توني كليف
ترجمة: رمضان متولي
تمهيد

راودتني الرغبة في ترجمة هذا الكتاب على خلفية إضراب عمال المحلة في 6 أبريل الذي أحبطته أجهزة الأمن المصرية بوسائل وحشية مع اعتقال المئات من العمال ما زال بعضهم حتى الآن رهن الاعتقال، وما صاحبه من دعوة للإضراب العام في نفس اليوم لاقت صدى واسعا في عموم القطر المصري واعتقل على أثرها عدد من السياسيين والمدونين، وما كشف عنه انتشار هذه الدعوة وذعر أجهزة الدولة المصرية من شيوع حالة من الغضب الشديد في صفوف الجماهير المصرية وارتباك الدولة وتربص أجهزتها وتخبطها في معالجة الأزمات التي يعج بها المجتمع، وكلها عوارض تكشف عن أن التربة السياسية في مصر ربما تأتي بمفاجآت لا يستطيع أحد التكهن بها ولا معرفة مداها، خاصة مع توابع عملية القمع والاحتواء التي مارستها الدولة مع إضراب المحلة في 6 أبريل.

السبب الثاني الذي دفعني إلى ترجمة هذا الكتيب هو الدعوة إلى إضراب عام جديد في 4 مايو التي يعمل المدونون حاليا على نشرها، يدفعهم في ذلك فورة الحماس التي أعقبت الانتشار الواسع للدعوة السابقة وما كشفت عنه من حالة من السخط العام وسط الجماهير.

أما الدافع الثالث وراء ترجمة الكتاب فهو المساهمة بما قد يعد مشاركة إيجابية في الاحتفال بعيد العمال في أول مايو بتقديم بعض خبرات الحركة العمالية العالمية في هذه المناسبة.

يتميز هذا الكتاب بأنه يتعرض بالتحليل التاريخي الشيق لعدد من الإضرابات الكبرى في تاريخ الحركة العمالية ويقارن بينها في ضوء التأسيس النظري لمفهوم “الإضراب العام” الذي طرحته روزا لوكسمبورج في بداية القرن الماضي لدى تقييمها لتجربة الإضراب العام في روسيا 1905. حيث يناقش توني كليف تجارب الإضراب العام في بلجيكا والسويد وبريطانيا وفرنسا، محللا أسبابها ونتائجها وطبيعتها وتنظيمها وما أخفقت فيه وما استطاعت إنجازه من أهداف. وربما إذا استطاع الداعون إلى إضراب عام أو عصيان مدني وخلافه قراءة هذه التجارب واستخلاص دروسها أن يصبحوا أقدر على فهم وإدراك مغزى ما يدعون إليه وما هي الظروف التي توفر له فرصا أكبر للنجاح وتلك التي تدفع بالدعوة إلى الفشل، مع الوضع في الاعتبار طبعا اختلاف ظروف الدول التي يتناولها الكاتب في سياقها الزمني عن الأوضاع في مصر، مما يجنب الكثيرين شعورا لا معنى له بالإحباط ويدفع طاقة الحركة والحماس في الاتجاه الأمثل بما يلائم الظروف ويحقق الأهداف الممكنة، هنا والآن.

لن أطيل الحديث على القارئ العزيز وأتركه مع صفحات الجزء الأول من الكتاب وآمل أن استطيع إنجاز بقية الأجزاء تباعا، متمنيا أن تكون هديتي للعمال وللمهتمين بقضايا الاشتراكية والتغيير السياسي نافعة لهم وملائمة لجلال مناسبة عيد العمال.

رمضان متولي
مقدمة

كان إضراب عمال المناجم في عام 1984-1985 مختلفا تماما عن إضرابهم في عام 1972 من حيث الخصائص الأساسية والنتائج. لماذا؟ وما هي الخلفية التاريخية لإضراب 1984-1985 التي تختلف تماما مع الخلفية التاريخية لإضراب 1972؟ وكيف كان هذا الاختلاف يرتبط بتوازن قوى الطبقات في كل من الفترتين؟ وكيف أثر هذا التوازن بين قوى الطبقات على العلاقة بين تحرك القواعد العمالية وعلى بيروقراطية التنظيم النقابي؟ كيف اختلفت سياسات الحركة العمالية خلال هاتين الفترتين؟ إن التشخيص الصحيح لأسباب هذه التباينات والفروق شديد الأهمية في اكتشاف الوسائل الصحيحة للتغلب على جوانب الضعف التي شابت إضراب 1984-1985 مقارنة بإضراب 1972؟ وسوف يعالج هذا المقال هذه المسائل تحديدا. وسوف نبدأ بتناول المفهوم الماركسي للإضراب الجماهيري، ثم مناقشة بعض الإضرابات الجماهيرية التي حدثت فعلا، وننتهي إلى مناقشة إضرابي عمال المناجم في عامي 1972 و1984-1985.

روزا لوكسمبورج – 1905 والرؤية الكلاسيكية للإضراب الجماهيري

يتضمن كتاب روزا لوكسمبورج الكلاسيكي “الإضراب الجماهيري والحزب السياسي والنقابات” تحليلا هو الأكثر وضوحا وعبقرية حتى الآن لمسألة الإضراب الجماهيري، ويتناول دور الإضراب الجماهيري في تشكيل الطبقة العاملة في هيئة وحدة نضالية وفي استحضار نموها الروحي وتغييرها حتى تصبح قادرة على تغيير المجتمع.

وتعرض روزا لوكسمبورج في كتابها تصاعد موجة الإضرابات في روسيا خلال السنوات العشر بين عامي 1896 و1905. ففي مايو من عام 1896 شهدت مدينة بطرسبرج إضرابا عاما لعمال النسيج ضم 40 ألف عامل تلاه إضراب عام آخر لعمال النسيج في عام 1897. وبعد الإضراب الأخير، توالى عدد كبير من الإضرابات الصغيرة حتى اندلع الإضراب الجماهيري التالي في مارس 1902 لعمال البترول في القوقاز. ثم في نوفمبر من نفس العام تحول إضراب جماهيري لعمال السكة الحديد في روستوف إلى إضراب عام. وفي مايو ويونيو ويوليو من عام 1903 اشتعلت منطقة جنوب روسيا بأكملها حيث سيطر الإضراب العام على مدن باكو وتيفليس وباتوم وإليزافيتوجراد وأوديسا وكييف ونيكولاييف وإكاترينوسلاف. وجاء عام 1904 بالحرب وتوقفت حركة الإضرابات لفترة. ولكن فترة التوقف انتهت مع هزيمة الجيش والأسطول القيصري على أيدي اليابانيين. واندلع إضراب عام آخر في باكو في ديسمبر 1904، وقبل انتشار أنباء هذا الإضراب إلى كافة أنحاء الإمبراطورية القيصرية، اندلع إضراب جماهيري في مدينة سان بطرسبرج في يناير 1905، وكانت هذه بداية الثورة الروسية لعام 1905.

“كانت الانتفاضة المفاجئة والشاملة للبروليتاريا في يناير بفعل القوة الدافعة العظيمة لأحداث سان بطرسبرج عملا سياسيا صريحا لإعلان الحرب الثورية على الحكم المطلق. لكن هذا التحرك العام المباشر والأول من نوعه أحدث تفاعلا داخليا أقوى كثيرا كما لو أنه لأول مرة أيقظ المشاعر الطبقية والوعي الطبقي في الملايين والملايين وكأنه استيقظ بالصدمة الكهربائية. وعبر استيقاظ المشاعر الطبقية عن نفسه أكثر حتى أن الملايين من جماهير البروليتاريا أدركوا فجأة وبوضوح شديد إلى أي حد لا تحتمل تلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تحملوهاا صابرين على مدى عقود في أغلال الرأسمالية. ونتيجة لذلك بدأت الهزة العفوية الشاملة في تمزيق هذه الأغلال. معاناة البروليتاريا الحديثة التي لا تحصى أحداثها جميعها ذكرتها بالجروح القديمة التي مازالت نازفة. فهنا ناضل العمال من أجل يوم عمل من ثماني ساعات، وهناك قاوموا أسلوب العمل بالقطعة، هنا حملوا ملاحظ العمال القاسي في زكيبة على عربة الفحم، وفي موقع آخر ناضلوا ضد نظام الغرامات البغيض، وفي كل موقع كافح العمال من أجل تحسين الأجور، وهنا وهناك أيضا ناضلوا من أجل إلغاء العمل المنزلي.” (1)

الإضرابات الجماهيرية الاقتصادية أدت إلى مواجهة مع النظام القيصري، وشرطته وجيشه، وأدت تلك المواجهة مباشرة إلى إضرابات سياسية. وأيقظت هذه الإضرابات الأخيرة عمالا كانوا قبل ذلك خاملين ودفعتهم إلى القيام بإضرابات اقتصادية لتحسين أوضاعهم، وبدورها أعطت الإضرابات الاقتصادية مرة أخرى قوة دافعة جديدة لإضرابات سياسية. فالإضراب الجماهيري يتجاوز ذلك الفصل بين الاقتصاد والسياسة لدى النزعة الإصلاحية (وكذلك لدى نقيضتها التي تشبهها وهي النزعة السينديكالية). والإضراب الجماهيري يعمل على دمج النضال من أجل الإصلاحات في ظل الرأسمالية مع النضال من أجل الإطاحة الثورية بالرأسمالية. والإضراب الجماهيري يعد جسرا بين اللحظة الراهنة “هنا والآن” وبين المستقبل الاشتراكي.

في الإضراب الجماهيري لا يصبح العمال مراقبين لحركة التاريخ لا يتدخلون فيها، ولا جيشا مرحليا في هذه الحركة، بل يتدخلون في معترك الحركة التاريخية لتشكيل مستقبلهم وصياغة أنفسهم.

“في الثورات البرجوازية السابقة، عندما كان التعليم السياسي والقيادة السياسية للجماهير الثورية تقوم بهما الأحزاب البرجوازية من ناحية، وكانت المهمة الثورية محددة في الإطاحة بالحكومة من ناحية أخرى، كانت المعركة القصيرة على المتاريس هي الشكل الملائم للنضال الثوري. أما اليوم، في الوقت الذي تضطر الطبقة العاملة فيه إلى تعليم وتنظيم وقيادة نفسها في خضم النضال الثوري، وحيث الثورة نفسها ليست موجهة ضد سلطة الدولة القائمة فحسب ولكن أيضا ضد الاستغلال الرأسمالي، تبدو الإضرابات الجماهيرية أسلوبا طبيعيا في تعبئة وتثوير وتنظيم أوسع شرائح ممكنة من البروليتاريا في الحركة. وفي نفس الوقت تصبح هذه الإضرابات أسلوبا يجري بواسطة تقويض سلطة الدولة القائمة والإطاحة بها علاوة على مواجهة الاستغلال الرأسمالي.

وحتى يمكن للطبقة العاملة المشاركة بجماهير غفيرة في أي تحرك سياسي مباشر، ينبغي أولا أن تنظم نفسها، الأمر الذي يعني قبل كل شيء أنها يجب أن تلغي الحدود بين المصانع والورش وبين المناجم وأفران الصهر، أي ينبغي عليها تجاوز الانفصال بين الورش الذي تحتمه السيطرة اليومية للرأسمالية. ولذلك فإن الإضراب الجماهيري هو الشكل العفوي والطبيعي الأول الذي يتخذه كل تحرك ثوري بروليتاري عظيم. وكلما أصبحت الصناعة هي الشكل المهيمن على الاقتصاد، كلما أصبح دور الطبقة العاملة أكثر بروزا، وكلما تطور الصراع بين العمل ورأس المال، كلما أصبحت الإضرابات الجماهيرية أكثر قوة وأشد حسما. إن الشكل الرئيسي السابق للثورات البرجوازية، أي المعركة على المتاريس، أو المواجهة المفتوحة مع قوة الدولة المسلحة تعد جانبا ثانويا في الثورة في الوقت الحاضر، إنها لحظة واحدة فقط في عملية شاملة من النضال الجماهيري للبروليتاريا.” (2)

على خلاف جميع الإصلاحيين الذين يرون حائطا صينيا يفصل بين النضالات الجزئية من أجل إصلاحات اقتصادية وبين النضال السياسي من أجل الثورة، أوضحت روزا لوكسمبورج أن النضال الاقتصادي ينمو ويتحول في الفترات الثورية إلى نضال سياسي والعكس.

“إن الحركة لا تسير في اتجاه واحد فقط من النضال الاقتصادي إلى النضال السياسي، ولكنها أيضا تسير في الاتجاه العكسي. فكل تحرك سياسي جماهيري، بعد أن يصل إلى ذروته، ينتج عنه سلسلة من الإضرابات الاقتصادية الجماهيرية. وهذه القاعدة لا تنطبق فقط على إضراب جماهيري واحد، وإنما تنطبق أيضا على الثورة ككل. ومع انتشار ووضوح واحتدام النضال السياسي، فإن النضال الاقتصادي ينتشر ولا ينحسر وفي نفس الوقت يصبح أكثر حدة وتنظيما. فهناك تأثير متبادل وتفاعل بين شكلي النضال. كل هجوم جديد وانتصار جديد للنضال السياسي له أثر قوي على النضال الاقتصادي من حيث أنه في نفس الوقت الذي يؤدي إلى فتح مجال أوسع للعمال من أجل تحسين أوضاعهم ويقوي لديهم حافز الحركة لتحقيق ذلك، فإنه يعزز الروح القتالية لديهم. وبعد كل موجة عالية للحركة السياسية، تتخلف تربة خصبة تنمو عليها آلاف النضالات الاقتصادية. والعكس أيضا صحيح. فنضال العمال الاقتصادي المستمر في مواجهة رأس المال يدعمهم ويساندهم في كل لحظة توقف في المعركة السياسية. ويمكن القول أن النضال الاقتصادي يمثل المخزون الدائم لقوة الطبقة العاملة الذي تستقي منه الصراعات السياسية دائما قوة جديدة.

والخلاصة، أن النضال الاقتصادي هو العامل الذي يدفع الحركة من نقطة سياسية محورية إلى نقطة أخرى. وأن النضال السياسي يهيئ التربة ويخصبها بين فترة وأخرى من أجل النضال الاقتصادي. وفي كل لحظة، يتبادل السبب والنتيجة موقعهما. وهكذا نجد أن عنصري الاقتصادي والسياسي لا يميلان إلى الانفصال عن بعضهما خلال فترة الإضرابات الجماهيرية في روسيا، ناهيك عن الحديث عن نفي أحدهما للآخر كما تفترض الرؤى والسجالات البيزنطية.” (3)

إن الذروة المنطقية والضرورية للإضراب الجماهيري هي “الانتفاضات الشاملة التي يمكن أن تتحقق فقط كتتويج لسلسلة من الانتفاضات الجزئية التي تهيئ التربة، ولذلك تكون هذه الانتفاضات عرضة للتوقف فترة فيما يبدو وكأنها “هزائم” جزئية، وربما تبدو كل منها “غير ناضجة” أو سابقة لأوانها”. (4)

وبالنسبة لروزا، “النمو الروحي للبروليتاريا هو المكسب الذي لا يقدر بثمن، لأنه المكسب الباقي خلال حركة المد والجزر العنيفة للموجات الثورية. التطور السريع في وعي البروليتاريا يوفر الضمانة القوية لمزيد من التقدم في الصراعات الاقتصادية والسياسية الحتمية القادمة.”(5)

وما أروع الروح المثالية التي يبلغها العمال حينذاك! إنهم ينحون جانبا التفكير فيما إذا كانوا يمتلكون سبل إعالة أنفسهم وأسرهم خلال هذا النضال. ولا يسألون إذا ما كانت جميع الاستعدادات التقنية قد أنجزت. فالإضراب الجماهيري يمكن أن “ينتج طاقة هائلة من المثالية بين الجماهير حتى يبدو وكأنهم أصبحوا محصنين تقريبا ضد تأثير الحرمان من أهم ضروريات الحياة.” (6)

التحليل الذي قامت به روزا لوكسمبورج يركز على الأثر الكبير للإضراب الجماهيري في إذابة الحدود والفواصل بين الاقتصاد والسياسة في نضالات العمال. ولكنها أيضا تدرك إن هذا الإضراب يميل إلى إذابة حواجز وفواصل أخرى – مثل القطاعية، والإقليمية، إلخ – في نفس الوقت الذي يكشف عن الهوة التي لا يمكن تجاوزها بين مصالح العمال ومصالح أصحاب العمل ودولتهم. وتنطبق رؤية لوكمسبورج تماما على عدد من الإضرابات الجماهيرية: مثل روسيا 1905، و 1917، وفرنسا وإسبانيا عام 1936، والمجر 1956، وبولندا 1980، وغيرها.

ومع ذلك هناك إضرابات جماهيرية عديدة لا تشترك في الكثير من جوانبها مع التي وصفتها روزا لوكسمبورج. فعندما يكون العمال منظمين بدرجة عالية في نقابات، يكون مدى استقلالهم عن بيروقراطية النقابات المحافظة عاملا مؤثرا في ثقتهم في مواجهة الرأسماليين. وكلما كان مستوى التنظيم والثقة بين القواعد العمالية مرتفعا في مواجهة الرأسماليين، كلما زادت قدرتهم على تحطيم الأغلال التي تفرضها البيروقراطية النقابية، والعكس صحيح. ويحدد المدى الذي يكون فيه الإضراب نيتجة لمبادرة القواعد العمالية مدى اقتراب هذا الإضراب من القاعدة التي وصفتها روزا لوكسمبرج في تحليلها للإضراب الجماهيري.

ولسوء الحظ، يستخدم كثيرون تحليل روزا لوكسمبورج للإضراب الجماهيري بطريقة دوجمائية، وبدلا من مقارنة مفهومها لهذا الإضراب مع ما يحدث واقعيا من إضراب جماهيري، يستخدمون هذا التحليل في التعتيم وليس في التنوير. إن الإضراب الجماهيري، مثل كل الظواهر الاجتماعية، ليس ظاهرة مطلقة، وإنما يعتمد إلى حد كبير على الظروف التي يقع فيها الإضراب. وحتى نبين ذلك، سوف نتناول إضرابين جماهيريين يختلفان تماما عن الإضرابات التي قامت روزا بتحليلها: وهما الإضراب العام الاقتصادي الخالص في السويد 1909 الذي سيطرت عليه البيروقراطية سيطرة مركزية، والإضراب العام السياسي الخالص في بلجيكا 1913 الذي سيطرت عليه البيروقراطية أيضا.

