ملاحظات حول البيان الشيوعي PDF
ملاحظات حول البيان الشيوعيWord
1999

“إن تاريخ البيان الشيوعي يعكس إلى حد بعيد تاريخ حركة الطبقة العاملة الحديثة، ولاشك أن البيان فى الوقت الحالي أكثر الأدبيات الاشتراكية انتشاراً وأكثرها صدوراً على المستوى العالمي، وهو الأساس المشترك المعترف به من قبل ملايين العمال من سيبيريا إلى كاليفورنيا” (1).

هكذا كتب فريدريك إنجلز عن أثر البيان الشيوعي وهو على مشارف الموت. وبعد مائة وخمسين عاماً، يظل هذا الكلام صحيحاً حتى اليوم. فأثر البيان الشيوعي لازال جليا وبارزاً فهذا الكتاب الصغير ترجم إلى جميع اللغات الرئيسية ولا يزال مصدراً للإلهام بالنسبة لأجيال من الاشتراكيين. لقد دخل وجدان الطبقة العاملة بطريقة نادراً ما استطاعت أي أعمال سياسية أخرى أن تحاكيها. وغالبا ما كان أول كتابات ماركس وإنجلز، أو حتى كتابهما الوحيد، الذي قرأه عدد كبير من العمال. وهو يتمتع كذلك بصفات بلاغية مذهلة تجعله أحد الإصدارات الرائعة في الكتابة السياسية. فسجالاته القوية، ومضمونه الذي يقدم صورة شاملة، لا زالت تلقي الظلال على معظم الأعمال السياسية الحديثة. إن البيان يوضع في مصاف تلك الكتابات النادرة التي حازت سطورها الأولي والأخيرة شهرة واسعة في حد ذاتها. “هناك شبح يجول في أوربا، هو شبح الشيوعية” و”ليس لدي البروليتاريا ما تفقده إلا قيودها وأمامها عالم لتفوز به”، هذه هي العبارات التي دخلت لغة الاشتراكية الدولية. ولكن في قراءتنا للبيان الشيوعي، يستحيل ألا ندرك عدداً من العبارات الشهيرة الأخرى التي تلخص بعض الأفكار الأساسية للماركسية. “كل ما هو صلب يذوب في الهواء”، وأن الرأسماليين ينتجون “حفاري قبورهم”، “إن العمال ليس لهم وطن” و”إن التطور الحر لكل فرد هو شرط التطور الحر للمجموع”.

إن نجاح البيان الشيوعي يكمن في اثنين من مواطن القوة الجبارة التي يحتويها الكتاب. فهو أوضح عرض مختصر للأفكار الماركسية الثورية. وهو أيضاً مرشد للعمل بالإضافة إلي وضوحه على مستوي الفكر واللغة.

كان لدي ماركس وإنجلز حس بالفوران الهائل في العالم المحيط بهما خلال أربعينات القرن التاسع عشر. وكان رأيهما أن التطور الرأسمالي الذي هيمن علي بريطانيا وبلجيكا، وإلي حد ما، علي فرنسا، تطور ثوري. فقد تمكن من تدمير المجتمعات الإقطاعية القديمة التي كانت لا  تزال سائدة في جزء كبير من أوربا، وأدي إلي تقدم اجتماعي واقتصادي كبير بالنسبة للبشرية. وكان علي النظام الجديد بطريقتيه الجديدة تماماً في تنظيم الإنتاج أن يدخل في تناقض مع النظام القديم، وقد رأي ماركس وإنجلز الانتفاضة الثورية نتاجا حتميا لهذه الصدمات، خاصة في بلدهما ألمانيا، والتي كانت لا تزال تتكون من عدد كبير من الولايات والمدن الصغيرة رغم أنها كانت تخضع لهيمنة واسعة من قبل دولة بروسيا الشرقية ذات الطابع العسكري.

إن الثورات القادمة ستكون “ثورات برجوازية”، ضرورية من أجل تمهيد الطريق للتطور الرأسمالي الكامل عن طريق إزالة الأوتوقراطيات السياسية القديمة، التي كانت لا تزال تعتمد علي أساليب الإنتاج الإقطاعية. لكن ماركس وإنجلز أدركا أن الطبقة العاملة ستكون عنصراً هاماً فيها. فكان الجانب الرئيسي في نظريتهما هو فهمهما أن الطبقة العاملة هي أقوي طبقة ثورية. كان لدي إنجلز خبرة مباشرة عن الطبقة العاملة الإنجليزية – فقد ذهب إلي إنجلترا في نهاية عام 1842 في أعقاب الإضراب العام في ذلك العام وكان علي دراية بأفكار الشارتيين السياسية. وكانت خبراته التي أعتمد عليها كتابه “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا” عن رأسمالية استطاعت أن تخلق ثروة هائلة وقامت بتثوير العمل، ولكنها أيضا خلقت بؤساً إنسانياً مريعاً. وكانت قدرة الطبقة العاملة علي تغير العالم جزءاً أساسيا من الحالات التي شارك فيها ماركس وإنجلز ومع أولئك المنخرطين في العمل السياسي الاشتراكي أو الديمقراطي. وقد لخص البيان تحليلهما: أن المعارك الكبرى بين النظام الإقطاعي والبرجوازية كانت وشيكة، لكن هذه المعارك سيحل محلها قريبا معارك بين الطبقة الرأسمالية القوية حاليا والطبقة العاملة الثورية الناشئة.

في 1847 كان ماركس وعائلته يعيشون في بروكسل بينما كان إنجلز يعيش في باريس. وكانا نشطين سياسياً أساساً في أوساط المهاجرين الألمان الآخرين في لجان المراسلة الشيوعية التي كانت موجودة في باريس وبروكسل ولندن، وكانا كذلك علي اتصال بالاشتراكيين المنظمين في عصبة الجوست، وهي منظمة أقامت قاعدتها السياسية علي الحرفيين الألمان الذين كانوا يعيشون في لندن. ومع أن الأفكار السياسية للعصبة كانت تحن إلي عالم يقوم علي الإنتاج الحرفي بدلاً من إنتاج المصانع، كان كثير من أعضائها كذلك يمرون بمرحلة من التحول الأيديولوجي السريع. وفي صيف 1847 غيرت العصبة اسمها إلي العصبة الشيوعية. وحتى قبل هذا التاريخ طلب أحد زعماء العصبة، وهو صانع الساعات جوزيف مول، أن ينضما إلي العصبة وأن يكتبا مبادئها الأساسية.

في البداية بدأ إنجلز المشروع، وكتب كتابا صغيراً بعنوان “مبادئ الشيوعية” والذي يوصف أحيانا بالمسودة الأولي للبيان والذي أطلق عليه أسئلة وأجوبة في الشيوعية.

ففي هذا الكتاب حاول إنجلز أن يجيب علي كثير من الأسئلة الرئيسية حول الأفكار الشيوعية التي أثارها مؤيدوها المرشحون. (2) يبدأ كتاب مبادئ الشيوعية من تطور نظام المصنع وكيف يفرض ذلك تقسيما للعمل، فيصبح العمل المطلوب لتنفيذ مهمة معينة مقسما إلي سلسلة من المهام المتكررة التي يمكن إنجازها بواسطة الآلة. وهكذا أدي انتشار المصانع والميكنة في كل فروع الصناعة إلي تزايد انقسام المجتمع إلي طبقتين رئيسيتين: البرجوازية التي تمتلك المصانع والمواد الخام، والبروليتاريا التي تضطر إلي بيع قوة عملها كسلعة حتى تتمكن من العيش ورغم ذلك، فإن فوضي النظام تعني أن انتشار الرأسمالية في كل مجالات الحياة، بدون أي خطة أو تفكير فيما يجب إنتاجه، يؤدي إلي أزمة فائض الإنتاج، حيث تترك البضائع بدون بيع، وتتوقف المصانع، ويتعطل العمال، إن التنظيم الرأسمالي للصناعة والإنتاج عائق أمام مزيد من التطور.

“طالما أنه من غير الممكن إنتاج، ليس فقط ما يكفي للجميع، وإنما أيضا إنتاج فائض يظل وجود طبقة حاكمة تتحكم في قوي الإنتاج في المجتمع أمراً ضرورياً، وكذلك وجود طبقة فقيرة ومقهورة. وسوف تعتمد كيفية تكوين هذه الطبقات علي المرحلة التي يمر بها تطور الإنتاج. ففي العصور الوسطي التي تعتمد علي الزراعة، نجد السيد والقن،وتبين لنا مدن العصور الوسطي المتأخرة السيد رئيس الحرفة والعامل الحرفي وعامل اليومية، وفي القرن السابع عشر نجد صاحب المانيفاكتورة والعامل الصناعي، وفي القرن التاسع عشر نجد صاحب المصنع الكبير والبروليتاري. وواضح أنه حتى الآن لم تتطور بعد قوي الإنتاج بالدرجة التي تجعل بالإمكان إنتاج ما يكفي ليجعل الملكية الخاصة عائقاً أو عقبة أمام هذه القوي الإنتاجية.”

غير أنه في ظل الرأسمالية يعني التوسع الهائل في قوي الإنتاج وتطور كلا الطبقتين الرئيسيتين المتصارعتين أنه “الآن فقط  … يصبح إلغاء الملكية الخاصة ليس فقط ممكنا وإنما أيضاً ضروريا بشكل مطلق”(3)

كان شكل الأسئلة والأجوبة في “مبادئ الشيوعية” نقطة البداية لبيان الأهداف، ولكنه لم يكن إلا هيكلا عظمياً لما أصبح فيما بعد البيان. أخذ ماركس جزءاً من بنيانه وسجالاته، ولكنه صاغ منها كتيبا أكثر ثراءً وتماسكاً واشتباكاً منه بكثير. وقد فعل ذلك لأنه مع قرب نهاية عام 1847 قام مؤتمر العصبة الشيوعية في لندن بتفويض ماركس، الذي كان أحد الحاضرين، بكتابة بيان للمنظمة، والذي بدأ في صياغته بعد عدد من الخلافات حول القضايا السياسية. وأدي عجز ماركس عن كتابة مسودة البيان إلي خطاب غاضب من اللجنة المركزية للعصبة في نهاية يناير 1848 جاء فيه: وإذا لم يصل البيان “بيان الحزب الشيوعي”. الذي تولي مسئولية كتابته في المؤتمر الأخير – إلي لندن بحلول يوم الثلاثاء 1 فبراير من هذا العام، سوف تتخذ ضده إجراءات أشد(4). وقد حقق التحذير هدفه واكتملت المسودة في أوائل فبراير وأرسلت إلي لندن حيث نشرت في فبراير 1848.

 

ماذا يقول البيان الشيوعي؟

“إن تاريخ كل المجتمعات الموجودة حتى الآن هو تاريخ الصراع بين الطبقات” إن نقطة البداية بالنسبة للبيان هي كذلك نقطة البداية للنظرية الماركسية في التاريخ. ففي كل المجتمعات السابقة كان يوجد صراع بين الطبقات الذي ينتهي أخيراً إلي الحسم ويؤدي إما إلي خلق طريقة جديدة لتنظيم العمل والحياة، أي تغير ثوري في المجتمع ككل، أو إلي “التدمير المشترك للطبقات المتصارعة”(5). إذا لم تكن نتيجة الصراع بين الطبقات حاسمة، أي إذا لم يستطع أي من الجانبين الانطلاق، إذن فبدلاً من التقدم إلي الأمام، يمكن أن يندفع المجتمع ككل إلي الخلف. كانت هذه الصراعات الحاسمة تميز تطور المجتمع في فترات تاريخية معينة حيث ينتقل من أحد أنماط الإنتاج إلي نمط أخر. وأحدثها، كانت المعارك الكبرى في إنجلترا في أربعينيات القرن السابع عشر وفي فرنسا في ثمانينيات وتسعينات القرن الثامن عشر وتمثل نضال البرجوازية الناجح ضد قوي الإقطاعية.

أن الثورات البرجوازية التي ستنتشر – هكذا افترض ماركس وإنجلز_ في أجزاء أخري من أوروبا سوف تشرع في مرحلة من التطوير السريع لقوي الإنتاج والتي في المقابل سوف تؤدي بسرعة هائلة إلي ثورة الطبقة العاملة أو ثورة بروليتارية. ولذلك يبدأ البيان تحليله بدراسة التقدم الذي تمثله الرأسمالية بالمقارنة بالمجتمعات السابقة، ويدرس بداية، ليس ظهور الطبقة العاملة، وإنما الطابع الثوري للطبقة الرأسمالية ذاتها.

