14 أكتوبر 2010

انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعات على الفيسبوك بأسماء مختلفة مثل (الحملة المصرية لإغلاق قنوات التطرف)، و(لتشرق شمس المرأة من جديد رغم انف الإخوان والسلفيين). تطالب “الحكومة المصرية ممثلة في وزير الإعلام ورئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون بالتوقف فورا عن بث قنوات (الناس، نسائم الرحمة، الحافظ)”، لأن “هذه القنوات تخالف القوانين المصرية والدولية التي تحظر الدعوة إلى الكراهية وجرائم الكراهية ضد أتباع الديانات الأخرى وانتهاك حقوق المرأة وحقوق الأقليات. هذه الكراهية التي تبث يجب أن تتوقف لأنها تهدد النسيج الاجتماعي والتعايش السلمي في مصر”.

العلمانية والتنوير وحرية الرأي

هكذا تعود العلمانية مرة أخرى في أبشع صورها: الاستقواء بجهاز الدولة القمعي لإنقاذ “المجتمع والوطن وقيم المواطنة والحريات ونبذ التفرقة والعنصرية”.. يالا صاعقة السماء. كما قال الفنان يوسف وهبي. فالدولة التي تعتقل المعارضين وتسحل النشطاء في المظاهرات، وتعتقل الأبرياء وتزج بهم في السجون ليلقوا أبشع صنوف التعذيب وامتهان إنسانيتهم؛ يطالبها هؤلاء التويريين اليوم بحماية حرية التعبير بيد من حديد: الغلق والمصادرة.

الحجج التي يسوقها هؤلاء أن هذه القنوات تبث “سموم” الرجعية والتخلف وتحض على الكراهية، لمواقفها المعادية من المرأة والأقباط وأصحاب الديانات الأخرى كالبهائيين والتوجهات الإسلامية المغايرة كالشيعة. ليس فقط بل تطلق أحكامها وفتواها لتحريم وتجريم كل الممارسات الحداثية، وتطالب برجوع المرأة للبيت وارتدائها النقاب، والحض على كراهية وسوء معاملة المختلفين دينيا والكف عن كل ما يخالف الشريعة الإسلامية بالعودة إلى حكم الله وسنة رسوله. الأهم هو أن هذه الأفكار ستؤدي حتما إلى العنف والإرهاب كطريق لإصلاح المجتمع الكافر وتطبيق الأحكام الإلهية.

كل هذه الاتهامات صحيحة تماما إذا تعاملنا مع هؤلاء بصفتهم ليسوا مجرد عنصريين ومعادين للتحرر، ولكن بوصفهم يتبنون منظورا للتغيير معادي للجماهير لا يهتم بقضاياها الأساسية ولا يضع حلولا عملية لها، وإذا وصلنا إلى أن المعركة ضدهم ليست على صفحات الإنترنت وبالتأكيد ليست في استدعاء أجهزة الدولة القمعية، ولكن في كسب الجماهير لرؤية مختلفة عن التغيير تصبح هي بنفسها صانعته ويؤدي لمصلحتها عبر معارك نضالية ضد كل أعداءهم على حد سواء.

اليسار المصري والحركة الإسلامية والدولة

دعونا نعود للخلف قليلا لنبحث عن جذور الموقف من هذه المسألة ونفهم أصل الرؤية التي يتبناها هؤلاء المطالبون بغلق تلك القنوات.

بدأت هذه النغمة النشاز في صم آذاننا بعد حادث تفجير مقهى وادي النيل في 26 فبراير 1993. التف وقتها جمع من فلول المثقفين واليسار حول الدولة وأصدروا سلسلة كتيبات رخيصة الثمن تحت عنوان (المواجهة) لتعيد لنا طه حسين وعلي عبد الرازق وسلامي موسى كمدافعين عن قيم العلمانية والتنوير، ولكن هذه المرة بسلاح الدولة التي تمارس القمع والاضطهاد ليل نهار. هكذا كان الخيار لدى بعض المثقفين وقطاعات من اليسار المصري على رأسها حزب التجمع ومنظره اللوذعي رفعت السعيد: الحركة الإسلامية المسلحة ظلامية ورجعية ويجب التصدي لها بنفس القوة، ولآننا (اليسار والمثقفين) بدون قوة (تذكر) فالحرب يجب أن تكون باستخدام سلاح الدولة، وهكذا ارتمى اليسار في حضن الدولة ليس من باب الدفاع عن قيم الحرية والعلمانية، ولكن كتعبير عن إفلاسه وابتعاده عن الجماهير وقضاياها، وتنكيس راية النضال. ظهر ذلك بشكل واضح بعد سنوات قليلة في الموقف من معركة طرد الفلاحين من أراضيهم والذي كلل تاريخ هذا اليسار بالعار برفضه نضالات الفلاحين والاكتفاء بلعب دور الراقص على الحبال. وانتهى الأمر بتعيين مبارك لرفعت السعيد بمجلس الشورى كمكافأة تليق به وبحجمه الحقيقي والدور الذي لعبه في خدمة النظام وتحويل الحزب وجريدته لبوق في مواجهة الحركة الإسلامية وللتنازل على دفعات عن أي شيء يربطه باليسار والجماهير.