إضرابات عامة اقتصادية خالصة وسياسية خالصة: السويد 1909 وبلجيكا 1913
أولا) السويد 1909:

بدأ الإضراب العام في السويد في 2 أغسطس 1909، وجاء في أعقاب سلسلة من الإضرابات الأصغر حجما في شهر يوليو التي ووجهت بإغلاق عدد من المصانع من قبل أصحاب العمل. كان هدف الإضراب هو تحسين أجور العمال. واستجاب لدعوة قيادة النقابة المركزية بالإضراب حوالي 300 ألف عامل توقفوا عن العمل من إجمالي 500 ألف يعملون في قطاعي الصناعة والنقل.

كان الإضراب خاضعا لسيطرة حازمة من أعلى، وكان شعار قيادة الإضراب الراسخ هو الحفاظ على النظام. وهكذا أصدر الأمين العام للنقابات القواعد التالية:

“تقوم لجان الإضراب باختيار عدد كاف من “الشرطة الخاصة” للحفاظ على النظام تنتقى من أفضل الأشخاص المؤهلين لهذا العمل. وتتعاون لجنة الإضراب في كل موقع مع الشرطة، ويعطى أفراد “الشرطة الخاصة” بطاقات ويحملون شارات تشير بوضوح إلى عملهم . وعليهم أن يلتزموا بتعليمات الشرطة التزاما صارما. ” (7)

أما فكرة تكوين شرطة خاصة للنقابة فكانت اقتراحا قدمه وزير الداخلية لرئيس اتحاد العمال، وكانت النتيجة حقا نظاما متقنا ومحكما. فقد أشار أحد المؤرخين:

“بسبب الأوامر المستمرة من قبل قيادات العمال بالحفاظ على النظام، وبسبب التعاون المثالي الممتاز من قبل شرطة الإضراب مع قوة الشرطة النظامية، وبسبب وقف بيع البيرة والكحوليات وقفا شبه كامل خلال فترة الإضراب، استطاعت السلطات والجمهور تأكيد أن النظام حوفظ عليه بصورة أفضل من الأوقات العادية، وأن سلوك العمال واحترامهم لقيم اللياقة الاجتماعية تجاوزت كل عبارات المديح.” (8)

كان الإضراب منظما تماما بشكل صارم، غير أنه لم يحقق أي إنجاز. وبعد ما يزيد قليلا على الشهر، تم إنهاء الإضراب. ولم يحصل العمال على بنس واحد زيادة في أجورهم. قيادة النقابات “استسلموا عمليا دون أي شروط” وفشل الإضراب “فشلا ذريعا”. (9)

بعد ذلك تحول أصحاب العمل إلى الهجوم. عدد العمال الذين طردوا من عملهم أو انتقلوا إلى موقع الإضرابات الدفاعية ظل كبيرا جدا لفترة طويلة. في 9 سبتمبر كان عدد هؤلاء العمال 124351 عاملا، وحتى بداية أكتوبر كان 63620 عاملا يعانون من حرمانهم من العودة للعمل. وفي بعض الصناعات استمر الحرمان من العودة للعمل لما يزيد على العام حتى أول ديسمبر 1910. وشملت هذه الصناعات صناعة الملابس، والسيليولوز، وبناء الطرق والكباري، وصناعة النسيج وورش الخراطة. وانخفضت عضوية اتحاد النقابات بنسبة 33% في عام 1909، ولم يسترد الاتحاد عضويته كاملة حتى خلال عام 1910. (11)

وكان الإضراب العام في السويد مثالا قصويا على الإضراب الجماهيري البيروقراطي.

ثانيا) بلجيكا 1913:

في 30 يونيو 1912 قرر مؤتمر خاص لحزب العمال البلجيكي الدعوة إلى إضراب من أجل حق الاقتراع لجميع الرجال وإلغاء الأصوات المضاعفة للأغنياء التي صنفت العمال كأنصاف أو أثلاث أو أرباع مواطنين. ولم يحدد المؤتمر موعد الإضراب، بل منح جميع السلطات في هذا الشأن للجنة الوطنية لحق الاقتراع والإضراب العام. ولم تقرر هذه اللجنة شن إضراب عام حتى اجتماعها في 12 فبراير عام 1913، ورغم ذلك حددت موعد الإضراب في 14 أبريل، أي بعد الاجتماع بشهرين. وكانت قيادات اللجنة تعتقد أن أنسب وقت للإضراب هو “فصل الربيع، حيث يمكن للعمال زراعة حدائقهم في وقت الفراغ خلال الإضراب – كما أن توقف العمل خلال شهر أبريل سوف يواكب من الناحية العملية عطلة عيد القيامة.” (12)

لماذا كل هذه الفترة، التي بلغت عشرة أشهر، والتي تفصل بين الدعوة للإضراب العام وتنفيذه فعلا؟ “إن بعض القيادات بلا شك كانت تأمل من اللعب على عامل الزمن حدوث شيء ما يجنبها تنفيذ الإضراب. ورغم أن أساليب القيادة فشلت في تجنب وقوع الإضراب العام في النهاية، فإن تأجيله لمدة عشرة أشهر سمحت بتنفيذ إضراب عام سلمي للغاية عن طريق التنظيم الذي استغرق وقتا طويلا والدعاية المتواصلة، والإحلال البطئ للمنطق الهادئ لعام 1913 محل العواطف الجامحة التي كانت سائدة في شهر يونيو 1912. ” (13)

كل شيئ كان منظما تنظيما صارما ومخططا له بعناية. مثال ذلك صدور تعليمات عامة تؤكد على الطابع السلمي تماما للإضراب، بل وحتى عدم التعرض لكاسري الإضراب. وشملت هذه التعليمات:

“أن تكون مسالما، مع تجنب جميع المسيرات الصاخبة والمظاهرات الغاضبة والمشروبات الكحولية. ممنوع التخريب، وممنوع التعدي على حرية العمل. بلغ هذه الرسالة للعمال: “شبكوا أياديكم، واجعلوا الإضراب مرحا. استمروا في الإضراب لستة أسابيع وسوف تنتصرون.” وحتى تستطيع الاستمرار في الإضراب لستة أسابيع يجب عليك أن تدخر. وفر المصروفات التي تنفقها في الحانة، وفي ممارسة الرياضة، والقمار. لا تساوم على أموال النقابة التي يجب الحفاظ عليها لتمويل الإضرابات الاقتصادية.”

خلال شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر عام 1912، تم تنظيم العديد من اللقاءات الواسعة في المدن والمراكز الصناعية، ورددت الصحف العمالية آراء المتحدثين فيها. وعشية إعادة افتتاح البرلمان في شهر نوفمبر، انعقدت آلاف اللقاءات في توقيت واحد في مختلف أنحاء البلاد. وقامت اللجنة الوطنية للاقتراع والإضراب العام بإصدار مليون نسخة من أربعة بيانات وخمسة كتيبات بهدف نشر هذه الدعاية.

وتم تنظيم دعاية متخصصة من جميع الألوان والأشكال لدعوة المحليات، وللنقاش مع أفراد العائلة، وللدوائر الموسيقية والرياضية. وكانت هناك طوابع للإضراب العام توضع على المراسلات، رغم أن هيئة البريد رفضت فيما بعد لصق هذه الطوابع عليها. وشارات للإضراب العام توزع على المتحمسين وأغاني لإيقاظ المشاعر الطبقية حتى في الممرات والأكواخ الصغيرة التي يقطنها أشد العمال فقرا.” (14)

كان تمويل الإضراب منظما بأشد الأساليب المركزية والبيروقراطية الممكنة، حتى تمنع أي احتمال للنشاط العفوي للقواعد العمالية. وكان تنظيم الوجبات تحت سيطرة محكمة من قبل اللجنة الوطنية لإمدادات الغذاء. “كانت مهمة اللجنة تقسيم الأحياء والمناطق بطريقة تضمن منع التقاء أكثر من مائتين من المضربين في نقطة واحدة حتى لا يتحول الإضراب عن طابعه السلمي.

وكانت الوجبات المشتركة تجمع المضربين معا مرتين يوميا، وتشجعهم على المحافظة على الطابع السلمي والنظام وتوفر مجالا لتوجيه الأوامر وشرح خطط القيادات. وقامت اللجنة بمهمتها بعناية شديدة حتى أنها أعدت حوالي عشرين قائمة طعام مختلفة قبل أن يبدأ الإضراب فعليا.” (15)

التنظيم الصارم شمل أيضا أنشطة المضربين في وقت الفراغ. “فقد تم إعداد برامج من جميع الأنواع للدراسة والترفيه بالنسبة للمضربين خلال فترة الإضراب. الولائم والحفلات الموسيقية، قراءة كتب مسلية وكتب ذات طابع اشتراكي، تجهيز مكتبات عمالية مؤقتة، وترتيب الاستخدام الكامل للمكتبات الموجودة، تخطيط زيارات جماعية للعمال إلى مختلف المتاحف والمعارض الفنية، (على ألا يتجاوز عدد المجموعة الواحدة 25 شخصا)، الرحلات اليومية إلى الريف واستخدام الحدائق العامة لممارسة الرياضة – كل هذه الأنشطة وأنشطة الإضراب الأخرى وضعتها في اعتبارها بعناية شديدة اللجنة الوطنية واللجان المحلية.”(16)

وقامت قيادة الإضراب بإشراك الشباب المتحمس والغاضب في “الشرطة العمالية” الخاصة من أجل منعهم من إساءة التصرف. “لدرء مخاطر الاضطرابات من جانب شباب الاشتراكيين الأكثر نضالية، فكر قادة حزب العمال في تلك الخطة التي حققت نجاحا كبيرا بتحويل أكثر هؤلاء الشباب المتحمسين تأثيرا إلى شرطة عمالية خاصة، وقد حققت هذه الخطة نجاحا غير عادي.” (17)

واتخذت الإجراءات الصارمة لمنع الخطباء المندفعين من الانحراف عن الصراط الضيق المستقيم: بعد بداية الإضراب، تم تعيين جميع المتحدثين خلال الاجتماعات الخاصة بالإضراب تعيينا محددا من قبل الاتحاد الذي كان أعضاؤه يعقدون هذه الاجتماعات حتى لا تحدث أي اضطرابات من قبل الخطباء غير الموثقين. (18)

لم تكن الحكومة واثقة في أن قيادات حزب العمال سوف يتمكنون من السيطرة الكاملة على العمال. “ولذلك، اتخذت السلطات جميع الاحتياطات الممكنة. وانتشر جنود الجيش والشرطة في كل مكان. ومنع اجتماع عدد كبير من الأفراد أمام أي من التعاونيات الكاثوليكية. وانتشرت الدوريات في محطات السكة الحديد وعلى خطوط القطارات، وقام الجنود بحراسة الأنفاق وحراسة أديرة الراهبات. وفي اليوم الأول من الإضراب، تواجدت قوات الجيش والشرطة في جميع المصانع والورش منذ السادسة صباحا. وقبل يوم 13 أبريل كانت السكك الحديدية والجسور وجميع المواقع الاستراتيجية تحت حراسة كثيفة. بل تم وضع جنود حتى في أكثر القرى هدوءا.” (19)

كان عدد العمال الذين شاركوا في الإضراب – 450 ألفا – عددا كبيرا مقارنة بالإضرابات الجماهيرية التي جدثت في روسيا في عام 1905، وأكبر بكثير إذا تم حسابهم على أساس نسبتهم العددية من سكان بلجيكا.

كان الهدوء والانضباط هما أهم خصائص ذلك الإضراب:

“منذ البداية تكشف النظام والانضباط بدرجة ملحوظة. غادر العمال مصانعهم بنظام محكم، قاموا بتنظيف وتزييت ماكيناتهم وأدواتهم، وتركوا كل شيء في حالة تضمن عدم تعرضها لأدنى عطب يعطل استمرار العمل عندما يحين موعد ذلك. بل إن معارضي الإضراب أنفسهم اضطروا للاعتراف بأن ذلك يعد دليلا واضحا تماما على أن الإضراب ليس موجها ضد أصحاب العمل.

وتجول العمال أنفسهم في أحيائهم، يتطلعون بهدوء إلى فتارين المحلات، ينامون في وقت متأخر ولكن يذهبون إلى أسرتهم مبكرا، ويقومون بزراعة حدائقهم، يذهبون إلى الفرع المحلي لبيت الشعب لقراءة الصحف أو معرفة الأخبار من لجنة الانضباط المحلية. يزورون ذويهم في مدن أخرى، ويقطعون المسافة سيرا على الأقدام حتى لا ينفقوا أموالهم على السكة الحديد المملوكة للدولة، عدد كبير منهم أسلموا أنفسهم للزيارات الجماعية المنظمة بشكل رسمي إلى المتاحف والمعارض الفنية أو واظبوا على حضور الحفلات الموسيقية والمحاضرات العمالية. عمال المعادن حصلوا على عمل في فرنسا وقاموا بإرسال جانب كبير من أجورهم تبرعا لصندوق الإضراب. أما أكثر العمال حيوية وحماسا فقد شغلوا أنفسهم بالإدارة الفعلية لعملية الإضراب – يساعدون في مطابخ الوجبات، ويوزعون بطاقات الإضراب، ويعملون تحت إدارة لجنة الدعاية، أو يعملون ضمن شرطة الإضراب.” (20)

الإضراب العام في بلجيكا وصفه أحد المؤرخين وصفا مقتضبا بأنه “الصمت العظيم”. أما الجانب الذي أثار إعجابا أكبر لدى أحد المراقبين للإضراب فقد كان “ذلك الهدوء العميق الذي بدأ به الإضراب والانضباط الرصين الذي ساد تلك الفترة.” وأكد مراسل جريدة التايمز اللندنية في تقرير أرسله إليها خلال اليوم الأول للإضراب أن: “أنباء الهدوء تأتي من كل مكان. هذا الإضراب سلمي تماما.”

في شارلوا، حيث أضرب الغالبية العظمى من العمال، “لم يحدث أي اعتداء على من ذهبوا للعمل.” استطاع نفس المراسل أن يكتب في اليوم التالي أن “النظام المحكم مازال مهيمنا.” وفي اليوم الثالث للإضراب أرسل برقية تقول “حافظ العمال على نفس الطابع السلمي وغياب أي اضطرابات. لقد أوفى قادة الإضراب تماما بوعودهم بأن يكون الإضراب سلميا وأبدى العمال المضربون انصياعا يثير الإعجاب لهذه الأوامر.” ورغم وجود أعداد كبيرة من المراسلين الأجانب في جميع أنحاء بلجيكا يتابعون تطورات الإضراب، نشرت صحيفة التايمز عن اليوم الرابع للإضراب تقول “حتى الآن يسود الهدوء التام، ولم يحدث أدنى كسر لحالة الهدوء لعدة أيام على التوالي.”

وفي 20 أبريل، نشرت التايمز تقريرا جاء فيه “إن المضربين يتمتعون بنوع من العطلة ويتميزون بحسن السلوك ولا يبدو عليهم شئ يقترب من ذلك الشعور المثبط بالحزن الذي ينذر بالخطر في قضية حرجة وملحة.” (21)

واستمر الحال على ذلك الهدوء حتى نهاية الإضراب.

تم إنهاء الإضراب بعد عشرة أيام. ولم يحقق أي إنجاز واقعي على الإطلاق. ولم يطرأ أدنى تغيير على قانون الاقتراع في بلجيكا.

كان الإضراب البلجيكي نفيا متطرفا لمفهوم روزا لوكسمبورج عن الإضراب الجماهيري: لا عفوية، ولا تحركات مستقلة للقواعد، الانفصال الكامل بين السياسة والاقتصاد، لا مواجهة اقتصادية مع الرأسماليين، ولا مواجهة سياسية حقيقية مع الدولة. وحصرت السياسة في إطار المفهوم الضيق لإصلاح النظام الانتخابي.

الإضراب العام في بريطانيا 1926

كان الإضراب العام في بريطانيا قريبا جدا من حيث طبيعته من إضراب السويد في 1909 وإضراب بلجيكا في 1913 رغم أنه لم يكن منظما تنظيما محكما بنفس الدرجة من قبل البيروقراطية، ولكنه كان أقرب إليهما من الإضرابات الجماهيرية في روسيا 1905. وكانت المحصلة أن الإضراب العام الذي دعت إليه البيروقراطية في عام 1926 لم يتح للعمال الذين عبأتهم الفرصة للإفلات، ولو مؤقتا، من قبضة البيروقراطيين. قصر مدة الإضراب التي امتدت لتسعة أيام منعته من خلق حياة مستقلة.

ومنذ البداية أوضح قادة مؤتمر نقابات العمال أنهم يعتزمون إحكام قبضتهم على الإضراب. وتولوا بأنفسهم اتخاذ القرار فيمن ينبغي أن ينضم للإضراب ومن لا ينبغي له ذلك. ولو كانت حركة القواعد العمالية أقوى مما كانت عليه لما تسامحت مع قرار تعسفي بأن يشارك بعض العمال في الإضراب بينما لا يشارك آخرون يقومون بنفس الأعمال. وعلاوة على ذلك، تسبب القرار البيروقراطي المتعسف في حالة من الارتباك الشديد.