يرسم البيان صورة قوية ومدهشة للرأسمالية كنظام ديناميكي متغير باستمرار والذي يتغير تقريباً أمام أعين المؤلفين. وربما يعكس كذلك الإعجاب غير المتوقع لدي ماركس وإنجلز بكثير من إنجازات التطورالرأسمالي. ربما يكون عسيراً بالنسبة لنا أن نتخيل ذلك بعد مرور مائة وخمسين عاماً – حيث يوجد حيا في ذاكرتنا حربان عالميتان، وأزمات عديدة، والهولوكوست، وحيث الإبادة العرقية، والمجاعات والبؤس الشديد، كلها حقائق في المجتمع الرأسمالي الحديث_ لكن يجب أن نضع في أذهاننا الخلفية التي كتب في ظلها ماركس وإنجلز. فقد كان تطور الرأسمالية بالنسبة لهما تقدماً هائلاً بالنسبة لما كان يحدث من قبل. وبشكل خاص كان المجتمع الألماني متخلفاً بسبب الانقسامات السياسية والإقليمية، والأنظمة السياسية المستبدة، والقوانين التي عفا عليها الزمن وشروط التجارة المقيدة. وكانت العناصر الديناميكية في المجتمع الألماني تعوقها هذه العلاقات الاجتماعية التي كانت تمثل عقبة لمنع المجتمع من التقدم للأمام. وبحلول أربعينيات القرن التاسع عشر كان يوجد بالفعل انقسام واضح بين دينامية بعض المجتمعات، التي تندفع للأمام علي أساس التطور الرأسمالي السريع، وركود بعض المجتمعات الأخرى.

كانت الرأسمالية في طريقها لتدمير المجتمع الإقطاعي القديم وإقامة سلطتها الخاصة. وهذا بدوره، كما رأي ماركس وإنجلز، سيخلق الشروط الأولي للنضال من أجل الاشتراكية – وعلي وجه الخصوص سوف يخلق إنتاجاً صناعياً كبيراً وطبقة عاملة ثورية جديدة. ويقدم البيان لوحة عبقرية مختصرة لتطور الرأسمالية: من نمو المدن في العصور الوسطي، ورحلات الاستكشاف التي أدت إلي ظهور الرأسمالية التجارية،إلي نمو الصناعة من أجل تلبية الطلب في الأسواق الجديدة:

“إن نظام الصناعة الإقطاعي، والذي تحتكر في ظله الإنتاج الصناعي طوائف حرفية مغلقة، لم يعد كافياً لتلبية الاحتياجات المتزايدة للأسواق الجديدة. وقد حل محل نظام المانيفاكتورة وتنحي جانبا رؤساء الطوائف الحرفية أمام الطبقة الوسطي الصناعية، وتبدد تقسيم العمل بين مختلف الطوائف الحرفية الشاملة في مواجهة تقسيم العامل داخل كل ورشة علي حدة. في نفس الوقت استمرار نمو الأسواق وازدياد الطلب باستمرار. وحتى المانيفاكتورة لم تعد كافية. وعلي هذا حدث تثوير الإنتاج للإنتاج الصناعي عن طريق البخار والميكنة. وحلت الصناعة الحديثة العملاقة محل المانيفاكتورة، ومحل الطبقة الوسطي الصناعية جاء المليونيرات الصناعيون، قادة الجيوش الصناعية الكاملة، أي البرجوازية الحديثة.”(6)

تطور النظام إلي نظام عالمي، حيث يدفعه البحث عن الأسواق إلي السعي للوصول إلي كافة أرجاء الكرة الأرضية، ويجر وراءه المدن والسكك الحديدية ووسائل الاتصال الحديثة. لقد كانت البرجوازية طبقة ثورية لأنها غيرت الإنتاج ودمرت طرقاً للحياة والعمل كانت قائمة علي الأرجح لمئات السنين:

“لا تستطيع البرجوازية أن تستمر في الوجود بدون تثوير مستمر لأدوات الإنتاج، وبالتالي لعلاقات الإنتاج، ومعها كل العلاقات الاجتماعية. إن المحافظة علي أنماط الإنتاج القديمة كانت الشرط الأول لوجود كل الطبقات الصناعية السابقة. أما التثوير الدائم للإنتاج، والاضطراب المستمر في كافة الظروف الاجتماعية، والقلق الدائم وعدم الاستقرار فهو ما يميز عصر البرجوازية عن كل العصور السابقة.”(7)

كان لهذه الثورة في الإنتاج أثر مماثل في كل مجالات الحياة. فاختفت الأديان والمعتقدات والعادات القديمة، وبدأ الرجال والنساء يفكرون بطريقة مختلفة تماما لأنهم يعيشون ويعملون بطريقة مختلفة:

“تزول العلاقات الثابتة والمتجمدة وما كان يتبعها من أهواء وأفكار عتيقة ومحترمة، وتصبح تلك التي تحل محلها عتيقة قبل أن تأخذ في التجمد. فكل ما هو صلب يذوب في الهواء، ويدنس كل ما هو مقدس، وأخيراً يضطر الإنسان لأن يواجه الظروف الحقيقية للحياة وعلاقاته بالإنسان ببصيرة واعية”(8).

لقد أدي تطور الإنتاج السلعي – حيث كل السلع يمكن بيعها وشراءها في الأسواق – بما فيها قوة العمل المأجورة، إلي أن نجد الحرف والمهن القديمة نفسها عاجزة عن منافسة الصناعة الكبيرة.فأصبحت الأعمال يقوم بها عمال مأجورون. وتحول الحرفيون إلي بروليتاريا. ودمرت الرأسمالية المجتمعات القديمة، واكتسحت كل شيء أمامها، ودمرت الوظائف القديمة، ومجتمعات بأكملها، وأقامت مجتمعات جديدة. أن ديناميكية النظام تعني أنه بمجرد أن بدأ انتشاره علي مستوي العالم، كانت له أثار تدميرية: مثلاً، تدمير الطرق التقليدية في الحياة مثل طرق حياة السكان الأصليين في أمريكا الذين وجدوا طريقتهم في الزراعة والحياة القبلية بل وحتى طرقهم في الحرب لا تقارن بالميكنة والسكك الحديدية والتلغراف والبنادق التي غزت القارة الأمريكية في عقود قليلة. وفي الهند دمرت صناعة القطن المحلية عن طريق استيراد القماش الرخيص من لانكشاير.

أدي هذا الانتشار للإنتاج الرأسمالي إلي نهاية الكثير من الصناعات والمجتمعات، ومع ذلك يمنح البيان التقدم المريح للبرجوازية: “لقد أخضعت البرجوازية الريف لحكم المدن، وزادت إلي درجة كبيرة من سكان الحضر بالمقارنة مع سكان الريف، وبهذا أنقذت جزءاً كبيراً من السكان من بلاهة الحياة الريفية. “يسرد ماركس وإنجلز الإنجازات التي حققها الرأسماليون علي مدي قرن من الزمان تقريباً: إخضاع قوي الطبيعة للإنسان، والميكنة، تطبيق علم الكيمياء في الصناعة والزراعة، ملاحة بخارية، وسكك حديدية، والتلغراف الكهربائي، تهيئة قارات بأسرها من أجل الزراعة، ضبط وتوجيه الأنهار، شعوب بأسرها استنهضت من الأرض – أي قرن من القرون الماضية كان يخطر ببال مفكريه أن مثل هذه القوي الإنتاجية كانت كامنة في ثنايا العمل الاجتماعي”.(9)

ورغم ذلك، فهناك خلل جوهري في النظام يدفع ماركس وإنجلز إلي مقارنة المجتمع الرأسمالي بالساحر الذي لم يعد يستطيع السيطرة علي القوي التي قام بتحضيرها. فليس هذا النظام عقلانيا أو خاضعاً للتخطيط – ومحركه الوحيد هو تراكم رأس المال من أجل تراكم رأس المال. وهو لذلك عرضة بصورة دورية لما يصفه البيان بأزمات فائض الإنتاج، والتي وصفها مؤلفاه بصورة تفصيلية: “هناك مدنية أكثر من اللازم، ووسائل معيشة أكثر من اللازم، وصناعة زائدة، وتجارة زائدة.”(10). وينتج فائض الإنتاج عن الطابع الفوضوي لهذا النظام: فالإنتاج القائم علي التراكم الأعمى يصبح هدفا في حد ذاته، وسيلة للحفاظ علي ربح الرأسمالي، بدلاً من أن يكون له أي علاقة بما إذا كانت البضائع المنتجة مطلوبة أم لا.

أن المجتمع الرأسمالي  – القائم علي الإنتاج السلعي الخاص وعلي استغلال العمل المأجور- يصبح عائقاً، بدلا من حافز، للإنتاج الجديد. وتمنع الملكية الخاصة قوي الإنتاج من أن تتطور إلي الحد الممكن لتلبية احتياجات البشرية كلها. وبدلاً من ذلك يكون رد فعل الرأسمالية تجاه الأزمة هو تدمير الثروة. فتغلق المصانع، ويترك العمال بلا عمل، وأولئك الذين كان من الممكن أن ينتفعوا بالبضائع المنتجة في تلك المصانع يضطرون إلي الحرمان منها.

لذا فان نفس هؤلاء الناس الذين ينتجون الثروة للرأسماليين لا يحرمون فقط من أي نصيب من ثروات الرأسمالية، بل هم أيضاً ضحاياها في أوقات الأزمة حين يفقدون وسائل معيشتهم. ومع ذلك، يكمن بين أيديهم المخرج من هذا الحرمان.

 

الطبقة العاملة

“إن الطبقة العاملة أو البروليتاريا  – بمعني الذين لا يملكون – هي المنتج المتميز للرأسمالية، التي تخلق طبقة من العمال ليس لديهم وسيلة للعيش باستثناء بيع قوة عملهم. ويصبح العمال عبيداً للآلات، وتهيمن علي حياتهم عملية الاستغلال. يصف ماركس وإنجلز التطورات المبكرة للطبقة العاملة كطبقة واعية. تميل صراعات العمال إلي أن تكون موجهة ضد الآلات التي تدمر حياتهم القديمة. ولا تتوجه أولى احتجاجاتهم السياسية ضد الرأسماليين أنفسهم ولكن ضد النظام القديم – ولذلك في هذه المرحلة لا يحارب العمال أعداءهم، وإنما أعداء أعدائهم، أي فلول الملكية المطلقة، وملاك الأرض، والبرجوازية غير الصناعية، والبرجوازية الصغيرة”.(11) لكن هذا الميل يتغير مع نمو الصناعة. فالطبقة العاملة تنتظم في أعداد اكبر فاكبر، وتصبح أجور وظروف المهن المختلفة اكثر تشابهاً، وتدفعهم خبرة العمل في المصنع نحو التنظيم الجماعي، والنقابات والمنظمات السياسية. أن الصراع المستمر بين الطبقات،المرتكز علي الإنتاج في مواقع العمل، يدفع العمال إلي التعاون والتحرك الجماعي، وتطوير مبادئ الوحدة الجماعية والتضامن.

يصف ماركس وإنجلز الطبقة العاملة بأنها الطبقة الوحيدة الثورية حقاً: إن وضع العمال كطبقة يجعلهم في موقف متفرد للإطاحة بالمجتمع الرأسمالي. ولا يهم في البداية إن ينظروا إلي أنفسهم كثوريين. فوضعهم مركزي في موقع العمل. فهنا تكون الإمكانية والقدرة علي إدارة المجتمع لأنهم ينتجون الثروة ولأنهم مضطرون عبر خبرة العمل إلي تنظيم أنفسهم جماعياً. وهذا يعني أنهم الطبقة الوحيدة القادرة علي قيادة ثورة. وبينما أدت الثورات السابقة حتى عندما انتصرت إلي أن تحل طبقة حاكمة أقلية محل طبقة أخري، فإن ثورة بروليتارية ناجحة، تعمل من أجل مصالحها هي، لا يمكن أن تؤدي إلي هذه النتيجة. فلا يمكن للطبقة العاملة أن تقوم بثورة إلا عبر القضاء علي المجتمع الطبقي الذي ينتج استغلالها، وبالتالي تحرير كل المحرومين: “إن كل الحركات التاريخية السابقة كانت حركات أقليات، أو لمصلحة الأقليات، أما حركة البروليتاريا فهي حركة مستقلة للأغلبية الساحقة الواعية بذاتها، لصالح الأغلبية الساحقة”(12). ولذلك فإن تطور الصناعة نفسه يخلق السلاح اللازم لتدمير الطبقة الرأسمالية ويوجد طبقة تمكنها قوتها الجماعية من إدارة المجتمع علي أساس عادل – وبالعبارة الشهيرة، إنها تخلق حفاري قبر الرأسمالية.

