تروتسكي هذه المسألة في مناسبات عديدة (51). وكان يرى أن ظهور حركة عمالية جماهيرية وثورية ونجاح الصراع على سلطة الدولة يقوم بلا شك على أساس أزمة عامة في النظام الرأسمالي، أي تفاقم التناقض الجوهري بين قوى وعلاقات الإنتاج الذي يؤدي إلى فترة طويلة من عدم الاستقرار والتناوب السريع بين فترات الرخاء وفترات الأزمة. ولكنه يرفض فكرة “اعتماد الحركة الثورية البروليتارية على أي أزمة بأي صورة أوتوماتيكية. هناك فقط التفاعل الديالكتيكي.(52)” ويبين تروتسكي تحديدا كيف أنه في بعض الظروف، خاصة عندما تكون الطبقة العاملة منهكة بعد معارك كبرى، يمكن أن تؤدي فترة البطالة الطويلة إلى إحباط وإضعاف صراعاتها، بينما يمكن لفترة انتعاش اقتصادي مؤقت أن ترفع مستوى الصراع.

“على العكس، إن انتعاش الصناعة، وقبل كل شيء، يؤدي إلى زيادة ثقة الطبقة العاملة بنفسها، تلك الثقة التي قوضتها التجارب الفاشلة والانقسام في صفوفها: هذا الانتعاش يؤدي إلى توحيد الطبقة العاملة في المصانع والمعامل ويعزز الرغبة في وحدة وشمول الحركة النضالية (53). إن ثقة العمال بأنفسهم تتعزز في نفس اللحظة التي تتوقف فيها المصانع عن التخلص من العمال الأكبر سنا لإحلالهم بعمال جدد، لأنهم يشعرون بأهميتهم مجددا.(54)”
هذه الملاحظات تمثل مؤشرات وإرشادات بالغة الأهمية، ولكن لا يجب التعامل معها كتعميمات صالحة كليا أكثر من النظرة الميكانيكية القائلة بأن الأزمة تساوي الثورة. أولا، لأن كل أزمة اقتصادية وكل رخاء اقتصادي لا يشبه الآخر من الناحية الاقتصادية البحتة. وثانيا لأن العلاقة بين الأوضاع الاقتصادية ونضال العمال يتخللها عوامل عديدة – منها مستوى وجودة التنظيم النقابي، مستوى وجودة التنظيم السياسي، مستوى الوعي السياسي العام، مستوى الشعور بالغضب، سلوك القيادات النقابية والسياسية، وقوة الطبقة الرأسمالية وثقتها بنفسها ومهارتها الخ – وجميعها ليست مشروطة بالوضع الراهن فحسب وإنما أيضا مشروطة بالماضي القريب أو حتى بالماضي البعيد، وجميعها أيضا في تفاعل معقد فيما بينها.
ولذا فإن أي تحليل جيد لمستوى الصراع الطبقي ومساره سواء في الماضي أو في الحاضر يلزم أن يكون تحليلا ملموسا يتخذ نقطة انطلاقه من الأوضاع الاقتصادية ولكن يتضمن جميع هذه العوامل ويشملها. إن تعقيدات هذا الأمر تعني أن أي محاولة للتنبؤ بشكل نضال الطبقة العاملة، حتى في المستقبل القريب، وقطعا في المستقبل البعيد، ينبغي أن تتوخى الحذر الشديد. ويعتبر تحذير جرامشي بالغ الأهمية هنا:
“في الواقع لا يمكن للمرء أن يتنبأ بشكل علمي إلا بالصراع، ولا يمكن أن يتوقع اللحظة الحقيقية لهذا الصراع والذي لا يمكن إلا أن يكون نتاجا للقوى المتعارضة في حركاتها الدائمة التي لا يمكن اختزالها إلى كميات محددة لأن الكم يتحول باستمرار إلى كيف في سياق الحركة.(55)”
غير أن الهدف النهائي من كل التحليل الماركسي للصراع الطبقي ليس التنبؤ بمستقبل هذا الصراع ولا تقديم تفسير وافي لتاريخه، وإنما التدخل في هذا الصراع من أجل المساهمة في تشكيل اتجاهه. ومن منطلق هذا التدخل تحديدا يجب النظر إلى مستوى الصراع الطبقي في حدود معينة سواء من قبل المناضل الاشتراكي الفرد أو الحزب الثوري باعتباره مستوى معطى، يتحدد موضوعيا وبشكل مستقل عن إرادة الفرد أو الحزب. وكما يعرف كل قيادة عمالية أو مندوب نقابي (أو يتعلم بسرعة) لا يمكن الدعوة إلى الإضراب وفق الإرادة وفي غياب رغبة أصيلة من جانب العمال المعنيين في النضال. ينطبق ذلك بقوة أكبر على الإضراب العام أو الانتفاضة كما أن أي تجاوز على قانون الاستراتيجية الثورية هذا تكون له نتائج كارثية بدرجة أو بأخرى. (المثال الكلاسيكي السلبي على صحة هذه القاعدة هو حركة مارس 1921 عندما حاول الحزب الشيوعي الألماني تحريض الطبقة العاملة الألمانية بشكل مفتعل على الثورة ولم ينجح إلا في تمزيق عضويته وتقويض مصداقيته)(56).
