جرامشي ضد الإصلاحية PDF
جرامشي ضد الإصلاحية Word
1999

أثناء حياة الثوريين العظماء، تعقبتهم الطبقات المضطهدة بدون توقف، استقبلت نظرياتهم بالتحقير الوحشي، وبالكره العنيف وبأبشع حملات الأكاذيب والتشهير.. بعد موتهم تحاول تلك الطبقات أن تحولهم إلى أيقونات غير ضارة لتضحيل أسمائهم بينما تفرغ – في الوقت ذاته – نظريتهم السياسية من مضمونها أن تنعم سنها الثوري وأن تفججها.. وتلتقي البرجوازية مع الانتهازيين داخل الحركة العمالية في هذه العملية يحذفون أو يشوهون أو يشوشون على الجانب الثوري في النظرية، روحها الثورية إنهم يظهرون ويركزون على ما هو أو ما يبدو مقبولا للبرجوازية.

لينين: الدولة والثورة

توفى أنطونيو جرامشي منذ أكثر من ستين عاما في السابع والعشرين من أبريل 1937 نتيجة لسنوات طويلة من سوء المعاملة في سجون موسولينى، ولكن بشكل ما عانى أكثر منذ وفاته بسبب التحريف الذي حدث لأفكاره على يد هؤلاء الذين لا علاقة لهم بمبادئه الاشتراكية الثورية.

عمل جرامشى كثوري محترف منذ 1916 وحتى وفاته. بقى طوال هذه الفترة مصمما على تحويل المجتمع ثوريا من خلال الإطاحة بالدولة الرأسمالية. كان هذا هو سبب وجوده أثناء عمله كصحفي في العديد من الجرائد الاشتراكية في مقدمة الذين طالبوا الحزب الاشتراكي بعمل ثوري في النضال ضد الرأسمالية والحرب بين (1916-1918). كان هذا هو سبب توجهه إلى قلب حركة لجان المصانع في تورينو عامي 1919، 1920. كان هذا أيضا هو الذي أدى إلى المشاركة في الانشقاق عن الحزب الاشتراكي الإصلاحي وتأسيس حزب شيوعي ثوري، هذا ما دفعه لتولى مسئولية هذا الحزب بين 1924-1926، وأخيرا كان هذا هو سبب دخوله سجون موسولينى، التي حاول فيها من خلال مذكراته (مذكرات السجن) الشهيرة أن يطور أفكاره الخاصة عن المجتمع الإيطالي، عن استراتيجية وتكتيك الصراع من أجل السلطة السياسية عن بناء الحزب الثوري وعن الصحافة الثورية، كان يأمل أن تساعد هذه المذكرات الآخرين الذين يشاركونه نفس الهدف الثوري، إلا أن كتاباته قد سطا عليها هؤلاء الذين يريدون تحويل الماركسية إلى مجال دراسة أكاديمي، غير ثوري، أصبح هذا ممكن بادئ ذي بدء بسبب التحريف المنظم لأفكار جرامشى على يد الحزب الشيوعي الإيطالي.

فترة التحريف الأولى

بدأت فترة التحريف الأولى بعد وفاة جرامشى مباشرة، ففي غضون أسابيع كانت مذكرات السجن قد وقعت في يد الزعيم الستالينى للحزب الشيوعي الإيطالي “بالميرو تولياتى” والذي تركها دون نشر لمدة عشر سنوات.

عندما بدأت المذكرات أخيرا في الظهور عام1947 كانت بشكل مقطع ومشوه، وقد أوضح سلفاتور سبش الأشكال التي أخذها تقطيع وتشويه خطابات جرامشى من السجن:

*حذف الإشارات للعديد من الماركسيين – بورديجا، تروتسكى، وحتى روزا لكسمبورج – الذين كان تولياني يصفهم كفاشيين في ذلك الوقت.

*إخفاء حقيقة قطع جرامشى مع الخط السياسي للحزب الشيوعي الإيطالي منذ 1931.

*وصف حياة جرامشى الخاصة أنها قامت على أساس مثالي، وهم يجعل الناس يؤمنون بالوفاء الشيوعي بوحدة العائلة ، واستخدم هذا كأداة في سياسة التعاون مع القوى اليمينية والتي انتهجها الحزب الشيوعي في فترة ما بعد الحرب.

*مداراة حقيقة محاولات جرامشى المتكررة للحصول على كتب تعرفه بفكر تروتسكى بعد نفيه من روسيا عام 1929.

استهدفت هذه التحريفات تقديم جرامشى كمناضل ستالينى مخلص مثالي. ليصبح جرامشى هكذا سلاحا مفيدا للغاية لأيديولوجية لم تكن تلهم أي مفكرين اجتماعيين يذكروا، سلاح يستخدم في إصهار المثقفين الإيطاليين بالتراث النظري “الغنى” الذي يتمتع به الحزب الشيوعي الإيطالي وللتغطية على الفقر الفكري الذي كان الكرملين وأتباعه يعانون منه، سلاح يستخدم أيضا ضد اليسار، لإظهار أن الحزب الشيوعي الإيطالي الذي كان يحكم إيطاليا بالاشتراك مع الديمقراطيين المسيحيين بعد عام 1945 كان هو نفس الحزب الذي انفصل عن الجناح الإصلاحي في الحزب الاشتراكي عام 1921.

كان تقطيع وتشويه فكر جرامشى ضروريا، لأن حقيقة واقع جرامشى لم تكن لتتلاءم والخرافات الستالينية، لقد كان خطابه الأخير قبل دخوله السجن عبارة عن احتجاج مقدم لتولياتى عن المعاملة البيروقراطية التي تعامل بها ستالين مع المعارضة اليسارية وقد مزق تولياتى هذا الخطاب.

في 1931 قام شقيق جرامشى بزيارته في السجن، وقد أبلغه جرامشى برفضه لسياسة (الفترة الثالثة) الستالينية المتطرفة اليسارية التي كان تولياتى ينفذها. (كان تولياتى قد طرد ثلاثة من أعضاء اللجنة المركزية لمعارضتهم لهذه السياسة، وتحت الاسم المستعار “أركول” كان تولياتى في مقدمة المدافعين عن هذا الخطأ السياسي ضد انتقادات تروتسكى). ولخوفه الشديد على أخيه لم ينقل شقيق جرامشى هذه الأخبار لتولياتى، فقد كان يعرف أن هذا سيعنى تخلى الحزب عن الدفاع عن أخيه ضد سجانيه الفاشيين، تخلى جرامشى عن محاولاته لفتح حوارات مع السجناء الشيوعيين الآخرين لأن بعضهم ممن كانوا يرددون كالببغاوات المخلصة كلام تولياتى أدانوا جرامشى على أنه “اشتراكي – ديمقراطي” (كان النهج الستالينى في ذلك الوقت يمنع التعاون مع الإصلاحيين على أساس أنهم اشتراكيون فاشيون)، وفى أحد آخر تصريحات جرامشى السياسية لأصدقائه قبل وفاته عبر عن عدم تصديقه للأدلة التي قدمت ضد زينوفييف في محاكمات موسكو. كان تولياتى، بالطبع، في موسكو يصفق لهذه المحاكمات. حاول تولياتى، بعد وفاة جرامشى، أن يقدم نفسه كصديق عمره السياسي. ولكن، ورغم أنهم عملوا سويا بشكل مقرب في أعوام 1919 – 1920 و1925 – 1926، إلا أنهم كانوا عادة مختلفين بشدة حول مسائل الإستراتيجية والتكتيك الثوري أثناء تلك الفترات. ولم تكن هناك أي اتصالات بالمرة بينهما بعد سجن جرامشى عام 1926.

فترة تحريف “الشيوعية الأوروبية”

في نهاية الأمر، وعلى الرغم من كل هذا، كان تولياتى هو الذي سمح بظهور حقيقة التحريفات السابقة عندما سمح بنشر خطابات ومذكرات جرامشى بدون حذف أو رقابة كان أحد أسباب ذلك هو اضطرار تولياتى لفعل هذا بعد أن بدأ بعض الشيوعيين القدامى في الحديث عن أفكار جرامشى الحقيقية. سبب آخر كان أنه مع مرور الوقت أصبح جرامشى شخص بعيد وأقل خطورة. لكن، فوق كل هذا كان الهدف الرئيسي هو تدشين فترة جديدة من تشويه أفكار جرامشى.

كان الحزب الشيوعي الإيطالي قد اتخذ الخطوات الأولى في عملية انفصال الأحزاب الشيوعية الغربية عن موسكو، تلك الأحزاب التي ستسمى بعد ذلك “الشيوعية الأوروبية”.