تتميز الرأسمالية بتزايد سيادة البروليتاريا والبرجوازية، الطبقتين الرئيسيتين المتصارعتين. وتتجه الطبقات القديمة إلي التلاشي في مواجهة التطور الرأسمالي، والغالبية العظمي من أعضائها يدفعون إلي صفوف البروليتاريا. “إن الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي – صغار التجار وأصحاب المحلات والحرفين وصغار الفلاحين عموماً – كل هؤلاء ينحدرون تدريجيا إلي صفوف البروليتاريا. جزئيا بسبب أن مالهم الضئيل لا يكفي بالنسبة للمستوي الذي يقوم عليه الصناعة الحديثة. ويتم إغراقهم خلال المنافسة مع كبار الرأسماليين، وجزئيا بسبب أن مهاراتهم المتخصصة تفقد قيمتها عبر أساليب الإنتاج الجديدة”(13). تضطر أعداد أكبر من الناس إلي بيع قوة عملهم من أجل كسب العيش  – وهي عملية مازالت مستمرة في نهاية القرن العشرين. فمثلاً، خلال العقود الأخيرة، انتقل صغار الفلاحين من القرى إلي المدن، عبر المهاجرون العالم بحثا عن عمل في البلاد الصناعية المتقدمة، وتم جذب النساء في هذه البلاد بأعداد غير مسبوقة إلي أسواق العمل.

عندما يبدأ العمال في التنظيم الجماعي لنضالاتهم عادة، إذا نجحت، ما يؤدي ذلك إلي أحداث تقدم في المجتمع ككل. ففي حين أن الطبقات القديمة عندما ناضلت كانت تميل إلي ذلك علي أساس محافظ، محاولة الحفاظ علي وضعها المهدد داخل المجتمع الرأسمالي، كان نضال العمال ضد الرأسماليين يتجه إلي إحداث تحسينات في المجتمع وفي أوضاع العاملين. وفي معظم المجتمعات الرأسمالية اليوم، التي يتمتع العمال فيها بمستوي معيشي ومكاسب مرتفعة نسبياً، نستطيع أن نجد بين هذه المكاسب وبين توقعات عالية لقدرات الطبقة العاملة، وغالبا ما نتجت عن مستويات عالية من التنظيم العمالي في الماضي أو في الحاضر.

 

أسئلة وأجوبة

يقف هذا القسم الأول من البيان متحدياً أولئك الذين يدعون أن الماركسية لا تستطيع فهم العالم الحديث. فقد تنبأ بسرعة واتجاه التطور الرأسمالي الفعلي في بلاد مثل الولايات المتحدة وألمانيا قبل حدوثه بعشرات السنين وتنبأ برأسمالية القرن العشرين،وخاصة في العديد من البلاد الشهيرة بالعالم الثالث. “كما إن وصفه لنمو البروليتاريا، وتراكم رأس المال وانفجار الأزمة، كل ذلك يمكن أن ينطبق علي التاريخ الحديث وللنمور الآسيوية. ولذا فليس غريباً أن عدداً متزايداً من الناس ينظرون مرة أخرى إلي أفكار الماركسية والاشتراكية في محاولة لتفسير مشكلة هذا العالم.

كان ماركس وإنجلز ثوريين نشيطين وجدا جمهوراً من الاشتراكيين بالإمكانية والذين كانوا شديدي الغضب مما تفعله الرأسمالية في حياة العمال ويبحثون عن بديل. ويحاول القسم الثاني من البيان مناقشة أفكارهم. فهو فعلياً سلسلة من الأسئلة والأجوبة عن الاشتراكية والشيوعية وعما سوف تحققه. والكثير منها معتاد بالنسبة للاشتراكيين اليوم الذين يجدون أنفسهم مواجهين بأسئلة من أولئك الذين تجذبهم أفكار الثورة ولكن يعتقدون أنها لن تحدث أبداً. لنأخذ مثلا مسألة الملكية الخاصة. إن الحاجة إلي إلغاء الملكية الخاصة مركزية في رأي ماركس وإنجلز عن الشيوعية، حيث أنها تقوم علي استغلال الغالبية العظمي، إلا أنهما واجها اعتراضا لازال يثار اليوم وبشكل عام – وهو أليس معني هذا أنك تريد أن تصادر الممتلكات الشخصية للأفراد، وأنك تنكر عليهم وسيلتهم الشخصية في اختيار كيفية التعبير عن أنفسهم؟ وما هو الحافز للعمل لو لم يكن للناس ممتلكات خاصة بهم؟ إن البيان يوضح أن رأس المال  – أو الملكية – ليس قوة شخصية وإنما قوة اجتماعية: “كون شخص رأسماليا معناه أن يكون له ليس فقط مركزا شخصياً وإنما أيضا مركزا اجتماعيا في الإنتاج”(14). ويضيف لذلك لا يؤدي إلغاء الملكية الخاصة إلي مصادرة كل شئ يملكه العامل. وبدلاً من ذلك سوف يتغير الجانب الاجتماعي للملكية: فلن يسيطر عليها أقلية طبقية ضئيلة ولن تشكل الأساس لاضطهاد الآخرين. وفي الحقيقة “لا تحرم الشيوعية أي إنسان من حقه في تملك منتجات المجتمع: فكل ما تفعله حرمانه من سلطة إخضاع عمل الآخرين بواسطة هذا التملك”(15).

إن الشكوى حول الملكية هي علي كل حال نفاق من جانب الرأسماليين. فقد دمرت الرأسمالية ملكية صغار الفلاحين، والحرفيين وصغار رجال الأعمال. وأضطر الكثير منهم إلي بيع قوة عملهم في السوق؛ كما إن أجور العمال، والتي تغطي بالكاد تكاليف إعادة الإنتاج لهم ولأسرهم، لا تسمح لهم بحيازة ملكية شخصية ذات شأن:

“يستولي عليكم الرعب لأننا نريد إلغاء الملكية الخاصة. ولكن في مجتمعكم القائم ألغيت الملكية بالفعل بالنسبة لتسعة أعشار السكان. إن وجودها عند الأقلية إنما يرجع فحسب لعدم وجودها في أيدي أولئك التسعة أعشار. انتم تلوموننا إذن لرغبتنا في إلغاء شكل الملكية، الشرط الضروري لوجوده هو عدم وجود أي ملكية بالنسبة للأغلبية الساحقة من المجتمع. باختصار، أنتم تلوموننا علي رغبتنا في إلغاء ملكيتكم أنتم. تماما، هذا هو ما نريد بالضبط”(16).

فبرغم الحديث عن ديمقراطية الملكية في الرأسمالية الحديثة، لازال تركز الملكية بين أيدي أقلية ضئيلة يثير الاندهاش، خاصة عندما نستبعد السكن  – أو الدين في شكل الرهن العقاري. ففي بريطانيا في الثمانينات، مثلا كان نصيب أغني 1% من السكان من الثروة القابلة للتسويق يبلغ 28%، بينما كان نصيب أغني 5% يبلغ 53% من الثروة (17). من الاعتراضات الشائعة الأخرى على الشيوعية هي أن أحداً لن يعمل إذا لم توجد الملكية الخاصة. ويجيب ماركس وإنجلز بأنه إذا كان الوضع كذلك لكان المجتمع قد انهار منذ زمن بعيد حيث “أولئك الذين يعملون لا يملكون شيئاً، وأولئك الذين يملكون، لا يعملون (18).

يشير البيان كذلك إلي تناقض آخر فبينما تقلب قوي الرأسمالية العالم رأساً علي عقب، وتدمر الكثير من نسيج المجتمعات القديمة، يتمسك الرأسماليون أنفسهم بالعادات والتقاليد والأفكار القديمة كما لو أنها تنبع من طبيعة إنسانية أزلية. فيستطيع الرأسماليون أن يروا بوضوح عيوب المجتمع القديم أو الإقطاعي، ولكن لا يروا عيوب مجتمعهم هم. فلا يرون طريقة أخري للحياة أو العمل. “إن الفهم الأناني الخاطئ الذي يدفعكم إلي تحويل الأشكال الاجتماعية الناتجة عن أسلوب الإنتاج الحالي وشكل الملكية الخاصة بكم، هذه العلاقات التاريخية التي تظهر وتختفي مع تقدم الإنتاج، إلي قوانين أبدية للطبيعة والعقل – هذا الفهم الخاطئ تشتركون فيه مع كل الطبقات الحاكمة التي سبقتكم (19).

ينتقد البيان بعنف تام بعض الأقاصيص البرجوازية الفظيعة عن الشيوعية التي تنتج عن تلك الاتجاهات. فرداً علي الاتهامات بأنهما يحاولان إلغاء العائلة، يجيب ماركس وإنجلز أن النظام الرأسمالي دمر بالفعل مجتمعات بأسرها، ومزق عائلة الطبقة العاملة إرباً، وأجبرهم علي الهجرة ودفع كل أعضاء العائلة، بما فيهم الأطفال الصغار، إلي سوق العمل. وهذا يفسر “غياب العائلة عمليا بين البروليتاريين والدعارة (20). إن تصور البرجوازية عن عائلتها الخاصة وقدسية الحياة العائلية لهو نفاق إلي أبعد الحدود. فهي تقيم عائلتها علي الملكية وآراءها علي الزواج الأحادي وتقيم الأخلاق الجنسية علي الميراث وفكرة النساء كملكية للرجال، يبعن ويشترين. إما كزوجات أو كمومسات. وبدلا من ذلك تحرر الشيوعية النساء من العلاقات الجنسية الإجبارية والخالية من الحب بإزالة القيود الاقتصادية التي تسيطر علي الحب والزواج في ظل الرأسمالية.

إن أساس هذه الأفكار  – وكذلك الأفكار الثورية المماثلة لماركس وإنجلز حول الجنسية والدين – هو فهم أنه في عملية تغيير المجتمع والانتقال من أسلوب معين للإنتاج (الرأسمالية) إلي أسلوب آخر (الاشتراكية) يلقي بكل الأفكار القديمة إلي العفن وتحل محلها أشكال جديدة من الوعي:

هل هناك حاجة إلي إدراك ثاقب لفهم أن أفكار الإنسان وآراءه ومفاهيمه، وبكلمة واحدة، وعي الإنسان، إنما يتغير تبعا لكل تغير يحدث في ظروف وجوده المادي، وفي علاقاته الاجتماعية وحياته الاجتماعية ؟.

وماذا يثبت تاريخ الأفكار غير أن الإنتاج الفكري يغير طبيعته بما يتناسب مع تغير الإنتاج المادي ؟. إن الأفكار الحاكمة كانت دائماً أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر”.(21)

إن أي مجتمع يقوم علي استغلال مجموعة معينة من قبل مجموعة أخري، كما يحدث في المجتمعات الطبقية، سيطور أفكاراً تبرر حكم المستغلين. وليس غريباً أن أفكار الرأسماليين تشرع الملكية وتحميها. إن النضال من أجل شكل جديد للمجتمع يتجاوز تلك العداءات الطبقية لا يعني فقط الصراع المادي ضد الاستغلال بل أيضاً تفسير أيديولوجي بديل للعالم. فيجب فهم تاريخ الأفكار، ليس كسلسة من الأديان المتباينة والمفكرين، وإنما بأنها ترتبط بتطور أنماط إنتاج معينة. إن فكرة إمكانية وجود حقائق مطلقة، تتجاوز اختلاف المجتمعات بل وحتى اختلاف العصور لا تتماسك أمام الدراسة التاريخية.

إن التغيرات الاجتماعية الراديكالية التي أعلنها ماركس وإنجلز بل وتأسيس الشيوعية نفسها لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إزالة النظام القديم للإنتاج، القائم علي الملكية الخاصة، الذي يسمح لأقلية بمراكمة الثروة بينما تعاني الأغلبية. ولا تستطيع الطبقة العاملة أن تبدأ في القضاء علي العداءات الطبقية التي تنتجها هذه الأوضاع إلا عبر تخليص نفسها منها. وفي النهاية يؤدي الإنتاج لتلبية الحاجات، القائم علي إدارة العمال الذاتية للمجتمع، إلي المجتمع اللاطبقى – أي الشيوعية – حيث يكون “التطور الحر لكل فرد شرط التطور الحر للمجموع”(22).