وفي نفس السياق، هناك أوقات تقوم فيها قطاعات من الطبقة العاملة أو حتى غالبيتها بالانخراط في الصراع بغض النظر عن اعتراضات وتحفظات حتى أكثر قادتها تقدما. هذه الحركة كانت ثورة فبراير في 1917 عندما أطيح بالقيصرية في روسيا من خلال تمرد جماهيري واسع رغم تردد الحزب البلشفي في البداية، ويسجل تروتسكي ذلك قائلا:
“كان الثالث والعشرون من فبراير بوم المرأة العالمي، وخططت الحلقات الاشتراكية الديمقراطية الاحتفال بهذا اليوم بطريقة عامة: من خلال عقد اللقاءات وإلقاء الكلمات وتوزيع المنشورات. ولم يتوقع أحد أن هذا اليوم سيكون أول أيام الثورة، ولم تدع منظمة واحدة إلى إضرابات في هذا اليوم. وأكثر من ذلك، حتى منظمة البلاشفة، وأكثر المنظمات نضالية – لجنة منطقة فايبورج، وجميع العمال – كانوا يعارضون الإَضرابات.
وفي الصباح التالي ورغم جميع التوجيهات قامت عاملات النسيج في العديد من المصانع بالإضراب عن العمل وأرسلن وفودا إلى عمال التعدين للدعوة إلى التضامن معهن.
وهكذا، نجد حقيقة أن ثورة فبراير بدأت من أسفل، متغلبة على مقاومة المنظمات الثورية التي قادتها.(57)”
وفي كل من هذه الأحداث يجب على القادة الثوريين على المستوى المحلي والقومي أولا أن يتأقلموا مع الواقع المحدد موضوعيا.
ورغم ذلك فإن إدراك الضرورة هذا لا يمثل إلى نقطة الإنطلاق في الحركة. فالقيادة المهيأة لتركيز النضال ورفع مستواه إلى مرحلة أعلى ضرورية من أجل ضمان النجاح. ومثل ذلك نجد أن جانبا من خبرة كل مناضل قاعدي وكل قيادة سياسية أن هناك لحظات يمكن فيها لخطبة واحدة في اجتماع واسع، أو خطوة شجاعة من لجنة نقابية موقعية أو تدخل منظم من قبل حزب سياسي أن يحدث تغييرا هاما أو حتى حاسما في مسار الصراع سواء تغيير إيجابي أو تغيير سلبي. هكذا أحدث قرار قيادة نقابة عمال المناجم ومؤتمر النقابات البريطاني في أكتوبر 1992 تسيير أول مظاهرة كبيرة ضد إغلاق المناجم حول هايد بارك بدلا من قيادتها مباشرة إلى البرلمان اختلافا كبيرا على قدرة حكومة المحافظين في اجتياز الأزمة. وبالعكس أحدث قرار، أو سلسلة القرارات، التي اتخذها حزب العمال الاشتراكي في 1977 لمواجهة الجبهة الوطنية في ليويشام وإطلاق عصبة مناهضة النازية اختلافا كبيرا في النضال ضد الفاشية في بريطانيا.
يقودنا ذلك إلى مسألة ما إذا كان ممكنا اعتبار النتيجة النهائية للصراع الطبقي محتومة أم لا، أي إلى المسألة القديمة حول “حتمية الاشتراكية”. ويجب الاعتراف بأن هناك قدر من الغموض حول هذه المسألة في التراث الماركسي الكلاسيكي. حتى في البيان الشيوعي نفسه نجد صياغات متعارضة. فمن ناحية:
“لذلك، إن أهم ما تنتجه البرجوازية هم حفارو قبرها، إن سقوطها وانتصار البروليتاريا حتميا بنفس الدرجة. (58)”

ومن الناحية الأخرى:
“إن تاريخ المجتمع القائم كان ولا زال تاريخ الصراع الطبقي … ذلك الصراع الذي ينتهي كل مرة إما بإعادة تشكيل المجتمع ككل ثوريا أو بالدمار المشترك للطبقات المتصارعة.(59)”
وقطعا يوجد بعض البلاغة اللغوية في عبارة “حتمي بنفس الدرجة” تماما كما يغيب التحديد الدقيق في عبارة “التدمير المشترك للطبقات المتصارعة”. ولكن بعد مرور 150 عاما تقريبا على البيان الشيوعي نجد أن خطاب الحتمية يتضمن حلقة مفقودة، بينما الشكل الملموس “للدمار المشترك” أصبح واضحا تماما. فمنذ اللحظة التي قامت فيها الرأسمالية بتسليح نفسها بالسلاح النووي، وبالتالي كشفت عن قدرتها على تدمير نفسها وتدمير البشرية معها، أصبح الحديث عن حتمية الاشتراكية حديثا سخيفا (60).