انقسم اليسار المصري في التفاعل مع الحركة الإسلامية الراديكالية إلى ثلاث رؤى: الأولى لم تكن ذات شأن في تأثيرها والتي اعتبرتها حركة تحرر وطني في مواجهة الدولة البوليسية (استعمار الداخل) وبالتالي يجب دعمها. والثانية كانت الرؤية سالفة الذكر التي اعتبرتها حركة فاشية وبالتالي يجب محاربتها، ولكن لأن تراث اليسار المصري في علاقته بمفاهيم عديدة للإرث الماركسي الثوري ومنها الجبهة المتحدة لمحاربة الفاشية لا يمت لها بأي صلة، فقد اختار السعيد وآخرون طريق التحريف التاريخي. فصعود الفاشية في الثلاثينيات كان بهدف الدفاع عن الدولة والطبقة الحاكمة من قبل طبقات وسطى مرعوبة من انتصار ثورة عمالية، وبالتالي كان هدفها تحطيم منظمات وقوى العمال بدعم من الدولة. حالية الحركة الإسلامية لا ينطبق عليها هذا الوضع، ليس فقط لأنها معادية للدولة بل -وهو الأهم- أنها لم تفكر البتة في قصة الطبقة العاملة ومعاداتها التي لم تكن في وضع يهدد النظام بشيء. لقد استعار هذا اليسار مفهوم الفاشية ليبرر فقط تحالفه الحقير مع الدولة لا أكثر.

أما وجهة النظر الثالثة فرأت هذه الحركة في سياقها الاجتماعي كتعبير عن برجوازية صغيرة مأزومة تبحث عن مشروع لها في ظل هيمنة الإمبريالية والديكتاتوريات في بلدانهم في ظل فشل اليسار على أن يكون الفصيل المناضل الذي يكسب ويعبئ ويحشد الجماهير لرؤية مختلفة للتغيير تحل مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية، وتحل إشكاليات ألقت بها أفكار ومشاريع قومية ودينية في وجه الناس بلا حلول كالحضارة والثقافة والآخر والتغريب. هكذا يمكن فهم مشروع الحركة الإسلامية الراديكالية كرافد جديد رافض لهيمنة الإمبريالية وبطش الديكتاتورية ولكن في رداء ديني من عصور سحيقة وبحلول وهمية لا تمت لجوهر مشكلات الجماهير بصلة.

ولكن ما الموقف من هذه الحركة بعد تحليل أصلها الطبقي ونقد طرحها السياسي، الموقف باختصار هو تأييدها عندما تصبح في وضع المقاومة.. توجه رصاصها لصدر الإمبريالية والصهيونية والأنظمة الحاكمة، ونقدها ومحاربتها عندما تستعيض عن هذه الحرب بقتل الأبرياء واحتقار الجماهير ودورها في التغيير والدعوة إلى إضعاف حركتهم بنشر أفكار تؤدي إلى اضطهاد الأقباط والمرأة والأقليات.

ولكن الفارق هنا أن الحرب التي يجب أن نخوضها ضد هؤلاء بوصفهم معاديين للجماهير يجب أن تدار في أوساط العمال والفلاحين والصيادين وفي قلب الاحتجاجات الاجتماعية الرافضة للاستغلال والإفقار، هنا فقط تبدأ محاربة هذه الميول العنصرية والمفتتة لوحدة الجماهير في مقابل مستغليهم ومغيبي وعيهم على حد سواء.

الإسلاميون ليسوا في سلة واحدة

بناء على هذه الرؤية لا يمكن أن نضع كل أصحاب الأفكار الإسلامية في سلة واحدة كما يفعل اليسار المتحلق حول الدولة والمتحدث بأيديولوجيتها المعادية الجماهير والمتحالفة مع الإمبريالية ومشاريعها الاستعمارية. فهؤلاء اليساريون يرون في المقاومة الإسلامية المعادية لإسرائيل رجعية، فأين تصب هذه الرؤية يا ترى؟ بالتأكيد في جانب الأعداء فوصف حركة حماس وحزب الله بالرجعيين والإرهابيين يعني ببساطة أننا مع اعتداءات العصابات الصهيونية عليهم وقتلهم في مجازر وحشية.