أي نوع من الاشتراكية؟

كان تحليل الاشتراكية العلمية الذي تم شرحه في البيان أول محاولة بسيطة من قبل المؤلفين لتعريف شكل الاشتراكية والشيوعية الخاص بهما بالمقارنة مع مختلف أشكال الاشتراكية الأخرى التي نشأت في إنجلترا وفرنسا وألمانيا خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. وكان لديهما خبرة مباشرة بعدد من هذه الاتجاهات. فكان إنجلز علي اتصال مع كل أتباع روبرت أوين ثم مع الحركة التشارتية عندما ذهب إلي إنجلترا للمرة الأولي خلال السنوات الأولى من ذاك العقد. وكتب ماركس “بؤس الفلسفة” رداً علي أفكار الاشتراكي الفرنسي بيير جوزيف برودون. وكان الكثير من المنفيين الألمان في باريس وبروكسل ولندن خلال الأربعينيات من القرن الماضي متأثرين بأفكار “الاشتراكيين الحقيقيين” الألمان.

كانت الأشكال المختلفة من الاشتراكية المطروحة في ذلك الوقت تميل إلي التطلع للوراء، نحو مجتمع يفترض أنه أفضل قبل تجاوزات الرأسمالية. وكان أنصارها يفتقدون أي استراتيجية لتغيير المجتمع فيما عدا تقديم النداءات لممثلي الطبقات القديمة الذين يعانون أنفسهم من هجمات الرأسمالية، أو الرأسماليين من ذوي العقلية الليبرالية، أو النداءات العامة والمجردة “للحقيقة” و “العدالة”. وكان ماركس وإنجلز شديدي الحدة في نقدهما لتلك التيارات الاشتراكية المختلفة، كما بين القسم الأخير من البيان ببعض التفصيل. فبعد شرح نظريتهما عن الاشتراكية، ينخرطان في سجال ضد من يتنافسون علي كسب العمال لأفكار مغايرة. ويناقشان مختلف أشكال الاشتراكية التي راجت في السنوات السابقة علي كتابة البيان، ويبدأن بالتحليل المادي للأسباب التي جعلت هذه الأشكال من الاشتراكية تجد جمهوراً. إن النظريات الاشتراكية المختلفة تعبر عن محاولات شتي لطبقات وقوي اجتماعية مختلفة كي تتعامل مع ظاهرة الرأسمالية.

إن كثيراً من الأشكال الأولي للاشتراكية كان يقودها ويلهمها ويؤكد عليها ممثلون لتلك الطبقات التي فقدت الكثير في الانتقال من الإقطاعية إلي الرأسمالية والذي كان نقدهما للنظام القديم يقوم علي الرغبة في الحفاظ علي وضعها القديم في النظام الاجتماعي. وحتى الأرستقراطية كانت مستعدة للهجوم علي البرجوازية الناشئة بالكلمات، رغم أنها كانت تساومها في الأفعال وفي اقتسام غنيمة الثروة. لم تكن حركة ”إنجلترا الفتاة” مطلقا حركة اشتراكية حقا ولكن كان لديها بعض الأتباع في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر. كتب ديسرائيلي، الذي أصبح فيما بعد رئيسا للوزراء في حكومة المحافظين، روايتين، سبيل وكونينجسباي، اللتين يمكن قراءتهما كنصوص أساسية لمدرسة “إنجلترا الفتاة”،  كان لدي أولئك الصغار من أبناء الأرستقراطية هدفا مثاليا: أن يقاوموا صعود البرجوازية ويعيدوا إنتاج سلطة الأرستقراطية بالتوجه إلي الطبقات العاملة في المصانع والمزارع، ليس ببساطة عبر ديماجوجية اجتماعية وإنما عبر التحسين الحقيقي لأوضاع جموع العمال  – كليا علي حساب الطبقات الحاكمة المتصارعة”(23). كانت هذه القوي بالتالي تعبر عن انقسامات في صفوف الحكام وتناقض حقيقي في المصالح بين مختلف قطاعات الطبقة الحاكمة. ومع ذلك لم تكن لديهم أي رغبة في رؤية الطبقة العاملة تتحرك من أجل مصالحها الخاصة، حيث يهدد ذلك ملكية ومكانة كبار الملاك والكنيسة بنفس الدرجة التي يهدد بها ملاك المصانع. ولذلك كان نقدهم للرأسمالية يجذب أكثر العمال رضوخاً وأقلهم وعيا بطبقتهم، أي أولئك الذين يكونون أكثر احتراماً لمن “يفضلوهم”. تقوم أفكار الاشتراكيين “البرجوازيين الصغار” كذلك علي أساس طبقة ولي عهدها ووجدت أن وجودها مهدد بسبب وجود الصناعة الحديثة ونمو البروليتاريا. وتوجد قاعدتها الاجتماعية بين طبقة صغار الفلاحين، التي كانت كبيرة الحجم في فرنسا وألمانيا، وبقايا منتجي القرون الوسطي القدماء. “هذا النوع من الاشتراكية، في أهدافه الإيجابية، يتطلع إما إلي العودة إلي وسائل الإنتاج والتبادل القديمة، ومعها علاقات الملكية القديمة والمجتمع القديم، أو إلي محاصرة وسائل الإنتاج والتبادل الحديثة داخل إطار علاقات الملكية القديمة التي فجرتها، أو كان محتوماً أن تفجرها هذه الوسائل. وفي كلتا الحالتين فهي اشتراكية رجعية وخيالية”.(24) وأحد الأمثلة علي اشتراكية البرجوازية الصغيرة، كانت “الاشتراكية الحقيقية” الألمانية التي كانت مؤثرة قبل 1848. استمد “الاشتراكيون الحقيقيون”، أفكارهم من الأفكار الاشتراكية التي ظهرت للمرة الأولي في فرنسا ولكنهم بلوروها بطريقة جعلتها مشوهة تماماً. ولم يضعوا في اعتبارهم الفوارق الموجودة بين البلاد من حيث التطور الرأسمالي واختصروا الأفكار الاشتراكية إلي التفلسف المجرد بدلاً من كونها نتاجا للصراع الحقيقي بين الطبقات. لقد حاولت “الاشتراكية الحقيقية” أن تعلو فوق الصراع الأساسي بين الطبقات، ولذلك تأقلمت مع الوضع القائم. وحازت شعبية في ألمانيا بقدر ما كانت تمثل رفضا لفظائع الرأسمالية الصناعية، ولكنها أيضا دافعت عن الحفاظ علي قيم وأفكار البرجوازية الصغيرة ضد صعود الطبقة العاملة الثورية الجديدة. لقد وضعت خزينا من القيم الأزلية مثل “الحقيقة” التي افترضت أنها تجاوز حدود المجتمع الطبقي ولكنها في الواقع حاولت تجاهل الانقسامات الطبقية الجوهرية. وعند مواجهة اختبار الأحداث الواقعية، فشلت “الاشتراكية الحقيقية”:

لقد نسيت الاشتراكية الألمانية في اللحظات الأخيرة أن النقد الفرنسي، الذي كانت صداه التافه، يفترض أولاً وجود المجتمع البرجوازي الحديث، بشروطه الاقتصادية الملائمة لوجوده، والبناء السياسي الملائم لها، نفس الأمور التي كان تحقيقها هدفاً للصراع الوشيك في ألمانيا. وبالنسبة للحكومات المستبدة واتباعهما من الأفراد والأساتذة وملاك الأرض في الريف والمسئولين، ساعد (هذا النقد) كشبح مرغوب فيه ضد البرجوازية التي تهددها.(25)

كان “الاشتراكيون الحقيقيون” رمزا للمصالح الرجعية في السياق الألماني ونتجت عن قاعدتهم الطبقية البرجوازية الصغيرة، وكانت محاولتهم للحفاظ علي طبقتهم تعني معارضة الثورة في ألمانيا، لأنهم كانوا يخشون سيطرة كل من البرجوازية الصناعية والبروليتاريا. فالتطور الرأسمالي في ألمانيا يعني أن البرجوازية الصغيرة تتعرض لضغوط شاملة، لهذا السبب، وبرغم الخطابة الزاعقة. “للاشتراكيين الحقيقيين”، لم يمثلوا تحديا حقيقيا للنظام القائم.

لقد كانت الأفكار الاشتراكية والشيوعية موجودة قبل أن يبدأ ماركس وإنجلز في الكتابة بزمن طويل. ورغم ذلك، بدأت كل هذه النظريات السابقة من شعور مبرم تماماً بالفزع الأخلاقي ضد هجمات النظام، ولكنها لم تستطيع تفسير كيف يمكن إيقاف هذه “التجاوزات”، وكيف يمكن تغيير المجتمع. وقد قسم ماركس وإنجلز هؤلاء الاشتراكيون إلي قسمين: أولاً الاشتراكيين المحافظين أو البرجوازيين الذين يمثلهم برودون قبل كل شئ. وهؤلاء الاشتراكيون أنكروا العداء الطبقي الأساس في المجتمع الرأسمالي وحاولوا التقرب إلي القطاعات “التقدمية” من البرجوازية حول قضايا “إنسانية” وبالفعل كانت بعض القطاعات من البرجوازية تريد إصلاحات محدودة للنظام، لأنهم يشعرون أن احتمالات بقاء الرأسمالية مطلقة العنان ضئيلة، فتجاوزاتها تهدد وجودها ذاته. وكان هدفهم هو إزالة أسوأ جوانب الرأسمالية إصلاحاً لها، وبالتالي الحفاظ علي النظام. وكان البيان ينتقد بشدة كل هذه الأهداف التي صنفها طبقيا كالتالي:”ينتمي إلي هذا القطاع الاقتصاديون، وأصحاب الاتجاهات الخيرية والإنسانية، ومن يطالبون بتحسين أحوال الطبقة العاملة، ومنظمو الجمعيات الخيرية، وأعضاء جمعيات الرفق بالحيوان، والمتعصبون للاعتدال، ومصلحو الثغرات والأركان من كل نوع”(26). لقد قدم برودون ضرباً من اشتراكية السوق في القرن التاسع عشر فليست المشكلة هي السوق نفسه، وإنما تشويه البنوك والاحتكارات للسوق هو المشكلة. كان “الاشتراكيون الطوبويون” هم المجموعة الأخرى التي تناولها البيان. وكان لأفكارهم تأثير كبير علي ماركس وإنجلز اللذين حافظا علي درجة من الاحترام لهؤلاء الأشخاص وأفكارهم. ولكن حتى أفضل من فيهم، وهم الاشتراكيان الفرنسيان كلود هنري دى سان سيمون وشارل فوربيه والاشتراكي الإنجليزي روبرت أوين، خضعوا للانتقاد في البيان.

فبعد أحداث 1848 بفترة قصيرة كتب إنجلز عن “الرجال الثلاثة الذين، برغم كل أفكارهم الخيالية ورغم كل طوبويتهم، لهم مكانتهم بين أكثر المفكرين تميزاً في كل العصور، والتي ابتكرت عبقريتهم أموراً عديدة نبرهن نحن الآن علي صحتها علمياً”(27). واستمر إنجلز بعد ذلك بسنوات في رد دينه النظري للاشتراكيين الطوبويين عندما مدحهم في كتابه الاشتراكية العلمية والاشتراكية الطوبوية.