غير أن الأمر لا يقتصر فقط على مسألة إمكانية حدوث محرقة نووية، فتجربة الثورات العمالية خلال القرن العشرين برهنت على نفس الفكرة. فبعد الثورة الروسية و الثورة الألمانية والثورة الإسبانية وثورات أخرى بدا واضحا تماما خطأ اعتبار الثورة الاشتراكية حتمية تماما أو عملية مضمونة التحقيق. الاعتراف بذلك لا يعني اختزال الاشتراكية إلى حلم خيالي ولا اعتبار انتصار الطبقة العاملة مرهونا بالصدفة. وإنما على العكس، كما تبين الماركسية دائما، هناك قوى تاريخية موضوعية ومؤثرة تعمل في صالح انتصار البروليتاريا. من هذه القوى: التفوق العددي الكبير للبروليتاريا على البرجوازية؛ تركز الطبقة العاملة في مواقع العمل وفي المدن؛ اعتماد البرجوازية على الطبقة العاملة في كل أنشطتها بما في ذلك إدارة الدولة؛ وحقيقة أن الطبقة العاملة يمكنها أن تحكم المجتمع بدون البرجوازية لكن البرجوازية لا يمكن أن توجد بدون الطبقة العاملة، مما يعني أن البرجوازية عليها أن تستمر في هزيمة الطبقة العاملة في عدد غير محدود من المعارك بينما لن تحتاج البروليتاريا إلى هزيمة البرجوازية إلا مرة واحدة فقط (بالمعنى التاريخي العالمي). هذه العوامل تجعل من الإنتصار النهائي للبروليتاريا إمكانية واقعية. بل ربما تجعل هذا الانتصار محتملا أكثر، ولكنها لا تضمنه رغم ذلك.
إنها لا تضمن هذا الانتصار لأن البرليتاريا حتى تحقق الانتقال من طبقة خاضعة إلى طبقة حاكمة عليها أن تمر خلال مواجهة حادة مع البرجوازية، والتي تكون قوة الطبقتين خلالها متعادلة تقريبا لفترة معينة، وعند هذه النقطة سوف تقوم البرجوازية إذا سنحت لها الفرصة بمعاودة الهجوم على الطبقة العاملة بقوة هائلة. ولذلك، فعند هذه النقطة يمكن أن يتجه التاريخ إلى إحدى طريقين. وقد استخدم تروتسكي عندما كتب عشية انتصار هتلر في ألمانيا صيغة مدهشة في وصف هذا الموقف:
“إن ألمانيا تمر حاليا بواحدة من تلك اللحظات التاريخية العظيمة سوف يعتمد عليها مصير الشعب الألماني ومصير أوروبا ومصير البشرية عموما بمقاييس معينة ولعقود قادمة. فإذا وضعت كرة على رأس هرم، يمكن لأي مؤثر بسيط أن يدفعها إلى السقوط نحو اليسار أو نحو اليمين. هذا هو الموقف الذي يقترب ساعة بعد أخرى في ألمانيا اليوم. هناك قوى ترغب في أن تسقط الكرة ناحية اليمين وتقصم ظهر الطبقة العاملة. وهناك قوى معينة سوف تحبذ بقاء الكرة على قمة الهرم. ولكن ذلك محض خيال وحلم. إن الكرة لا يمكن أن تستمر على رأس الهرم. ويريد الشيوعيون أن تسقط هذه الكرة إلى جهة اليسار وأن تقصم ظهر الرأسمالية.(61)”
وقد مرت الثورة الروسية بنفس تلك اللحظة في سبتمبر وأكتوبر من عام 1917، فقد حاولت الثورة المضادة في مبادرة الجنرال كورنيلوف إغراق الثورة في الدماء وقد تم ردع هذه المحاولة. فقد كانت تستعد لضربة أخرى. كان البلاشفة قد فازوا بالأغلبية في السوفيتات وكانت الطبقة العاملة تتطلع إليهم لتحويل كلماتهم إلى أفعال. وكانت الحكومة المؤقتة بقيادة كيرنسكي مشلولة وعلى وشك الانهيار. وكان مصير الثورة على حافة سكين بين ديكتاتورية البروليتاريا وديكتاتورية الثورة المضادة.
لم يدرك أحد هذا الموقف أفضل من لينين. وقد هاجم لينين في سلسلة من الخطب والمقالات والرسائل اللجنة المركزية للحزب البلشفي مع إلحاح شديد في مطالبتهم “بانتهاز الفرصة” وتنظيم الانتفاضة. وكانت فحوى هذه الرسائل التي تكررت كثيرا هي أن الثورة وصلت إلى نقطة تحول حاسمة وأن “التباطؤ والمماطلة يعني الموت (62)”. وقد كتب لينين في 29 سبتمبر 1917:
“لقد بلغت الأزمة مرحلة النضج. الأمر يتعلق بمستقبل الثورة الروسية ككل. إن شرف ومصداقية الحزب البلشفي رهن المساءلة. فالأمر يتعلق بمستقبل الثورة الاشتراكية للطبقة العاملة العالمية. إن التخلي عن الاستيلاء على السلطة الآن أو الانتظار يعني الحكم على الثورة بالفشل.(63)” (التشديد في الأصل).
وفي 24 أكتوبر كتب لينين:
“إن الموقف الآن حرج للغاية… إنني أدعو رفاقي بكل قوة أن يدركوا أن كل شيء الآن معلق بخيط واحد… الحكومة تترنح. ويجب تدميرها بأي تكلفة. إن التأخر في ذلك سيكون كارثيا.(64)”
ولدى تعليقه على هذا الموقف وكذلك على “أيام أبريل” الحاسمة بنفس الدرجة عندما قام لينين بإعادة توجيه الحزب البلشفي بعيدا عن فكرة استكمال الثورة البرجوازية نحو سلطة السوفيت، أكد تروتسكي أن دور لينين في انتصار الثورة كان دورا لا غنى عنه. وكتب أنه “لولا لينين لما كانت هناك ثورة أكتوبر؛ وكان يمكن لقيادة الحزب البلشفي أن تمنع حدوثها.(65)”
أهمية هذه الفكرة في مسألة الحتمية ككل تتضح من خلال إسحاق دويتشر الذي انتقد تروتسكي تحديدا في هذه النقطة. في كتابه “النبي المنبوذ”، يتهم دويتشر تروتسكي بأنه بالغ في دور لينين، مع الخضوع في هذا السياق “لأتباع” لينين، وطرح فكرة “تتعارض تماما مع جوهر التراث الفكري الماركسي(66)”. ويقتبس من كتاب “دور الفرد في التاريخ” لبليخانوف باعتباره مرجعه “وممثلا رفيعا لهذا التراث” تأكيده أن “الأفراد المؤثرين يمكنهم تغيير بعض ملامح الأحداث وبعض نتائجها المحددة ولكن لا يمكنهم تغيير الاتجاه العام الذي تحتمه قوى أخرى.(67)” (التشديد في الأصل).