دعي للإضراب عمال النقل والطباعة والحديد والصلب وعمال البناء (فيما عدا من كانوا يعملون تحديدا على بناء المساكن والمستشفيات)، بالإضافة إلى عمال الكهرباء والغاز الذين طلب منهم أن “يتعاونوا بهدف وقف إمدادات الكهرباء (ولكن دون وقف الإمدادات التي تستخدم في الإضاءة). وتم الاستثناء من الإضراب للمهندسين وعمال صناعة السفن والبريد (بما فيهم من يتعاملون مع التلغراف والبرقيات – وبالتالي تركت وسائل اتصال شديدة الفاعلية بالكامل في أيدي الحكومة). وكانت النتيجة تخبطا هائلا:

المجلس العام قرر استمرار إمداد الكهرباء بأغراض الإضاءة، وليس لاستخدامات الطاقة المحركة، وبناءا على ذلك أصدر تعليماته للجميع. ولكن نقابة عمال الكهرباء كانت فعلا قد أصدرت تعليمات بتوقف جميع أعضائها عن العمل فيما عدا العمال الذين يمدون المستشفيات بالكهرباء، كما أن نقابات عمال الصناعات الهندسية لم تقرر وقف العمل إلا بعد توقف النقابات الأخرى. وزاد تعقيد الموقف حقيقة أن القرار الأساسي لم يكن عمليا. فقد اتضحت استحالة الفصل في استخدام الكهرباء للإضاءة أو القوة المحركة وفقا لرغبة المجلس العام. وبعد ذلك خلال الإضراب، أصبحت التعليمات الخاصة بالإضاءة والقوة المحركة أكثر غموضا على غموضها، مثل التعليمات التي تعطى للجان الإضراب المحلية بلقاء السلطات المحلية وتقديم الطاقة وكهرباء الإضاءة لها لتوفير خدمات مثل إضاءة المنازل والمحلات والشوارع، “لخدمات اجتماعية مثل توفير الطاقة لإنتاج الغذاء والمخابز والمغاسل والأغراض المنزلية. ” ولا عجب أن قامت الكثير من الأحياء بإرسال الوفود إلى ميدان إكلستون للاستفسار عن المعنى الحقيقي للتعليمات.

كما أدى قرار المجلس العام بترك كل نقابة تتخذ إجراءاتها بشأن دعوة أعضائها للإضراب بشكل مستقل إلى صعوبات في التفسير. أبرز مثال على ذلك هو حالة الارتباك التي ترتبت على أمر بدعوة جميع العمال المتدربين إلى الإضراب “فيما عدا أولئك الذين يعملون في المستشفيات وقطاع الإسكان.” فما معنى هذه الكلمات؟ اختلفت جميع النقابات المعنية حولها، وأحيانا كان الاختلاف يتخذ شكلا عنيفا. وشكا سكرتير لجنة ويلينجبره بعد دعوة لاجتماع واسع “كل سكرتير لرابطة تابعة كان على المنصة إلى جانبي، وكل منهم كان لديه تعليمات مختلفة، كل منهم دعا الأعضاء إلى التوقف عن العمل، ثم استمر بعد ذلك في وضع قواعد ونظم لا يستطيع أحد تفسيرها، ولكنها أيضا جعلت من المستحيل على الأعضاء أن يفسروها.” (22)

فوضى البيروقراطية خلقت عجائب وغرائب حقيقية، هكذا مثلا جاءت أنباء من شيفيلد تشير إلى “إحدى الحالات التي تم إصدار تعليمات فيها لعضو في إحدى النقابات يعمل لدى إحدى الشركات من الخارج بالتوقف عن العمل، فيما طلب من الأعضاء الآخرون في نقس النقابة الذين كانوا يعملون بنفس الشركة أن يستمروا في عملهم، وما أثار اشمئزاز العمال أنهم أجبروا على كسر إضراب زملائهم بتوجيهات رسمية.” (23)

ولأن الدعوة للإضراب لم تشمل جميع العمال، اضطر كثير منهم، مثل عمال الصناعات الهندسية وبناء السفن في جلاسجو إلى استخدام المواصلات التي كسرت الإضراب للذهاب إلى العمل.

وعكست الدعوة التي أطلقتها بعض النقابات المتفرقة (عضوية 82 نقابة كانت إما في إضراب كامل أو جزئي) النزعة القطاعية لدى البيروقراطية النقابية. ومرة تلو الأخرى نجد العمال تذمروا على عدم دعوتهم للإضراب وغالبا ما تجاهلوا التعليمات وشاركوا في الإضراب على أي حال.

غير أن المشكلة التي واجهتهم هي الافتقاد إلى التنظيم على مستوى القواعد الذي يمكن انتشار وانتقال هذا التذمر من خلاله. وبشكل عام كانت المنظمات المحلية عاجزة أو تسيطر عليها البيروقراطية. أهم هذه المنظمات القاعدية كانت مجالس النقابات القطاعية، التي بادرت منذ البداية إلى تشكيل لجان الإضراب أو “مجالس الحركة” والتي ربما تراوح مجموعها من 400 إلى 500 مجلس.

سلطات مجالس النقابات القطاعية كانت دائما مقيدة، فالمفاوضات حول الأجور وشروط العمل في كل قطاع كانت تتم إما على المستوى القومي أو على مستوى مواقع العمل، وهو ما حد من الدور التفاوضي لمجالس النقابات القطاعية التي تضم عضويتها مندوبين عن الفروع المختلفة للنقابة في كل منطقة، ولذلك لم يكن لها علاقة مباشرة بالعمال في مواقع العمل، ولم تستطع أن تلعب دورا كبيرا في اتخاذ القرار بشأن الأجور وشروط العمل. علاوة على أنها لم تكن تمتلك أي سلطات عقابية مالية أو أخرى تجعلها قادرة على إلزام أعضائها بأي وسيلة من الوسائل، بل تستطيع فقط أن تلعب دورا في الأمور التي تبتعد تماما عن موقع العمل، مثل قضايا الصحة والتعليم والإسكان بما يشبه دور جماعات الضغط في المجتمع المحلي.

وخلال فترة تصاعد النضال العمالي من 1910 إلى 1920، كان دور المجالس القطاعية هامشيا في أفضل تقدير. هكذا كتب أحد المؤرخين، هو ألان كلينتون، عن دورها في فترة تصاعد حركة النقابات الموقعية في المصانع خلال الحرب العالمية الأولى:

إن المجالس القطاعية كانت إلى حد كبير منظمات مرتبطة بالآلية النقابية نفسها، وليست متوائمة بأي شكل من الأشكال مع مشكلات عمال الورش التي برزت خلال هذه الفترة وعبرت عن نفسها في حركة النقابات المصنعية. ورغم تجاهل وجودها إلى حد كبير من قبل قيادات الحركة النقابية في ذلك الوقت، عبرت المجالس القطاعية ككل عن سياستها وميولها بشكل أكثر راديكالية إلى حد ما. وهكذا كانت العلاقة بين المجالس القطاعية وحركة اللجان النقابية المنتخبة في مواقع العمل تتسم بالتعاون العابر أكثر منها بالدعم المباشر. (24)

ويذكر أحد الكتب التي تناولت تاريخ المجلس القطاعي في منطقة شيفيلد أن تطور حركة النقابات المصنعية المنتخبة خلال الحرب العالمية الأولى لم يكن له علاقة بالمجالس القطاعية.(25) وبالمثل حرص أعضاء لجنة نقابة كلايد حرصا شديدا على تجنب المجلس القطاعي في جلاسجو.(25) ومع ذلك، ففي قضايا لا علاقة لها بالصناعة – مثل التحريض ضد طوابير الغذاء الطويلة خلال فترة الحرب، تعاونت لجنة عمال شيفيلد فعلا مع المجالس القطاعية.(27) كما تعاونت اللجنة المشتركة لعمال الصناعات الهندسية في كوفنتري مع المجالس القطاعية في المدينة على نفس القضية.(28) ولكن لم يبدأ جيه تي ميرفي وقيادات شيوعية أخرى في التركيز على أهمية المجالس القطاعية إلا في أعقاب حركة النقابات المصنعية. ففي عام 1922، أصبح ميرفي مقتنعا بأن المجالس القطاعية كانت “وسيلة لربط القوى العاملة وتوحيدها في المعركة الطبقية. ومن السهل أن ندرك أنه في المستقبل القريب جدا سوف تلعب المجالس القطاعية دورا متزايدا باستمرار في الحرب الطبقية.”(29)

في إضراب عام 1926 ساد قدر كبير من الفوضى والارتباك على المستوى المحلي وتم تجاوز العديد من المجالس القطاعية بسبب جهود قيادات النقابات الرامية إلى إدارة الإضراب من خلال الآلية الخاصة بنقاباتهم منفردة. وفي بعض المواقع “كان هناك عدد من لجان الإضراب المختلفة تمتلك سلطات تتعارض فيما بينها. حدث ذلك في ليدز، حيث شكل كل من اتحاد العمال GMWU ونقابات عمال النقل لجان إضراب منفصلة والتي رفضت الاعتراف بسلطة المجلس القطاعي. وفي شيفيلد شكل الحزب الشيوعي لجنة إضراب موازية ومستقلة.(30)

كانت الصورة في لندن شديدة الفوضوية. فبحلول الثامن من مايو تم تشكيل حوالي 15 مجلسا للحركة، ومع نهاية الإضراب بلغ العدد حوالي السبعين مجلس. ولكن لم ينعقد أول مؤتمر لمجالس الحركة إلا بعد نهاية الإضراب. عندما بدأ الإضراب، دعا المجلس القطاعي في لندن إلى اجتماع للجان نقابات المناطق وقام بتشكيل لجنة مركزية للإضراب رسمية. ولكن للأسف “لم تحافظ لجنة الإضراب المركزية على اتصال فعال مع لجان الحركة المحلية ولا مع لجان الإضراب.”(31) ونتيجة لذلك “تحولت اللجنة المركزية إلى هيئة بلا قوة حقيقية، وكانت وظيفتها محددة بعقد الاجتماعات لمندوبي المجالس المحلية وتوجيه النصح والإرشادات التي لا تستطيع فرضها.”(32)

وفي جلاسجو تم تشكيل اللجنة المركزية التنسيقية للإضراب في 3 مايو من 23 عضوا معظمهم من مسئولي النقابات، كان من بينهم بيتر كيريجان الشيوعي، ووليام شور، أمين مجلس العمال والقطاعات في جلاسجو الذي ينتمي إلى الجناح اليميني. ولأن عمال السفن والصناعات الهندسية لم تتم دعوتهم للإضراب حتى اليوم الأخير منه لم يكن لهم أي تمثيل في اللجنة المركزية التنسيقية للإضراب. وكان الجناح اليميني يهيمن على عمال البناء والنقل والموانئ الذين شكلوا أغلب العمال المضربين.

التنظيم الذي تأسس من قبل اللجنة المركزية التنسيقية للإضراب لإدارته اكتمل بتأسيس لجان المناطق، التي تأسس منها 16 لجنة. وطلب من أعضاء أقسام حزب العمال بتأسيس هذه اللجان وقاموا بذلك في الفترة بين السادس والتاسع من شهر مايو. (33) وغالبا ما كان رئيس اللجنة من بين أعضاء مجالس حزب العمال. (34) وأصدرت اللجنة المركزية التنسيقية تعليمات إلى لجان المناطق بالحفاظ على الانضباط والنظام في مختلف أنحاء التقسيم البرلماني. ومنع أي دعاية غير مصرح لها. وتنفيذ أي تعليمات يصدرها مؤتمر النقابات أو مؤتمر نقابات اسكتلندا أو اللجنة المركزية التنسيقية.” (35)

وبرغم قيادة كيريجان للجنة المركزية التنسيقية، اتبعت هذه اللجنة الخط الذي رسمه مؤتمر النقابات وخضعت له عمليا. وبعد عدة سنوات كتب بيتر كيريجان:

خلال أيام الإضراب التسعة كنت مشغولا بشكل كامل تقريبا بأعمال اللجنة المركزية التنسيقية التي كنت نائبا لرئيسها ثم رئيسها بعد ذلك. ويسألني البعض حاليا: هل كنت أتوقع خيانة الإضراب العام؟ وكنت دائما أجيب على ذلك بأنه في خضم النضال لم أكن أعتقد ذلك أبدا. (36)

ويستنتج أحد المؤرخين، موريس، أنه “لا يبدو أن اللجنة التنسيقية المركزية للإضراب أصدرت أي مواد دعائية للمطلب الشيوعي من أجل حكومة عمالية وتأميم الفحم رغم قيادة الشيوعيين لها، ولا قامت اللجنة بمحاولة تشكيل هيئة دفاعية من العمال أو مفوضية للغذاء بمساعدة الجمعيات التعاونية. وكانت اللجنة المركزية التنسيقية مستعدة لانتقاد قرارات مؤتمر النقابات، ولكن غير مستعدة لتغيير طابع الإضراب عن الصورة التي قررها وحددها مؤتمر النقابات.” (37)

لم تجد اللجنة التنسيقية ضرورة حتى لإصدار صحيفة تعبر عنها وتكون مستقلة عن صحيفة مؤتمر النقابات الاسكتلندي الرسمية “العامل الاسكتلندي”. وقامت اللجنة برفض الاقتراح الذي قدمه كيريجان بمظاهرات كثيفة أمام المصانع لمنع دخول كاسري الإضراب.(38)

ويرى موريس بموضوعية تامة أنه “أحيانا يتردد في النقاش بشأن الإضراب العام أنه كلما اقترب من نهايته كانت السيطرة تنتقل من أيدي المجلس العام إلى أيدي المناضلين المحليين الذي ينتمون إلى اليسار. ولكن لا يبدو أن هذا ما كان يجري داخل اللجنة التنسيقية المركزية للإضراب. ولم يحدث فعليا في أي وقت خلال أيام الإضراب التسعة أن تعرضت سطلة ونفوذ مؤتمر النقابات للمساءلة.” (39)

وفي الشمال الشرقي تم تأسيس لجنة إضراب مشتركة لكل من نورثومبرلاند ودورهام، وترتب على ذلك عقد مؤتمر في 8 مايو في ساحة مدينة جيتسهيد. ونظمت هذا المؤتمر لجنة الإضراب في نيوكاسل وحضره 167 مندوبا من 87 منظمة، منها 28 من مجالس الحركة و52 من لجان الإضراب في نورثومبرلاند ودورهام. وضم المؤتمر مندوبين أيضا من كارليسل، ووركينجتون، وميدلسبره.

وكانت لجنة الإضراب المشتركة لمدينتي نورثومبرلاند ودورهام تعاني عددا من المشكلات، أولها أن رابطة عمال المناجم لمدينة دورهام، والتي كان واضحا أنها أكثر النقابات تأثيرا في المدينة، رفضت الإنضمام إلى هذه اللجنة. (قامت الرابطة بتشكيل لجنة إضراب خاصة بها قبل ساعتين فقط من إنهاء الإضراب). وثانيها أنه أعلن بوضوح أن لجنة الإضراب تخضع لقرارات المجلس العام لمؤتمر النقابات والمجالس التنفيذية للنقابات ولا تخضع لأي قرارات محددة قد يتخذها ذلك المؤتمر. وثالثة هذه المشكلات أن “لجنة الإضراب المشتركة، علاوة على ذلك، لم يكن لها تأثير فعلي في شمال أشينجتون أو جنوب جيتسهيد”. (40)

كان هناك لجنتان للإضراب في مدينة دارلينجتون: الأولى هي مجلس الحركة في دارلينجتون، وهو هيئة تتمحور حول المجلس القطاعي المحلي، والثانية تمثل عددا أكبر كثيرا من العمال وهي لجنة إضراب عمال النقل والسكة الحديد. (41) النزعة القطاعية التي أثرت سلبا على لجنة إضراب نيوكاسل ومجلس الحركة في دارلينجتون أثرت أيضا على المجلس القطاعي في ميدلسبره. ويصف تقرير من أمين المجلس القطاعي في ميدلسبره الاجتماع الأول للجنة المركزية للإضراب الذي انعقد في السادس من شهر مايو قائلا:

تمت دراسة قرار المجلس القطاعي بشأن تشكيل لجنة مركزية للإضراب، وقد اتضح على الفور إن مسألة توجيه الإضراب مركزيا لم تكن ممكنة عمليا في ميدلسبره بسبب خوف بعض المندوبين من أن يترتب على ذلك ما وصفوه بأنه “تدخل في الشئون المحلية لمختلف النقابات.” غير أن بنود قرار المجلس القطاعي تم تعديلها لمعالجة هذه الانتقادات عبر إضافة عبارات أخرى تنص على عدم تدخل اللجنة المركزية للإضراب في السياسة المحلية لأي نقابة بأي طريقة غير دستورية. ومع وضع المناقشات التي دارت حول هذه النقطة في الاعتبار، أصبح واضحا أن لجنة الإضراب المركزية لا يمكنها أن تأمل في أن تلعب دورا أكثر من هيئة تنسيقية من الخارج لا هيئة قيادية تحت أي احتمال ومهما يحدث خلال استمرار الإضراب. (42)

أما في برمنجهام، فقد أعطى المجلس القطاعي سلطة لمجلسه التنفيذي في تشكيل آلية لإدارة وتوجيه الإضراب القادم. وفي الثاني من مايو 1926، دعا المجلس التنفيذي إلى اجتماع لمسئولي النقابات المتفرغين وتم اختيار تسعة مندوبين منهم للإنضمام إلى المجلس التنفيذي في لجنة الطوارئ النقابية في برمنجهام.