لقد صاغ الطوبويون نظريتهم عن الاشتراكية عندما كانت الطبقة العاملة في طفولتها. وأثر ذلك علي نظرتهم عن الكيفية التي يمكن بها تغيير الرأسمالية وعن أي القوي يمكن أن تكون وكيلاً للتغيير. وبدلاً من النظر إلي دور الطبقة العاملة في هذا التغيير، سعوا إلي صياغة خطط وبرامج عظيمة لبناء المجتمع الجديد. وتبلورت نظريتهم في بعض التجارب الاجتماعية الاعتباطية والفعلية – مثل “فالانسترية” فوربيه (أو القصور الاجتماعية) أو مستوطنة أوين النموذجية للعمال في نيولانارك – ولكن كانت هناك فجوة هائلة بين تصوراتهم عن المجتمع وبين وسائل تحقيقه. فقد نظر الطوبويون إلي الطبقة العاملة كضحية سلبية للاستغلال، وليس كوكيل للتغيير في حد ذاتها. فلم تمتد تصورات الطوبويين الرائعة لتشمل الطبقة العاملة، وبدلا من ذلك رأوا “مشهداً لطبقة بلا أي مبادرة تاريخية أو أي حركة سياسية مستقلة”.(28) لذا، بالنسبة لمعظم الاشتراكيين الطوبويين “لم تكن البروليتاريا موجودة من وجهة نظرهم إلا كأشد الطبقات معاناة” ودفعهم ذلك، مثل كل الاشتراكيين الآخرين الذين رفض ماركس وإنجلز مناهجهم، نحو التطلع إلي قوي أخري غير الطبقة العاملة لتحقيق الاشتراكية:

إن الوضع المتردي للصراع الطبقي… يدفع الاشتراكيين من هذا النوع إلي اعتبار أنفسهم أسمي بكثير من كافة العداءات الطبقية. إنهم يرغبون في تحسين أوضاع كل أعضاء المجتمع، وحتى أوضاع أحسن الناس حالاً. من هنا، فهم يوجهون نداءهم عادة للمجتمع عموماً، دون التمييز بين الطبقات، بل والأفضل، للطبقة الحاكمة. لأنه كيف يمكن للناس، بمجرد أن يفهموا نظامهم، أن يعجزوا عن فهم أفضل الخطط الممكنة لأفضل وضع ممكن للمجتمع ؟(29)

ومع تزايد التطور الرأسمالي ونمو الطبقة العاملة المواكب له تآكلت أكثر قيمة انتقادات الاشتراكيين الطوبويين للرأسمالية. فكان أتباع المفكرين الاشتراكيين الطوبويين العظماء عاجزين عن الارتباط بالصراعات الحقيقية للعمال عندما انفجرت. وقد أوضح ماركس وإنجلز أن “أتباع أوين في بريطانيا وفورييه في فرنسا، علي التوالي، يعارضون الشارتين و”الإصلاحيين”،(30)

فأصبح الطوبويون في وقت لاحق حلقات منعزلة كانت تحلم بإقامة مستعمرات اشتراكية، يمولها الأغنياء بالطبع. ولم يكن لهم أي تأثير علي الصراع الطبقي أو أي أهمية بالنسبة للعمال. والحقيقة أن رؤيتهم السياسية دفعتهمفي الاتجاه العكسي: فقد حاولوا بسبب اضطرارهم للاعتماد علي النوايا الطيبة (المحدودة) لدي الأغنياء، التخفيف من العداءات الطبقية وكانوا يعارضون التحرك المستقبل للعمال. فمن أجل تحقيق كل هذه القلاع المعلقة في الهواء كانوا مضطرين إلي التوجه إلي مشاعر وخزائن البرجوازي. وبالتدرج بدءوا يفرقون في صفوف الاشتراكيين المحافظين الرجعيين،(31)

إن الفشل في إدراك العداءات الطبقية والتأثير منها والتي شكلت أساس الرأسمالية، أدت إلي ممارسة لها يماثلها في الحركة الاشتراكية اليوم. فالتشديد علي “الإنسانية” وعلي التوجه إلي “المجتمع ككل” واسع الانتشار في حركات البيئة والخضر، حيث يعتقد أن التوجه إلي النزعة الأخلاقية كافيا لحماية البيئة، وحيث يستطيع كبار الرأسماليين مثل أنيتا روديك (صاحبة مركز تجميل وتخسيس، واحدة من أغني سبع نساء في بريطانيا) أن تظهر في موقف صديقة البيئة. وكذلك يتضح التشابه في الحركات المناهضة للأسلحة النووية مثل حملات نزع السلاح النووي  CND في أوائل الثمانينات، التي قللت بوعي من دور المصالح الطبقية التي أدت إلي تعبئة الأسلحة النووية في المقام الأول. ويحتوي تاريخ حركة الطبقة العاملة علي أمثلة عديدة من الحلقات التي لديها برنامجاً اشتراكيا بل وثوريا بشكل رسمي، ولكنها ترفض الانخراط في الصراعات اليومية للعمال، والتي وجدت أنها محكوم عليها بالانقراض.

والقسم الأخير من البيان الشيوعي يفند أي أفكار عن أن ماركس وإنجلز قللا من أهمية بناء منظمة ثورية. فقد شرحا فيه أراءهما في المنظمات الموجودة في مختلف البلاد – مثال ذلك، تأييدهما للشارتين في إنجلترا. فقد أيدا كل الحركات الثورية ضد النظام القائم، ولكنهما أضافا شرطين: أن تضع دائماً في المقدمة مسألة الملكية كخط الانقسام الطبقي الأساسي، وأن تعلن تأييدها للثورة من أجل الإطاحة بكافة الأوضاع الاجتماعية القائمة.(32) فقد سبق وذكرا في البيان، “في أي علاقة يقف الشيوعيون بالنسبة للبروليتاريا ككل؟ إن الشيوعيين لا يمثلون حزب منفصل في مواجهة أحزاب الطبقة العاملة الأخرى. وليس لديهم أي مصالح منفصلة ومستقلة عن مصالح البروليتاريا ككل”(33). هل يعني هذا أن ماركس وإنجلز كانا ضد بناء منظمة ثورية خاصة للطبقة العاملة؟ أن أي معرفة بسيطة بحياتهما توضح أن ذلك ليس صحيحا. فبرغم وجود فترات طويلة لم يكونا خلالها أعضاء في أي منظمة أو حزب، فحيثما كان مستوي الصراع أو احتياجات حركة الطبقة العاملة تمكنها من بناء منظمة كانا ينخرطان في نسيجها. يصح ذلك بالنسبة للمنظمات الشيوعية الأولي خلال أربعينات القرن التاسع عشر، وبالنسبة للدور المركزي الذي لعبه ماركس في بناء الأممية الأولي خلال ستينات القرن التاسع عشر. ورغم أن إنجلز لم يكن منضما بصورة مباشرة في الأحزاب التي تأسست حول الأممية الثانية حتى نهاية القرن التاسع عشر، كان يلعب دوراً مركزيا في مناقشة المسائل التكنيكية والسياسية المتعلقة بتلك الأحزاب مع بعض القيادات المشاركة فيها.

إن استخدام كلمة “حزب” يجب النظر إليها من زاوية مختلفة عن معناها اليوم. فقد كان معناها في 1848 أقرب كثيراً إلي فكرة التيار السياسي أو إلي مجموعة من الأفكار. وعندما جادل ماركس وإنجلز بأن الشيوعيين لا يمثلون حزباً منفصلاً، كانا يقصدان أن أفكارهم تتلاقى مع مصالح البروليتاريا وأنهم لا يقيمون حواجز مصطنعة ما بين الاثنين. وفي نفس الوقت، لم يكن نقدهم العنيف للأشكال الأخرى من الاشتراكية مجرد عملية أكاديمية: بل كانت جزءاً من السجال من أجل بناء العصبة الشيوعية. وهما أيضاً يشددان علي أهمية الوضوح النظري: “لذلك، فأن الشيوعيون هم من ناحية، وبشكل خاص، أكثر القطاعات تقدماً وتصميماً في أحزاب الطبقة العاملة في جميع البلاد، هذا القطاع الذي يدفع كافة القطاعات الأخرى للأمام؛ ومن ناحية أخري، فهم نظرياً، يتميزون عن الجماهير العريضة من البروليتاريا بفهمهم الواضح لخط سير وظروف والنتائج العامة النهائية للحركة البروليتارية”(34). إن هذا الوصف لدور الشيوعيين يدعو للالتزام ببناء منظمة من أشخاص نشيطين ومتطورين سياسياً توحدهم مجموعة من الأفكار والتزام بالنشاط قريبة جداً من الرؤية الحديثة للحزب.

 

خلفية الثورة

واكب نشر البيان الشيوعي في فبراير 1848، تقريباً في نفس الوقت، انفجار الثورة في كافة أنحاء أوربا. كانت علامات التمرد موجودة قبل ذلك بكثير. فقد كان الحكام القدماء في كل أوروبا عاجزين عن تقديم أشد الإصلاحات الديمقراطية أساسية، أو كفالة مستويات معيشة ملائمة. في إيطاليا وألمانيا، حيث لم تكونا بعد موحدة كأمم وإنما كانت تضم عدداً من الدويلات الصغيرة، وكذلك في جزء كبير من الإمبراطورية النمساوية التي كانت تضم عدداً كبيراً من القوميات، كان الشعور طاغيا بضرورة التحرر الوطني، كما كان في بولندا والإمبراطورية الروسية. وفي كل مكان ظهرت المطالبة بنهاية الأوتوقراطية والسلطات المطلقة للملوك والأفراد. وعكست الاحتجاجات السياسية حالة التأييد للجمعيات التأسيسية والبرلمانات والإصلاحات القانونية. وكانت المطالب الإصلاحية تعكس الصدام بين الطريقة القديمة في تنظيم العالم وبين الطريق الجديدة. فكما تنبأ ماركس وإنجلز بالفعل إن انتشار التطور الرأسمالي كان يزيد من الشعور بتأثيره سياسيا واجتماعياً فلما حدث بالنسبة للاقتصاد. فقد اتجهت المدن والأحياء الجديدة والصناعات والحرف الجديدة لأن تشكل مراكز لمعارضة الإقطاعية، التي كانت تعتمد علي الكنيسة الكاثوليكية، والملكية والأرستقراطية وكبار ملاك الأرض. وكانت الطبقة الرأسمالية الناشئة، وصغار أصحاب العمل، والمحامون والطلاب وفقراء الفلاحين، الأعداد المتزايدة من العمال، تحتك في صراع مع هذه القوي المحافظة. واعتقد مؤلفا البيان أن تحالفا من هذه الطبقات المختلفة سيشكل أساس الثورة الديمقراطية التي كانت علي الأبواب.

لم يكن ممكنا أن يتعزز الحماس من أجل الثورة في أوروبا إلا بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية الفظيعة التي وجد كثيرون أنفسهم فيها في أواخر أربعينات القرن التاسع عشر. فكانت هناك مجاعة في أوروبا، وكانت اكثر شهرة في أيرلندا، ولكنها وجدت أيضاً في بلجيكا. وفي ربيع 1847 كانت هناك اضطرابات تتعلق بنقص الطعام في اسكتلندا، وجنوب غرب إنجلترا، وبروكسل وبرلين وأولم وفيينا وفي المناطق الإيطالية جنوه، وتوستاني ورومانا ولومباردي.(35) وفاقم كساد عام 1847 من المشكلات حيث عاني الملايين من تخفيض الأجور، والبطالة والإفلاس.

اندلعت الثورة أولاً في حصني الرجعية الكبيرين في أوروبا، مملكة الصقليتين، والتي كانت تضم صقلية ومعظم أجزاء جنوب إيطاليا الحديثة. وقد أدي التمرد ضد الملكية في العاصمة الصقلية باليرمو إلي أن يمنح ملك نابلس دستوراً في 10 فبراير 1848. غير أن الانفجار الكبير حدث في فرنسا. ففي النصف الثاني من عام 1847 كان التذمر يتزايد ضد نظام “الملك البرجوازي” لويس فيليب وكان هناك ضجيج حول إصلاح انتخابي وبرلماني. وشارك الآلاف في “ولائم الإصلاح” في أنحاء الريف. كان هدف الجزء الأكبر من معارضي الطبقة الوسطي هو الحصول علي إصلاحات معتدلة دون الاضطرابات إلي الشوارع. وتم الإعداد لوليمة إصلاح هائلة في يوم 22 فبراير 1848 في باريس. كانت هذه الوليمة ستكون الواحدة والسبعين من نوعها ولكن الحكومة منعتها. تجمعت الجماهير وعلي مدار اليومين التاليين انتشرت المظاهرات ووضعت المتاريس. فاعتزل لويس فيليب العرش وأعلنت الجمهورية الثانية. وضمت الحكومة الجديدة اشتراكيين وراديكاليين وكان برنامجها متأثراً بالأفكار الراديكالية التي أزاحت الملكية من السلطة. “ومنذ 25 فبراير حتى 2 مارس عاشت الحكومة في خوف دائم من أن يطاح بها، سواء من قبل الجماهير المتجمعة أمام فندق المدينة التي حسب آخر الإشاعات، إما أن ترحب بها أو تحتقرها وترفضها، أو من قبل الوفود التي استغلتها وطالبت برد فوري”(36).