في الأمور المحددة في هذه المسألة، يميل هذا الدليل بقوة إلى تأييد تروتسكي في أنه لم يكن محتملا على الإطلاق أن أي قيادة ثورية أخرى في روسيا 1917 كان يمكنها أن تفعل ما فعله لينين، أي كسب قيادة البلاشفة لفكرة الانتفاضة (68). ولكن المهم أن منطق فكرة بليخانوف – دويتشر يمتد إلى ما وراء هذه الحالة المحددة بالنسبة للينين إلى كامل الدور التاريخي لقيادة الحزب، لأن مساهمة لينين الهامة لم تكن في كونه فردا ملهما للجماهير، وإنما في مساهمته في الحزب البلشفي ومن خلاله. وكما كتبت في موضع آخر:
“إذا لم يكن تاثير الأفراد وقراراتهم حاسما، فكيف يكون الأمر بالنسبة لقرارات قيادة الحزب، والتي تتشكل من أفراد، أو الأحزاب ككل، والتي تظل جماعات صغيرة نسبيا مقارنة بالقوى الرئيسية للثورة، أي الطبقات؟ يعتقد دويتشر أن هذا الرأي يتعارض مع الفكرة الجوهرية في الماركسية التي ترى أن التغييرات التاريخية الكبرى تحدثها قوى اجتماعية جماهيرية. وما لا يدركه دويتشر هو الفكرة الجدلية بأن التطور التاريخي نتاج للتناقض، حيث تتحرك قوى اجتماعية كبيرة في اتجاهات متناقضة، وأنه في لحظات تحول تاريخية هامة قد تتوازن هذه القوى الاجتماعية مع بعضها بدرجة تامة تقريبا.
في هذه المواقف تحديدا يمكن لعوامل تبدو صغيرة بوضوح مثل كفاءة القيادة أو قرارات لجنة مركزية أن تحدث تحولا حاسما في ميزان القوى وبالتالي في اتجاه التاريخ هذه الوجهة أو غيرها. وتكمن خطورة التصور الحتمي في أن الثورة البروليتارية لا يمكن أن تتحقق إلا في مواقف مماثلة من توازن القوى. فخلافا للبرجوازية، لا يمكن للبروليتاريا أن تحقق تراكما مستمرا في القوة حتى تصبح أكثر قوة من الناحية الاقتصادية والسياسية والثقافية من أعدائها. فوضعها كطبقة كادحة ومستغلة وبلا ملكية يعني أن موقف توازن القوى هو أفضل وأعلى نقطة يمكن أن تبلغها البروليتاريا في ظل الرأسمالية. وإذا ضاعت هذه اللحظة، سوف تتمكن سلطة رأس المال والبرجوازية حتما من إعادة ترسيخ نفسها.(69)”
هنا وفي مواضع أخرى يقف بليخانوف ودويتشر كمعبرين عن تفسير شديد الحتمية للماركسية، والذي ينزلق بسهولة شديدة إلى قدرية سلبية، وهو تفسير يعد رفضه أحد الأهداف الرئيسية لهذا المقال. (70)
مصير الثورة الألمانية يقدم تأكيدا إضافيا على الموقف المعارض للحتمية. وقد استمرت الثورة الألمانية خمس سنوات، بالنظر إلى عملية الثورة ككل، من نهاية عام 1918 وحتى نهاية 1923، ولكنها بلغت ذروتها في عام 1923. ففي صيف وخريف ذلك العام، اجتمعت كل القوى الموضوعية التي تكون وضعا ثوريا محتدما: أي أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عامة تزايدت حدتها بشدة بعد احتلال الفرنسيين لمنطقة الروهر، مما أدى إلى انفجار كارثي في معدل التضخم؛ ثم الإفقار المفاجئ والواسع لأغلبية السكان؛ وحركة الطبقة العاملة كانت ضخمة وقوية؛ مع فقدان الثقة السريع في القادة الإصلاحيين ومنظماتهم؛ مع موجة هائلة من الإضرابات العفوية؛ ووجود حزب ثوري كبير (الحزب الشيوعي الألماني) والذي كان يكسب بسرعة تأييد أغلبية الطبقة العاملة. ومع ذلك، هذه الفرصة الثورية الهامة تم إهدارها. فقد فشل الحزب الشيوعي الألماني على مدار صيف 1923 في تطوير خطة عمل متماسكة للصراع على السلطة أو في توفير قيادة ثورية قوية. وتطلع إلى موسكو طلبا للنصيحة واستمر في الترنح بين تشكيل حكومات ائتلافية محلية مع الاشتراكيين الديمقراطيين واللعب بمسألة الانتفاضة حتى انتهى إلى الفشل الذريع في الانتفاضة المعزولة لبضعة مئات من الشيوعيين في مدينة هامبورج في أكتوبر والتي تم تصفيتها في 48 ساعة. وكما لاحظ تروتسكي: “لقد رأينا في ألمانيا بيانا كلاسيكيا لكيف يمكن أن تفقد وضعا ثوريا كاملا بصورة استثنائية وذا أهمية تاريخية وعالمية.(71)”