كان الحزب الشيوعي الإيطالي قد أخذ الخطوات الأولى في عملية انفصال الأحزاب الشيوعية الغربية عن موسكو منذ بداية الستينات، كانت قيادته تحاول العودة للحكومة البرجوازية الإيطالية التي طردوا منها عام 1947، ولتحقيق هذا الهدف حاولت تلك القيادة أن تثبت للأحزاب البرجوازية أنها لم تعد تابعة للكرملين. كان تولياتى أحد أهم شركاء ستالين في الثلاثينات وأصبح بعد 1956 أحد أعنف منتقديه.

أدى هذا التحول في النهج إلى صراعات مريرة مع المدافعين عن ستالين على المستوى العالمي ومع الستالينيين المخلصين بداخل الحزب الشيوعي الإيطالي ذاته. كانت المعركة تجرى على جبهتين- أولا، لتأكيد استقلال الحزب عن ورثة ستالين في الكرملين وثانيا، لإثبات أن انضمام الحزب الشيوعي الإيطالي إلى الحكومة لن يعنى تغير جذري في جهاز الدولة. أصبح نقد جرامشى لستالين، والذي كان خاضعا للرقابة في الماضي، سلاحا مهما على الجبهة الأخرى، وأصبح تشويه أفكار جرامشى عن الدولة سلاحا مفيدا على الجبهة الثانية.

أصبح جرامشى قديسا للشيوعية الأوروبية، وحرفت أفكاره لتبرير التوفيق التاريخي الذي تم بين الحزب الشيوعي الإيطالي، وبين الديمقراطيين المسيحيين (المحافظين الإيطاليين).

ولكن سرعان ما انطفأ نجم الشيوعية الأوربية، إلا أن ادعاءاتها عن جرامشى بقيت، وانتشرت عن طريق دوريات مثل “الماركسية اليوم” وسيل لا ينتهي من الكتب الأكاديمية وأكثر فأكثر كجزء من الفكر العام لمثقفي يسار الأحزاب الإصلاحية الأوروبية.

ولكن، وعلى الرغم من كل هذه الادعاءات، لا يوجد مفكرون ماركسيون تبعد روحهم عن الإصلاحية مثلما تبعد روح جرامشى عنها، فقد بنيت أفكاره على مفاهيم يصنفها إصلاحيو اليوم على أنها “انتفاضوية”، “عمالوية”، “عفوية”، “قواعدية”.

الانتفاضوية

منذ دخوله الحركة الاشتراكية وجرامشى يكن احتقارا مريرا للبرلمانيين، ففي 1918  قال جرامشى، في عبارات يمكن أن تنطبق على إيطاليا اليوم:

إن الانحطاط السياسي الذي يؤدى إليه التعاون الطبقي سببه الاتساع لحزب برجوازي لا يرضيه مجرد الالتصاق بالدولة بل يستخدم أيضا الحزب المعادى للدولة (الحزب الاشتراكي).

لقد ركز جرامشى على مسألة بناء لجان المصانع في 1919 بسبب اقتناعه بأن الوسيلة الوحيدة أمام الطبقة العاملة لتحقيق ثورتها هي من خلال مؤسسات جديدة، غير برلمانية.

لقد قبل البرلمانيون ببساطة الواقع التاريخي الناتج عن المبادرة الرأسمالية، إنهم يؤمنون بديمومة وجوهرية مؤسسات الدولة الديمقراطية، وفى نظرهم يمكن تصحيح أشكال هذه المؤسسات الديمقراطية، يمكن تحسينها هنا أو هناك، ولكن، في الأساس، يجب احترامها، أما نحن فما زلنا مقتنعين بأن الدولة الاشتراكية لا يمكن أن تتجسد في مؤسسات الدولة الرأسمالية، لابد للدولة الاشتراكية أن تكون إبداعا جديدا جوهريا.

وإزاء عداء جرامشى للإصلاحية في السنوات التي تلت، لم يكن هذا العداء موجها فقط ضد الجناح اليميني من الاشتراكيين الديمقراطيين الملتفين حول تولياتى، بل أيضا ضد أقصى يسار الاشتراكيين الديمقراطيين تحت قيادة سيراتى – والمسمين بالمتطرفين القصويين – كان هؤلاء الإصلاحيين قد وقفوا جانبا وسمحوا بانعزال وهزيمة عمال تورين في إضراب1920 العظيم، ثم رفضوا تقديم قيادة ثورية في النضال المتصاعد الذي أدى في سبتمبر 1920 لاحتلال عمال المصانع في جميع أنحاء شمال إيطاليا، أدت هذه الخيانات بجرامشى إلى الانضمام للمنفصلين عن الحزب الاشتراكي وتكوين الحزب الشيوعي الإيطالي في سنة 1921.

لم يكن عداء جرامشى لليمين ويسار الإصلاحية نتيجة “عدم نضج سياسي” تخطاه جرامشى فيما بعد كما يتوهم الكثير من محللي حياة جرامشى المعاصرين، فقد شدد جرامشى على هذه المسألة في الأطروحات التي قدمها للحزب الشيوعي الإيطالي في ليون1926 وكانت آخر مجهود ضخم له في الحزب قبل اعتقاله.

تعتبر أطروحات ليون، أنضج كتابات جرامشى التي تم نشرها، كتبها في الأساس ضد مجموعة بورديجا المتطرفة – اليسارية والتي كانت حتى ذلك الوقت تسيطر على الحزب. كانت نقطة الخلاف الأساسية في إصرار جرامشى على كشف وفضح القيادات الإصلاحية من خلال طرح جبهات متحدة معهم في مسائل محددة، ولكنه كان في نفس الوقت يصر على أنه رغم أن الاشتراكية الديمقراطية تحافظ بدرجة كبيرة من أساسها الاجتماعي في البروليتاريا، إلا أنه بسبب ما تؤديه من مهام أيديولوجية وسياسية يجب اعتبارها الجناح اليساري للبرجوازية وليس الجناح اليميني للحركة العمالية ومن ثم يجب كشفها في أعين الجماهير.

يعتبر هذا التعريف شبيه جدا بتعريف لينين للأحزاب الإصلاحية كأحزاب “عمالية برجوازية” وليس من المستغرب أنه رغم أن “أطروحات ليون” هي من أفضل تحليلات جرامشى، فهي كانت من أواخر الأعمال التي تم السماح بنشرها.

تماشى عداء جرامشى للإصلاحية مع فهمه العميق لضرورة الانتفاضة المسلحة، تقول “أطروحات ليون”:

كانت هزيمة البروليتاريا الثورية في الفترة الحاسمة 1919-1920 نتيجة لقصور سياسي وتكتيكي وتنظيمي وإستراتيجي عانى منه الحزب العمالي، وكنتيجة لهذا القصور لم تنجح البروليتاريا في وضع نفسها على رأس انتفاضة الغالبية العظمى من الشعب وتوجيهها نحو خلق دولة عمالية، بدلا من ذلك وقعت هي نفسها تحت نفوذ طبقات اجتماعية أخرى شكلت نشاطها.

العمالوية

أعتبر جرامشى أن مفتاح الصراع من أجل السلطة هو الطبقة العاملة، جسد ولحم العمال الكادحين في مصانع تورين وليس العمال الأسطوريين المؤهلين طبقا للنظرة الستالينية أو الماوية. كتب جرامشى في 1919 “إن التمركز الرأسمالي ينتج تمركز موازى للجماهير الإنسانية العاملة- من هنا تبدأ كل الأطروحات الثورية الماركسية”.

كان هذا التشديد على الدور الرئيسي للطبقة العاملة سبب اشتراك جرامشى في حركة اللجان العمالية في تورين 1919و1920، نجد أن التشديد أيضاً في أطروحات ليون:

لا بد أن يبنى التنظيم الحزبي على أساس الإنتاج، أي على أساس خلايا في مكان العمل يعتبر هذا المبدأ ضروريا لخلق حزب بلشفي، إنه يعتمد على ضرورة أن يكون الحزب مجهزا لقيادة الحركة الجماهيرية للطبقة العاملة والتي تتوحد بشكل طبيعي من خلال التطور الرأسمالي على أساس عملية الإنتاج ومن خلال تمديد الأساس التنظيمي في مكان الإنتاج يكون الحزب قد اختار الطبقة التي يؤسس نفسه عليها، ويعلن أنه حزب طبقي وحزب طبقة واحدة: الطبقة العاملة، إن كل الاعتراضات  على المبدأ الذي يؤسس التنظيم الحزبي على مكان الإنتاج هي نتيجة مفاهيم طبقات غريبة عن البروليتاريا… إن تلك الاعتراضات تعبر عن الروح المعادية للبروليتاريا لدى مثقفي البرجوازية الصغيرة الذين يؤمنون بأنهم ملح الأرض وأن العمال ما هم إلا وسائل مادية للتغيير الاجتماعي وليسوا الفاعلين الواعين والمدركين في الثورة….