كان عام 1848 واحدا من السنوات العظام حين بدت الثورة مرغوبة وممكنة في ذات الوقت. وانتشرت في كل أنحاء أوروبا لتؤثر في كل من النمسا وألمانيا بحلول مارس. ومع تفجر الانتفاضات اندلع الصدام في شوارع فينيا وبرلين بين النظام الإقطاعي والطبقة الرأسمالية الصاعدة. وكان الإحساس بالنشوة منتشراً في كل مكان في الشهور الأولي من عام 1848. وبدا أن العالم القديم المكون من طبقة صغيرة ومستبدة وطفيلية تحكم فقراء الفلاحين كان يقترب من نهايته. (وكان ذلك صحيحاً في كل مكان ولكن بقدر أكبر في ألمانيا). فقد كان تفتتها عائقاً اقتصاديا وسياسياً كبيراً أمام التطور الرأسمالي. ولذلك كان مطلب التوحيد الوطني مركزيا لدي العديد من الديمقراطيين. بينما رأى ماركس وإنجلز أن يكونا علي أقصي يسار الحركة الديمقراطية وأن يؤيدا المطالب التي شعرا بأنها ستؤدي حتما إلي التوحيد.فالثورة البرجوازية في ألمانيا ستقود كما اعتقدا، بسرعة شديدة إلي ثورة الطبقة العاملة. وإن الشيوعيين يعطون انتباههم بشكل رئيسي إلي ألمانيا، لأن هذا البلد علي مشارف ثورة برجوازية، والمحتم أن يتم تحقيقها في ظل أوضاع اكثر تقدماً في الحضارة الأوربية، إلي جانب بروليتاريا اكثر تطوراً بكثير من البروليتاريا في إنجلترا القرن 17، وبروليتاريا فرنسا في القرن 18، ولأن الثورة البرجوازية في ألمانيا لن تكون إلا مقدمة للثورة البروليتارية التي ستليها علي الفور (37).

كانت الثورة البرجوازية ضرورية حتى تحرر المجتمع الألماني من قيود الإقطاعية، وبالتالي تسمح بتطور الرأسمالية وتكون الطبقة العاملة والتي بدورها لديها القدرة علي القيام. بثورتها الخاصة. ومع ذلك تجاوز تبني ماركس وإنجلز للحركة الديمقراطية إلي ما وراء المطالبة بالانتخاب أو إقامة البرلمانات. كانت هذه المطالب الهامة شروطا أولية بالنسبة للتنظيم السياسي في كثير من البلاد، ولكن الديمقراطية السياسية في حد ذاتها لا تعني الكثير بدون حرية اقتصادية. وكانت معظم قطاعات المجتمع في ألمانيا تريد تحقيق الحريات التي أنجزت في فرنسا الثورية بعد عام 1789. فكانت الطبقات الوسطي والمثقفون شديدي الوعي بأنه بعد مرور نصف قرن لم تكن معظم الدول الألمانية قد تحققت لها الحريات القانونية والاجتماعية والسياسية التي أصبحت بديهية في فرنسا. ومع ذلك، ففي نفس الوقت، هناك فرق كبير بين الحركات الثورية في 1789 وبين 1848:فمع حلول منتصف القرن 19 أصبحت الطبقة العاملة قوة حقيقية في عدد من البلدان الأوروبية بشكل خاص في بريطانيا ولكن أيضاً في بلجيكا وفرنسا  – وحتى في البلاد التي كانت فيها الرأسمالية أقل تطوراً، كانت الأهمية المتزايدة للطبقة العاملة واضحة.   كانت الطبقة العاملة في ألمانيا تؤيد تماماً مطالب الثورة البرجوازية. ولكنها أيضا وبشكل متزايد كانت تريد أبعد من ذلك وهو أن ترفع مطالبها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة.

في فرنسا قامت الثورة البرجوازية قبل عام 1848 بفترة طويلة، وكانت الطبقة العاملة نسبياً اكثر تطوراً، لذا فقد كان الاستقطاب الطبقي هنا اكثر حدة – وحدد مصير الثورة الفرنسية في 1848 محصلة الثورة في كافة أنحاء أوروبا. دفعت الطبيعة الهائلة لثورة فبراير في فرنسا الحكومة الجمهورية الراديكالية الجديدة لأن تقوم بعدد من التنازلات لمطالب الطبقة العاملة، وبخاصة فيما يتعلق بحق العمل، مع إقامة ورش قومية لضمان العمل بالنسبة للعاطلين. إلا أن هذه التنازلات بعد فترة وجيزة عارضها بعناد بعض أولئك الذين كانوا يؤيدون ثورة فبراير في البداية. وبمجرد أن برزت في المقدمة قضايا الاقتصاد ومسألة من يتحكم في الثورة، اتضحت التوترات بين الطبقات المختلفة التي قامت بالثورة. ومع حلول أبريل فقد اليسار والثوريون زمام المبادرة. وبقدوم شهر يونيو اتضحت الانقسامات الطبقية واندفع العمال مرة أخري إلي المتاريس للدفاع عن أنفسهم، ولكن هذه المرة ليس ضد الملكية وإنما ضد قوي البرجوازية التي كانت تحكم الجمهورية الجديدة. وبعد أربعة أيام من حرب الشوارع في باريس عاني العمال هزيمة قاسية أمام الحرس الوطني وبدأت عملية الثورة المضادة في فرنسا – وهي العملية التي أدت خلال سنوات قليلة إلي ديكتاتورية لويس بونابرت.

قرر ماركس وإنجلز، إلي جانب كثيرين من الثوريين المنفيين الآخرين، أن يعودا إلي ألمانيا بمجرد أن اندلعت الثورة. ذهب ماركس إلي كولون، وهي جزء من أكثر المناطق تقدما في ألمانيا، أي منطقة الراين، التي كانت ولا تزال يحكمها القانون الصادر خلال الحكم الفرنسي في ظل نابليون. وكان هذا الدستور يسمح بمساحات اكبر للتحريض والنقاش السياسي أكثر مما كان متاحاً في بروسيا. ومع أن أعضاء العصبة الشيوعية عادوا إلي أجزاء مختلفة من ألمانيا كمجرد أفراد، كان تأثيرهم كبيراً خلال شهور الغليان في ربيع وصيف عام 1848. فكما أشار فرانز ميهرنج، كاتب السيرة الذاتية لماركس: “أينما كشفت الحركة الثورية في ألمانيا عن أي علامة علي تطور نشيط نجد أعضاء العصبة هم القوة الدافعة وراءها: شابير في ناساو، وولف في برسلاو، وستيفان بورن في برلين، وأعضاء آخرين في أماكن أخري”. لقد عبر بورن علي الحقيقة بدقة عندما كتب إلي ماركس: “لقد كفت العصبة عن الوجود ومع ذلك موجودة في كل مكان” (38).

وفي كولون جمع ماركس وإنجلز النقود لإصدار صحيفة يحررها ماركس. وظهرت الطبعة الأولي من صحيفة نيو راينيشية زايتونج في أول يونيو. وكانت تتبنى نشر الثورة وتدافع في سجالاتها عن المسار الثوري في أقصي الجناح اليساري. وعلي الفور تقريبا وتصدى ماركس لمهمة تحليل أحداث يونيو في فرنسا. “عامة الشعب يمزقهم الجوع وتهينهم الصحف ويتخلى عنهم الأطباء، ويحتقرهم الشرفاء كلصوص ومخربين وعبيد، ويدفع بنسائهم وأطفالهم إلي بؤس أشد عمقاً، ويرحل أفضل أبنائهم إلي ما وراء البحار: إنه التميز، إنه حق الصحافة الديمقراطية في لف اكاليل الغار حول جباهها العنيدة والمتوعدة”(39).

كانت الصحيفة بالفعل قد فقدت عدداً من مؤيديها الأيسر حالا well heeled الذين وجدوا عددها الأول أشد يسارية من ميولهم. والآن أوضح ميهرنج، إن هذا المقال وكلف النيوراينش زايتونج العدد الأكبر من المساهمين الذين تبقوا؛(40) كانت المعضلة التي واجهها ماركس وإنجلز شديدة الدلالة في الثورة الألمانية نفسها. فقد كان تأخر التطور الاقتصادي في ألمانيا يعني أن البرجوازية منذ البداية كانت مترددة وخائفة من القيام بالثورة. وفي كل مرحلة كانت تفضل المساومة مع النظام القديم عن ربط نفسها بالقوي الراديكالية لدفع الثورة للأمام. كان ذلك صحيحاً بشكل خاص في برلين حيث كما ذكر مهيرنج “في 18 مارس أطاحت الثورة بالحكومة البروسية، ولكن في الوضع التاريخي المعطي سقطت ثمار النصر في البداية بين يدي البرجوازية، فسارعت الأخيرة إلي خيانة الثورة “(41). وفي أبريل قررت الحكومة البروسية أن يتم صياغة دستور بالاتفاق مع التاج. والجمعية الوطنية التي انعقدت في فرانكفورت في شهر مايو، والتي يفترض أنها مقدمة للتوحيد، لم تكن أكثر من مكان للثرثرة.

لذلك كان النظام القديم قادراً علي البقاء رغم موجة الثورات في ألمانيا، وإن لم يكن في كل جوانبه فعلي الأقل في كل أسسه. إن أحداث يونيو في فرنسا جعلت البرجوازية أكثر خوفاً بكثير وأقل فاعلية، وبعد هزيمة الثورة النمساوية في أكتوبر 1848، أصبحت الثورة المضادة علي جدول الأعمال في كل مكان. وتم تدمير الحركة الثورية خلال الشهور القليلة التالية ودفع بالثوريين إلي المنفي ومن بينهم ماركس وإنجلز. كتب ماركس في 1848 ملخصا طبيعة الرأسمالية الألمانية.

“بينما كان في السنوات 1648 و1789 ثقة غير محدودة بالنفس والتي تنبع من الوقوف علي قمة الإبداع، كان طموح برلين في 1848 أن تبني شيئاً خارج التاريخ.كان بريقها مثل بريق تلك النجوم الذي لا يكاد يصل إلي الأرض حتى تكون الأجسام التي انبثق منها قد انطفأت منذ مئات الآلاف من السنين. كانت ثورة مارس البروسية نجما من هذا النوع بالنسبة لأوروبا – وفقط علي مستوي صغير، بالضبط كما كان كل شئ فيها علي مستوي صغير فكان بريقها بريقاً نابعا من جثة مجتمع تعفن منذ زمن طويل. لقد تطورت البرجوازية الألمانية تطوراً بطيئاً ومتردداً وجبانا لدرجة أن وجدت نفسها مهددة بمواجهة البروليتاريا، وكل تلك القطاعات من سكان الحضر والمرتبطين بالبروليتاريا في المصالح والأفكار، في نفس لحظة تهديدها بمواجهة الإقطاعية والحكم المطلق. وإلي جانب وجود هذه الطبقة خلفها، وجدت في مواجهتها العداء من أوروبا كلها”(42).

هكذا انتهى العام الثوري الجليل بهزيمة أولئك الذين أرادوا ثورة الطبقة العاملة. وكانت كذلك هزيمة لأولئك الذين أرادوا الإطاحة الكاملة بالإقطاعية. فانتصرت الرجعية في ألمانيا واكتمل توحيدهم ليس بواسطة حكومة برجوازية ولكن بواسطة حكومة بسمارك المحافظة. وفي كل من ألمانيا وإيطاليا استغرق اكتمال هذه العملية أكثر من 200 عاماً. وكانت هذه الثورات أول اختبار كبير للأفكار السياسية لماركس وإنجلز. فكيف إذن اتسق التحليل الذي وضع في البيان مع أحداث 1848 وإلي أي مدي يقدم تفسيراً لتطور الرأسمالية في أوروبا بعد الهزيمة ؟.