من المستحيل تفسير انتصار الثورة في روسيا وهزيمتها في ألمانيا من خلال نظرية تقوم على الحتمية الاقتصادية أو الاجتماعية المطلقة. حيث أن الفرق بينهما يكمن في العامل الذاتي، أي كفاءة القيادة الثورية من زاوية أن هنريك براندلر وقادة آخرين في الحزب الشيوعي الألماني فشلوا في أخذ زمام المبادرة في اللحظة الحاسمة. وبطبيعة الحال، يمكن بعد انتهاء الحدث أن تكتشف الأسباب التي جعلت القيادة الألمانية تفشل – حيث قيدت حركتهم من قبل زينوفييف (وستالين) في موسكو الذي قدم لهم نصائح فاسدة؛ أو أنهم أحبطوا وترددوا بسبب أخطائهم في حركة مارس. ومع ذلك، فإن التدقيق والتقصي في كل من هذه الأسباب يعود بنا إلى أحداث وظروف كان يمكن بسهولة أن تؤدي إلى نتائج مختلفة: لو أن لينين لم يعان أزمة قلبية وكان في مركز القيادة في موسكو؛ لو كانت القيادة الروسية قد استجابت لطلب براندلر بإرسال تروتسكي إلى ألمانيا؛ لو لم يتم اغتيال روزا لوكسمبورج، التي كانت أعظم قيادة على الإطلاق في الحزب الشيوعي الألماني، في عام 1919. ولكن إذا قبلت فكرة إمكانية انتصار الثورة في ألمانيا في عام 1923، فإن ذلك يعني أنك تقبل إمكانية أن تكون الأحداث اللاحقة في تاريخ العالم مختلفة تماما – أي لا فاشية في ألمانيا، ولا ستالينية في روسيا بالإضافة إلى إمكانية واقعية لتحقيق الثورة العالمية. (72)
والخلاصة، يمكن القول بأن الماركسية تتخذ نفس موقف الحتمية النسبية فيما يتعلق بالصراع الطبقي والذي ناقشناه بطريقة مجردة في فقرات سابقة من هذا المقال. فهي تعالج مسألة وجود الصراع الطبقي باعتبارها حتمية قوية إلى أقصى حد، بينما تعالج مسألة مستوى الصراع الطبقي عموما باعتبارها حتمية قوية ولكن ليست تامة بأي معنى، فيما ترى النتيجة النهائية لهذا الصراع مسألة احتمالية حسب الظروف.

ومع ذلك فإن هذه النتيجة معلقة واحتمالية وسط بدائل تندرج تحت الحتمية القوية، هي في نهاية المطاف معلقة بين الاشتراكية أو البربرية. إن الرأسمالية طبعا نظام بربري بصفة مستمرة – تذكر مثلا “سوم” و”أوشويتز” و”هيروشيما” و”حرب الخليج” و”رواندا” وأمثلة أخرى عديدة – ولكن في التراث الاشتراكي يتضمن مصطلح البربرية معنى آخر يرتبط بهذا المعنى ولكنه يتميز عنه. “ربما يشير إلى الدمار الكامل للحضارة عبر تدهور المجتمع البشري إلى عصور ما قبل التاريخ.(73)” أو ما وصفه ماركس “بالدمار المشترك للطبقات المتصارعة.” والمعنى الأخير للبربرية هو الذي استخدمه في هذا المقال، بسبب أن الرأسمالية إذا استمرت إلى الأبد فإنها سوف تدمرنا جميعا بسبب قوانين حركتها وتناقضاتها الحتمية بدرجة عالية.
هذا التحليل له نتائجه الواضحة جدا على الممارسة الاشتراكية. إنه يعني أن في كل موقف ملموس هناك حدود معينة لما يمكننا تحقيقه عبر حركتنا الواعية. وفي نفس الوقت، فإن كل تحرك، بغض النظر عن حجمه، يساهم في دعم نضال الطبقة العاملة يساهم أيضا في جعل انتصارها النهائي ممكنا، ولو بدرجة قليلة فقط. وفي جميع الأحوال، يعتبر أكثر التحركات فاعلية التي يمكن للاشتراكيين القيام بها هو تجميع جهودهم وتنظيمها في حزب سياسي يعمل على دفع النضال الطبقي إلى حدوده القصوى “هنا والآن” من ناحية ويستعد للحظة أو لحظات المواجهة الحاسمة في المستقبل.