“ومن الناحية السياسية كان تشكيل لجنة الطورائ أبعد ما يكون عن صفة الثورية، كما هو متوقع من لجنة تضم في عضويتها أربعة من هيئة قضاة برمنجهام ينتمون إلى حزب العمال (بريت، هول، هاينز، ورودلاند)، بالإضافة إلى عضو مجلس المدينة (كرامب) وعضو سابق بمجلس المدينة (آجر) بالإضافة إلى عضو سابق بالبرلمان. وكان أغلب أعضائها من مسئولي النقابات المخضرمين الذين يتسمون بالنضوج والمسئولية والاعتدال. وكان آجر رئيس قسم برمنجهام في حزب العمال.” (43)

وفي شيفيلد تم تشكيل لجنة النزاع المركزية من القسم الصناعي لمجلس العمال القطاعي، والتي ضمت أيضا مندوبين من النقابات التابعة للمجلس. وحددت لجنة النزاع المركزية الغرض من إنشائها باعتبارها “هيئة تابعة للمجلس العام لمؤتمر النقابات”، وكان عملها “قاصرا على تحديد أفضل السبل لتطبيق الاستراتيجية التي يضعها مؤتمر النقابات على المستوى المحلي، ولا يمتد إلى تحديد هذه الاستراتيجية نفسها.” (44)

أما ليدز، فوفقا لتقييم قامت به رابطة العوام “كانت أسوأ المدن تنظيما في انجلترا، حيث تكونت فيها لجنتان أو ربما أربع لجان إضراب تتنافس فيما بينها.” (45)

وبشكل عام كان من المعتاد أن يقوم مندوبو نقابات عمال النقل (أو نقابات عمال السكة الحديد وحدهم) بتشكيل مجالس تنفيذية مستقلة عن لجان الإضراب المركزية، مثال ذلك ما حدث في برمنجهام، جلاجسو، دارلينجتون، ونوتنجهام، وأولدهام، وكرو، ودانفيرملين، وجلوسيستر وستوك. (46)

ولم أتمكن أبدا أن أجد حالة واحدة لتمثيل أعضاء النقابات المصنعية في مجالس الحركة أو في لجان الإضراب المشتركة.

اللجان المحلية – المجالس القطاعية، ومجالس الحركة أو لجان الإضراب المشتركة – لم تجذب الحبل بقوة من المجلس العام لمؤتمر النقابات. ويصف ذلك أحد المؤرخين قائلا:

بشكل عام، تشير الدلائل الكثيرة إلى أن أغلبية المجالس القطاعية ولجان الإضراب لم تكن أكثر جرأة في مشاعرها أو خروجا عن القانون في سلوكها مقارنة بالمجلس العام لمؤتمر النقابات نفسه. على العكس، أبدت هذه اللجان والمجالس إصرارا قويا على المحافظة على الانضباط والنظام والتزام الطاعة.

كان التعهد الذي أعلنته لجنة الإضراب في نورثومبرلاند ودورهام نموذجا في هذا المجال: “لقد تعهدنا وقررنا ألا نتخذ خطوة واحدة تخرج عن تعليمات المجالس التنفيذية للنقابات أو محظوراتها حتى وإن كان ذلك استجابة لمتطلبات واضحة وجلية لمعالجة حالة طارئة. إن التزام الانضباط من جانب لجنة الإضراب المشتركة إزاء ساحة إكلستون والمجالس التنفيذية للنقابات كان التزاما بديهيا من البداية ولم يوضع محل تساؤل في أي لحظة.” (47)

وأدى اعتماد القواعد العمالية على بيروقراطية النقابات خلال الإضراب إلى الطابع السلمي تماما للعلاقة بين الشرطة والمضربين. ففي بداية الإضراب، نشرت جريدة “العامل البريطاني” قائمة من الواجبات التي ينتظر أن يؤديها العمال المشاركين في الإضراب:

أبذل قصارى جهدك حتى تجعل الجميع يبتسمون – وطريقة ذلك أن تكون أنت نفسك مبتسما.  أبذل قصارى جهدك حتى تستنكر أي أفكار عنيفة أو سلوك فوضوي. قم بسرعة بأي شيء يمكن أن يشغلك ويهدئ أصعابك إذا اهتزت أو توترت. إنجز أي مهام تحتاج إنجازها في منزلك.

افعل قليلا مما يمكنك فعله لتسلية أبنائك ومداعبتهم حيث أن أمامك الآن فرصة للقيام بذلك. افعل ما تستطيع من أجل تحسين صحتك، تمشية لفترة مناسبة يوميا سوف تحافظ على لياقتك البدنية.

إفعل شيئا، فالفراغ وتبادل الشائعات ضار في جميع النواحي. ويقترح المجلس العام تنظيم دورات رياضية في جميع الأحياء التي يوجد بها عدد كبير من العمال المشاركين في الإضراب بالإضافة إلى تنظيم حفلات ترفيهية. فذلك سوف يشغل عددا من الناس ويوفر التسلية والترفيه للكثير. (48)

في كافة أنحاء البلاد كان هناك تشديد كبير على العلاقات الودية مع الشرطة. وأشارت تقارير إلى أن رئيس الشرطة في مدينة لنكولن كان صديقا حميما لحزب العمال. ولذلك أصر على رفض السماح لفرق الشرطة الراكبة بدخول لنكولن وطلب من لجنة الإضراب بتوفير الرجال اللازمين لتشكيل شرطة خاصة.

مجلس النقابات القطاعي في مدينة باث أشار للصحف أنه “تلقى التحية والشكر من عمدة المدينة ورئيس الشرطة لمحافظته التامة على النظام، ونصح العمدة في أول يوم للإضراب بحل الشرطة المحلية الخاصة باعتبارها زائدة عن الحاجة.”، وفي إلكستون “قامت الشرطة بشكل جيد وسريع بمساعدتنا بدلا من التدخل في شئوننا.” وفي يوفيل: “أظهرت شرطة المدينة مشاعر طيبة طوال فترة الإضراب.” وفي لايتون: “العلاقة مع الشرطة طيبة للغاية.” وفي سيلبي: “مساعدة الشرطة كانت رائعة، وقد عملت شرطة الإضراب في تناغم تام مع الشرطة المحلية في المدينة.” وفي سوسكس قام أكثر من ألف عامل من المشاركين في الإضراب “بالتصويت على تأكيد الثقة في مفتش شرطة المدينة وأعضاء فريقه كما تم استقباله مصحوبا بموسيقى الشرف”. (49).

وفي مدينة بيتربره “سمح العمدة ورئيس الشرطة باستخدام الملاعب الرياضية بأسعار منخفضة أو مجانا للجان الإضراب التي كانت تنظم حفلات موسيقية ودورات للعب التنس وكرة القدم.” (50) وفي مدينة بانبري تم تنظيم حفلات موسيقية مشتركة وعقد مباريات بين الجانبين. وفي نورويتش، قام العمال المضربون وأفراد الشرطة بتنظيم سلسلة من المباريات الرياضية تحت رعاية رئيس الشرطة. وفي جميع الأحياء الشرقية الواقعة بين لندن و هومبر، تعاونت لجان الإضراب مع الشرطة والقادة المدنيين “للمحافظة على السلم وتنظيم المهرجانات الترفيهية.” (51).

ونشرت جريدة العامل البريطاني تقريرا تحت عنوان “الرياضة للجماهير، العمال المضربون يهزمون الشرطة في كرة القدم والموسيقى والدراما”: “في كثير من أنحاء البلاد تم توفير مواقع متميزة للترفيه والتسلية للعمال المضربين ولعائلاتهم. وتم تنظيم مباريات خاصة لكرة القدم وكرة المضرب علاوة على العديد من الرياضات الأخرى بالأمس، فيما توافرت أيضا أشكال أخرى للترفيه مثل الحفلات الموسيقية والأعمال الدرامية وتنظيم ألعاب الورق الجماعية.” (52)

وإلى جانب المشاركة في الرياضة، كان النشاط الثقافي الرئيسي الآخر للعمال المضربين، فيما يبدو، هو الذهاب إلى الكنسية. في باتريشا:

… خلال اليوم الثاني من الإضراب، لجأ عمدة المدينة إلى العديد من الكنائس المحلية مقترحا بأن تفتح الكنائس وقاعات النقابات أبوابها للجمهور بأغراض الراحة وذلك للتخفيف من التجمعات غير الضرورية للجمهور في الشوارع، وربما يمكن أيضا تقديم خدمات بسيطة أو محاضرات لهم. أحد الكهنة، هو القديس هارفورد في كنيسة لافندر هيل، أعلن أنه وزملاءه يوافقون بالإجماع على هذا الاقتراح. ولن يقتصر فقط على فتح قاعة الكنيسة وتقديم المشروبات والوجبات الخفيفة وإنما سوف يسعده أيضا أن يقدم بعض المحاضرات. واقترح أن يقدم محاضرات تحت عنوان أنبياء وكهنة الديمقراطية حول أفلاطون، وويل لانجلاند وتوماس مور. وقامت كنائس أخرى بالاستجابة وفتحت قاعاتها، والأهم من ذلك أنها سمحت بتقديم تبرعات يوم الأحد إلى صندوق مجالس الحركة. وفي ظهيرة يوم الأحد قامت لجنة الإضراب المشتركة لعمال النقل التابعة لنقابة عمال السكة الحديد بتنظيم مظاهرة كنسية باللافتات في مسيرة من يونيتي هول في فالكون جروف إلى كنيسية سان ماري المجاورة. وبعد غناء ترنيمة دينية “يا إلهي يا من تساعدنا منذ العهود الغابرة” استمع الجمع إلى عظة كنسية. (53)

وفي بلايموث، تم ترتيب أنشطة دينية يوميا وقد حضرها العمال المضربون. (54)

أنهى فرع نقابة عمال السكة الحديد في مدينة ويدنس اجتماعاته بدعاء “اللهم احفظ الملك” كما دعت لجنة إضراب دوفر العمال المضربين إلى ترديد النشيد الوطني Rule Britannia بدلا من The Red Flag (العلم الأحمر) خلال مسيرتهم في الشوارع.… كان في بعض نشرات الإضراب حماسة دينية وليست حماسة ثورية. كان محرر نشرة إضراب ويجان لديه رسالة ملائمة وطبيعية لقرائه يوم الأحد في التاسع من مايو: “أيها الجمهور العزيز، تذكر يوم السبت حتى تحافظ على قداسته. ينبغي أن تحب الرب إلهك بكل قلبك وروحك وعقلك وقوتك، وأن تحب جارك كما تحب نفسك. النشرة اليومية، أخبار من جميع الأرجاء، الموقف رائع، ومتماسك في كل مكان.” عدد يوم السبت من نشرة لانسبري، التي تم توزيعها في بوبلار، أعلنت لقرائها أن “غدا هو يوم الأحد. سوف تأتي إلى اجتماعاتنا في المساء، ولكني أرغب منك أن تحضر طقوس أقرب كنيسة إلى منزلك… إنها المقاومة السلبية التي أوصى بها المسيح تلك التي تمارسها اليوم.” (55)

غير أن الوضع لم يكن سلبيا وسلميا في كل مكان. ففي أحياء العمال الرئيسية في لندن وفي جلاسجو وإدنبرج والعديد من المدن الشمالية ارتكبت الشرطة عنفا حقيرا وغالبا بشكل مستمر ضد العمال المشاركين في الإضراب: في بريستون، تعرضت مجموعة تضم 5000 شخص حاولوا اقتحام قسم الشرطة لإطلاق سراح أحد العمال المضربين كان مقبوضا عليه إلى الضرب بالعصي في تجريدة تلو الأخرى حتى يتراجعوا.…وجرت أحداث شبيهة في المراكز الصناعية الهامة مثل ميدلسبره، نيوكاسل وهول، حيث كان هناك 25 محتجزا و41 من المصابين في المستشفيات. وفي مدينة يورك، حاولت مجموعة أخرى إطلاق سراح أحد السجناء، فيما شهدت مدينتا إدنبرج وجلاسجو أحداث عنف لمدة أربع أو خمس ليال مع إطلاق الصواريخ والقبض على المئات. (56)

ولو استمر الإضراب أكثر من تسعة أيام لكان بلاشك سيشهد مزيدا من عنف الشرطة. وقد أشار العديد من الكتاب إلى “التشديد الواضح في إجراءات الشرطة في كافة أنحاء بريطانيا خلال العطلة الأسبوعية الأخيرة.” (57) ومع ذلك فإن ضآلة عدد مجالس الحركة التي قررت تشكيل فرق دفاع عمالية تعد إشارة على أن عنف الشرطة كان محدودا نسبيا من حيث الانتشار.

إن عدد المناطق التي ساد فيها شعور بالحاجة إلى تشكيل فرق الدفاع العمالية كان محدودا خارج حقول مناجم الفحم في فايف: وفي تقرير إدارة بحوث العمل وردت هذه الحاجة فقط في مناطق ألدرشوت، تشاثام، كولشستر، كرويدون، ديني ودونيباس، سان بانكراس، سيلي، سورباي بريدج وويليسدن. (58). وبين الحين والآخر كان أعضاء لجان الإضراب يقدمون اقتراحات لتشكيل هذه الفرق حيث كانت سياسة الحزب الشيوعي وحركة الأقلية القومية هي الضغط لاتخاذ هذه الخطوة. لكن معظم هذه الاقتراحات ووجهت بالرفض. فقد بدت غير ضرورية لمعظم قادة النقابات لأن حوادث العنف كانت استثناءا عند النظر إلى عموم البلاد مقارنة بالصورة العامة التي اتسمت بالهدوء، حيث كانت الشرطة وصفوف حماية الإضراب تحترم كل منها مهام الأخرى. (59)

بطبيعة الحال حدث نوع من التثوير السريع – أو “النمو الروحي الحقيقي” بمصطلحات لوكسمبورج – وسط أقلية من العمال نتيجة لمشاركتهم في الإضراب. أحد أدلة ذلك هو الزيادة الكبيرة في عضوية الحزب الشيوعي خلال الإضراب والشهور التسعة التالية مع إغلاق المناجم ومنع عمال المناجم من العمل. (60)

غير أننا لن نناقش هنا ما حدث للحزب الشيوعي وقسمه العمالي المسمى بحركة الأقلية. ولن ندقق في دور قيادة حزب العمال والدور الذي لعبته موسكو. كما أننا لن نتناول النقد العبقري الذي قدمه تروتسكي للبيروقراطية النقابية، وتذيل الحزب الشيوعي خلف قيادات “اليسار”، ولا لضعف إدراك تروتسكي للأوضاع الحقيقية للطبقة العاملة البريطانية في ذلك الوقت والذي بالغ إلى حد كبير في مدى نضاليتها وقوة تنظيماتها القاعدية. فهذا الضعف في إدراك تروتسكي جاء نتيجة للمعلومات المغلوطة التي كان ينشرها قادة الحزب الشيوعي البريطاني الذين تأرجحوا بين النزعة السينديكالية التي ورثوها عن حزب العمال الاشتراكي والنزعة الإصلاحية اليسارية التي ورثوها عن الحزب الاشتراكي البريطاني. (وقد ساهم الكومنترن في تفاقم هذا التأرجح وتلك المعلومات المغلوطة). هذه الأمور قطعا لها أهميتها الخاصة، ولكننا لا نحاول تناول هذا الموضوع بالتحليل والتفصيل الشامل، حيث اهتمامنا هنا يركز على مناقشة نقطة مركزية واحدة وهي أن الإضراب العام في بريطانيا كان بوجه عام خاضعا لسيطرة البيروقراطية حيث لم تتمكن القواعد العمالية في إبداء أي استقلالية في الحركة والروح النضالية.

لماذا كان قادة النقابات بهذه القوة في بريطانيا 1926؟

بلاشك أن عددا كبيرا من المتشائمين في وسط الحركة العمالية سيكون ردهم على الأحداث السابقة هو أنها تؤكد الرأي القائل بأن حدوث الإضرابات الجماهيرية الثورية – مثل إضراب روسيا 1905 – لم يعد ممكنا، وبأن الأجهزة المتطورة “للديمقراطية” (مثل النقابات والأحزاب العمالية القانونية، إلخ) سوف ينتهي بها المطاف إلى توجيه تطلعات العمال بعيدا عن المواجهة ونحو المساومة والتوافق مع أصحاب العمل والدولة. وسوف يجادلون بأنه لم يكن صدفة أن يشبه إضراب عام 1926 نموذجي الإضراب اللذين شهدتهما بلجيكا والسويد.

غير أن الدراسة المدققة للوضع في بريطانيا تكشف أن هذه الرؤية خاطئة تماما. فلا يمكنها تفسير التغيرات الهائلة التي جرت في قدرة القيادات النقابية على السيطرة على نشاط القواعد العمالية وخنقه خلال الأعوام السبعة السابقة على الأضراب العام. في الواقع أن هذه السيطرة الخانقة التي استطاعت البيروقراطية تحقيقها بحلول عام 1926 تتعارض بصورة حادة مع ضعفها وهوانها خلال الفترة بين عامي 1910 و 1919. ولم تكن هذه التطورات قدرا محتوما وإنما ترتبت على ما حققه الصراع الطبقي نفسه من هزائم وانتصارات خلال تلك السنوات.

جاء إضراب عام 1926 في أعقاب فترة طويلة من التدهور المستمر في مستوى الصراع الطبقي، وهي الفترة التي شهدت تحولا شديدا في ميزان القوى الطبقي ضد الطبقة العاملة.

ففي الفترة بين عام 1910 وعام 1919 كانت الطبقة العاملة البريطانية في موقع الهجوم بشكل أوضح كثيرا من أي فترة تاريخية أخرى، فكانت أقرب إلى الثورة منها في أي فترة أخرى في تاريخنا الحديث. وحذر ليود جورج رجال الدولة الذين كانوا مجتمعين في مؤتمر السلام في باريس بأن “إوروبا تمر بحالة ثورية. إن جماهير الشعب في أوروبا من أقصاها إلى أقصاها تهدد حاليا النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القائم برمته.”(61) حتى في بريطانيا التي كانت أكثر الدول الأوروبية استقرارا، تحدثت تقارير سرية حكومية في نهاية عام 1918 عن انتشار”عدوى البلشفية” وأضافت أن هناك “شعور واسع الانتشار بين الطبقة العاملة بأن العروش الملكية أصبحت شكلا رجعيا ينتمي إلى العهود البائدة وأن نظام السوفيت ربما يثبت أنه أفضل شكل للحكم الديمقراطي، ولا يبدو أن هذا الشعور قاصر على الثوريين منهم.”(62)

كانت الحكومة تتشكك في إمكانية الاعتماد على الجنود وولائهم لها. وقد تحدث توماس جونز، وزير شئون مجلس الوزراء، في يومياته مرات عديدة عن التآخي بين الجنود وبين العمال المضربين ولذلك كان يتم سحبهم فورا إلى الثكنات. كانت الحكومة خائفة من الثورة، وقد أوضح مؤتمر عقد في الثاني من فبراير 1920 مخاوف مجلس الوزراء.