 

تأثير البيان بعد 1848

كان للبيان تأثيراً مباشراً ضئيلاً علي الثورات نفسها في 1848. فقد كانت قد اندلعت فعليا بقوة عندما نشر الكتاب وكان لأحداث فرنسا أثراً في نشر الثورة إلي ألمانيا في الشهر التالي اكبر بكثير مما كان لأي نشرة معينة أن تفعل. ورغم ذلك بدل الثوريون أقصي ما بوسعهم من أجل ضمان قراءة واسعة للبيان الذي كان علي وشك الصدور في طبعة ثانية بحلول أبريل. وهكذا ثم شحن 100 نسخة إلي العمال الألمان في امستردام في مارس، ثم أرسلت 1000 نسخة إلي باريس. وفي بداية أبريل أعطي الشيوعيون في باريس نسخاً من البيان لثلاثة أو أربعة آلاف من المهاجرين الألمان العائدين إلي وطنهم للانضمام للثورة. وفي مارس 1848 قامت صحيفة المهاجرين دويتش لوندنر زايتونج بإصدار الكتاب في سلسلة من المقالات. وعندما عاد ماركس وحلفاؤه إلي كولون وزعوا البيان هناك، وفي أوائل 1849 صدر في سلسلة مقالات في الصحيفة اليسارية داي هورنيسه. وكانت هناك خطط طموحة لترجمته إلي لغات أخري، لم تتحقق بسرعة. وبرغم المطالبة في البيان نفسه، لم تتوافر ترجمة فرنسية منشورة إلا عقب كومونة باريس في عام 1871. وكانت الترجمة الوحيدة المؤكدة في عام 1848 هي الترجمة السويدية. بينما صدرت الترجمة الإنجليزية الأولي في سلسلة في صحيفة الجمهوري الأحمر   Red Republican التي صدرها الشارتيون اليساريون في نوفمبر 1850، وقد ترجمته الاشتراكية هليين ماكفرلين؛ وجاءت جملته الافتتاحية (التي ترجمت فيما بعد “شبح يخيم علي أوروبا”): “إن عفريتاً مرعباً يتسلل في أرجاء أوروبا”(44). إن تدهور الحركات اليسارية والراديكالية في أعقاب هزيمة ثورات 1848 لم يوفر الظروف من أجل ترجمات أخري. فكما أوضح إنجلز “إن للبيان تاريخا يخصه… فقد دفع فوراً إلي الوراء بسبب التراجع الذي بدأ مع هزيمة عمال باريس في يونيو 1848… ” ومع اختفاء حركة العمال عن المسرح، والتي بدأت مع ثورة فبراير، انتقل البيان أيضاً الخلفية،(45). وفقط مع انتعاش الاشتراكية عالمياً منذ ثمانينات القرن 19 وما بعدها أنجزت الترجمات الهامة، بما فيها الترجمة الفرنسية التي قامت بها ابنة ماركس لورا لافارج والترجمة الإنجليزية المعتمدة التي قام بها سام مور والتي من الواضح أن إنجلز تدخل فيها.(46)

كان مصير البيان مرتبطا بالوضع السياسي. لقد كان سابقا لعصره، مثلاً، في وصفة لتطور الصناعة. ولقد حولت الصناعة الحديثة الورشة الصغيرة للسيد البطريركي إلي مصنع كبير للرأسمالي الصناعي، جماهير من العمال، المكدسين داخل المصنع، منظمين مثل الجنود… وهم يستعبدون يوميا وكل ساعة بواسطة الآلة، والملاحظين، وفوق ذلك، بواسطة الصناعي البرجوازي نفسه،(47) لم تكن الصورة بعد هذا النحو في معظم أجزاء العالم عندما كتب ذلك؛ ولكنها أصبحت واقعاً خلال الخمسين سنة التالية، وبعد ذلك فقط في ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا إلي جانب بريطانيا.

إن ثورات 1848 علمت ماركس وإنجلزالكثير. وقد كتب لينين في 1907:

“في نشاط ماركس وإنجلز نفسيهما، تنفرد فترة مشاركتهما في الصراعات الثورية الكبرى في 1848 – 1849 بكونها نقطة مركزية. كانت هذه نقطة انطلاقهما عند تحديدها للصورة المستقبلية للديمقراطية والحركة العمالية في مختلف البلدان. وكانا دائماً يعودان لهذه النقطة تحديداً من أجل تحديد الطبيعة الجوهرية للطبقات المختلفة واتجاهاتها في إبراز وأنقي صورة. ومن منطلق الفترة الثورية في ذلك الوقت كانا يقيمان دائماً التكوينات والمنظمات السياسية والأهداف والصراعات السياسية اللاحقة والأقل شأنا”(48).

وبالإضافة إلي فائدتها كمدرسة للاستراتيجية والتكتيك الثوري، كشفت لهما تجربة 1848 أيضا الطبيعة الحقيقية للطبقة الرأسمالية. فقد أقام البيان خطته الثورية علي أساس الثورات البرجوازية السابقة، خاصة الإنجليزية والفرنسية، التي أنتجت قادة مثل كرومويل وروبسبير اللذين إدراكا الحاجة إلي الحسم والفعل الشجاع لدفع أهداف الثورة وتدمير النظام القديم. ولكن البرجوازية في 1848 كشفت عن عجزها عن توفير مثل هذه القيادة الحاسمة. وكانت الحركة العمالية الجنينية وحدها – بقيادة الشيوعيين في أجزاء من ألمانيا – هي القادة علي ذلك. وكان أساس جبن البرجوازية هو الخوف من تصعيد صدام سياسي جاد والذي ربما يهدد الملكية نفسها. لذلك ساومت منذ البداية وتقربوا من قوي الاستبداد القديم وانضموا إليهم دفاعاً عن القانون والنظام والملكية ضد أي تغيير جوهري. كان ماركس وإنجلز قبل الثورة يخشيان من إمكانية حدوث ذلك. فقد كتب إنجلز قبل انفجار أحداث 1848 بفترة وجيزة أن البرجوازية لن تحكم إلا لفترة قصيرة في أعقاب ثورة برجوازية ناجحة.”فعشماوي يقف علي الأبواب” ، كما قال اقتباسا عن الشاعر هاينرخ هاين – أن الطبقة العاملة سرعان ما تستولي علي الحكم من الرأسماليين.(49)

ومع ذلك، في البيان يبدو أيضا أن البرجوازية ستضطر عما منها لاتخاذ إجراءات اكثر حسماً بكثير مما تريد. ولكن خلال 1848 اتضح تماماً مدي ضآلة ما يمكن أن ينتظر منها، فقد أوضحت أيام يونيو في باريس، عندما هزمت الطبقة العاملة، كما كب ماركس فيما بعد: “أول معركة كبري بين الطبقتين الكبيرتين اللتين ينقسم إليهما المجتمع الحديث. لقد كانت حربا من أجل بقاء أو دمار النظام البرجوازي”(50). لم تغب انعكاسات ذلك عن أي ممن شاركوا في الثورة في ألمانيا. ومع حلول الخريف أصبحت المواجهة اكثر وضوحا عندما قوبلت الانتفاضة في فرانكفورت ومخاطرها في كولون بالقمع الشديد من الدولة، بما تضمنه من الحظر المؤقت لجريدة ينو راينيش زايتونج. وفي أكتوبر اندلعت الانتفاضة في فينيا اعتراضاً علي التدخل العسكري ضد المجر. ونجحت لمدة ثلاثة أسابيع حتى إخمادها علي أيدي الجنرال جالاسيك والجنرال ويند يتشجراتس. لقد حذر ماركس فعلاً من أن الثورة في فينيا كانت “تعاني من خطر، إن لم يكن الدمار، فعلي علي الأقل خطر إعاقة تطورها، بسبب عدم ثقة البرجوازية في الطبقة العاملة”(51).

انتهزت الملكية البروسية فرصة تحرك الثورة المضادة لتعيين وزارة براند نبرج الرجعية في برلين. وكان تأثير ذلك علي ماركس هو زيادة عدائه ضد البرجوازية. وبحلول ديسمبر كان واضحا تماما بالنسبة له أن البرجوازية ينقصها قوة الإرادة أو الرغبة في القيام بالثورة وأن أي ثورة لابد أن تتم بدونها. فمهما فلصت الطبقة العاملة من مطالبها  أو حاولت المساومة، فإن وجودها نفسه كان كافيا لتندفع البرجوازية هلعاً إلي المساومة مع الحكم المطلق. لذلك، ليس غريباً أن ماركس في كتاباته التي أعقبت هزيمة ثورات 1848 – 1849 عدد كثيراً علي استقلال دور الطبقة العاملة. ويكرر الإشارة إلي “ديمومة الثورات” أو “الثورات لدائمة” بمعني الثورات التي تستمر أو الثورة المستمرة. وكان ذلك تحولاً في الرؤية السياسية من “وقت اندلاع الثورة” إلي واقع الحرب الطبقية المكشوفة في ظل الرأسمالية – كان عام 1848 علامة علي نقطة تحول حقيقية في هذا المضمار.

لم يقع ماركس في خطأ الاعتقاد بأن طبقة عاملة ضعيفة نسبياً تستطيع أن تقوم فوراً بثورة بروليتارية في ألمانيا المتخلفة في عام 1848، ولكنه أدرك أنه لم يعد يمكنا أن نتوقع من البرجوازية أن تلعب دوراً ثورياً في قيادة النضالات الجماهيرية ضد بنية الاضطهاد في المجتمع، وسوف ينتقل هذا الدور باستمرار غلي الطبقة العاملة. وفي خطابه إلي اللجنة المركزية للعصبة الشيوعية من لندن في 1850 أكد أن العمال الألمان سيكون عليهم أن يمروا بفترة من التطور كطبقة ثورية قبل أن يتمكنوا من القيام بثورة، ولكنه رأي كذلك أنهم لا يمكنهم أن يثقوا في “الديمقراطية” كما كان ممكنا في 1848؛ “فعليهم أن يشاركوا بأنفسهم بالجانب الأكبر من أجل تحقيق انتصارهم النهائي، بأن يدركوا مصالحهم الطبقية الخاصة، وبأن يتخذوا موصفات سياسياً مستقلاً في أسرع وقت ممكن، وبأن لا يسمحوا لأنفسهم بأن تخدعهم العبارات المنافقة للبرجوازية الصغيرة الديمقراطية فيشكون ولو للحظة واحدة في ضرورة أن يكون للبروليتاريا حزبا مستقلا ومنظما. فلابد أن يكون شعارهم في المعركة الثورة الدائمة”(52).

كانت هزيمة الثورة تعني ضرورة فهم قضايا أخري. فقد أجبر ماركس وإنجلز علي مغادرة ألمانيا وانتهي بهم الحال للإقامة في إنجلترا. وكانت لندن تكتظ بالمهاجرين الألمان الذين كان معظمهم، بما فيهم ماركس وإنجلز، يعتقدون أن الثورة في أوروبا كانت وشيكة.ولكن ماركس توصل في النهاية أن الأمر لم يكن كذلك، وسوف يكون علي الثوريين العمل في ظل ظروف عصيبة من استقرار وتوسع رأسمالي وعلي خلفية من هزائم الطبقة العاملة. ودفعة ذلك في خلاف سياسي مع الكثير من رفاق 1848، وظل في عزلة سياسية لعدة سنوات. واستقر إنجلز في مانشستر حيث عمل في الشركة التي تملكها عائلته وكان يقدم دعما معنويا وماليا لماركس. ومضي ماركس وقته في الدراسة من أجل كتابة رأس المال. ويعود الرأي الشائع حول ماركس بأنه أكاديمي، ودارساً حافا للاشتراكية، إلي هذه الفترة. ولكن الخبرة السياسية المباشرة لكل من ماركس وإنجلز والتي اكتسباها في 1848، تكذب هذا الرأي، مثل العديد من تحركات ماركس اللاحقة. وكانت حساباته حول احتمال حدوث انتفاضة سياسية تتميز بالحذر، ولكن حماسة لقضايا اليسار لم يتزعزع. فعلي سبيل المثال أيد ماركس استمرار المعركة من أجل استقلال بولندا. وتابع كذلك كبت الحرب الأهلية الأمريكية، التي اندلعت في 1861، وكان من المتحمسين لانتصار الشمال وإلغاء العبودية. رأي أن نتيجة هذا الصراع لها أهمية مركزية بالنسبة لمستقبل الرأسمالية وكذلك بالنسبة لمستقبل الطموحات الثورية.

هناك، بالطبع، قضايا عديدة في السياسة المعاصرة لم يطرحها البيان الشيوعي. وبعض هذه القضايا أزداد وضوحاً خلال ما تبقي من حياة ماركس. ويصدق ذلك بوضوح علي أراء ماركس عقب هزيمة كومونة باريس التي كشفت عن أن أي محاولة لفوز الطبقة العاملة بالديمقراطية والسيطرة علي المجتمع سوف تدمرها البرجوازية لأنها تهدد الملكية الخاصة.وقد استنتج من هذه الخبرة أن علي العمال تدمير آلة الدولة البرجوازية وتكوين مؤسساتهم الديمقراطية الخاصة بسلطة الطبقة العاملة. وبالضبط كما حضر ماركس آراءه الثورية في سارية 1848، كذلك كان في 1871 يؤيد الكوميونيين علنا، حتى وإن كان ذلك لا يعني قطعاً سياسياً مع بعض أولئك الذين عمل معهم في السابق في الأممية الأولي.