لا بد من أن نفرق بين أناس يحملون أفكارا رجعية في مشاريعهم السياسية ويعادون الجماهير ويحتقرونهم وبين آخرون يقاومون ويضحون بأنفسهم من أجل حريتهم واستقلالهم. الأهم من ذلك أن الرجعية في أوساط الجماهير والحركات السياسية مواجهتها ليست بالاستقواء بالأعداء ولكن بكسب الأرض بالنضال من تحتها في اتجاه مشاريع أخرى تنبع تقدميتها من انتصار الجماهير لنفسها. أما عن الأكثر أهمية أن الرجعية الحقيقة هي التي تمارس في استغلال الملايين وقتل البشر بمجاعات وحروب تديرها الرأسمالية العالمية لتزيد من أرباحها على جثث من لهم الحق وحدهم في الحياة.

الحريات والصراع الطبقي

أصحاب الدعوة بغلق القنوات السلفية يستغيثون بالدولة ويطالبونها بحماية المجتمع من هذه السموم. حسنا! منذ متى والدولة تحمي حرية الرأي والتعبير؟ ومنذ متى لا تضطهد الدولة الأقباط وتحتقر المرأة؟ وهل مقتل خمسة من أهالي كفر الدوار في انتفاضة مدينتهم العمالية في إضراب عمال النسيج 1994، ومثلهم في انتفاضة عمال وأهالي المحلة في 6 ابريل 2008، وآخرون في انتخابات مجلس الشعب 2005 وعشرات من التعذيب الوحشي في مقار أمن الدولة والداخلية، ليس قمعا وإخراسا لصوت كل معارض لسياسات الدولة الرأسمالية واعتداء على حقه في الحياة؟ وهل حق العمال المنهوب في نقابات مستقلة عن اتحاد العمال الأصفر الذي تديره الدولة، وحق تكوين الأحزاب والجمعيات والمنظمات، والتظاهر والإضراب والاعتصام وإصدار الصحف وانتخابات حرة ونزيهة، أليست هذه حقوق للتعبير عن الرأي بحرية تسلبه الدولة التي تناشدونها بغلق هذه القنوات؟ وهل ما تمارسه الدولة من اضطهاد منظم للأقباط في الوظائف وحرية الاعتقاد والمساواة كمواطنين عاديين سيتم تجاوزه عندما تقيموا حلفكم المقدس مع رجال مبارك القائمين على خنق الإعلام وتكبيله؟ وهل حقوق المرأة تحميها دولتكم العادلة عندما يضرب الضابط طالبة الزقازيق بالشلوت ويمنعها من دخول الجامعة، أم كانت تراعيها عندما انطلقت قاذورات الداخلية وبلطجيتها في التحرش وهتك أعراض المتظاهرات في يوم الاستفتاء الأسود 25 أبريل 2005، أم في تشغيل النساء في أعمال هامشية وحقيرة بأجور متدنية؟

أصحاب الدعوة، ماذا سيكون موقفكم لو أقدمت الدولة على غلق صحف أو مواقع الكترونية أو قنوات معارضة أو مدونات لنشطاء أو مواقع التفاعل الاجتماعي كتويتر وفيسبوك؟ بمن ستستقوون على الدولة وقتها؟!

صحيح أننا يجب أن نحارب العنصرية والاحتقار لأي إنسان ولأي أسباب كانت بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو اللون، ولكن الأسئلة الجوهرية يجب أن تكون على النحو التالي: أين ستتم هذه الحرب، ومن سيقودها، ومن ينبغي أن يحصد ثمار الانتصار؟ الإجابة إن الحرب ضد أصل الشرور (الدولة الرأسمالية) ستتم في صراع طبقي طويل وهو المعركة الوحيدة الممكنة والصحيحة، فالدولة هي المؤجج لهذه الصراعات وهي من تمارس الدعاية الرجعية وهي المستفيد الأول من شيوع مثل هذه الأفكار وسط الجماهير لأنها ببساطة تضعف من وحدتهم وقدرتهم على النضال في مواجهتها، وهي التي عندما ترى فيها خطرا عليها، أو تريد أن تبدو في مظهر التقدمي المحارب للرجعية، تهم بإعلان الحرب وتصادر عليها. وبالتالي لا يمكننا النظر لغير الجماهير في قيادة هذه المعركة. صحيح أن مثل هذه الأفكار ذائعة الصيت ولها تأثير كبير في أوساطهم، ولكن في الحقيقة كما قال ماركس أن الناس تغير أفكارها في قلب الصراع وفي خضم معاركه وليس من خلال توجيههم للأفكار الصحيحة مهما كان بريقها وصحتها.