في البداية تعرف رئيس الوزراء من قيادة الجيش على عدد القوات في بريطانيا العظمى وأيرلندا، ثم تحول إلى ترينشارد (رئيس أركان القوات الجوية) سائلا – “كم عدد أفراد القوات الجوية التي يمكنها التعامل مع الثورة؟” وأجابه ترينشاد بأن لديه 20 ألف ميكانيكي و ألفي طيار ولكن مائة طائرة فقط يمكنها التحليق. وخلال الحرب كان التحليق بطائرة واحدة فقط في الهواء يحتاج إلى 46 فردا. ولم يكن لدى الطيارين أسلحة ملائمة للحرب البرية. لكن رئيس الوزراء افترض أنه يمكنهم استخدام البنادق الآلية وإسقاط القنابل. وأوضح مونرو (وزير الخارجية لشئون اسكتلندا) أن قوات الشرطة الموجودة لا تكفي للتعامل مع الثورة أو مواجهة إضرابات عمالية كبيرة مصحوبة بإمكانية التخريب.

رئيس الوزراء : “لن تواجه أي عمليات تخريب في بداية الإضراب.”

روبرتس (إدارة الغذاء): ولكن ينبغي أن نضع في اعتبارنا احتمالات التخريب في بداية الإضراب. فهناك أعداد كبيرة تعد لتشكيل حكومة سوفيتات.

إريك جديز (وزير النقل): ينبغي أن نفترض أيضا تعطيل محطات الكهرباء.

رئيس الوزراء: لا جدوى من استخدام عشرة آلاف من الجنود … فلن يستطيع جيش تعداده مليون جندي أن يمنع تعطيل محطات الكهرباء العملاقة بصورة مفاجئة. (63)

لم تكن مخاوف الحكومة في عام 1919 محصورة فقط في الأزمة السياسية، أو القلق بشأن تماسك الدولة. فعلاوة على هذه المخاوف، بل وأساسها، كان المشهد العاصف في القطاع الصناعي والاقتصاد. فقد بدأ العام بإضراب المهندسين على طول نهر كلايد في 27 يناير واستمر الإضراب لمدة 40 ساعة. وخرجت مسيرات للمضربين متنقلة من شركة إلى أخرى في كافة أنحاء مدينة جلاسجو حتى بلغ عدد المهندسين الذين انضموا إلى الإضراب بسرعة 60 ألف مهندس. ثم تلاها مدينة بلفاست بنفس الطريقة.

أكثر من 60 ألف عامل أعلنوا إضرابهم في بلفاست وشارك في الإضراب 100 ألف، وكانت المدينة عمليا تحت سيطرة المضربين.

ولكن في مساء نفس الوم كان مركز مدينة جلاسجو قد تحول إلى ثكنة عسكرية. فقد تم استدعاء آلاف الجنود إلى المدينة مدججين بالبنادق الآلية والدبابات. وامتلأ الميدان بالمتاريس وحوصرت محطة السكة الحديد كما لو أن المدينة كانت تحت الحصار. (64)

وللأسف كانت الحركة محصورة في مدينتي جلاسجو وبلفاست. المجلس التنفيذي لجمعية المهندسين المتحدة أدان الإضراب وأوقف لجنة المدينة في جلاسجو.

عند هذا الحد لجأت الحكومة إلى المناورات الذكية باستخدام تكتيك فرق تسد، بتسوية النزاع مع قطاع من الطبقة العاملة تلو الآخر.

عمال المناجم كشفوا عن استعدادهم للنضال حتى قبل بداية إضراب الأربعين ساعة على طول نهر كلايد. ففي مؤتمر عقد يوم 14 يناير قرر اتحاد عمال المناجم المطالبة بزيادة الأجور بنسبة 30%، وتخفيض يوم العمل إلى 6 ساعات، وتأميم المناجم تحت سيطرة العمال. وعندما رفضت هذه المطالب، أحال اتحاد عمال المناجم القضية إلى أعضائه. وصوت العمال بأغلبية ساحقة بالموافقة على الإضراب. (كانت نتيجة التصويت 615164 مع الإضراب مقابل 105082 ضده) وتمت التكليفات اللازمة بعمل اللافتات.

وفي مواجهة هذا الإنذار خلال الأيام التالية في شهر فبراير، وجدت الحكومة نفسها في موقف خطير. فجميع الظروف كانت تخدم عمال المناجم. فقد كان مخزون الفحم ضئيلا للغاية ولم يكن في لندن منه إلا ما يكفي ثلاثة أيام. في نفس الوقت كان الأعضاء الآخرون في الحلف الثلاثي (عمال السكة الحديد وعمال النقل) يتشاورون مع عمال المناجم، وقد طرحوا أيضا مطالبهم الخاصة على طاولة المفاوضات. وباختصار كان ليود جورج وزملاؤه يواجهون نذر الإضراب العام مفعمة باحتمالات ومضامين ثورية.(65)

وبحنكة بالغة قام ليود جورج بترشيح لجنة ملكية برئاسة سانكي لدراسة قضية عمال المناجم. وعرض تقرير مبدئي في 20 مارس لدراسة زيادة الأجور للوردية، وتخفيض ساعات العمل من ثماني إلى سبع ساعات بداية من 16 يوليو 1919، ثم تخفيضها إلى ست ساعات فقط تبدأ من 13 يوليو 1921، كما أشار إلى أن التقريرالنهائي سوف يوصي بتأميم المناجم. وفي 26 مارس قبل اتحاد عمال المناجم التقرير المبدئي وسحب إعلان الإضراب. وتنفست الحكومة الصعداء. فقد مر الخطر المباشر والفوري. وفي 23 يونيو قامت لجنة سانكي بعرض تقريرها النهائي وأوصت بتأميم المناجم ومنح عمال المناجم حصة في إدارتها. ولكن في 18 أغسطس، بعد أن فقد الإضراب قوته الدافعة، أعلن ليود جورج في مجلس العموم البريطاني أن الحكومة رفضت تقرير سانكي.

وما كادت أزمة المناجم تنحسر حتى أضرب 300 ألف من عمال القطن في يونيو مطالبين بتخفيض أسبوع العمل إلى 48 ساعة وزيادة الأجور بنسبة 30%. وانتصر إضرابهم.

وفي يوليو، أعلنت الشرطة إضرابا ضد قانون قدمته الحكومة يحظر تشكيل النقابات في جهاز الشرطة، ولكن إضرابهم كان جزئيا وتركز فقط في لندن وليفربول، وقد هزم الإضراب وطرد العديد من رجال الشرطة من وظائفهم. وفي نفس الوقت حيث كانت مطالب عمال المناجم في انتظار اتخاذ القرار بشأنها، أي خلال شهر فبراير، طالب عمال السكة الحديد بزيادة الأجور، وماطلت الحكومة. وطالت مدة التفاوض لتمتد من شهر فبراير إلى شهر أغسطس، وخلال هذه الفترة كانت أزمة عمال المناجم قد انتهت. وحاولت الحكومة خلال شهر أغسطس رشوة سائقي القاطرات بالاستجابة لمطالبهم ، آملة بذلك في عزل نقابة عمال السكة الحديد عن نقابة سائقي القطارات (ASLEF). واتباعا لنفس المنهج، قامت الحكومة في سبتمبر بمواجهة نقابة عمال السكة الحديد بفرض تخفيض للأجور بصورة مستفزة. ولكنها هذه المرة أخطأت التقدير: فقد رفض سائقو القطارات رشوة أغسطس، وشنوا إضرابا تضامنا مع رفاقهم في الدرجات الأخرى، وبعد تسعة أيام فاز عمال السكة الحديد بزيادة كبيرة في الأجور.

وعلى مدى عام 1919، حاولت الحكومة أن تعزل كل قطاع من الطبقة العاملة عن القطاعات الأخرى، ونجحت إلى حد كبير في تحقيق ذلك. ورغم أنها أجبرت على تقديم تنازلات، فقد استطاعت أن تتجنب مخاطر حركة ثورية عامة وموحدة للطبقة العاملة. وساعدت فترة رخاء ما بعد الحرب في تمكين أصحاب العمل من تلبية معظم مطالب النقابات بزيادة الأجور، وساعدت سياسة النقابات وقادة العمال الحكومة وأصحاب العمل علي تجنب مواجهة مباشرة بين الطبقات. وكان عام 1919 عام الإضرابات الهجومية في طابعها والكبيرة في حجمها، وبلغ عدد أيام الإضرابات 34 مليون و 903 آلاف يوم على الأقل. وكان هذا العام تتويجا لفترة استطاعت فيها النقابات زيادة أعضائها بنسبة هائلة من 2.5 مليون عضو في 1910 إلى 8 ملايين و 328 ألف عضو في عام 1920.

وفي صيف عام 1920، بدأت تظهر أولى علامات النهاية لرخاء ما بعد الحرب. فقد توقفت أسعار الجملة عن الارتفاع، ثم بدأت في الركود ثم الانخفاض بوتيرة سريعة. وبدأ الكساد الحاد بحلول فصل الشتاء وبدأت البطالة ترتفع من شهر إلى آخر. فقد كان عدد العاطلين في خريف عام 1920 يبلغ ربع مليون عاطل لكن هذا الرقم ارتفع إلى 700 ألف عاطل بحلول نهاية العام، ثم تجاوز رقم المليون عاطل بحلول فبراير عام 1921، وارتفع إلى 1.3 مليون عاطل في شهر مارس، ثم إلى أكثر من مليوني عاطل في شهر يونيو (لتبلغ نسبته 17.5% من عدد المؤمن عليهم). وانخفض هذا الرقم قليلا بنهاية عام 1921 حتى بلغ 1.5 مليون عاطل في عام 1922، ولكن إجمالي عدد العاطلين استمر سنوات عديدة قبل أن ينخفض إلى أقل من المليون عاطل.

انتهز أصحاب العمل تلك الأوضاع لشن هجوم كبير على مستوى معيشة العمال، ليسحبوا مرة أخرى جميع المكاسب التي حققها العمال خلال فترة الحرب وما بعدها.

أغلقت المناجم في وجه العمال في 31 مارس 1921 بعد رفضهم الموافقة على تخفيض الأجور واستبدال اتفاقية الأجور الموحدة على المستوى القومي باتفاقيات محلية. ولجأ عمال المناجم إلى زملائهم في الحلف الثلاثي، عمال السكة الحديد وعمال النقل، الذين أعلنوا إضرابا عاما لعمال السكة الحديد والنقل تأييدا لهم. ولكن في يوم الجمعة الخامس عشر من أبريل – الجمعة السوداء – قام جيمي توماس من نقابة عمال السكة الحديد، وهاري جوسلنج وإرنست بيفين من نقابة عمال النقل بخيانة عمال المناجم والدعوة إلى إنهاء الإضراب.

استمرت معاناة عمل المناجم، الذين أصبحوا معزولين تماما، لمدة ثلاثة أشهر حتى رضخوا في النهاية وقبلوا شروط رجال الأعمال. وانخفض متوسط أجر الوردية بعد حادث الإغلاق في 1921 إلى أقل من نصف الأجر في شهور شتاء عام 1920 و 1921. (66)

واشتدت وتيرة هجوم أصحاب العمل في مختلف قطاعات الصناعة، وفرض تخفيض الأجور على المهندسين، وعمال صناعة السفن والبنائين والبحارة (وقد قام طباخو ومضيفو السفن بإضرابات لم تحقق نجاحا)، كما تم تخفيض أجور عمال القطن بعد إغلاق عام لأصحاب العمل. وبلغ عدد العمال الذين تعرضوا لتخفيضات كبيرة في الأجور ستة ملايين عامل بحلول نهاية عام 1921. (67)

قبل إنهاء إضراب عمال المناجم في الرابع من يوليو، حدث إغلاق واسع النطاق في قطاع القطن. وقد ووجه عمال القطن بمطالب أصحاب العمل بتخفيض كبير في أجورهم، ورفضوا قبول هذه المطالب. فأغلقت المعامل في وجه 500 ألف عامل من 3 إلى 27 يونيو حيث عاد العمال لمواصلة العمل على أساس تخفيض أجورهم.

ثم جاء دور العمال في الصناعات الهندسية الذين تعرضوا لعمليات إغلاق لمدة أربعة عشر أسبوعا بدأت في مارس 1922. وما كاد يبدأ هذا الإغلاق حتى كان عمال صناعة السفن قد أغرقوا في نضال دفاعي ضد تخفيض الأجور. وتلى ذلك إضراب لعمال الطباعة في مواجهة مطالب بتخفيض الأجر الأسبوعي. وقد استمرت هذه النضالات الدفاعية في مختلف الصناعات طوال عامي 1922 و 1923. (68)

توقفت لبرهة حالة التراجع العام في أوضاع الطبقة العاملة في 1924 نتيجة لظروف خارجية. فقد ارتفع الطلب على الفحم البريطاني بسبب احتلال الفرنسيين منطقة الرور في شمال غرب ألمانيا وإضراب العمال الألمان احتجاجا على ذلك، واستطاع عمال المناجم في بريطانيا زيادة الأجور في عام 1924. وانخفضت نسبة البطالة في جميع الصناعات من 13.6% في يناير 1923 إلى 7% في مايو 1924. ولكن ذلك الرخاء الاصطناعي لم يدم طويلا. وبمجرد توقيع اتفاقية 1924 المحسنة، انتهي احتلال الفرنسيين لمنطقة الرور، ثم تدفق الفحم الألماني بسرعة في الأسواق الأوروبية ليطرد الصادرات البريطانية خارج السوق. وارتفعت البطالة مرة أخرى وسط عمال المناجم من 5.7% في 1924 إلى 15.8% في عام 1925.

وما زاد على هذه الصعوبات، أن وزير مالية بريطانيا آنذاك وينستون تشرشل أعاد الجنيه الاسترليني إلى قاعدة الذهب مما أدى إلى تقويض قدرة الصناعة البريطانية على مواجهة المنافسة العالمية.

انخفض عدد أعضاء النقابات من 8 ملايين و348 ألف عضو في 1920 إلى 6 ملايين و 633 ألف عضو في عام 1921، ثم إلى 5 ملايين و 625 ألف عضو في 1922، وإلى 5 ملايين و 429 ألف عضو في 1923، ثم ارتفع قليلا إلى 5 ملايين و 544 ألف عضو في عام 1924 قبل أن ينخفض مرة أخرى إلى 5 ملايين و 506 ألاف عضو في 1925 وإلى 5 ملايين و 219 ألف عضو في 1926.

موجة الهبوط في الصراع الطبقي أدت إلى ضعف قوة القواعد العمالية في مواجهة أصحاب العمل وزيادة الاعتماد على بيروقراطية النقابات.

وكان أقوى تنظيم نقابي على مستوى المصانع خلال فترة الحرب موجود لدى قطاع الصناعات الهندسية، ولكن انتهت قوة التنظيم بعض إضراب الأربعين ساعة في عام 1919. وكما يشير ميرفي:

كان إضراب الأربعين ساعة آخر مناسبة بادرت فيها النقابات المصنعية ولعبت دورا مستقلا في حركة إضرابات عظيمة. وأدى النشاط المستقل للنقابات وإعادة تحويل العمل بعيدا عن قطاع الصناعات الهندسية علاوة على فصل العناصر النشطة من أعضاء النقابات المصنعية إلى التدهور السريع في لجان النقابات المصنعية المنتخبة إلى مجرد جماعات دعاوية داخل النقابات. (69)

حركة الإغلاق في قطاع الصناعات الهندسية في عام 1922 وأدت حركة أعضاء النقابات المصنعية فتوقفت تماما. وشرح ميرفي ذلك أمام المؤتمر الرابع للكومنترن في نوفمبر 1922 قائلا:

كان عندنا في إنجلترا حركة قوية لأعضاء النقابات المصنعية، ولكنها لا توجد ولا يمكن لها أن توجد إلا في ظل شروط موضوعية محددة. وهذه الشروط الضرورية غير متوافرة في إنجلترا في الوقت الراهن … فلا يمكن بناء منظمات مصنعية في ورش بالية وفارغة بينما يوجد احتياطي هائل من العمال العاطلين. (70)

أثرت موجة التراجع الهائلة التي عانت منها الطبقة العاملة بعد عام 1919 على استقلال القواعد العمالية عن البيروقراطية النقابية. وكما ذكرنا آنفا، ينبع هذا الاستقلال من ثقة العمال في مواجهة أصحاب العمل. ولإدراك مدى عمق التغير الناجم عن هجوم أصحاب العمل خلال عامي 1921 و 1922، لا يحتاج المرء إلا أن يقتبس من ميرفي، والذي يرجح أنه كان الأكثر ذكاءا بين قادة حركة النقابات المصنعية خلال الحرب العالمية الأولى، وكان عضوا بارزا في حزب العمال الاشتراكي ثم انضم بعد ذلك إلى الحزب الشيوعي. ففي يوليو من عام 1917، كتب ميرفي مبالغا في دور القواعد العمالية مقارنة بدور جميع القيادات: “إن واجب أعضاء اللجان المصنعية لا يتضمن القيادة، وفي واقع الأمر هذه الحركة ككل تمثل إنكارا ورفضا لهذه القيادة.” (71) والآن في عام 1922 تحول موقف ميرفي نفسه تحولا كاملا مطالبا بالتوجه إلى قادة النقابات – حتى من كان منهم ينتمي إلى الجناح اليميني. كتب ميرفي: “هل تحول مواقف ستة ملايين جيمي توماس أسهل من تحول جيمي توماس واحد؟ أم أنك تحمل احتقارا ضد جيمي توماس محدد حتى أنك تتمنى تجاهل أحد هؤلاء؟”(72). هذا ما كتبه ميرفي بعد خيانة جيمي توماس لعمال المناجم يوم الجمعة الأسود.

