من الذي يضطهد الأقباط في مصر؟

Posted: 24 نوفمبر 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , , , ,
15 ديسمبر 2004

مشهد الوجوه الغاضبة والحناجر التي شقتها الهتافات والإصرار العنيد على الاستمرار في الاحتجاج من شباب يشعر بالاضطهاد والتهميش.. مشهد تكرر كثيراً في عدد من ربوع مصر، وها هو يتكرر للمرة الثانية في مبنى الكاتدرائية بالقاهرة. وخلف كل المشاهد قصص تشبه بعضها، ولأن هناك عشرات القصص، تحدث بشكل يومي، تفضح بشكل لا ريب فيه قدر الاضطهاد العالي الذي تمارسه الدولة بنفسها أو عبر التواطؤ المباشر، للأقباط في مصر، لذلك يمكننا القول أن ما أدى لأحداث أسيوط والمنيا والبحيرة في الأيام القليلة الماضية ليس سوى القشة التي قصمت ظهر البعير. فبالتأكيد كانت هناك تراكمات تعتمل تحت السطح تفجرت فقط حينما فاض الكيل.

فالمظاهرات التي انطلقت في أبو المطامير بالبحيرة مطالبة بعودة زوجة القس التي قيل أنها هربت مع زميل لها في العمل لتشهر إسلامها وتتزوجه، والثورة التي تعتمل بين القائمين على دير مار مرقص بأسيوط بسبب ما لديهم من معلومات عن مساعدة أحد قيادات الحزب الوطني بأسيوط لشاب مسيحي وأمه المسنة على الدخول في الإسلام ومحاولة الضغط على زوجته وأبناؤه الخمسة لإشهار إسلامهم، علاوة على اضطلاعه بهذه النوعية من المهام لأكثر من مرة سابقة. والاعتداءات التي حدثت بالمنيا على منازل وسيارات ومحلات عدد من الأقباط من قبل مسلمين. وتزامن انتقال هذا الغضب إلى القاهرة مع جنازة الصحفي سعيد سنبل في مبنى الكاتدرائية بالعباسية، ليشهد المقر الديني واحدة من أهم التظاهرات تلاها اعتصام استمر لأيام .

كل هذه الأحداث وما سبقها، منذ أحداث قرية “الكُشح” بسوهاج وحتى الآن، يعكس بشكل واضح الشعور العام لدى الأقباط الفقراء في مصر بأنهم ليسوا مواطنون وأنه لا حماية لهم في مجتمع أزكى القائمين عليه بأشكال، وفي توقيتات، مختلفة مشاعر العداء ضدهم. ومن النحو الذي تسير عليه قصة احتجاجات الأقباط ضد اضطهادهم نستطيع فهم من أين يأتي هذا الشعور: “تتراكم مشاعر غضب تجاه ممارسات عنصرية ضدهم، يتم تفجيرها بشكل فجائي على أثر قصة قد تكون ذات أهمية كبيرة أو قليلة الشأن، يحدث بعدها لجوء مباشر للكنيسة والبابا، ثم تتدخل الدولة لحصار حالة الاحتجاج فتحدث اشتباكات بين المحتجين والأمن، وتحدث ضجة إعلامية يلعب دوراً أساسياً فيها أقباط المهجر، ثم تعقد الصفقات بين البابا ورجال الأعمال والدولة من الأقباط من جانب وبين النظام وقوات أمنه من جانب آخر يتم فيها حل المشكلة والإذعان لمطالب البابا بعد مفاوضات في مقابل أن يحفظ البابا للنظام ماء وجه أمام الإمبريالية ويعلن أن الحدث كان عبارة عن خطأ فردي نتج عنه مشكلة صغيرة وقد تم حلها، وأن الأقباط يتمتعون في مصر بكامل حريتهم وبالتالي لا يوجد بيننا حديث عن أي اضطهاد يتعرضون له”.

وفي سياق هذا التسلسل للأحداث يمكننا أن نجد أيضاً تفسيراً لانتشار الأفكار الرجعية في صفوف الشباب الغاضب أو محاولة اللجوء لأي نوع من الحماية حتى ولو كان التدخل الأمريكي نفسه، فالفئات الأكثر فقراً وأيضاً إحساساً بالتهميش والعزلة بسبب كونهم أقلية دينية، لا يرون أنفسهم سوى مجموعة من العُزّل ظهورهم للحائط طالما أن مأواهم الديني يقوم بعقد الصفقات على حساب حقوقهم وحريتهم.

ولكن وبالرغم من الاضطهاد الذي يتعرض له الأقباط في مصر، تماماً كما تتعرض المرآة لاضطهاد مشابه، فهناك نوع آخر من الاضطهاد والتمييز ناتج عن تقسيم هذا المجتمع إلى طبقات، وفي رأينا أنه جوهر المشكلة الحقيقية، فالأقباط الأغنياء مثلاً ليست لديهم مشكلة كبرى في التمييز ضد الأقباط بشكل عام. وذلك لسبب بسيط أنهم يعيشون في عالم معايير التمييز فيه تكون في نسب الثروة والأرباح، فكما لا يعرف الرأسمال وطناً له أيضاً لا ينتمي لأي دين. وهكذا تظل دوائر الاضطهاد والتمييز في أوساط المناطق الفقيرة وأماكن عمل الموظفين والحرفيين الصغار. وتعمل الدولة طيلة الوقت على الحفاظ على القوانين والأفكار والسياسات التي تزكي نار الاضطهاد، ليس فقط بسبب رجعيتها الشديدة، ولكن لأن ذلك يوفر لها كبش فداء تستطيع استخدامه لتوجيه الغضب الناتج عن سياستها تجاهه بدلاً منها. السادات استخدم هذا الأسلوب بالحرف في أحداث الزاوية عام 1980، فهل سنترك لمبارك فرصة استمراره بتفريق الفقراء حال تجمعهم لمواجهة نظامه الذي يضطهدهم ويفقرهم دون أي تمييز بينهم على أساس الدين أو الجنس؟!

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s