لابد أن يضم الحزب مثقفين وفلاحين، ولكن من الضروري أن نرفض بشكل قاطع وكمفاهيم مضادة للثورة تلك التي تجعل من الحزب توليفة من العناصر المختلفة بدلا من الإصرار وبدون أي تنازلات من هذه النوعية، على أن الحزب هو جزء من البروليتاريا وأنه يجب على البروليتاريا أن تلونه بطابعها التنظيمي الخاص… لابد أن يضمن للبروليتاريا الدور القيادي داخل الحزب ذاته.

والسبب بسيط –  فالطبقة العاملة هي القوة الثورية الحاسمة.

لم ينكر جرامشى أبدا الأهمية الحيوية لكسب العمال الزراعيين والفلاحين للثورة.. كان يرى منفعة كبيرة للطبقة العاملة في كسب قطاعات من الطبقة الوسطى، إلا أنه بالنسبة له كان هذا يعنى أن تقود لا أن تخبئ أهدافها الاشتراكية، وعلى الثوريين أن يكونوا مستعدين لأن يناضلوا بجانب غير الثوريين حول شعارات بعيدة كل البعد عن الاشتراكية، مثل مطلب جمعية تأسيسية أكثر ديمقراطية، ولكن لابد أن يكون واضحا أنه:

ليس هناك إمكانية لثورة في إيطاليا غير الثورة الاشتراكية، إن الطبقة الوحيدة في البلاد الرأسمالية القادرة على تحقيق تحول اجتماعي حقيقي وعميق، هي الطبقة العاملة، على هذا الأساس ظل جرامشى، وحتى بعد انفصاله عن بورديجا وسياسته اليسارية المتطرفة، معاديا بشدة للتيار اليميني في الحزب الشيوعي والذي قاده تاسكا.

كان جرامشى مصرا على أنه من التشاؤم والتحريفية الاعتقاد بأنه:

بما أن البروليتاريا لن تستطيع الإطاحة بالنظام قريبا فإن التكتيك الأفضل هو سلبية الطليعة الثورية وعدم تدخل الحزب الشيوعي في الصراع الرئيسي المباشر وبالتالي السماح للبرجوازية باستخدام البروليتاريا كقوة انتخابية ضد الفاشية، هذا إن لم يكن حلف برجوازي – بروليتارى من أجل التخلص دستوريا من الفاشية.

وتعبر عن هذا البرنامج المعادلة التي تقول أنه يجب على الحزب الشيوعي أن يكون الجناح اليساري لكل القوى المعارضة الراغبة في إسقاط النظام الفاشي.

قال جرامشى أنه على الحزب الشيوعي أن يطرح بعض الشعارات الديمقراطية التي تطرحها أيضا الأحزاب البرجوازية المعارضة ويكون هذا من أجل فضح هذه الأحزاب من خلال اختبار الأفعال، أمام الجماهير فتفقد تأثيرها عليه، ما من شك أنه إذا كان جرامشى حيا اليوم لسن معجبيه الحاليين في الحزب الشيوعي الإيطالي وأحزاب الشيوعية الأوروبية لعدم تفهمه للحاجة “لتحالف ديمقراطي واسع” “لكل القوى المناهضة للاحتكارية”.

العفوية

إن أكثر المجالات تطورا في فكر جرامشى يتعلق بالنضال من أجل وعى ثوري للطبقة العاملة. يبدأ جرامشى بالإصرار على عدم إمكانية تدريب الطبقة العاملة بشكل ميكانيكي على النضال، مثل الجيش. فالنظام وانضباط الطبقة العاملة يعتمدان على وعيها. والوعي بدوره ينمو في علاقة مباشرة مع التجربة العملية للنضال. تطورت أفكار جرامشى في هذه المسألة من خلال سجاله ضد التيارات الثلاث الأخرى في اليسار الإيطالي في العام التالي للحرب العالمية الأولى.

قاد أكبر تلك التيارات سيراتى وكان يرى أن الحزب الاشتراكي هو التجسيد للوعي الشيوعي – ديكتاتورية البروليتاريا هي ديكتاتورية الحزب الاشتراكي. كان سيراتى يعرف الوعي الشيوعي بالعملية البطيئة والمنهجية لبناء الحزب، أما التيار الثاني، الثوريون اليساريون، المتطرفون الملتفون حول بورديجا فكانوا يرون أن حزب سيراتى لن يجرؤ على الاستيلاء على السلطة. ولكنهم هم أيضا كانوا يرون أن الوعي الشيوعي يتجسد في حزب، الحزب الشيوعي وهو صفوة صغيرة من الكوادر المدربة أعلى تدريب والمنضبطة لأقصى حد. لن يستطيع العمال تكوين السوفيتات “المجالس العمالية” إلا بعد أن يستولي الحزب على السلطة من أجل الطبقة.

كان التيار الثالث، الجناح اليميني بقيادة تاسكا، يركز من جهة على تعليم العمال ومن جهة أخرى على عقد اتفاقات مع يسار قيادات النقابات العمالية، كانت هذه المجموعات الثلاث تشترك، على الرغم من الاختلافات بينهم في فكرة أن الوعي الشيوعي هو شئ يقذف به قيادات الحزب للعمال كما تقذف الفتات للطيور.

كانت العوامل التي تحدد تطور وعى العمال بالنسبة لجرامشى، على عكس تلك التيارات، هي طبيعة وقيادة النضالات والمؤسسات المتطورة عفويا. لم يمثل السوفييت بالنسبة لجرامشى، كما لم يكن يمثل بالنسبة للينين وتروتسكى، شيء مجرد يصنعه الحزب في اللحظة المناسبة بل شئ يولد كأداة لنضال العمال في المصانع، ربما يولد في البداية حول مسألة غير مهمة جدا، فعلى سبيل المثال نتجت إحتلالات العمال للمصانع (الشبيهة بالانتفاضة) في سبتمبر 1920 عن فشل المفاوضات بين النقابة والإدارة حول اتفاقية أجور الهندسيين على المستوى القومي. يجب أن ينتج السوفييت عن تنظيم يربط العمال بعضهم ببعض، بغض النظر عن حرفهم ونقابتهم، وبغض النظر عن كونهم أعضاء في نقابات أم لا، تنظيم يربطهم في مكان الإنتاج، يوحد نضالاتهم مع نضالات العمال الآخرين المرتبطين بهم في عملية الإنتاج، تنظيم يعبر عن وعيهم المتنامي بوحدتهم وقوتهم وقدرتهم على السيطرة على الإنتاج، لم تظهر لجان العمال في تورينو من فراغ. لقد بدأ تطورها كلجان داخلية في المصانع ذات وظيفة شبيهة بمنظمات لجان العنابر في بريطانيا. كان جرامشى يرى أن دوره ورفاقه في جريدة (العصر الجديد) التي كانوا يصدرونها في تورينو هو مساندة هذا التطور العفوي وتعميم هذه اللجان الداخلية وتوسيع قواعدها، تشجيعها على الاستيلاء على السلطة أوسع وأكثر من الإدارة، وأيضا على التوحد.

كما كتب جرامشى:

أصبحت مسألة تطور اللجان الداخلية هي المسألة الرئيسية بل كل الغرض من وجود العصر الجديد أصبحنا ننظر لها كالمسألة الجوهرية في الثورة العمالية: مسألة “التحرر البروليتارى” بالنسبة لنا ولأنصارنا أصبحت (العصر الجديد) هي (جريدة) لجان المصانع. أحب العمال (العصر الجديد) فلماذا أحبوها؟ لأنهم اكتشفوا في مقالاتها الجزء الأفضل من أنفسهم. لأنهم أحسوا أن مقالاتها تمتلئ بنفس روح البحث الذاتي التي كانوا يمرون بها: كيف يمكن أن نصبح أحرارا؟ كيف يمكن أن نصبح أنفسنا؟ لأن مقالاتها لم تكن أعمدة ثقافية باردة، بل نتيجة حواراتنا مع أفضل العمال لأنها كانت تعبر عن مشاعر وأهداف وآمال الطبقة العاملة في تورينو. قمنا باستفزازها وتجربتها بأنفسنا، لأن مقالاتها كانت فعليا “تدوين لوقائع حقيقية – وقائع ينظر إليها كلحظات في عملية تحرر داخلي وتعبير ذاتي من قبل الطبقة العاملة لهذا أحب العمال “العصر الجديد” وهكذا (تشكلت) فكرتها.