وغني عن البيان أنه ليس بالإمكان “الإعداد” مقدما لوجود “لينين” أو “تروتسكي” أو “لوكسمبورج” في الوقت المناسب، لكن بناء الحزب الثوري يظل رغم ذلك أكثر الطرق فاعلية أو بالأحرى الطريقة الوحيدة الفعالة في صناعة قيادة مؤثرة. وكما كتب لينين:
“إن إحدى وظائف المنظمة الحزبية والقيادات الحزبية الجديرة باسمها هي في الواقع أن تكتسب من خلال جهود مستمرة وطويلة ومتنوعة وشاملة لجميع الممثلين الفكريين لطبقة معينة المعارف والخبرة، وبالإضافة إلى المعرفة والخبرة، تكتسب القدرات السياسية الضرورية لإيجاد الحلول السريعة والصحيحة للمشكلات السياسية المعقدة. (74)”
وكما أشار تروتسكي:
“إن البلشفية ليست نظرية (أي ليست مجرد نظرية) وإنما نظام للتدريب الثوري من أجل الانتفاضة البروليتارية. ماهي بلشفة الأحزاب الشيوعية؟ إنها منح هذه الأحزاب ذلك التدريب، وتفعيل هذا الانتقاء للمجموعة القائدة الذي يمنعها من الإنزلاق عندما تحين ساعة أكتوبرها، إن هذا هو هيجل كاملا، وحكمة الكتب ومعنى الفلسفة كلها.(75)”
خاتمة: نظرة عامة
كما لاحظنا في مقدمة هذا المقال، تتأرجح الأيديولوجيا البرجوازية بين الإرادوية المثالية، التي ترفض الدور المحدد للظروف المادية والعلاقات الاجتماعية، وبين المادية الميكانيكية التي تنظر إلى أبناء البشر باعتبارهم موضوعات سلبية وتنكر دور الممارسة الإنسانية الواعية. وهذان النمطان من التفكير كلاهما تعميم ينشأ عن الأبعاد المتناقضة للوجود الاجتماعي للبرجوازية والطبيعة الاجتماعية للرأسمالية. فالإرادوية المثالية تعكس موقف البرجوازية كطبقة حاكمة، تعيش على عمل الآخرين، وتتوهم أن أفكارها وإرادتها هي التي تصنع التاريخ حسب هواها. أما المادية الميكانيكية فتعكس خضوع البرجوازية نفسها لقوانين الرأسمالية الاقتصادية ونظرتها إلى جماهير العمال كمجرد عوامل للإنتاج.
وترفض الماركسية كلا من الموقفين عبر اتخاذها الوجود الاجتماعي للطبقة العاملة نقطة انطلاق لها. فالطبقة العاملة تواجه مباشرة الآثار المحتومة التي لا مفر منها لكل من الطبيعة الفيزيائية، مثل وزن الأحجار، وصلابة المعادن، وبرد الشتاء وحرارة الشمس، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية، مثل ضغوط الفقر، وضرورة بيع قوة العمل، وتأثير البطالة، والعقبات التي تواجه الحراك الاجتماعي، وهي عقبات خفية ولكنها حقيقية أيضا. ومع ذلك، وفي نفس الوقت، تنخرط الطبقة العاملة باستمرار وبشكل مباشر في جهود واعية لتغيير الطبيعة وتغيير العلاقات الاجتماعية. ومن حيث الإمكانية، تمتلك الطبقة العاملة ككل القدرة على تغيير كامل النظام الاجتماعي وإقامة مجتمع جديد تقوم فيه بالإنتاج وإدارة هذا الإنتاج إدارة واعية في نفس الوقت. وعلى هذا الأساس تتجاوز الماركسية كلا من المثالية والمادية الميكانيكية عبر المادية الجدلية والتي تجد أرقى تعبير عنها في الممارسة الثورية الواعية. هذه الممارسة الثورية الواعية نشاط يستفيد من إدراك شامل قدر الإمكان لجميع القوى الطبيعية والاجتماعية التي تحدد السلوك البشري وتشكله من أجل ترجيح كفة الميزان لصالح الطبقة العاملة وإنقاذ البشرية من الهاوية.
في كل وضع تاريخي هناك شد وجذب يين “الضرورة” و”الحرية”، بين ما هو محتم موضوعيا وبين ما يمكننا استحداثه أو تغييره، لكن التوازن بين “الضرورة” و “الحرية” ليس ثابتا ولا مستقرا. ففي فجر التاريخ الإنساني ولحقبة طويلة بعده كان عنصر “الضرورة” مسيطرا بدرجة عالية. وكان سلوك البشر يخضع لهيمنة هائلة من قبل قوى تخرج عن سيطرتنا، عبر التفاعل بين الطبيعة الخارجية وتكويننا الجسدي الخاص. غير أن جنين “الحرية” البشرية كان أيضا موجودا منذ البداية – بل كان عاملا مميزا للبداية – وهو العمل الاجتماعي الواعي. والتاريخ البشري كله يتمثل في الصراع من أجل زيادة “الحرية” البشرية من خلال تطوير قدرات العمل البشري. (76)
غير أن هذا التطوير لم يكن سلسا ولا متناغما. وإنما تقدم بصورة ديالكتيكية، أي أنه تقدم من خلال التناقضات. فزيادة إنتاجية العمل الاجتماعي تضمنت تقسيم المجتمع إلى طبقات متصارعة وإخضاع عمل الأغلبية لسيطرة واستغلال أقلية صغيرة. وبلغت هذه العملية ذروتها في عصر الرأسمالية والتي أدت إلى تطور غير مسبوق في قوى الانتاج ومعها السيطرة على الطبيعة، ومع ذلك تخضع العالم كله، بما في ذلك الطبقة الرأسمالية نفسها بوجه خاص، لقوانين السوق اللاشخصية واللإنسانية، وأهم هذه القوانين هو التراكم من أجل التراكم.