ومع ذلك، كان هناك العديد من القضايا التي برزت بعد موت ماركس في 1883. فنمو الإصلاحية كتيار داخل حركة الطبقة العاملة، ودور الأحزاب العمالية الكبيرة والنقابات وبيروقراطيتها كانت بالكاد تكشف عن نفسها بعد موت ماركس. لذا فقد تركت لجيل من الاشتراكيين الذي انخرط في الهبات الثورية التي نتجت عن الحرف العالمية الأولي ليبين علي أساس خبرة وأفكار ماركس.فقد طور الثوري الروسي ليون تروتسكى نظرية الثورة الدائمة. فدفعه فشل الثورة في الروسية في 1905، والتي أدت هزيمتها إلي استمرار تماسك القيصرية رغم ضعفها، إلي أن يري أن البرجوازية في ظروف روسيا كانت شديدة الضعف والجبن لدرجة أنها كانت عاجزة تماماً عن قيادة ثورة من أي نوع. ولابد أن تكون الثورة ضد القيصرية ثورة للطبقة العاملة، رغم ضعفها النسبي عدديا وتنظيمياً، ورغم التخلف الاقتصادي في المجتمع الروسي. وبرهن مسار الأحداث علي ذلك في 1917. وبالمثل أوضحت أحداث ما بين 1914 وحتى 1919 عدداً من القضايا الهامة: أي الحاجة إلي بناء سوفيتات أو مجالس عمالية بدلاً من الاعتماد علي تغيير المجتمع عبر البرلمان، وضرورة بناء أحزاب مستقلة للطبقة العاملة تقوم علي سلطة الطبقة العاملة، واستحالة الاستيلاء علي آلة الدولة الحالية وإدارتها. وفي تطويرهم لهذه النظريات اعتمد الاشتراكيون من أمثال لينين وتروتسكي ولوكسمبرج علي أفكار ماركس وإنجلز، ولكن كذلك كان عليهم تطبيق الخبرة الفعلية للحركة العمالية الصاعدة علي الأوضاع الجديدة.

 

أهمية البيان اليوم

من طبعة رخيصة من البيان نشرت في 1996 بيعت عشرات الآلاف النسخ. ومع نهاية 1997 ظهرت مقالات في مجلات شديدة التنوع، مثل مجلة نيو يوركر ومجلة مودرن تايمز، تمتدح أفكار ماركس. هناك جيل جديدة يبدأ في التطلع إلي ماركس مرة أخري غالبا ما يمون البيان الأول. إن ديمومة البيان تعود جزئياً إلي طبيعته الشاملة. فهو يقدم صورة واسعة عن التطور الرأسمالي وطبيعة البرجوازية والبروليتاريا. وقد استنتج من مؤشرات ما يحدث في منتصف القرن التاسع عشر نحو الحاضر نظرة محددة وواضحة للمستقبل، ولأنها أشارت علي اتجاهات في الرأسمالية، لازالت قادرة علي مساعدتنا في فهم نظام عالمي فيه تمتد أذر رأس المال في كل ركن في العالم، حيث يتم تدمير الطرق التقليدية في العمل بتأثير الإنتاج السلعي. إن انتشار رأس المال العالمي والثورة التكنولوجية جعلنا هذا التحليل أكثر أهمية بكثير. فالآن يشتري الناس فاكهة غريبة من كل أنحاء العالم بمجرد الذهاب إلي محلات سانزبيريز. وتأتي الملابس من الفلبين أو ماليزيا، والسلع الكهربائية من كوريا. وينتقل العمال المهاجرون في كل أنحاء العالم وأصبحت الاتصالات الدولية فورية. وأصبح ممكنا أن تبث الأحداث التي تجري في أي مكان في العالم علي شاشات التلفزيون عن طريق الأقمار الصناعية في وقت حدوثها. ولكن الانتشار العالمي لرأس المال لم يقدم الكثير من أجل التغلب علي مظالم الرأسمالية. بل أن الإنتاج الصناعي أو الحاصلات الزراعية، التي توجه لمحلات السوبر ماركت في البلاد الرأسمالية المتقدمة، غالبا ما يدمر وسائل الحياة بدلاً من زيادتها وتدعيمها. فيحرم ملايين البشر من مزايا الإنتاج العالمي، بينما لم تقترب وسائل الزراعة الحديثة من أجزاء كثيرة في العالم. وفي الصين تعمل مصانع النسيج بطريقة تشبه تلك التي وصفها إنجلز في مانشستر في أربعينيات القرن التاسع عشر. فالتطور المركب واللامتكافئ للرأسمالية يعكس قدرات الرأسمالية وقوتها، ولكنه يعكس كذلك جوانب ضعفها الأساسية. ففي مناطق كثيرة من العالم توجد العربات التي تجرها الثيران إلي جانب القطارات الحديثة، والاعتماد علي مياه الآبار إلي جانب التليفون المحمول.

في نفس الوقت، لا يخلو رأس المال العالمي من الأزمة، كما برهنت علي ذلك الأحداث الأخيرة في الشرق الأقصى. فقد ضربت أزمة فائض الإنتاج بلاداً مثل كوريا الجنوبية وإندونيسيا والصين، وأدت إلي خسارة وبؤس ملايين البشر ممن توقعوا عصراً جديداً مفترضاً من رأسمالية “بلا أزمات” تغدق عليهم. وفي كل مكان استغلت الطبقات الحاكمة مرحلة التوسع العالمي الأخيرة للهجوم علي العمال، وتخفيض الأجور وزيادة معدل الاستغلال بصفة عامة. وحتى في البلاد الفنية، يكتشف العمال أن حياتهم أصبحت أكثر بؤساً وأشد انحساراً. فمتكأ الرفاهية الذي تم إدخاله في هذه البلاد خلال فترة الانتعاش الطويل بعد الحرب يتعرض لهجوم متواصل، بما يترتب علي ذلك من نتائج أخري في استنزاف الأجر الاجتماعي، وأولئك الذين رأوا أن الرأسمالية يمكنها إصلاح وتحسين نفسها تدريجيا وببطء، برهنت الأحداث علي خطأ أفكارهم.

في نفس الوقت، تحققت تنبؤات البيان حول نمو الطبقة العاملة بصورة تجاوزت كل التوقعات. ففي كل أنحاء العالم أصبحت الطبقة العاملة، حفار قبر الرأسمالية، اكبر حجما وأعلي تنظيماً واشد قوة من أي وقت سابق. وعمال المكاتب، والممرضات، والمدرسون، وعمال البنوك جميعهم انضموا إلي عمال النقل وعمال البريد ليصبحوا جزءاً من الطبقة العاملة الجديدة. وشهدت بلاد مثل البرازيل وجنوب أفريقيا تطور أجيال جديدة من العمال أقوي كثيراً من أي عهد مضي.

كانت الفكرة الأساسية وراء البيان هي الدفاع عن فكرة ثورة الطبقة العاملة. بل أنه يذكر أن انهيار البرجوازية وانتصار البروليتاريا كلاهما حتمي بنفس الدرجة.(53) برهنت الأحداث اللاحقة عن خطأ هذه العبارة فقد ظلت الرأسمالية قائمة بعد ذلك مائة وخمسين عاماً ولم تستولي الطبقة العاملة بصورة دائمة وناجحة بعد علي السلطة – وحتى اكثر الثورات العمالية نجاحاً استمرت بالكاد عشر سنوات قبل صعود الستالينية. وكثير من الناقدين يفهمون هذه العبارة بأنها تعني أن ماركس وإنجلز أقاما نظريتهما المادية في الثورات علي أساس حتمية تاريخية. ورغم ذلك، نجد تفنيداً لهذه الفكرة في متن البيان الشيوعي نفسه، حين يري أن ليس هناك انتقال مضمون من نمط إنتاج معين إلي نمط آخر. فإما أن يستطيع المجتمع أن ينطلق للأمام أو أن إخفاق أحد الطرفين في تحقيق انتصار حاسم يمكن أن يؤدي إلي “الدمار المشترك للطبقات المتصارعة”(54). فلا يوجد قدر مسبق حول حدوث الثورة أو نجاحها: وعجلات التاريخ لا تتحرك بشكل أوتوماتيكي. إن التغيرات التاريخية تعتمد علي الصدام الموضوعي بين القوي الاجتماعية المختلفة ولكن أيضاً علي الأفعال الذاتية للرجال والنساء.

ومن خلال الخبرة التاريخية نستطيع أن ندرك أن دور الدولة الرأسمالية، ودور الأحزاب الإصلاحية في الطبقة العاملة، ورفض عدد من تلك الأحزاب المشاركة في عمل موحد ضد العدو الرأسمالي المشترك، كان لها جميعاً تأثير حاسم في أوقات معينة في انحراف أو هزيمة الهبات الثورية. إن الحاجة إلي التعلم من دروس التاريخ وفهمها، وإلي الانتظام حول استراتيجية وتكتيكات حزب عمالي ثوري مستقل كانت أحد التطويرات الهامة للماركسية الثورية والتي ساهم فيها لينين بشكل ملحوظة، بعد موت ماركس وإنجلز. غير أنه، في تطوير هذه الأفكار كان الأساس الذي قدمه البيان الشيوعي أساساً قيماً في توفير مقدمة فريدة للرؤية السياسية الماركسية ولنظرية الثورة. ويظل البيان واحداً من أعظم الكتب السياسية والذي لازال ملهماً لأجيال جديدة من الاشتراكية ولازال قادراً أن يلعب دوره كمرشد للعمل.

 

المراجع

  1. مقدمة إنجلز للطبقة الإنجليزية في 1888 ورد في كتاب هـ. دربير – “مغامرات البيان الشيوعي” (باركلى 1994).
  2. فريدريك إنجلز – “مبادئ الشيوعية” – الأعمال الكاملة (لندن 1976).
  3. المصدر السابق.
  4. انظر ه. دريبر – مصدر سبق ذكره.
  5. “البيان الشيوعي” – في هـ. دريبر – مصدر سبق ذكره.
  6. المصدر السابق.
  7. المصدر السابق.
  8. المصدر السابق.
  9. المصدر السابق.

10. المصدر السابق.

11. المصدر السابق.

12. المصدر السابق.

13. المصدر السابق.

14. المصدر السابق.

15. المصدر السابق.

16. المصدر السابق.

17. “من يحصل علي ماذا” – ج. ويسترجارد (كمبرديدج 1995).

18. “البيان الشيوعي” – في هـ. دريبر – مصدر سبق ذكره.

19. المصدر السابق .

20. المصدر السابق.

21. المصدر السابق.

22. المصدر السابق.

23. “نظرية الثورة عند كارل ماركس” – هـ. دريبر – الجزء الرابع (نيويورك 1990).

24. “البيان الشيوعي” – في هـ. دريبر، مصدر سبق ذكره.

25. المصدر السابق.

26. المصدر السابق.

27. وردت في كتاب “نظرية الثورة عند كارل ماركس” – هـ. دريبر – مصدر سبق ذكره.

28. “البيان الشيوعي” – في هـ. دريبر “المغامرات…” – مصدر سبق ذكره.

29. المصدر السابق.

30. المصدر السابق.

31. المصدر السابق.

32. المصدر السابق.

33. المصدر السابق.

34. المصدر السابق.

35. انظر ج سيجمان في كتاب “1848” (لندن 1970).

36. المصدر السابق.

37. انظر ه. دريبر “المغامرات” مصدر سبق ذكره.

38. “كارل ماركس” تأليف فرانز ميهرنج (هارفيستر 1981).

39. “ثورات 1848” لكارل ماركس (هارموذ روسورث1973).

40. انظر فرانز ميهرنج – مصدر سبق ذكره.

41. المصدر السابق.

42. “ثورات 1848” كارل ماركس – مصدر سبق ذكره.

43. ه. دريبر “المغامرات…” مصدر سبق ذكره.

44. المصدر السابق.

45. ف. إنجلز “مقدمة الطبعة الألمانية” – 1890.

46. هـ. دريبر “المغامرات …” مصدر سبق ذكره.

47. المصدر السابق.

48. لينين “الأعمال الكاملة”.

49. ماركس وإنجلز “الأعمال الكاملة” (لندن 1976).

50. كارل ماركس “الصراع الطبقي في فرنسا”.

51. كارل ماركس “ثورات 1848” مصدر سبق ذكره.

52. المصدر السابق.

53. هـ. دربير “المغامرات ” مصدر سابق.

54. المصدر السابق.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s