عندما كتب جرامشى هذه السطور عام 1920 كان لا يزال عضوا بالحزب الاشتراكي. لم يرى جرامشى إلا في أواخر ذلك العام وبعد هزيمة حركة احتلال المصانع الحاجة للانفصال عن الإصلاحية اليسارية وتكوين حزب ثوري متجانس. لذا كانت كتاباته عن لجان العمال تفتقد أي أطروحات واضحة عن كيفية عمل الحزب الثوري بداخل تلك اللجان، ومع ذلك فإن تلك الكتابات تركز على الأساليب التي لا بد أن يتبعها الثوريون والجريدة الثورية من أجل الإمساك بالعناصر الجنينية للتنظيم الشيوعي والوعي الشيوعي في صعودهما العفوي، ولتعميم وتنسيق هذين (الوعي والتنظيم)- لجعل العمال واعيين بهما. عاد جرامشى لنفس المسألة في نقده الذاتي في 1923 لسماحه لأفكاره أن تدفن تحت دوجماتية بورديجا لمدة ثلاثة أعوام.

لم نفهم الحزب كعملية جدلية تلتقي فيها الحركة العفوية للجماهير الثورية مع الإرادة التنظيمية والقيادية للمركز. ولكننا فهمنا الحزب كشيء يطير في الهواء، يتطور من ذاته ولذاته، تصل إليه الجماهير حين يصبح وضعها ملائما لذلك حين تصل الموجة الثورية إلى قمتها.

إن بناء الحزب ليس مسألة حقن العمال بالأفكار من خلال الدعاية المجردة ولا هي مسألة الانتظار حتى يتحرك العمال تحت تأثير الأزمة الاقتصادية. إنها مسألة الارتباط بكل النضالات الجزئية العفوية ومحاول التعميم على أساها. عبر جرامشى عن نفس هذا الرأي في (مذكرات السجن) ولكن باللغة الأكثر تحديدا لتلك المذكرات – حيث كتب فيها أن مهمة الحزب هي استخلاص عناصر (النظرية) الموجودة ضمنيا في النضال الجماعي للطبقة العاملة. وطرح هذه النظرية ضد كل النظريات المتخلفة، سابقة الوجود في عقول العمال.

من الممكن أن تبنى، في ممارسة محددة نظرية تستطيع من خلال تطابقها وتماثلها مع العناصر الحاسمة في الممارسة ذاتها أن تسرع من العملية التاريخية المادية وتجعل الممارسة أكثر كفاءة في كل عناصرها، وهكذا. وبكلمات أخرى، تطور إمكاناتها للحد الأقصى. يبعد هذا القصور كل البعد عن رؤية الشيوعيين الأوروبيين الذين يعتبرون أن النضال من أجل الاشتراكية هو عملية نقية – بطيئة من التعليم تجعل العمال يصوتون بشكل متزايد للتركيبة الصحيحة من البرلمانيين وقيادات النقابات.

القواعدية

لم يكنّ جرامشى إلا الاحتقار للسياسيين الإصلاحيين الذين أرادوا – ويريدون – تحديد الصراع الطبقي وإدخاله في قنوات ضيقة من صنعهم،لإعاقة طريقه الواضح بشكل تعسفي وذلك من خلال تركيبة معدة “مسبقا”. فى1919 بدأ جرامشى في تحليل مصدر تلك الإعاقة وحدده في برلمانيي الحزب الاشتراكي وبيروقراطي النقابات. وشدد على الاغتراب الذي يشعر به الكثير من العمال تجاه نقاباتهم وذهب يحلل أصول هذه الظاهرة في أن النقابات تعمل من أجل كسب الإصلاحات بداخل الرأسمالية ويتم بناء وهيكلة تلك النقابات على هذا الأساس. إن النقابات نوعية من التنظيمات البروليتارية الخاصة بالفترة التاريخية التي يهيمن فيها رأس المال…. في تلك الفترة التي يقيم فيها الأفراد على أساس ملكيتهم للسلع وتجارتهم في ملكيتهم ويصبح العمال أيضا تجار في السلعة الوحيدة التي يملكونها- قوة عملهم…لقد خلقوا هذه الأجهزة الضخمة لتركيز العمل الحي وتحديد الأسعار وساعات العمل وتنظيم السوق.إن للنقابات، بالأساس، طبيعة تنافسية وليس شيوعية.ولا يمكن أن تكون أداة لإعادة البناء الراديكالي للمجتمع.وهكذا ظهرت شريحة من  المسئولين النقابيين ذات سيكولوجيا جماعية متناقضة تماما مع سيكولوجيا العمال.

دفع هذا التحليل وتجربة لجان المصانع بتورينو جرامشى لأن يعتبر، بشكل متصاعد بيروقراطية النقابات كمخرب فعال للصراع الطبقي، يرى المسئول النقابي الشريحة الصناعية كوضع دائم. وكثيرا ما يدافع عن نفس موقف المالك.

أصبح جرامشى، بعد خيانة 1920، واعيا تماما بالدور المعادى للثورة الذي تقوم به قيادات النقابات.

تصادم الإضراب العام بتورينو وبيمونت بشكل مباشر مع تخريب ومقاومة التنظيم النقابي… وقد أوضح الإضراب العام الحاجة العاجلة لمحاربة الجهاز البيروقراطي للنقابات والذي يشكل الحصن الصلب للنشاطات الانتهازية للبرلمانيين والإصلاحيين الذين يستهدفون خنق كل المبادرات الثورية للطبقة العاملة.

كتب جرامشى في أطروحات ليون أنه:

لابد أن تفهم المجموعة التي قادت كونفدرالية العمل (الاتحاد النقابي الرئيسي في إيطاليا في أوائل العشرينيات) من وجهة النظر هذه، أي كأداة لتفتيت الطبقة العاملة من قبل طبقات أخرى.

لم يتخل جرامشى (مذكرات السجن) عن هذه المواقف “غير الناضجة” (العمالوية) و(القواعدية). فقد كتب في 1930:

إن إهمال أو احتقار الحركات المسماة بالعفوية، أي الفشل في إعطاء تلك الحركات قيادة واعية ورفعها لمستوى أعلى من خلال إدماجها في السياسة، عادة ما يكون له عواقب وخيمة جداً.

وقد ربط جرامشى بين هزيمة 1920، والتي مهدت الطريق أمام انقلاب موسولينى في عام 1922، وبين فشل سيراتى وبورديجا وتاسكا في تقديم تلك القيادة للحركات العفوية للعمال والفلاحين:

كلما حدثت حركة (عفوية) للطبقات (الدنيا) (الجماهير العاملة) ترافقها في كل المرات تقريبا حركة رجعية للجناح اليميني للطبقة الحاكمة لنفس الأسباب. فمثلا، تؤدى أزمة اقتصادية، من جهة، لسخط الطبقات (الدنيا) وحركات عفوية، ومن الجهة الأخرى إلى مؤامرات للمجموعات الرجعية التي تستغل الإضعاف الموضوعى الذي يحدث للحكومة وذلك في محاولة للانقلاب.

لابد أن نرى في أهم أسباب تلك الانقلابات فشل المجموعات المسئولة (الحزب الاشتراكي) في تقديم أي قيادة واعية للتمردات العفوية أو تحويلها إلى عامل سياسي إيجابي.

لم يكن جرامشى، بالطبع، عمالوى، أو عفوي، أو قواعدي بالمعنى المباشر لتلك الكلمات، أي بمعنى التقليل من شأن الدور التدخلى للماركسيين في الصراع الطبقي. العكس هو الصحيح، فقد كان نشاطه في 1919- 1920، و1924-1926،مثالا رائعا، على الرغم من أخطائه بالطبع على هذا التدخل.

الأطروحة الأساسية

إن التحريفات الإصلاحية لفكر جرامشى مبنية على الأطروحة المثالية:يقال أن جرامشى كان يرى اختلافا كبيرا بين المجتمعات الغربية وروسيا القيصرية. تعتمد سلطة الطبقة الحاكمة في الغرب، ليس على السيطرة المادية المباشرة من خلال الجهاز العسكري – البوليسي – بل على سيطرتها الأيديولوجية التي تمارسها من خلال شبكة من المؤسسات الاختيارية التي تنتشر في (المجتمع المدني) – الأحزاب السياسية، النقابات، الكنائس ووسائل الإعلام. ويعتبر جهاز الدولة القمعي فقط أحد العديد من وسائل دفاع المجتمع الرأسمالي.

يستنتج من كل هذا أن النضال الرئيسي للثوريين ليس الهجوم المباشر على السلطة السياسية، بل النضال من أجل السيطرة الأيديولوجية، ما أسماه جرامشى بـ (الهيمنة).