وبعد عام من ذلك، كتب المناضل البارز من الحزب الشيوعي هاري بوليت: “يستطيع عدد قليل من القادة البارزين إذا وجدوا أمامهم فرصة لذلك أن يحققوا أي شيء في هذه اللحظة من خلال الالتفاف على برنامج محدد وواضح.” واستمر على هذا المنوال حتى أنه اقتبس مؤيدا كلمات جورج هيك، الأمين العام “اليساري” لنقابة عمال البناء: “إن ما نحتاجه هو نصف دزينة من الرجال الثقاة من أجل وضع البرنامج.”(73)

وهكذا كانت الخلفية التاريخية للإضراب العام في 1926 تمثل تدهورا من وضع ما قبل ثوري في عام 1919 إلى الاختفاء الكامل تقريبا لمنظات النقابات المصنعية القاعدية، وافتقاد الثقة بين القواعد العمالية، وبالتالي الاعتماد الشديد على البيروقراطية النقابية.

أكبر إضراب جماهيري في التاريخ – فرنسا 1968 (74)

في الثالث عشر من مايو اندلع البرق الخاطف كما لو كان قادما من سماء صافية زرقاء وأعلن عشرة ملايين عامل إضرابهم عن العمل. بهذه الطريقة عادة يوصف الإضراب الجماهيري الفرنسي. غير أن النظرة الفاحصة تساعد المرء على اكتشاف أن هذا الإضراب كان نتيجة لعملية اختمار طويلة ونضوج للطبقة العاملة الفرنسية. فالملامح الرئيسية للإضراب، بدايته وتطوره ونتائجه، تشكلت أساسا على الخلفية التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحركة العمالية الفرنسية.

طلاب فرنسا لعبوا دور المفجر في هذا الانفجار الاجتماعي الهائل. وكانت حركة الطلاب قد تشكلت من خلال النضال ضد حرب الجزائر ثم النضال ضد حرب فييتنام.

في 20 نوفمبر 1967، شهدت مدينة نانتير أكبر إضراب طلابي في فرنسا حتى اليوم، شارك فيه 10 آلاف طالب. وفي 13 ديسمبر شن جميع طلاب الجامعات في فرنسا إضرابا لمدة يوم واحد وانضم إليهم ست مدارس ثانوية. وأعلن يوما الثاني والثالث من مايو 1968 يومين للتظاهر ضد الإمبريالية. في الثاني من مايو أعلن رئيس الجامعة إغلاقها للمرة الثانية. وفي السادس من مايو نظم طلاب باريس مظاهرة جديدة أكبر حجما وأكثر عددا. كما بدأت مظاهرة طلابية أخرى في السابع من مايو من ميدان دنفر روشيرو. وفي النهاية بلغ العدد 50 ألف طالب تجمعوا في حدائق الإليزيه يحملون الرايات الحمراء ويغنون نشيد الأممية. وفي العاشر من شهر مايو تجمع 50 ألف طالب وانضم إليهم للمرة الأولى عدد من العمال الشباب، في ميدان دنفر روشيرو، وفي تلك الليلة تم بناء ستين متراسا. واستمرت معركة المتاريس التي بدأت في الثانية وسبع عشرة دقيقة ليلا، حتى السابعة صباحا.

في الحادي عشر من مايو اجتمع مندوبون من الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا، ومن اتحاد النقابات الذي يقوده الحزب الشيوعي (CGT) مع مندوبين من اتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT) وقرروا إعلان يوم الاثنين الثالث عشر من مايو يوما للإضراب العام والتظاهر ضد وحشية الشرطة تجاه الطلاب. وشارك 10 ملايين من العمال في الإضراب يوم الثالث عشر من مايو، وأصيبت البلاد كلها بالشلل، فقد كان عدد المضربين يزيد كثيرا عن عدد من شاركوا في إضراب يونيو 1936، الذي بلغ عدد المشاركين فيه عند الذروة حوالي 1.5 مليون عامل.

في عام 1936، كان الانتصار الانتخابي الذي حققته الجبهة الشعبية هو الذي لعب دور المفجر للإضراب العام واحتلال المصانع. وفي عام 1944-1945 كان المفجر هو الانتصار العسكري على النازية. أما في هذه المرة فقد كان الكفاح الطلابي هو مفجر الأحداث.

كانت رغبة قادة النقابات أن يكون الإَضراب إضرابا رمزيا لمدة يوم واحد – إضراب آخر في سلسلة طويلة من الإضرابات الرمزية. لكن استجابة العمال في الثالث عشر من مايو لم تكن تشبه الإضرابات الرمزية بأي صورة من الصور. وشارك في الإضراب 10 ملايين من العمال، بما يزيد على أربعة أضعاف إجمالي عدد العمال المنظمين في النقابات، وأصيبت فرنسا كلها بالشلل. وشهدت باريس مظاهرة شارك فيها مليون شخص. ورغم الجهود التي بذلتها قيادة السيه جي تيه والحزب الشيوعي لم يلاحظ في المظاهرة رفع الأعلام ثلاثية الألوان من الناحية العملية – أحد المراقبين استطاع أن يحصي ثلاثة منها فقط، بينما رفرفت الآلاف من الأعلام الحمراء. قادة السيه جي تيه رفعوا شعارات “المال، شارل ديجول، والدفاع عن القدرة الشرائية”، بينما هتف الطلاب: “كل السلطة للعمال”، “القوة موقعها في الشارع”، “أطلقوا سراح رفاقنا”، “شارل ديجول قاتل”، ورددوا هتافات تنديدا بشرطة مكافحة الشغب. أما الشعارات الرئيسية التي رددها العمال، فلم تكن شعارات السيه جي تيه ولا قيادة الحزب الشيوعي، ولا الشعارات التي رددها الطلاب الثوريون. كانت شعاراتهم الرئيسية هي: “عشرة أعوام تكفي”، “تسقط الدولة البوليسية”، “ذكرى سنوية سعيدة أيها الجنرال”، وأنشدت جماعات كاملة ذلك الكورس المعروف “وداعا يا ديجول” بإيقاع حزين. ولوحوا بمناديلهم لتعم الجميع حالة من البهجة العارمة.

كانت خلافات سياسية خطيرة وراء هذا التباين في اختيار الشعارات. كان السيه جي تيه والحزب الشيوعي يأملان أن يكون إضراب اليوم الواحد والمظاهرة بمثابة صمام أمان فعال – وأن يكون ذلك نهاية النضال. ولكنهما لم يضعا في حسابهما موقف القواعد العمالية.

في 14 مايو أعلن عمال مصنع سود للطائرات في نانت إضرابا غير محدد المدة، قام العمال باحتلال المصنع واحتجاز المدير داخل مكتبه. (حاولت جريدة لو هومانيته التابعة للحزب الشيوعي تجاهل الحدث، وفي اليوم التالي خصصت له سبعة أسطر فقط في الصفحة التاسعة.) وفي اليوم التالي تم احتلال مصنع رينو-كليون. وانتشرت حركة الإضرابات واحتلال المصانع في كل مصانع شركة رينو في 16 مايو. وفي بيلانكورت، أعلن المضربون مطالبهم بحد أدنى للأجور ألف فرنك شهريا، والعودة الفورية إلى نظام العمل 40 ساعة أسبوعيا دون تخفيض الأجر، والتقاعد في سن الستين، وأجر كامل عن أيام الإضراب، وحرية العمل النقابي في المصانع. وقد تم تبني جميع هذا المطالب في كل الشركات الكبرى في البلاد.

سيرا على خطى عمال رينو، قام عمال الصناعات الهندسية، مصانع السيارات والطائرات، بإعلان الإضراب وقاموا باحتلال المصانع. وفي 19 مايو توقفت القطارات وخدمات البريد والتلغراف، ثم توقفت حركة مترو الأنفاق والباصات في باريس. وامتد الإضراب إلى المناجم، والشحن، والخطوط الجوية وغيرها، وأصبح إضرابا عام في 20 مايو وكان يضم 9 ملايين عامل في هذا التاريخ. وانضم إلى الإضراب فئات لم تنخرط من قبل في أي إضرابات – مثل الراقصين في ملهى فوليه برجيري، ولاعبي كرة القدم، والصحفيين، ومندوبات المبيعات والتقنيين. ورفرفرت الأعلام الحمراء في جميع مواقع العمل. ولم يشاهد أي علم ثلاثي الألوان مرفوعا رغم بيان قادة السيه جي تيه والحزب الشيوعي بأن “رايتنا هي العلم ثلاثي الألوان مع العلم الأحمر.”

صحيح أن الطلاب لعبوا دور المفجر للحركة العمالية وكان دورهم بالغ الأهمية. فمجرد شجاعة الطلاب في هجومهم على قوات السي آر إس الخاصة – وهي شرطة مكافحة الشغب شبه العسكرية التي تحظى بكراهية شديدة – بل وهزيمتهم لها في معارك عنيفة على متاريس الشوارع التي أقيمت على عجل بلاشك شجعت العديد من العمال وجعلتهم يشعرون بأن الطلاب لا ينبغي أن يكونوا وحدهم في المواجهة. ولكن في مناطق أخرى، كانت هناك حركات طلابية بنفس ضخامة وكفاحية الطلاب الفرنسيين – على سبيل المثال في ألمانيا وأمريكا – ولم يكن لها تأثير على الطبقة العاملة يقارن ولو من بعيد بتأثيرها في فرنسا. فلماذا لم يتبع العمال الفرنسيين نموذج الكثير من أقرانهم الألمان في أن ينحازوا ببساطة إلى قوة “القانون والنظام”؟ إجابة هذا السؤال نجدها في أحداث العامين السابقين اللذين شهدا صعودا في نضال العمال في المصانع. فمرة تلو الأخرى كانت تندلع النزاعات الصناعية العنيفة، بما في ذلك احتلال المصانع، واحتجاز مدرائها من قبل العمال، والمعارك الدموية مع فرق السي آر إس. وكانت هذه الصراعات بمثابة بروفات لأحداث مايو 1968. وشهدت نفس الفترة تنظيم السيه جي تيه المرة بعد الأخرى لإضرابات مظهرية، بما فيها إضراب عام لمدة يوم واحد. وفي هذه الإضرابات والنضالات قامت القيادة بالخلط بين القضايا السياسية والانتخابية وبين قضايا الخبز والزبد المباشرة. وكانت هذه أيضا بروفات لسلوك البيروقراطية في شهري مايو ويونيو عام 1968.

في 17 مايو 1966، تمت الدعوة إلى إضراب في كل القطاعات. وربما كان هذا الإضراب أحد أهم الإضرابات التي شهدتها الجمهورية الخامسة. وكان إضرابا موجها ضد اتحاد أصحاب العمل الفرنسي وضد الحكومة أيضا، كما كان إضرابا واسع الانتشار.

وفي أول فبراير عام 1967، تمت الدعوة إلى إضراب جماهيري جديد، يضم بشكل أساسي القطاع المملوك للدولة، بالإضافة إلى بعض موظفي الحكومة، فيما كان عمال القطاع الخاص خارج الحركة، فيما عدا القطاع الخاص في الأقاليم. وأضرب 75 % من عمال الكهرباء لمدة 24 ساعة، وعمال السكة الحديد لمدة 48 ساعة، وقام عمال البريد بتنظيم 40% من موظفي البريد في باريس و 24% في الأقاليم في إضراب دام 24 ساعة، كما أضرب 100 % تقريبا من المدرسين في المدارس الابتدائية ونسبة كبيرة جدا من مدرسي المدارس الثانوية لمدة يوم واحد. وكان تأييد الإضراب في القطاع الخاص غير متساو إلى حد كبير، كما كان من الصعب قياس مدى هذا التأييد لأن العديد من المصانع أغلقت نتيجة لانقطاع الكهرباء. وقد انتقم أصحاب العمل من العمال في عدد من الحالات بإغلاق المصانع بهدف كسر إرادة العمال وإضعافهم. وكانت أهم حالات الإغلاق في مصانع داسولت للطائرات في بوردو، وفي مصانع سيديلور للصلب في فيليروب.

وبعد إغلاق مصانع داسولت، دخل العمال إضرابا عفويا والذي استمر لمدة ثلاثة أسابيع، وكان هذا الاضراب تحديدا يتميز بالروح النضالية. وقد سبقه عدد من الإضرابات والاحتجاجات الأخرى في شهر ديسمبر، وفي بعض الورش توقف العمال عن العمل وعكفوا على صناعة الرايات. وعندما قام رئيس مجلس الإدارة بزيارة المصنع أحاط به العمال ولم يطلقوا سراحه حتى وعدهم أنه سيفعل شيئا لمعالجة مسألة الأجور. وتمت مناقشة مسألة احتلال المصنع ولكن لم يشرع العمال في ذلك.

وخرج العمال إلى الشوارع في مظاهرة تلو الأخرى. وقاموا بأسر عمدة المدينة ثم تركوه يهرب. وعموما، اهتم العمال بأن تحظى مظاهراتهم وتحركاتهم بالإعلان الكامل بقدر ما تتحمل الشوارع ذلك. وأطلق كفاحهم شرارة حركات التضامن: مثل مسيرة مشتركة للقطاعات في مدينة بوردو، وإضراب تضامني لمدة ساعتين لثلاث اتحادات لعمال الصلب، إلخ. وانتصر العمال.

وأثر الإضراب تأثيرا قويا على الإضرابات التالية مباشرة في منطقة ليونز.

فما أن انتهى إضراب مصنع داسولت حتى بدأ إضراب مصنع رودياسيتا، وهو أحد مصانع النسيج يقع في بيزانكون ويعمل به 3000 عامل. كان لدى عمال المصنع عدد هائل من حرس الإضراب الذين قاموا باحتلال المصنع ومنعوا المدير من دخوله. واستنكر السيه جي تيه احتلال المصنع وما فعله حرس الإضراب معتبرا ذلك تعديا على حقوق المالك القانونية وأيده في هذا الموقف اتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT). وقام العمال المضربون بتنظيم لقاءات لمناقشة الاقتصاد السياسي، وترديد الأغاني الجماعية وعقدوا مزادا على لوحات الفنانين المحليين. ورغم أن سيطرة القواعد العمالية لم تكن واضحة بنفس الدرجة في مصنع داسولت، لم ينخدع العمال بمطالب التهدئة من قبل الإدارة والمبادرات النقابية. وانتشر الإضراب إلى مدن فيز، سان فونس بل إيتوال ومناطق أخرى، وبلغ إجمالي عدد العمال المضربين في شركة رودياسيتا 14 ألف عامل.

ثم امتد الإضراب إلى مصنع بيرلييه المتخصص في إنتاج سيارات النقل ويعمل به 12 ألف عامل. كانت دعوة السيه جي تيه واتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT) لإضراب لمدة ساعتين فقط، لكن العمال بدأوا إضرابا غير محدد المدة وقاموا باحتلال المصنع. وأعلن مصنع بيرلييه إغلاق أبوابه واستدعى شرطة مكافحة الشغب لإخلاء المصنع من العمال. ومع ذلك، لم يتحقق الكثير من المكاسب بسبب غياب التنسيق بين النقابات.

وتلى هذا الإضراب إضراب آخر في أول مارس 1967 انخرط فيه 3000 من عمال التعدين في مدينة سانت نازار. وكان مسار هذا الإضراب مماثلا لإضراب عمال داسولت من حيث ارتفاع معنويات العمال، كما أن قيادة الإضراب لم تكن من أعلى وإنما من خلال اجتماعات العمال المشاركين في الإضراب.

وفي 18 مارس تم إغلاق مصنع لبناء السفن تابع لشركة شانتييه دولاتلانتيك بالمدينة يعمل به 8 آلاف عامل بحجة عدم الانضباط.

وفي 11 أبريل أعلن الإضراب العام في سانت نازار من قبل عمال القطاع العام والقطاع الخاص، وبعد ذلك خرجت مظاهرات شبه يومية للعمال المضربين. وبعد سبعة أسابيع من الإضراب، كشف تصويت أجري في اجتماع واسع للعمال المشاركين في الإضراب عن تأييد 87% من العمال لاستمرار الإضراب. ورغم ذلك، فعندما انتهى الإضراب بعد شهرين، لم يحقق العمال إلا زيادة ضئيلة في الأجور.

وفي 27 أبريل أعلن الإضراب العام لمدة 24 ساعة في منطقة لوار أتلانتيك بكاملها.

كما أعلن إضراب عام لمدة يوم واحد في 17 مايو من قبل الاتحادات النقابية الثلاث – السيه جي تيه، و اتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي (CFDT)، ونقابة فورس أوفرييه الاشتراكية اليمينية، علاوة على نقابة المدرسين. كان هدف الإضراب هو الاعتراض على برامج الحكومة لتشويه شبكة الضمان الاجتماعي. كان الإضراب قويا بدرجة 100% تقريبا في القطاع العام، وفي القطاع الخاص كان الإضراب هائلا رغم أنه لم يشمل جميع العمال إلى حد كبير. وقد شارك 150 ألف شخص في مظاهرة في باريس لتأييد الإضراب، كما شهدت المقاطعات أيضا مظاهرات مماثلة خاصة في ليونز, ومارسيليا، وسان إيتيان، وبوردو.

ورغم أن الشعارات الرئيسية في هذه المظاهرات كانت في مواجهة تشويه شبكة الضمان الاجتماعي، فإن الشعار الذي حقق استجابة أكبر هو “كل السلطة للعمال”. وفي جميع المظاهرات غنى المتظاهرون نشيد الأممية بدلا من النشيد الوطني لفرنسا.

وعشية تطبيق الإجراءات الجديدة الخاصة بشبكة الضمان الاجتماعي (في 31 أكتوبر 1967) انطلقت موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات الجماهيرية الرسمية المحددة بيوم واحد. وقام العمال المضربون في مدينة لومان، وكان بينهم عمال شركة رينو الذين كانوا يتظاهرون فعلا منذ أسبوع، بمسيرة إلى مقر شرطة المدينة واشتبكوا في معارك مع شرطة مكافحة الشغب، واستخدموا الحجارة في مواجهة قنابل الغاز المسيل للدموع، والقبضة العارية في مواجهة الخوذات والهراوات، جماهير المدنيين في مواجهة العربات المصفحة.