الثورة الإشتراكية تمثل حلا لهذا التناقض. وبكلمات إنجلز، هي القفزة “الإنسانية” من عالم “الضرورة” إلى عالم “الحرية”(77). ولكن عالم الضرورة بالطبع لا يتم القضاء عليه. فقوانين الطبيعة وقواها تواصل عملها على بني البشر وتواصل إجبارهم على العمل (78)، وفي المرحلة الأولى تظل الإشتراكية “مطبوعة بآلام المخاض من المجتمع القديم الذي تخرج من رحمه.(79)” ومع ذلك فإن ميزان “الضرورة” و “الحرية” يبدأ في التحول بشكل حاسم لصالح “الحرية” مع إقامة سلطة العمال. فمع كل خطوة تتخذ باتجاه القضاء على الطبقات في العالم وتوحيد الجنس البشري، تتزايد سيطرة البشر أكثر فأكثر على مصائرهم. ويتم التغلب باستمرار على الندرة المادية، وينتهي “طغيان الاقتصاد” نتيجة لذلك. وما ظل حتى الآن “عاملا محددا لحركة التاريخ في نهاية المطاف”، أي إنتاج الضروريات اللازمة لحياة البشر، لن يختفي، ولكنه دوره في تشكيل سلوك البشر سوف يتناقص باستمرار. وسوف يتم إقامة مجتمع جديد يكون فيه “التطور الحر للفرد شرطا للتطور الحر للمجموع.(80)” وعند هذا الحد تكون المادية التاريخية قد حققت أهدافها وبلغت أيضا منتهاها.
هوامش:
1 F Engels, Speech at the Graveside of Karl Marx , Marx and Engels, Selected Works, Vol II (Moscow, 1962), p168.
2 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party (Beijing, 1988), p50.
3 K Marx, cited in F Mëhring Karl Marx (London, 1966), pp207-8.
4 K Marx, The Poverty of Philosophy, cited in D McLellan, The Thought of Karl Marx (London, 1971), p38.
5 For a fuller analysis of Kautskyism, see J Molyneux, What is the Real Marxist Tradition? (London, 1985).
6 A Gramsci, Selections from the Prison Notebooks (London, 1971), p336.
7 C Guevara, Guerrilla Warfare (New York, 1967).
8 See especially V I Lenin, Left Wing Communism–an Infantile Disorder (Peking, 1965).
9 See, for example, Y Gluckstein, Mao s China (London, 1957); N Harris, The Mandate of Heaven (London, 1978); T Cliff, Permanent Revolution , in International Socialism 61 (first series).
10 See P McGarr, Order out of Chaos , in International Socialism 48, especially pp140-142.
11 R Miliband, Class Power and State Power (London, 1983), p32.
12 K Marx, Theses on Feuerbach , Marx-Engels, Selected Works, Vol 2 (Moscow, 1962), p403.
13 A Gramsci, op cit, p336.
14 K Marx, Theses on Feuerbach, op cit, p403.
15 An account of these developments, for the layperson such as myself, is provided by P McGarr, op cit. McGarr also discusses their implications for determinism and argues convincingly a) that chaos theory constitutes a real advance in our scientific understanding of the world; b) that it does not represent a threat or problem for genuine Marxism.
16 Ibid, p147.
17 A Gramsci, op cit, pp336-337.
18 L Trotsky, My Life, (New York, 1970), p224.
19 J F Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge (Mimosa and Manchester, 1984), pxxiii.
20 K Marx and F Engels, The German Ideology (London, 1985), p48.
21 Ibid, pp42 and 50.
22 Ibid, p42.
23 K Marx, Preface to A Contribution to the Critique of Political Economy, in D McLellan, Karl Marx: Selected Writings (Oxford, 1977), p389.
24 K Marx, cited in D McLellan, The Thought of Karl Marx (London, 1971), p38.
25 Ibid, p38.
26 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party (Beijing, 1988), p36.
27 K Marx, Preface, in D McLellan, op cit, p389.
28 C Bettleheim, Class Struggles in the USSR, 1917-23 (Hassocks, 1976), p62. For a critique of Bettleheim, see A Callinicos, Marxism, Stalinism and the USSR , International Socialism 5.
29 A Callinicos, Marxism and Philosophy (Oxford, 1983), p112. The main part of Alex s argument for this proposition is to be found in ibid, pp48-52.
30 Ibid, p51.
31 This concept of a reaction back is taken from Engels to C Schmidt, October 27 1890, in Marx-Engels Selected Works, Vol II, op cit, p494, where it is used to describe the influence of the law on the economy.
32 In The German Ideology Marx famously asserted that this development of the productive forces… is an absolutely necessary practical premise because without it want is merely made general and with destitution the struggle for necessities and all the old filthy business would necessarily be reproduced , op cit, p56. Moreover both Trotsky and Cliff grounded their analysis for the degeneration of the Russian Revolution in this insight.
33 K Marx, Capital, Vol Ill (Moscow, 1966), p791, cited in A Callinicos, op cit, p50. Alex s attempt to defend the primacy of the relations of production by counterposing the mature historical materialism of Capital to the crude version of The German Ideology is not consistent. He tells us that Marx resolved this unclarity by introducing in The Poverty of Philosophy (1847) the concept of the relations of production (p49) and that with the explicit formulation of the concept of relations of production… historical materialism can be said to be fully constituted (p51). Yet, as we have seen, The Poverty of Philosophy is committed to the primacy of the production forces. See footnote 22 above.