تكتسب هذه الهيمنة من خلال عملية طويلة تستغرق سنوات عديدة وتتطلب قدرا هائلا من الصبر والتضحيات من جانب الطبقة العاملة. وبالذات لن تستطيع الطبقة العاملة أن تصبح صاحبة(هيمنة) مضادة إلا من خلال كسب القطاعات الرئيسية من المثقفين والطبقات التي يمثلونها بسبب الدور الحاسم الذي يلعبونه في تشغيل أجهزة السيطرة الأيديولوجية. لابد أن تكون الطبقة العاملة مستعدة للتضحية بمصالحها الاقتصادية قصيرة المدى من أجل هذا الهدف. وإلى أن يتحقق ذلك الهدف، أي إلى أن تصبح الطبقة العاملة هي المهيمنة، سيكون مصير أي محاولات للاستيلاء على السلطة السياسية الهزيمة.

تم تبرير هذا الموقف بالزعم بأنه مبنى على أساس الفرق الذي تحدث عنه جرامشى في (مذكرات السجن) بين نوعين من الحرب:

حرب المناورات: وهى تتضمن تحركات سريعة للجيوش المتحاربة بدفعات قوية للأمام وللخلف كلما حاول أحد الطرفين الاستيلاء على مواقع ومدن الطرف الآخر.

حرب المواقع: وهو صراع طويل المدى يشل فيه الجيشان بعضهما البعض في المعركة، ولا يستطيع أي منهما التقدم، مثل حرب الخنادق (1914 – 1918).

يؤكد الخبراء العسكريون أنه في حروب الدول الأكثر تقدماً صناعياً واجتماعياً تعد وظيفة حرب المناورات تكتيكية أكثر منها استراتيجية يجب أن يتم هذا أيضا في فن وعلم السياسة على الأقل في أكثر الدول تقدما، حيث أصبح (المجتمع المدني) بناءا شديد التعقيد محصن بدرجة كبيرة ضد (عواقب) الكوارث الاقتصادية المباشرة (الأزمات، الكساد،…,الخ).

كانت آخر تجربة ناجحة – لحرب المناورات – أي الهجوم الأمامي المباشر على الدولة – هي ثورة أكتوبر 1917:

يبدو لي أن إليتش (لينين) فهم ضرورة التحول من حرب المناورات، التي طبقت بنجاح في الشرق في 1917، إلى حرب المواقع والتي كانت الشكل الوحيد الممكن في الغرب.

كان أساس هذا التحول في الإستراتيجية هو الاختلاف بين الأبنية الاجتماعية بين روسيا القيصرية و أوروبا الغربية:

كانت الدولة في روسيا هي كل شئ، أما (المجتمع المدني) فكان بدائياً وهلامياً… في الغرب عندما كانت الدولة تهتز كان يظهر في الحال المجتمع المدني ببنيته القوية، لم تكن الدولة إلا حاجز أمامي يقف أمامه نظام قوى من القلاع و الخنادق.

إن معادلة الثورة الدائمة تنتمي للفترة التاريخية التي سبقت ظهور الأحزاب السياسية الجماهيرية العظيمة والنقابات الاقتصادية العظيمة حين كان المجتمع لا يزال في حالة سيولة من أوجه كثيرة… في فترة ما بعد 1870.. أصبحت العلاقات التنظيمية الداخلية والخارجية للدولة أكثر تعقيدا وضخامة وحدث توسيع وتخطى معادلة (الثورة الدائمة) (كان ماركس قد تبنى هذا الشعار بعد ثورة 1848) في علم السياسة بمعادلة (الهيمنة المدنية).

لا يجب أن تقبل صياغات جرامشى هذه بشكل غير نقدي، كما سأوضح، فيما يلي، ولكن يجب أولا أن يوضح أنها لا تسمح أبدا باستنتاجات إصلاحية،

أولاً: حرب المواقع هي حرب وليست تعاونا طبقيا مثل الذي يقوم به الحزب الشيوعي الإيطالي اليوم.

لم يتزحزح احتقار جرامشى للإصلاحيين المنادين بالتعاون الطبقي ولو شبرا واحدا في أثناء فترة السجن. قارن جرامشى سلبية الإصلاحيين بالقندس الذي يطارده الصيادون يريدون خصيتيه لاستخراج دواء طبي منهما، فينتزع القندس خصيتيه بنفسه ويعطيهما للصيادين لينقذ حياته (يجب على بعض القيادات النقابية اليسارية أن تتذكر جيدا هذا التشبيه!).

ثانياً: لا يعتبر من الوعي المدهش بشيء القول بأن الممارسة السياسية الثورية ستقضى معظم الوقت في حرب المواقع. فقد دافع لينين وتروتسكى في المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية عن ضرورة أن تشترك الأحزاب الشيوعية في جبهات متحدة مع الأحزاب الإصلاحية تكسب أغلبية الطبقة العاملة للشيوعية، وذلك استنادا لتجربة البلاشفة الروس في الجبهات المتحدة. حارب لينين وتروتسكى بشدة ضد (نظرية الهجوم) اليسارية المتطرفة التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، بالذات في الحزب الشيوعي الألماني – فكرة أن الأحزاب الشيوعية تستطيع ببساطة أن تتقدم للعاصمة للاستيلاء على السلطة بدون تأييد أغلبية الطبقة ويتم ذلك من خلال مغامرات انتفاضية متكررة.

وقد اعترف جرامشى بدور تروتسكى في تغيير خط الأممية الشيوعية في اتجاه تكتيك الجبهات المتحدة. كما طابق جرامشى صراحة بين (حرب المواقع) و (معادلة الجبهة المتحدة) حاول جرامشى في أطروحات ليون تطبيق تكتيك الجبهة المتحدة على إيطاليا. ولم يعبر تبنى جرامشى لهذا التكتيك عن حدوث أي ضعف في عداء جرامشى المستحكم للإصلاحيين. كتب جرامشى عن تكتيك الجبهة المتحدة كنشاط سياسي (مناورة) مصممة لكشف الأحزاب والمجموعات المسماة بالبروليتارية والثورية ذات القاعدة الجماهيرية. يتم تبنى هذا التكتيك في مواجهة التشكيلات الوسيطة التي يحاربها الحزب الشيوعي كمعوقات في طريق التحضير الثوري للبروليتاريا.

ثالثاً: إن معركة الهيمنة ليست معركة أيديولوجية فحسب. من الصحيح أن جرامشى يرفض باستمرار مقولة أن الاستياء في أحوال العمال يؤدى مباشرة إلى الوعي الثوري.

يشدد جرامشى على هذه النقطة لأنه يريد في (مذكرات السجن) أن يدحض أطروحة “الفترة الثالثة” الستالينية، التي ظهرت في ذلك الوقت، القائلة بأن الأزمة العالمية وحدها ستؤدى للثورة العالمية، يلوى جرامشى العصا ليواجه هذا الانحراف الميكانيكي عن الماركسية، لم يذكر جرامشى أبدا الدور الذي يلعبه الاقتصاد في الحياة السياسية، فمع أن الأزمات الاقتصادية في حد ذاتها لا تنتج الأحداث التاريخية المهمة، فمن الممكن أن تخلق البيئة الملائمة لنشر أنماط فكرية معينة لطرح وحل مسائل تتعلق بالتطور التالي كله في الحياة القومية.

وحدد العلاقة بين الاقتصاد والأيديولوجيا بهذه العبارات: “دائما تتأخر العوامل الأيديولوجية المهمة وراء الظواهر الاقتصادية المهمة، ولذا ففي لحظات معينة يتباطأ أو يعوق أو حتى ينكسر الدفع الذاتي للعامل الاقتصادي بسبب عناصر أيديولوجية تقليدية، هذا التأخر الأيديولوجي وراء الاقتصاد هو سبب ضرورة تدخل الحزب الثوري في الصراع الاقتصادي للعمال من أجل كسبهم من الإصلاحيين.

لذلك يجب أن يكون هناك نضال مخطط وواعى لضمان أن تفهم الجماهير الإمكانيات التي يطرحها وضعها الاقتصادي والتي من الممكن أن تتعارض مع سياسات القيادات التقليدية. إن المبادرة السياسية الملائمة ضرورة لتحرير الجماهير من ثقل السياسات التقليدية.

وفى أحد المقاطع الرئيسية من “مذكرات السجن” عاد جرامشى لتجربة حركة لجان المصانع في تورينو 1919 – 1920 ليوضح الفرق بين تلاحم النظرية الماركسية مع نضال العمال العفوي الذي حدث في ذلك الوقت، وبين النضال الاقتصادي الضيق والجزئي المصحوب بسياسة المثقفين الإرادية والتي كانت توعظ للعمال سياسيا من خارج حركتهم.