وشهدت باكورة عام 1968 إضرابا هاما في مدينة كان، شارك فيه 4800 عامل في شركة سافييم في بلانفي. بدأ هذا الإضراب في 22 يناير، وفي نهاية الأسبوع الأول منه هاجمت الشرطة مظاهرة للعمال المضربين والمتعاطفين معهم من الطلاب والمصانع الأخرى بطريقة غاية في الوحشية. وأقيمت المتاريس وبدأت المقاومة البطولية لشرطة مكافحة الشغب (السي أر إس). وأصيب في المواجهات 205 أشخاص (منهم 16 احتجزوا في المستشفيات) واعتقلت الشرطة 85 شخصا حكم على 13 منهم بالسجن لمدد تتراوح بين 15 يوما وثلاثة أشهر. وتم ترحيل أحد البرتغاليين بعد انتهاء فترة حبسه. وحاولت إدارة الشركة تفتيت العمال ووعدتهم بألا تعاقبهم وفي المقابل وافق قادة النقابات على سحب حرس الإضراب. وانتهى الإضراب أخيرا في 6 فبراير بعد سحب جميع العقوبات ضد العمال. غير أن أهميته البالغة كانت في أن هذا الإضراب بث روح النضال الحقيقي في مشهد الصراع.

يكشف هذا التاريخ من الإضرابات التي جرت في العامين السابقين على مايو 1968 أن بروفات كثيرة سبقت الحدث العظيم، سواء من ناحية العمال أو في جانب البيروقراطية النقابية. كانت موجة الإضرابات تعلو بسرعة، وكانت نضاليتها تقابل بعنف أكبر من قبل شرطة مكافحة الشغب؛ علاوة على أن تاريخ البيروقراطية النقابية في تحويل النضالات الشبيهة بالانتفاضة إلى إضرابات “استعراضية” و “تحذيرية” أو “دورية”، وضع محل اختبار المرة تلو الأخرى.

ويتضح مدى انتشار النضالات العمالية من الإحصاءات المتعلقة بأيام الإضراب. ففي 1965 تم تسجيل 979 ألف و 860 يوما، ارتفعت في 1966 إلى مليونين و 253 ألف يوم، وفي 1967 بلغت 4 ملايين و 222 ألف يوم إضراب على الأقل. (أيام الإضراب = عدد العمال × مدة الإضرابات)  كان إضراب مايو 1968 رد فعل على سنوات من الإحباط والعجز والسياسات العبثية للمنظمات التقليدية للطبقة العاملة. ومن هنا ينبع عنف هذا الإضراب وطبيعته الشبيهة بالانتفاضة. ومن هنا أيضا جاء استعداد ملايين العمال للمشاركة في الإضراب واحتلال مواقع العمل والتحول إلى الهجوم بمجرد أن بدأ الطلاب المعركة وبمجرد أن بدأت تتحقق إمكانية شن إضراب جماهيري حقيقي للعمال.

في ذروة هذا الإضراب، كانت عملية التثوير التي صاحبت الإضراب الجماهيري واحتلال المصانع تثير الدهشة والإعجاب. ملايين العمال يناقشون السياسة في ساحات المصانع؛ مئات الآلاف يعبرون في شعاراتهم ومظاهراتهم عن انتمائهم إلى وجهة النظر السياسية التي تؤيد سلطة العمال حيث أنهم كانوا ينخرطون في عملية تغيير أنفسهم واكتشافها وضد سياسات الاغتراب والتغريب الخاصة بالجمهورية الخامسة ووسائلها البرلمانية التي لا تحقق شيئا؛ الآلاف يتعلمون السياسة الثورية في المنتدى الجماهيري الدائم الذي تحولت إليه دار الأوبرا في باريس.

حجم هذا الإضراب والسرعة التي انطلق بها وشعاراته الثورية، والأهم من ذلك المبادرة الرائعة لدى القواعد العمالية، كل ذلك كان مثارا للرعب في أوساط الطبقة الحاكمة الفرنسية. فبالنسبة لديجول والرأسماليين الذين يمثلهم كان التعامل مع القيادات البرلمانية للحزب الشيوعي والاشتراكي سهلا بما يكفي. فكان يمكن تجاهلهم في أغلب الأحوال ومنحهم تنازلات بين الحين والآخر وعند الضرورة. ولكن، ماذا يفعل عندما يخرج عشرة ملايين عامل في إضراب بدعوة من القيادات القاعدية وفي مواجهة نصائح هؤلاء القادة المعروفين؟ ماذا يفعل عندما تجذب تلك القيادات القاعدية زملاءها ثم يقومون بحراسة مصانعهم لمنع كاسري الإضراب (والأسوأ من ذلك أن يفعلوا نفس الشيء في المصانع الأخرى)؟

في ذروة أيام مايو لم تكن حالة الطبقة العاملة الفرنسية تسمح بتهدئة نضالهم من خلال تنازلات حول الأجور وشروط العمل، في الحقيقة كانت هذه الإجراءات تساهم في إقناع العمال بأن الطرف الآخر تخور عزيمته. ويبدو أن عمال مصنع بيرلييه الضخم كانوا يعبرون عن مطالبتهم بما هو أكثر جوهرية من الأجور عندما قاموا بعد احتلال المصنع بإعادة ترتيب حروفه الفرنسية من كلمة Berliet ( اسم المصنع) إلى كلمة Liberte (الحرية).

وكان يمكن احتواء الإضراب بسهولة أكبر لو أنه كان محصورا في قطاعات معينة من العمال، أو أنه تم من خلال القنوات النقابية البيروقراطية الرسمية. ولكن لأن الإضراب كان يتضمن شيئا مختلفا تماما – مثل السجالات العامة والمناقشات فيما بين العمال العاديين – اتجه إلى تحطيم الحواجز واحدا تلو الآخر. وأصبح الأفراد في قوات الشرطة العادية يكرهون الربط بينهم وبين قوات مكافحة الشغب (السي آر إس) وبدأوا يرفضون استمرار دورهم كحفظة لقانون ديجول ونظامه. وبالنسبة للجيش الذي تتكون أغلبيته الساحقة من المجندين، فقد أصبح يمثل خطرا هائلا في الوضع الراهن. ولم يكن واردا أن يستخدم هذا الجيش في مواجهة المضربين، فقد كان ديجول محقا في اعتقاده بأن جنوده سوف ينضمون فورا إلى العمال، وبالتالي كان ينبغي تركه بعيد ومعزولا عن المدن بقدر الإمكان.

مع انهيار أركان قوة الدولة من حوله، لجأ ديجول محاطا بمجموعة صغيرة من القوات الخاصة إلى ألمانيا حيث بدأ، بلا شك، في التخطيط لضربة عسكرية محتملة ضد بلد كان يسقط أكثر فأكثر في أيدي العمال.

ومن حسن حظه أن الأمور لم تبلغ تلك الذروة، فلم يتمكن العمال للأسف من الإطاحة بالمنظمات التقليدية للطبقة العاملة بضربة واحدة نظرا لغياب البديل الذي يتمتع بالمصداقية. والأهم من ذلك، أن العمال لم يتمكنوا من تشكيل منظمات قاعدية ديمقراطية في كافة أنحاء البلاد، واستطاعت البيروقراطية النقابية وقيادات الحزب الشيوعي تحجيم حركة الطبقة العاملة وكبح جماحها.

مثال ذلك أن انتخاب لجان الإضراب ديمقراطيا لم يحدث إلا في حالات قليلة جدا. وفي كل مصنع تقريبا قامت النقابة بتعيين المندوبين في لجان الإضراب. وظهرت محاولات قليلة في مصانع رينو لتنظيم انتخابات من القواعد العمالية، ولكن هذه المحاولات تم سحقها من قبل السيه جي تيه والحزب الشيوعي فيما عدا قسم واحد فقط. وفي مصنع سيتروين الرئيسي لم تواجه لجنة الإضراب المعينة رسميا تحديا حقيقيا، ولكنه واجهت تحديا في أحد المصانع الفرعية للشركة في مدينة نانتير، غير أن هذه المحاولة فشلت. وفي مقابل ذلك، كان مطلب العمال بتشكيل لجنة إضراب من العمال العاديين قويا في مصنع رون بولينك فيتري للكيماويات حتى تمت الإطاحة باللجنة الرسمية وانتخبت لجنة جديدة من قبل العمال الأعضاء وغير الأعضاء في النقابة على السواء.

ومن المثير حقا أنه في شركة سيتروين التي لم تشهد إضرابا لمدة 16 عاما ولم يكن منضما إلى النقابات إلا 7% فقط من العمال، استطاع بيروقراطيو النقابات منع انتخاب لجنة للإضراب من العمال العاديين وفرضوا عليهم لجنة معينة.

كانت السياسة العامة للنقابات هي الحد الأدنى من انخراط العمال في الإضراب واحتلال المصانع. الأغلبية الساحقة من العمال، ربما حوالي 80 أو 90% منهم، طلبوا منهم العودة إلى منازلهم، أما الذين يمكثون في المصانع فقد كانوا في الأغلب من أعضاء الحزب الشيوعي والسيه جي تيه. كما أن الشعور بالمشاركة بدأ يذوي بمجرد أن تجاوز الإضراب ذروته. ففي رون بولينك، التي كان بها لجنة قاعدية تتميز بالحماس والنشاط في أيام الإضراب الأولى، أدى الفشل في تنشيط النضال إلى انتشار عدم المبالاة. وقبيل بداية شهر يونيو، زحف نوع من الملل المثقفيني في صفوف العمال، فقد تم استنزاف أكثر من 50 موضوعا للمناقشة. ومع عودة العمال من عطلة عيد الربيع، كان احتلال المصنع مازال قويا، ولكن حالة العمال المعنوية لم تكن كذلك، واستبدلت الاجتماعات الطويلة للنقاش بألعاب الورق والكرة الطائرة.

كان المشهد مختلفا تماما في بعض المواقع. ففي نانت وسانت نازار، تولت لجنة الإضراب إدارة المدينة. وسيطر العمال المضربون على الأسعار. وقامت زوجاتهم بتوزيع الخضروات مباشرة على المستهلكين. وشغل العمال المضربون محطات البنزين وقاموا بتوزيعه. علاوة على ذلك، تولى المدرسون الأعضاء في نقابات والمشرفون على معسكرات الأطفال في الأجازات مسئولية العناية بأطفال العمال المضربين. وتسلمت عائلات المضربين التي تعاني من أوضاع مالية سيئة كوبونات الطعام التي أصدرتها النقابات لهم.

كان الخلل الواضح في هذا الإضراب هو غياب الشبكة التي تربط بين لجان الإضراب المختلفة، ولم تكن هذه الشبكة موجودة حتى في المصانع التي تندرج تحت نفس الشركة. وإن لم يتمكن السيه جي تيه من إنهاء الإضراب، فقد كان قادرا تخريبه عن طريق تفتيت الحركة – بأن تعامل مع الحركة الجماهيرية للطبقة العاملة ككل وحولها إلى سلسلة من الصراعات غير المترابطة في قطاعات صناعية مختلفة. وهكذا حولت المفاوضات مع مختلف أصحاب العمل هذا الإضراب من إضراب عام إلى مجموعة من الإضرابات المنفصلة عن بعضها. لم يكن الأمر يقتصر على غياب شبكة تربط بين لجان الإضراب، ولكن في الواقع بذلت البيروقراطية النقابية ما في وسعها من جهد لعزل لجان الإضراب بعضها عن الآخر. مثال ذلك أن لجنة السيه جي تيه في مصنع رينو بمدينة بيلانكور رفضت في 23 مايو استقبال وفد من مصنع رينو بمدينة فلينس. وللأسف لم يكن هناك تنظيم على المستوى القومي قويا بما يكفي للتحريض على الانتخاب الديمقراطي للجان الإضراب من قبل العمال سواء كانوا أعضاء في النقابات أو لم يكونوا، وللتأكيد على ضرورة الربط بين هذه اللجان. فلو توافرت هذه اللجان والشبكات، وتم توسيعها لتشمل القوات المسلحة، لأصبحت بشكل أساسي شبيهة تماما بسوفيتات روسيا 1917.

وفي 27 مايو تم التوصل إلى اتفاقيات جرينال بين ممثلي النقابات وأصحاب العمل تحت إشراف وزارة العمل. ونصت هذا الاتفاقيات على زيادة الحد الأدنى للأجور من 2.22 فرنك إلى 3 فرنكات في الساعة (حوالي نصف ما طالبت به النقابات) مع رفع أجور القطاع الخاص بنسبة 10% خلال عام 1968. كما تمت أيضا زيادة ضئيلة في مساهمة المرضى في تكاليف العلاج. ولكن بالنسبة للنقاط الأخرى – الحقوق النقابية في المصانع، ساعات العمل، التقاعد، سلم الأجور – وفي كل الأمور الخاصة بعمال القطاع العام – لم يتم التوصل إلى اتفاق.

وحتى بعد هذه الاتفاقيات، استغرق قيادات النقابات فترة طويلة – حوالي ثلاثة أسابيع – قبل أن يتمكنوا من إنهاء الإضرابات. بل أن الحركة الإضرابية في الواقع لم تصل إلى ذروتها إلا بعد اتفاقيات جرينال. ولكن ضغوط البيروقراطية النقابية والحزبية أتت ثمارها في النهاية، وبدأ ما وصفته لوهيومانيتيه (جريدة الحزب الشيوعي) بـ “العودة إلى العمل منتصرين”، وفي بعض المناطق كانت المقاومة لهذه العودة مقاومة عنيفة.

جرت محاولة في شهر يونيو لتشغيل القطارات بالقوة في المحطة الشرقية (جار دو ليست) في باريس، لكن هذه المحاولة أجهضت عندما تمدد عمال السكة الحديد على القضبان. وفي الثالث من يونيو، أصدر عمال مصنع سود للطائرات في نانت، حيث بدأت أولى عمليات احتلال المصانع، بيانا يدعو جميع العمال على مواصلة الإضراب العام حتى “النصر الكامل

ولكن الاستجابة كانت أكثر غموضا في مناطق أخرى. في الشركة العامة للتلغراف اللاسلكي (CSF) في مدينة لفالوا أجري الاستفتاء الذي كشف عن تصويت ثلثي العمال بعدم موافقتهم على عرض الإدارة، ولكن ثلث العمال فقط صوتوا لصالح استمرار الإضراب. وفي محلات باريس الكبرى عاد العمال بطريقة محبطة إلى العمل، مع قيام بعض العمال بالعودة إلى العمل قبل الآخرين.

أما في مصنع رينو بمدينة فلينس فقد أعاد العمال احتلال المصنع في 11 يونيو بعد محاولة في اليوم السابق للعودة إلى العمل، وجاء احتلالهم المصنع رغم معارضة السيه جي تيه واتحاد النقابات المرتبط بالحزب الاشتراكي.

في وضع كهذا حيث يعود العمال إلى العمل بطريقة مفتتة وغير منظمة، كان دور المعلومات حاسما. فقرار العودة إلى العمل من عدمه يعتمد بوضوح على القرارات التي يتخذها آخرون. وقد تبنى السيه جي تيه تكنيكا عاما بإعلان أن المصانع الأخرى قررت العودة إلى العمل في كل مصنع على حدة. في قطاع النقل بباريس – بالنسبة للأنفاق والباصات – كان ممثلو النقابات فقط من يسمح لهم بالتنقل من محطة إلى أخرى. وكانوا يقولون للعمال في كل محطة: “أنتم ترفضون العودة للعمل، ولكنكم وحدكم الذين تتخذون هذا الموقف، بينما العمال في كل المحطات الأخرى يرغبون في العودة للعمل.”

وهكذا، بينما صوت عمال محطة شارع ليبرون لصالح الاستمرار في الإضراب، كان مندوبو النقابات يروجون في المحطات الأخرى أن نتيجة التصويت كانت 85% لصالح إنهاء الإضراب. وبعد مباحثات مع مسئولي النقابات، وبعد سماعها بأن جميع المحطات الأخرى قد عادت إلى العمل قررت لجنة الإضراب المنتخبة في محطة ليبرون إنهاء الإضراب، وتجاهلت التصويت الذي أجري بالفعل. وفي النهاية، ونتيجة لهذا الأسلوب الذي اتبعه مسئولو النقابات، وبعد أربعة أسابيع من الإضراب، أصيب عمال النقل بالإحباط بما يكفي للتصويت لصالح العودة للعمل.

لم يكن هناك بديل متوافر لمواجهة ذلك من جانب اليسار. بل ولم يوجد حتى جنين السوفييتات – أو مجالس العمال التي تربط بين لجان الإضراب المنتخبة ديمقراطيا. ولم يوجد الحزب الثوري الذي كان الوضع في حاجة ماسة إلى وجوده.

كانت لجان الحركة تمثل بديلا عن السوفييت الذي لم يكن موجودا وبديلا عن الحزب الثوري الذي لم يوجد أيضا. مبادرة تشكيل لجان الحركة تولى الطلاب القيام بها بشكل أساسي، بما فيهم أعضاء كل المجموعات التروتسكية والماوية والفوضوية الصغيرة جدا. وبنهاية شهر يونيو، كانت 450 لجنة من لجان الحركة توجد في باريس، وعدة مئات أخرى كانت موجودة في مختلف أنحاء البلاد.

في شركة رون بولينك بضاحية فيتري تشكلت 39 لجنة قاعدية، كل منها أرسلت أربعة مندوبين عنها إلى اللجنة المركزية؛ وكانت هذه اللجنة تضم 156 عضوا منهم 78 عضوا دائمين، وكان هؤلاء المندوبون منتخبين وقابلين للعزل في أي وقت. وكانت اجتماعات اللجنة المركزية تجرى يوميا وبشكل علني.

في وزارة التموين، كان اجتماعا عاما للموظفين يعقد كل صباح، وكان هذا الاجتماع هو الهيئة القائدة للإضراب، وكان ينتخب رئيسا مختلفا له كل يوم، دوره يقتصر على السماح بحرية المناقشة (وهكذا تعاقب عليها 18 رئيسا بحلول الثامن من شهر يونيو).