فلنضرب مثلا قريبا باعتصام موظفي الضرائب العقارية في 2007 والذي توج بانتصارهم وتأسيس أول نقابة عمالية مستقلة منذ أكثر من 50 عاما. لقد دارت حوارات حول الموقف من الزملاء الأقباط والزميلات الإناث الموجودين معهم كتفا بكتف في قلب الحركة لم تسفر بالتأكيد عن إسقاط الطائفية والاضطهاد للأبد أو حتى في هذه الحركة، ولكن ما كان ينظر له في الماضي من مواقف على أنها ثوابت ومرجعية للنظر للمختلفين دينيا أو جنسيا أصبح بطريقة أو بأخرى محل نقاش بين الجميع وتشكيك بين أقلية نشطة وقيادية وفي حالات أقل بين قيادي الحركة تراثا غابرا. فالموظفين المتحدين على أرصفة شارع حسين حجازي لم يجدوا أي غضاضة أثناء احتجاجهم في أن تبيت معهم على الرصيف زميلاتهم الموظفات، بل أن أزواجهن أنفسهم كانوا يشدون على أيديهم ويذهبون بأطفالهم لهن لرؤيتهم ويلعبون بدلا منهن أدوارا كانوا يرونها من صميم عمل المرأة/الزوجة فقط. أيضا رفعت الرايات موحدة حول المطالب بصرف النظر عن أن الأيدي التي ترفعها تحمل صليبا أم ترتفع بتكبيرة أثناء الصلوات الخمس.

لم تنته العنصرية في إضراب العقارية ولن تنته في أي إضراب آخر، ولكن الناس تتعلم وتغير أفكارها من واقع خبراتها الجماعية بصرف النظر عن أي اختلافات بينهما، ولا يحدث ذلك إلا في قلب المواجهات مع أعداءها المتحدين أيضا رجالا ونساء، أقباطا ومسلمين. وحين تنتصر هذه الجماهير سوف تحصد ثمار اتحادها أكثر فأكثر لأنهم سيكتشفون أن ما كان يفرقهم ليس دينهم أو جنسهم بل عدو مستفيد بكل الأشكال من فرقتهم ليبقى هوا جاثما على صدورهم يتحكم في السلطة ويجني الثروة من عرقهم وفي أحيان ليست قليلة من دمائهم.

تعليقات
  1. يعيش الللادينيين والعلمانيين وهم التحضر وادعاء العلم وهم كلامهم اجترار أفكار أسيادهم الغربيين أو الشرقيين ويعملون لأجندات تدفع لهم وتمولهم ابتغاء هدم القيم والمجتمعات وكان هذا الوهم له تاريخ وجذور في تاريخ الاستخراب العالمي الذي ساد في العالم العربي والإسلامي في فترات الانهزام والتشرذم والضعف شبيهة بحال اليوم حينما انهزم المسلمين أمام الغرائز الحيوانية فصاروا يقلدون شذاذ الأفاق والمنثلين والبغاة والأفاقين ومدعي الحضارة وظهر منهم فئآت يسموا انفسهم بمسميات بعيدة عن مراميهم وأهدافهم وتناقض وتجافي حقيقتهم مثل العلمانية واللبرالية أو العلمانيين واللبراليين الجدد وهم الذين يرفضون أي سلوك متحضر وأي فكر مستنير ويرفضون الارتقاء بالإنسان إلى مستواه الحقيقي الذي ارتضاه له خالقه ورغبوا في الرذيلة والنفاق والرياء وسوء الأخلاق وعبادة المادة والعمل لأجندات خارجية لاتخفى على أحد وظنوا أنهم بفجورهم هذا سيطفئون نور الله بأفواههم لكنهم واهمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وننصحهم بأن يحافظوا على استقرار البلاد ومنع البلبلة وإثارة الفتن والنعرات الجاهلية فكل مايفعلون هراء لاطائل من ورائه ولن يفلحوا إذا ابدا وأرجو النشر ان كان عندكم رأي آخر تستمعون اليه.

    إعجاب

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s