اتهمت حركة تورينو بالعفوية والإرادية معا… هذا الاتهام المتناقض، لو حللناه، يبرهن على أن القيادة لم تكن “مجردة”، لم تكن تردد مقولات علمية أو نظرية، ولم تخلط بين السياسة، أي الفعل الحقيقي، والطرح النظري. فقد توجهت لأناس حقيقيين تكونوا من خلال علاقات تاريخية محددة، بمشاعر وتصورات محددة وبمفاهيم مجزئة عن العالم، الخ، تلك التي جاءت نتيجة لتشابك عفوي لحالة معينة من الإنتاج المادي مع تجمع “عرضي” لعناصر اجتماعية مختلفة. لم يتم إهمال أو احتقار هذا العنصر العفوي بل تم تثقيفه وتوجيهه وتنقيته من العوامل الخارجية… كان الهدف هو تطويره في اتجاه النظرية الحديثة (الماركسية) ولكن بأسلوب حي وفعال تاريخيا. تحدثت القيادات نفسها عن منشط، عامل توجيه، وكان فوق كل شئ إنكار لفكرة أن الحركة اعتباطية أو مشروع مجهز بشكل مسبق، كان التشديد هنا على الضرورة التاريخية للحركة، أعطت القيادات للجماهير وعى “نظري” لكونهم قيم مؤسسية وتاريخية، لكونهم مؤسسين لدولة جديدة، هذه الوحدة بين العفوية والقيادة الواعية هي بالضبط الفعل السياسي الحقيقي للطبقات التحتية.

رابعاً: لا يعنى النضال من أجل كسب الطبقات المضطهدة الأخرى (أو الشرائح المتأخرة في الطبقة العاملة) أن تتخلى الطبقة العاملة عن النضال من أجل مصالحها الذاتية، عندما أبرز جرامشى الفرق بين الاتجاه الإستيعابوى والاتجاه الهيمنى كان يفرق بين هؤلاء النقابيين الإصلاحيين الذين يدافعون عن مصالحهم هم داخل المجتمع الرأسمالي وبين الثوريين الذين يطرحون أن نضالهم هو مفتاح تحرر كل الفئات المضطهدة.

في إيطاليا العشرينات والثلاثينات كان الاتجاه الهيمنى يعنى الانفصال عن استراتيجية الإصلاحيين القدامى في محاولتهم كسب تنازلات لعمال الشمال من خلال السكوت على إفقار الجنوب الواقع تحت سيطرة ملاك الأراضي والقساوسة. بدلاً من هذا كان على الطبقة العاملة، إلى جانب نضالها من أجل تحسين وضعها هي، إن تقدم الأرض للفلاحين ومجتمع مستقبلي أفضل للإنتلجنسيا، كان مفتاح كسب الفلاحين، كما كان مفتاح النضال من أجل وعى الطبقة العاملة هو ربط المسائل السياسية بالمطالب العملية. كان جرامشى ينتقد الإصلاحيين لفشلهم في أن يفعلوا الشيء الوحيد الذي كان بإمكانه وقف الرجعية والكاثوليكية بالريف- النضال من أجل تقسيم الأراضي على الفلاحين وأدى الفشل في حل المسألة الزراعية لاستحالة حل المسألة الرجعية الدينية.

ليس هناك ما يدل في (مذكرات السجن) على أن جرامشى تخلى عن موقفه في أطروحات ليون بأن على العمال أن يبذلوا جهدا كبيرا لكسب الفلاحين وأن هذا لن يكون ممكنا إلى من خلال بناء لجان عمالية على أساس الموقع الاقتصادي للعمال في المصانع واستخدام تلك اللجان في تشجيع الفلاحين على تكوين لجانهم الخاصة. المثير للاهتمام هنا هو رغم أن جرامشى تحدث عن “التكتلات الحاكمة” وشدد على الحاجة لأن تكسب الطبقة العاملة الفلاحين، إلا أنه لم يستخدم التعبير الستالينى الشائع “كتل العمال والفلاحين”. كما أنه لم يعتبر مثقفي الطبقة الوسطى حليفا متكافئ مع الطبقة العاملة.

خامساً: وأخيرا لم يقل جرامشى أبدا في “مذكرات السجن” أن النضال من أجل الهيمنة يمكن وحده أن يحل مسألة سلطة الدولة. حتى في الفترات التي تلعب فيها حرب المواقع الدور الرئيسي يتحدث جرامشى عنها  كعنصر “جزئي” في الحركة، وعن أن حرب المناورات تلعب دورا تكتيكيا أكثر منه استراتيجيا.

لنطرح هذه النقطة بأسلوب مختلف: في أغلب الأحيان يكون الثوريون مندمجين في نضال أيديولوجي مستخدمين تكتيل الجبهة المتحدة في نضالات جزئية لكسب القيادة من الإصلاحيين. ولكن توجد لحظات متكررة من المواجهة العنيفة حين يحاول أحد الطرفين – العمال أو الطبقة الحاكمة – اقتحام خنادق الطرف الآخر بهجوم مباشر. ظلت الانتفاضة المسلحة بالنسبة لجرامشى، كما أوضح هو في محادثاته في السجن “اللحظة الحاسمة من الصراع” لابد من وضع مسألة التشديد على حرب المواقع في “مذكرات السجن” في إطارها التاريخي. إنها استعارة صممت للتأكيد على نقطة أساسية ملموسة – وهى أن الإرادة الثورية لبضعة آلاف من الثوريين وقت الأزمة لا تخلق الشروط الضرورية لانتفاضة ناجحة. لابد من إعداد هذه الشروط من خلال عملية طويلة من التدخل السياسي والنضال الأيديولوجي. إن الاعتقاد بغير ذلك، كما فعل تولياتى وآخرون من ستالينى “الفترة الثالثة” في أوائل الثلاثينات، كان محض جنون في تلك الظروف، كان جرامشى أقل اهتماما بطرح ضرورة الانتفاضة المسلحة –  حيث كان الستالينيون في تلك الفترة مهووسون بتنظيم الهبات المسلحة  مهما كانت يائسة، كان جرامشى أكثر اهتماما، كما فعل لينين في يوليو 1917 ومرة أخرى في حالة ألمانيا 1921، بالتشديد على عدم إمكانية نجاح انتفاضة إلا بالتأييد الإيجابي لأغلبية الطبقة العاملة.

من الخطأ تطبيق مثل هذه الاستعارة، وكأن لها صلاحية مطلقة مستقلة عن إطارها التاريخي وحتى من وجهة نظر عسكرية بحتة، لا تعتبر سياسة “حرب المواقع” ملائمة في كل الظروف – وهو ما اكتشفه مثلا، قيادة الجيش الفرنسي عندما تخطت الدبابات الألمانية خط ماجينو عام 1940، وكان الثمن غاليا.

الالتباسات فى صياغة جرامشى

يجب أن نجعل من أي استعارة يمكن إساءة فهمها، وهذا حال تفرقة جرامشى بين “حرب المواقع” و “حرب المناورات”، موضعا للنقد. وقد أوضح بيرى أندرسون في مقال مهم أن استعارات جرامشى تتضمن العديد من الإلتباسات والتناقضات، تتضمن انزلاق مفاهيمي يصلح لأن يستخدمه الإصلاحيون في تشويش الجوهر الثوري لأعمال جرامشى. يتضح بالتأكيد من كل الحديث السابق أنه يوجد في تفرقة جرامشى بين “حرب المواقع” و”حرب المناورات” درجة من الغموض، ففي مرة يحدث الانتقال من سياسة حرب المواقع بعد 1917 لكن في أخرى يحدث هذا الانتقال في فترة ما بعد استقرار الاقتصاد الرأسمالي العالمي في أوائل العشرينات… هذا الالتباس حول التوقيت مهم لأنه يترك مسألة ما إذا كانت “حرب المواقع” استراتيجية أبدية أم أنها مناسبة فقط في فترات تاريخية محددة بدون حل. إن بعض صياغات جرامشى ترجح التفسير الأول، ولكن إصرار جرامشى المتكرر على التفاعل بين الحزب الثوري و”النضالات العفوية” الطبقية وإيمانه بضرورة الانتفاضة المسلحة يجعلانا نستبعد بشكل قاطع صحة التفسير الأول ونرجح الثاني.