34 C Harman, From Feudalism to Capitalism , International Socialism 45, p82.
35 F Engels, Speech at the Graveside of Karl Marx, in Marx-Engels Selected Works Vol II, op cit, p167.
36 K Marx, Preface, op cit.
37 F Engels to J Bloch, September 21-22, 1890 in Marx-Engels Selected Works Vol II, op cit, p488. For alternative formulations and elaboration s of the same ideas see F Engels to C Schmidt 5 August 1890, ibid pp486-88, F Engels to F Mehring, 14 July 1893, ibid pp496-501.
38 K Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (New York, 1968), p15.
39 L Trotsky, The History of the Russian Revolution (London, 1977), p18.
40 F Engels to C Schmidt 27 October 1890, op cit, p493.
41 Though there are still very definite limits to this autonomy. The Nazi state remained a capitalist state in that it presided over a capitalist economy, preserved capitalist relations of production and could not have been used to expropriate the capitalist class.
42 This analysis of Marxism, in opposition to the Althusserian view of it as autonomous theory or science, is outlined more fully in J Molyneux, What is the Real Marxist Tradition? op cit. The development of Marxism in the years 1843-1848 was highly determined in that it could not have emerged in an earlier period before the development of capitalism had reached a degree of maturity and before the proletariat had at least begun to make its presence felt. But it cannot he seen as absolutely determined. Without the individual genius of Marx it might have taken considerably longer for scientific socialism to have received coherent formulation.
43 It might be argued that though this was true in Marx s day, when it was a case of work or starve, it ceases to be true in the context of a welfare state. However, it is clear that no capitalist society would or could allow benefits to rise to the point where more than a tiny minority of the working class would voluntarily choose not to work.
44 Marx s labour theory of value is that the value of a commodity is determined by the amount of socially necessary labour required for its production. The relation of price to value is complex but essentially the value of a commodity is a notional average around which its actual price fluctuates.
45 See K Marx, Capital, Vol III, op cit, Part III.
46 For the most impressive statement, defence and application of Marxist theory of crisis to contemporary capitalism, see C Harman, Explaining the Crisis (London, 1987).
47 See K Marx, Capital, Vol III, op cit, ch xiv.
48 Though not, of course, in every specific instance.
49 K Marx, Capital, Vol II, op cit, ch xiv.
50 G E M de Ste Croix, The Class Struggle in the Ancient Greek World (London, 1981), p51.
51 The key passages from his writings have been collected and published as L Trotsky, The interaction between booms, slumps and strikes , International Socialism 20.
52 Ibid, p135.
53 Ibid, p139.
54 Ibid, p142.
55 A Gramsci. op cit, p438.
56 For an account of this episode and Lenin s assessment of it, see T Cliff, Lenin, Vol 4 (London, 1979), ch 5 and ch 7.
57 L Trotsky, The History of the Russian Revolution, op cit, pp 121-122.
58 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party, op cit, p49.
59 Ibid, pp32-33.
60 Which has not of course prevented it. Most notably the Posadasist Tendency–a fragment of the Fourth International–combined the inevitability of socialism with the inevitability of imperialist war and concluded that the Soviet Union should launch a preemptive nuclear strike on the West, secure in the knowledge that socialism would inevitably arise from the ashes.
61 L Trotsky, The Struggle Against Fascism in Germany (New York, 197 1), p137.
62 V I Lenin, Selected Works, vol 6 (London, 1936), p297.
63 Ibid, pp230-232.
64 Ibid, pp334-335.
65 L Trotsky, Diary in Exile (London, 1958), p54. This is not a chance or offhand judgement. Trotsky made it on several occasions. See The History of the Russian Revolution, op cit, pp343-44, and his Letter to Preobrazhensky, cited in I Deutscher, The Prophet Outcast (Oxford, 1970), p241.
66 Ibid, p242.
67 Cited in ibid, p244.
68 Trotsky himself is by the far the strongest alternative candidate for this role but his status as a newcomer to the party would almost certainly have disbarred him. It should be remembered that this still counted against him six years later in 1923.
69 J Molyneux, Leon Trotsky s Theory of Revolution (Brighton, 1981), pp64-65.
70 For how Deutscher s passive fatalist Marxism led to his capitulation to Stalinism see T Cliff, The End of the Road: Deutscher s Capitulation to Stalinism , in T Cliff Neither Washington nor Moscow (London, 1982).
71 L Trotsky, The Lessons of October , in The Challenge of the Left Opposition (1923-25) (New York, 1975), p201. For a full account of the German disaster see C Harman, The Lost Revolution: Germany 1918-23 (London, 1982).
72 This example seems to me to refute the argument of Ralph Miliband that individuals can have an important effect on generated history but not on transgenerational history. See R Miliband, op cit, pp 143-152.
73 T Cliff, Russia–A Marxist Analysis (London, n d), p 128.
74 V I Lenin, Left Wing Communism–An Infantile Disorder (Moscow, 1968), p52.
75 L Trotsky, The Lessons of October , op cit, p256.
76 It is a terrible irony and mark of human alienation that the profoundly true and profoundly Marxist statement, Arbeit macht frei , adorned the gates of the Nazi death camps.
77 F Engels, Anti-Duhring (Peking, 1976), p367.
78 Just as the savage must wrestle with nature to satisfy his wants, to maintain and reproduce life, so must civilised man, and he must do so in all social formations and under all possible modes of production. K Marx, Capital, Vol III, op cit, p820.
79 K Marx, Critique of the Gotha Programme , Marx-Engels, Selected Works, Vol II, op cit, p23.
80 K Marx and F Engels, The Manifesto of the Communist Party, op cit.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s