نجد الالتباس الثاني في مسألة تفرقة جرامشى بين روسيا والغرب. تقوم هذه التفرقة على تحليل خاطئ للحركة الثورية الروسية، ففي الواقع، كانت التجارب الأولى لحرب المناورات فاشلة –تماما- مثل الهجوم المسلح على القيصر من قبل الديسمبريين في عشرينات القرن الـ19 ومثل هجمات الشعبويين الذين استطاعوا اغتيال القيصر في 1881. كان على الأجيال التالية من الثوريين أن تتبنى استراتيجية مختلفة. إسقاط النظام القيصري “حرب المواقع” طويلة المدى –عشر سنوات من حلقات النقاش الماركسية وعشر سنوات أخرى من التحريض الإقتصادوى، وذلك لتجميع القوى، كانت حرب المواقع هذه ضرورية لتحضير المجال لـ “حرب المناورات” في 1905 – 1906 ثم في 1917.

وإذا طورنا استعارة جرامشى نجد أن “حرب المواقع” تلك تفقد سبب وجودها وتصبح غير ضرورية متى اكتشف سلاح  جديد يستطيع أن يخترق دفاعات الآخر – مثل الدبابة في أواخر الحرب العالمية الأولى (رغم أنها لم تستخدم بشكل مجد) وفى بداية الحرب العالمية الثانية، إن المعادل السياسي للدبابة هو “قوة دفع الجماهير من أسفل” هذه القوة العفوية، الثورية، المفاجئة… والتي فاجأت حتى لينين في فبراير 1917. لا يستطيع الثوريون التكيف مع هذه التغيرات المفاجئة بدون التحول السريع من موقف دفاعي إلى موقف يلائم حرب المناورات الجديدة.، توجيه والتأثير في هذا الاندفاع الأمامي. كانت عظمة لينين تكمن في قدرته على تفهم متى يجب أن يحدث مثل هذا التحول الإستراتيجي من “حرب المواقع” إلى “حرب المناورات”.

ما تفهمه لينين وتروتسكى وروزا لكسمبورج هو أن النضال الطويل الممتد من أجل الهيمنة وتنظيم وتحصين القوى هو أمر ضروري في مراحل معينة من تاريخ الحركة الثورية – إلى أن هذه السياسة تحتوى على خطر هو أن نجاح التنظيم في مرحلة من النضال يؤدى لخلق اتجاه محافظ عندما يحدث تحول في مزاج الجماهير. وفى النهاية، مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني النموذج الرئيسي للحزب المنتهج لسياسة “حرب المواقع” في أوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى. أنشأ ذلك الحزب شبكة ضخمة من التحصينات داخل المجتمع البرجوازى – مئات من الجرائد، مئات الآلاف من الأعضاء، وجمعيات ونوادي محلية، وحركة نسائية، وجهاز نقابي قوى، بل أيضا مجلة نظرية قادرة على جذب إعجاب بعض قطاعات المثقفين البرجوازيين.

أدت محاولة هذا الحزب الحفاظ على هذه “المواقع” عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى إلى التحول من المعارضة إلى التعاون الطبقي، والمثير للاهتمام هو استعارة “حرب المواقع والمناورات” استخدمها كاوتسكى، بمدخل قريب جدا من مدخل جرامشى في دفاعه ضد هجوم روزا لكسمبورج في 1912 على القيادة الإصلاحية للحزب الاشتراكي- الديمقراطي الألماني.

روسيا، إيطاليا، والغرب

اتخذ جرامشى إيطاليا كنموذج للمجتمع الذي تنتهج فيه “حرب المواقع” لكن إيطاليا العشرينات والثلاثينات كانت أبعد ما تكون عن أن تصنف ضمن المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، إن الأشياء التي يعتبرها جرامشى خصائص “المجتمع المدني”- الكنيسة والمنظمات السياسية والثقافية والحضرية، تعددية الأحزاب البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، تأثير المثقفين الوظيفيين، مثل المحامين والمدرسين والقساوسة- نعتبرها اليوم مجرد ظواهر انتقالية عبرت عن تخلف إيطاليا في العشرينات والثلاثينات، عن الغلبة العددية للفلاحين والبرجوازية الصغيرة والبروليتاريا الرثة. تلك الطبقات والفئات الاجتماعية تقل مع مرور الوقت أهميتها في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ونفس الشيء بالنسبة للمنظمات السياسية والثقافية الحضرية.

تميزت فترة ما بعد الحرب في البلدان الرأسمالية المتقدمة بظاهرة اللا مبالاة- سقوط في المشاركة الجماهيرية في التجمعات السياسية والثقافية وتناقص عدد أعضاء الكنيسة إلى النصف في العشر سنوات الأخيرة، أما المثقفون الوظيفيون، المحامين والمدرسين والقساوسة والأطباء فلم يعد لهم أي دور رئيسي في تشكيل الرأي العام المحلى.

تؤدى الرأسمالية إلى تمركز السلطة الأيديولوجية  وإلى تفتيت الجماهير، باستثناء التنظيمات النقابية في أماكن العمل، وتؤدى أيضا إلى إضعاف التنظيمات السياسية والنقابية.

من جهة، لعب تكثيف عملية الإنتاج دورا مهما، فقد أدى نظام  ورديات العمل إلى صعوبة تنظيم التجمعات السياسية والسياسية والثقافية ومن جهة أخرى، أدت تجارية الحياة الاجتماعية ودخول الراديو التليفزيون وتمركز السيطرة على الإعلام إلى إضعاف جاذبية النشاطات الثقافية الأخرى. انخفض عدد الأبنية المؤثرة لـ “المجتمع المدني” بين الفرد والدولة، وأصبحت أدوات الاتصال العامة تعمل كوسيط مباشر بشكل متزايد، وفى الوقت ذاته، زادت أهمية وتأثير التنظيمات النقابية في أماكن العمل بشكل كبير لتصبح المؤسسة الوحيدة في “المجتمع المدني” التي لم يطح بها التفتيت.

في هذه الظروف تصبح “شبكة الخنادق الدفاعية” المتوفرة لدى الطبقة الحاكمة في وقت الأزمة شبكة ضعيفة جدا حين يتحرك العمال فعليا، في الواقع، تصبح البرجوازية معتمدة بشكل أساسي على بيروقراطية النقابات، وبدرجة أقل على المنظمات السياسية الإصلاحية، لإيقاف تقدم الطبقة العاملة، ولكن تؤدى هذه السياسة مع مرور الوقت لزعزعة الثقة في القيادات الإصلاحية وقيام العمال بهبات عفوية  لن يستطيعوا  حتى هم السيطرة عليها، في هذه الظروف من الممكن تطور “حرب المناورات” ويجد العمال أنفسهم على الرغم من عدم امتلاكهم لوعى ثوري، في صراع مباشر مع الدولة الرأسمالية.

يشير تونى كليف في مقال هام جدا كتب عام 1968 إلى أن اللامبالاة ليست مفهوما ثابتا. فعندما يسد طريق الإصلاح الفردي من الممكن تحول اللامبالاة إلى نقيضها – الفعل الجماهيري المباشر. فالعمال الذين يفقدون ولائهم للمنظمات التقليدية يدفعون إلى نضالات متفجرة ومتطرفة ومستقلة.

استخدمت مفاهيم جرامشى منذ أكثر من 45 عاما لتعامل مع مسائل استراتيجية ملموسة، والذين يزعمون الآن أنهم أتباعه يحاولون استخدامها بشكل فج لسد طريق الحوار اليوم، بدون أن يلاحظوا أن المجتمع قد تغير في عدة أشياء. وأن هذا أسلوب دوجماتى لأقصى الحدود ولا يختلف عن الطريقة التي عومل بها ماركس ولينين وتروتسكى في مناسبات عديدة.

نقاط ضعف جرامشى

وضعت الظروف التي عاش وكتب فيها جرامشى حدودا على فكره، أدت تلك الحدود في “مذكرات السجن” إلى وضع أساس التحريفات التي تعرضت لها أفكاره.

كان أول وأوضح تلك الحدود هو رقابة وقراءة الدولة الفاشية لكل كلمة يكتبها جرامشى، كان يضطر لكي يتجنب رقابة السجن، أن يكون مبهما في إشاراته لبعض المفاهيم الماركسية الحادة وإلى استخدام لغة ومصطلحات معقدة ومبهمة تخفى أفكاره الحقيقية، وليس فقط عن سجانيه، بل أيضا عن قراؤه الماركسيين، بل وفى بعض الأحيان، كما أظن، عن ذاته.لنأخذ كمثال استخدام جرامشى لعملية صراع البرجوازية ضد الإقطاع من أجل السلطة، كاستعارة لصراع العمال ضد الرأسمالية من أجل السلطة. هذه مقارنة خطيرة وتؤدى إلى إلتباسات، فعلاقات الإنتاج الرأسمالية لها نقطة بداية في الإنتاج السلعي، الإنتاج من أجل السوق، والتي يمكن أن تنمو داخل المجتمع الإقطاعي. تستطيع البرجوازية أن تستخدم سيطرتها الاقتصادية المتنامية لبناء موقفها الأيديولوجي بداخل الإطار الإقطاعي قبل الاستيلاء على السلطة، ولكن الطبقة العاملة لن تستطيع أن تصبح مسيطرة اقتصادياً إلا من خلال سيطرتها الجماعية على وسائل الإنتاج والتي تتطلب الاستيلاء المسلح على السلطة السياسية، من خلال هذا فقط، تستطيع الطبقة العاملة أن تسيطر على المطابع  والجامعات.. الخ، هذه المؤسسات التي استطاعت  البرجوازية شراؤها قبل أن تهيمن سياسيا، كان من الضروري على جرامشى أن يكون مبهما في هذه المسألة، ولكن اليوم، يعطى هذا الإبهام مبررا لأنصاف المثقفين الذين يريدون تمثيل دور المناضلين في الصراع الطبقي من خلال العمل الميكانيكي والنضال من أجل الهيمنة الثقافية  وهم في الواقع، لا يستهدفون إلا تعزيز مستقبلهم الأكاديمي.

الأكثر من ذلك هو عدم استطاعة جرامشى الكتابة بشكل صريح عن الانتفاضة المسلحة، وقد ساعد هذا القصور الموجود في “مذكرات السجن” على تجاهل الذين يدعون أنهم أتباعه للواقع الصعب لسلطة الدولة التي كانت تمسك بجرامشى. كانت هناك أيضا حدود غير مادية على فكر جرامشى. فقد سجن جرامشى في تلك اللحظات التي كان فيها ستالين يقوى من قبضته على روسيا، وأثر فشل جرامشى في فهم تلك العملية على فكره بشكل أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.

أعلن جرامشى تأييده لجبهة ستالين – بوخارين التي شكلت في 1925 ويبدو أنه تقبل فكرة محاولة بناء الاشتراكية في بلد واحد كجزء من “حرب المواقع” الأممية من خلال إعطاء تنازلات للفلاحين. ولهذا اعتبر معارضة تروتسكى للاشتراكية في بلد واحد رفض يساري – متطرف لسياسة الجبهة المتحدة – على الرغم من أن جرامشى كان يعلم تماما أن تروتسكى هو أحد المبدعين الأساسيين لتكتيك الجبهة المتحدة.

كان جرامشى، كما رأينا، واعيا ناقدا بقوة للبقرطة الستالينية الخانقة، إلا أن قبوله لسياسة ستالين- بوخارين 1925-1928 منعته من عمل تحليل سليم للخطأ الذي حدث في روسيا، وهو يكتب في مذكرات السجن:

“تتطلب حرب المواقع تضحيات ضخمة من أعداد لا حصر له من الجماهير، لذلك من الضروري وجود تركيز غير مسبق للهيمنة، وبالتالي من الضروري وجود حكومة أكثر تدخلية، تستطيع الهجوم على المعارضين……”

إلا أن جرامشى يتبع هذا التبرير الجزئي للاتجاه الشمولي بكلمات تحذيرية لماركس:

إن المقاومة المطولة جدا في معسكر محاصر محبطة جدا في حد ذاتها، فهي تعنى المعاناة والإرهاق، وقلة الراحة، والمرض، والضغط المستمر، ليس للخطر الحاد الذي يأتي بعد تجاوزه الشفاء، بل الخطر المزمن الذي يدمر.

يبدو أن جرامشى يريد أن ينتقد هذه الأوضاع وهو، في الوقت ذاته، يقول أنها أوضاع مبنية على استراتيجية سليمة، وهذا التناقض يجب أن يكون له تأثير مضعف على جوانب أخرى من نظريته. في 1919 – 1920 تفهم جرامشى  – كما لم يفعل أحد غيره في أوروبا الغربية – العلاقة بين النضال في المصنع وخلق عناصر الدولة العمالية، وقد توصل أيضا إلى وعى التفاعل الجدلي بين تطور الديمقراطية العمالية ومحركها، الحزب الثوري. نجد هذا الفهم في الجزء الأكبر من مذكرات السجن – إلا أنه في نقاط معينة يتآكل هذا الفهم من خلال الميل لرؤية مقولة “الاشتراكية في بلد واحد” كوسيلة لشن حرب المواقع يمكن تطبيقها في أماكن أخرى غير روسيا.

لم يكن جرامشى هو الوحيد الذي أساء فهم الستالينية. ففي الوقت الذي كان مسجونا فيه مفتقدا أي صلة بالحركة الأممية لم تكن قد حدثت بعد الفظائع الستالينية، وحتى الكثيرين ممن سيصبحون من تروتسكيين المستقبل مثل أندرياس نينن وجيمس.ب. كانون كانوا يؤيدون ستالين ضد تروتسكى حتى ذلك الوقت. ولكن، في حالة جرامشى ترك الفشل في فهم هذه الظاهرة عنصر من الالتباس في نظريته استغل فيما بعد لتبرير السياسات الإصلاحية.

يوجد ضعف أخير وأكثر جوهرية في جرامشى. على الرغم من أنه يقدم تصورا مجردا سليما للعلافة بين الاقتصاد والسياسة إلا أنه الوحيد بين الماركسيين العظماء الذي لم يضمن بعدا اقتصادياً ملموسا في كتاباته السياسة ويؤدى هذا لنوع من التخبط في كتاباته لم يكن موجودا عند ماركس أو إنجلز أو لينين أو تروتسكى.

مثلاً في 1925 اعتقد جرامشى أن الفاشية كانت على وشك الانهيار  لكن في “المذكرات” بعد بضعة أعوام يتعامل جرامشى مع تلك الظاهرة وكأنها سيكون لها عمر طويل. مرة أخرى يتحدث جرامشى عن خطورة استيعاب الطبقة العاملة فى النظام وذلك دون أن يناقش الشروط الاقتصادية التي يمكنها أن تسمح بمثل هذا التطور.

عموماً يوجد فشل عام في توضيح العلاقة الحقيقية بين وضع اقتصادي معين والصراعات  السياسية والأيديولوجية للأفراد التي تتأثر به. في سنوات 1916 – 1926 تمكن جرامشى من ملء هذا الفراغ من خلال اعتماده على خبرته المباشرة في الصراع الطبقي . لذا نجد أن أفضل كتاباته هي التي يتعامل فيها، من خلال اندماجه مع العمال ومحاولة توجيههم، مع المشاكل الرئيسية لنضالات جارية.

ولكن في 1926 اختطفته الدولة الفاشية. كان جرامشى واعيا تماما بمعنى هذا.

إن الكتب والمجلات تحتوى على مفاهيم معممة أفضل ما يمكنها هو إعطاء مسودة عامة لمسار الأحداث في العالم، إنها لا تعطى تقدير مباشر وحي لحياة الأفراد… إن لم تستطع فهم الأفراد الحقيقيين فلن تفهم ما هو أعم وأشمل.

كان هذا صحيحاً بالنسبة لجرامشى، الذي لم يكن قادرا بدون التجربة الشخصية المباشرة على تفهم التفاعل المحدد بين الظرف الاقتصادي ورد فعل الأفراد السياسي. ولكن لم يكن هذا صحيحا، مثلا، بالنسبة لماركس الذي كتب عن بعد، بشكل عميق جدا، عن التطورات اليومية في برلين.

تعانى “مذكرات السجن” فوق كل شئ من العجز عن الانتقال من المفاهيم المجردة للتحليل المحدد للأوضاع المحدده، إن هذا، طبعا، يعجب البيروقراطية والأكاديميون الذين يريدون “ماركسية” إصلاحية منفصلة عن نضالات جماهير العمال.

رغم أن مثل هذا المشروع، مشروع البيروقراطية، يتعارض مع جوهر ممارسة وفكر جرامشى إلا أنه لا يجب علينا أن نتجاهل نقاط الضعف في مذكرات السجن تلك النقاط التي تنتج عن افتقار المذكرات إلى الملموسية، مهما كان إبداع هذه المذكرات فهي لا تحمل عظمة أعمال ماركس أو لينين أو تروتسكى أو جرامشى ذاته.

طلب المدعى العام الفاشي في محاكمة جرامشى سجنه لإيقاف هذا العقل عن العمل لمدة 20 سنة.

لم ينجح الفاشيون في تلك المحاولة، ولكنهم نجحوا في حرمان جرامشى من الاشتراك المباشر في الصراع الطبقي، وفي منع ماركسيته من إدراك القدرات الكامنة التي ظهرت في جريدة “العصر الحديث” و “أطروحات ليون”.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s