لكن دور هذه اللجان القاعدية كان بالضرورة دورا غامضا. فقد انتشر وسط العمال المنظمين في النقابات حالة من التذمر إزاء الدور الذي كانت تلعبه قيادة النقابات في الإضراب، ونتيجة لهذا التذمر تزايد الادراك بالحاجة إلى تكوين أشكال تنظيمية بديلة. وفي حالات عديدة، كانت هذه المنظمات الجديدة تستطيع الضغط على النقابات في المفاوضات وتحد من فرص هذا النقابات وقدرتها على خيانة العمال. ولكن بسبب قصر الفترة الزمنية التي أتيحت لها وامتلائها بالأحداث، لم تتمكن الأشكال الجديدة من التنظيم من تشكيل بديل قوي للبيروقراطية النقابية، وتمكنت فقط من التواجد بجانبها على أساس توفيقي عسير.

كانت لجان الحركة معزولة عن بعضها البعض، وكانت دورة حياتها قصيرة للغاية. لم يخرج ديجول من معقله إلا بعد أن تمكنت بيروقراطية النقابات من إنهاء حركة احتلال المصانع. فكما رأينا، لم يجرؤ ديجول على وضع الجيش والشرطة في مواجهة العمال طوال فترة الإضراب. أما شرطة مكافحة الشغب (السي آر إس) فقد استخدمت فقط ضد الطلاب، وبعد ذلك، عندما عاد أغلب العمال المضربين فعلا إلى مواصلة العمل، تم استخدامها ضد مصانع متفرقة. فلم يكن ممكنا إخافة عشرة ملايين من العمال بواسطة الجيش أو الشرطة. وهكذا تم الاستيلاء على مصنع رينو في ضاحية فلينس من قبل السي آر إس بعد مواجهات عنيفة مع الطلاب والعمال والتي قتل خلالها أحد الطلاب في السابع من شهر يونيو. أما المعركة الممتدة التي خاضها عمال مصنع بيجو مع السي آر إس، وقتل خلالها عاملان، فقد دارت رحاها في الحادي عشر من شهر يونيو. وفي الحالتين كان جميع العمال الآخرين قد عادوا فعلا إلى العمل وأنهو الإضراب وكان المصنعان معزولين.

الإضراب العام في فرنسا كان حتى الآن أكبر إضراب عام في تاريخ العالم. فلم يحدث من قبل أن شارك عشرة ملايين عامل في إضراب. بعد استحواذهم على الصناعة قسرا من أيدي الرأسماليين، واجه العمال دولة في حالة من الشلل التام: وكانت مسألة سلطة الدولة مطروحة بوضوح.

كتب كليف وبيرتشيل في عام 1968:

غير أن طرح المسألة لا يعني الإجابة عليها وحلها. فالروح المعنوية والوعي والتنظيم لدى كل من الطبقتين المتصارعتين هي التي تحدد ما إذا كان الإضراب العام سوف يتطور إلى استيلاء البروليتاريا على السلطة.

إندلاع الإضراب العام وما صاحبة من روح معنوية شبيهة بالانتفاضة لدى الطبقة العاملة يكشف أن الوضع كان فعلا وضعا ما قبل ثوري. وسواء كانت الطبقة العاملة ككل واعية بأن مسألة سلطة الدولة كانت في مركز النضال أم لا، فقد كان واجب القيادة الثورية أن توضح ذلك، وتعمل على تنمية ثقة العمال بأنفسهم وفي منظماتهم. وهذا بالضبط ما لم يفعله الحزب الشيوعي الفرنسي والسيه جي تي.

ولن تكون مبالغة في تبسيط الموقف أن نصف الإضراب العام الفرنسي بأكلمه بمستوى حركة تطالب بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل، أو أن نصم بالخيانة أي رفع لمطالب سياسية أو اقتصادية في مواجهة المطالب الثورية الخالصة. ففي مختلف القطاعات والصناعات والمناطق كانت هناك مجموعة كبيرة من المطالب – بعضها كان يركز ببساطة على زيادة الأجور والأجازات، وبعضها يركز على تغييرات سياسية خالصة، مثل عزل رئيس الوزراء بومبيدو أو الرئيس ديجول، وكثير منها كان يطالب بالسيطرة أو المشاركة بشكل أو بآخر.

لقد كشفت فرنسا عن زيف المفهوم النقابوي الاقتصادوي الخالص من أجل الخبز والزبد. فالحركة الثورية لا تنمو بشكل طبيعي من خلال مجرد التراكم للنضالات الاقتصادية الجزئية. ولم نشاهد انطلاق حركة واسعة من أجل المطالب الاقتصادية إلا بعد مواجهة سياسية مباشرة.

ومن ناحية أخرى، ربما تصبح المطالب الاقتصادية المباشرة في وضع الأزمة أكثر ثورية من أي خط سياسي مجرد يفرض من خارج الحركة. فالكثير من الأشكال الاقتصادية يمكن أن تخفي وراءها محتوى سياسي.

عادة تشكو القيادات من سلبية العمال، وغالبا ما يكون الأمر كذلك. ولكن ألا يتحمل القادة اللوم على هذه السلبية؟ وهل الحركة العمالية مثل المسدس الذي يمكن الاحتفاظ به في جيوب القادة دون استخدام لعدة سنوات ثم يظهرونه عندما يريدون ذلك؟ إن العمال، حتى يمكنهم التغلب على الخمول الناتج من الشعور بالعجز وفقدان الأمل يجب أن يكتسبوا الثقة في أنفسهم وفي الحزب الذي ينظمهم ويوجههم.

إن المرء ليشعر أنه شهد هذه الأحداث من قبل. فكلمات تروتسكي حول أوضاع فرنسا في مايو-يونيو 1936 تنطبق تماما على تقييم الوضع في فرنسا في مايو-يونيو 1968:

“إن هذا الوضع وضع ثوري، إنه وضع ثوري بقدر ما يمكن أن يكون كذلك إذا وضعنا في اعتبارنا السياسات غير الثورية لأحزاب الطبقة العاملة. وبتعبير أدق، هذا وضع ما قبل ثوري. وحتى يمكن دفع هذا الوضع إلى نقطة النضوج الكامل، يلزم تعبئة الجماهير فورا وبحماس شديد وبلا توقف تحت شعار الاستيلاء على السلطة باسم الاشتراكية. وهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن من خلاله أن يتحول وضع ما قبل ثوري إلى وضع ثوري. ومن ناحية أخرى، إذا استمر إهدارنا للوقت، سوف يتحول حتما هذا الوضع الما قبل ثوري إلى وضع آخر مضاد للثورة.” (تروتسكي، فرنسا إلى أين؟ نيويورك 1936).

إن الإدانة الرئيسية للحزب الشيوعي الفرنسي ليست في أنه لم يحقق الثورة الاشتراكية الظافرة في مايو أو يونيو. فلا يستطيع أحد أن يضمن إمكانية إنجاز الثورة آنذاك. إن ما كان ضروريا ومطلوبا هو تنمية ثقة العمال في أنفسهم وفي قوة العمال التنظيمية من أجل تعزيز القدرات الكفاحية للطبقة العاملة.

لقد عرقل الحزب الشيوعي انتخاب لجان إضراب ديمقراطية. كما عرقل التواصل بين اللجان. وأبعد أغلبية العمال عن المصانع، ومن مكثوا بالمصانع انشغلوا بالألعاب بدلا من المناقشة السياسية الجادة. وبذل الحزب ما في وسعه من أجل عزل العمال عن الطلاب الثوريين وشباب العمال.

من أجل تحقيق سلطة العمال، كان ضروريا اتخاذ عدد من الخطوات: 1) تشكيل لجان قاعدية في المصانع وتعميم ذلك محليا وإقليميا وأخيرا تكوين مجالس قومية لمندوبي العمال (سوفييتات)؛ 2) التسليح الجيد لحرس الإضراب، ثم جماهير العمال، ضد شرطة مكافحة الشغب (السي آر إس) وكاسري الإضراب؛ 3) البدء في تشغيل المصانع تحت سيطرة لجان العمال؛ 4) تحطيم ونزع سلاح وتفكيك القوات المسلحة للرأسماليين بشكل حاسم. (75)

في إضراب فرنسا في مايو – يونيو 1968 نشهد نموذجا للإضراب الجماهيري في وضع شبه ثوري يقترب من نموذج روسيا 1905 أكثر من مثال بريطانيا في 1926، ناهيك عن السويد 1909 وبلجيكا في 1913. وينبغي أن نلاحظ نقطتان أخيرتان حول هذا الإضراب.

أولا، وفي مواجهة جميع المتشائمين، كشف هذا الإضراب أن العمال يمكنهم أن يبلغوا ذروة الوعي الثوري حتى وإن أحاطت بهم جميع أجهزة الإصلاحية المتقدمة التي تتوافر حاليا في الغرب.

ثانيا، إن النضالات التي مهدت لأحداث 1968 انتهت إلى الهزيمة بشكل عام، لكن العمال كانوا قادرين على الاستفادة من هذه الهزائم، وقد جعلهم ذلك أكثر استعدادا لنضال أشد في إضراب جماهيري يضم الطبقة كلها أكثر من النضالات القطاعية الصغيرة التي كانت معزولة.

إضراب عمال المناجم في بريطانيا 1972

دعونا نبدأ بلمحة قصيرة عن إضراب عمال المناجم في 1972. من بداية الإضراب، تم تحديد منطقة في بريطانيا لتولي مسئولية حراسة الإضراب في كل منطقة مناجم: اتحاد عمال المناجم في كنت وميدلاندس مسئول عن حراسة الإضراب في لندن وجنوب شرق إنجلترا، وفي جنوب ويلز مسئول عن منطقة جنوب غرب إنجلترا، وفي يوركشاير مسئول عن شرق أنجليا، وفي اسكتلندا مسئول عن جنوب وشمال اسكتلندا بمساعدة من نورثومبرلاند ودورهام عند الضرورة.

نسبة كبيرة جدا من عمال المناجم – بعض التقديرات تشير إلى حوالي ثلثي العمال – شاركوا في إغلاق أو حراسة الإضراب في عدد كبير جدا من المؤسسات. وكتب فيك ألين: “كان يقدر أن 500 مؤسسة وقعت تحت حراسة العمال على مدى 24 ساعة يوميا بمتوسط 40 ألف من عمال المناجم يوميا. وإجمالا، كان 200 ألف من عمال المناجم يشاركون في مهام مرتبطة بالإضراب.” (76)

ويصف مالكولم بيت، رئيس اتحاد عمال المناجم في كنت، بالتفصيل كيف تولى عمال المناجم مسئوليتهم بتوفير نظار الإضراب في أكبر مركز لمحطات الكهرباء، والموانئ ومحطات السكك الحديدية في بريطانيا. ويبين بوضوح شديد أن عمال الكهرباء وعمال السكة الحديد وكذلك عمال الموانئ كانوا عموما متعاونين جدا مع عمال المناجم.

وفي اجتماع للمندوبين المنتخبين لعمال كهرباء لندن في ليلة الأربعاء 19 يناير، وافق عمال الكهرباء على العمل من أجل تكوين لجان اتصال على المستوى المحلي بين عمال المناجم وعمال الكهرباء والغاز. وتمت الدعوة إلى اجتماعات جماهيرية كبيرة في محطات الكهرباء.

في اجتماع جماهيري في محطة كهرباء ويستهام، وضع عمال الكهرباء خطة من ست نقاط تضمنت: حظر العمل الإضافي حظرا كاملا؛ رفض القيام بنقل الفحم بين محطات الكهرباء المختلفة أو من موانئ السكة الحديد، علاوة على اتخاذ قرار بالتوقف عن العمل إذا وصلت أي شحنة جديدة من الفحم إلى الغلايات.

واتخذت قرارات مماثلة في محطات الكهرباء الأخرى لتجعل حكومة المحافظين تواجه حربا على جبهتين في أكثر القطاعات خطورة في البنية الصناعية.

وفي نفس الوقت تم استدعاء عمال المناجم في كنت وتوزيعهم في مختلف أنحاء منطقة لندن وبالتالي أصبحت 21 محطة كهرباء تحت حراسة نظار الإضراب، علاوة على مستودعات الفحم الهامة في غرب درايتون وويست هام وداجنهام ونيسدن وفولهام. ومنذ اليوم الأول من الإضراب، قام عمال المناجم في كنت برد جميع إمدادات الوقود في محطات الكهرباء بما في ذلك النفط.

وفي محطة كهرباء هاكني، في ليلة الأربعاء الثاني من فبراير قامت ثلاثة شاحنات نفط باقتحام صفوف حرس الإضراب مباشرة، وكان حرس الإضراب يقفون في صف عرضي أمام مدخل محطة الكهرباء رافعين أياديهم إلى أعلى إشارة للشاحنات بالتوقف، ولكن هذه الشاحنات تقدمت مباشرة في حراسة بعض السيارات باتجاه العمال لاقتحام صفوفهم ودخول المحطة، وتفادت بالكاد إحداث إصابات خطيرة في صفوف العمال. (77)

وردا على ذلك قام عمال الكهرباء في محطة هاكني بنزع الأقباس وفصل الكهرباء.(78)

كان تأثير دور حرس الإضراب هائلا في مناطق أخرى أيضا.

في 22 يناير تم الإعلان أن محطة كينجزنورث سوف تغلق بعد 48 ساعة، ومحطة باترسي تعمل بحوالي 25% فقط من طاقتها الإنتاجية وأنها ستضطر للإغلاق، في 25 يناير أعلنت محطة ويست هام أن إمداد الفحم لديها تغطي يومين فقط، وفي محطة هاكني كانت إمدادات النفط تغطي أربعة أيام فقط، أما محطة كرويدون فقد أوقفت غلايتين من ست غلايات، ولم يعد لديها إلا القليل من النفط. وعطلت محطة بريمسداون ثلثي طاقتها الإنتاجية. وفي 26 يناير، أعلنت محطة كهرباء باترسي أنها سوف تتوقف نهائيا عن العمل إذا لم تتسلم أحماضا خلال 24 ساعة. في 27 يناير أعلنت محطة بورفليت أن غلايتين توقفتا عن العمل وواحدة على وشك التوقف وأخرى تعمل بطاقة إنتاجية ضعيفة جدا، ولو لم يصل إليها النفط بحلول نهاية الأسبوع فإن المحطة سوف تضطر للإغلاق.

توقفت باترسي عن توليد الكهرباء ومحطة برمسداون لم يكن بها إمدادات من النفط تكفي أكثر من يومين. وفي يوم الثلاثاء الأول من فبراير، أعلنت محطة ويست ثوروك أن غلايتين تم أغلاقهما كما أن غلايتين من الثلاث المتبقية تعملان بحالة سيئة. وفي الثالث من فبراير أغلق عمال الكهرباء محطة هاكني احتجاجا على دخول ثلاث حاملات وقود. وفي الخامس من فبراير، أعلنت كنجستون أن محطة الكهرباء قد تغلق في أي وقت، وأعلنت باركينج أن المحطة ليس لديها من الفحم ما يكفي أكثر من ثمانية أيام، وأن بها من النفط ما يكفي فقط حتى يوم الأحد وأنها لم تعد تقوم بتوليد كهرباء لتغذية الشبكة. (79)

نفس الأحداث تكررت في اسكتلندا، وساوث ويلز، وديربيشاير و يوركشاير وبعد فترة وجيزة كان الإضراب في محطات الكهرباء يؤثر على الاقتصاد تأثيرا بالغا. وعندما أوشك الإضراب على نهايته بلغ عدد العمال المضربين مليون و 400 ألف عامل كما أغلقت 12 محطة كهرباء. (80)

أحد مراكز النضال التي شهدت تضامنا قويا بين عمال المناجم وغيرهم من العمال كانت مستودع سالتلي لفحم الكوك. فقد عجز ألفان من عمال المناجم يقودهم أرثر سكارجيل عن وقف شاحنات فحم الكوك بعد عدة أيام من حصارها بحرس الإضراب. وفي يوم الثلاثاء الثامن من فبراير لجأ سكارجيل إلى لجنة المنطقة الخاصة بنقابة عمال الصناعات الهندسية AUEW. واستجابت اللجنة النقابية بدعوة أعضائها إلى مساندة عمال المناجم. وحذت حذوها كل من النقابة العامة لعمال النقل T&GWU وعمال السيارات. وفي يوم الخميس العاشر من فبراير، أضرب 100 ألف من أعضاء النقابات في برمنجهام وخرجت مسيرة إلى مستودع سالتلي تضم 20 ألفا من العمال. وكما يقول سكارجيل: “إن خط حراس الإضراب لم يغلق مستودع سالتلي وإنما أغلقت الطبقة العاملة هذا المستودع” (81).

إن إضراب عمال المناجم في عام 1972 يمكن وصفه باختصار شديد بأنه كان إضرابا لقواعد العمال من الناحية العملية.

خلفية عن إضراب عمال المناجم في 1972

إن حجم التضامن والنشاط الحركي لدى عمال المناجم والعمال الآخرين خلال هذا الإضراب لا يمكن فهمهما بشكل ملائم دون نظرة إلى خلفية هذا الإضراب في السنوات السابقة.

إن الفترة التي سبقت إضراب عام 1972 كانت تناقض تماما الفترة التي سبقت إضراب عام 1926 – فقد شهدت تصاعدا مستمرا لنضالية العمال لفترة طويلة وبدرجة كبيرة. واستندت هذه النضالات على عقدين بعد الحرب العالمية الثانية تزايد خلالهما باطراد قوة اللجان النقابية القاعدية في المصانع. وعلى مدى جيل كامل لم يشهد العمال هزائم خطيرة تقارن بالهزائم المريرة والمرهقة التي تعرضوا لها خلال العشرينيات. وقد تحسن مستوى معيشة العمال بصورة مستمرة. وكان النضال من أجل تحسين الأجور وشروط العمال تقوده لجان النقابات المصنعية ومنظمات قاعدية مماثلة. وقام العمال بتطوير منهج جديد من الإصلاحية “المعتمدة على الذات”، والتي عبرت عن تزايد اعتمادهم على أنفسهم وتأكيد ذواتهم. وعلى مدار هذه الفترة هيمنت الإضرابات غير الرسمية على مسرح العلاقات الصناعية. وكان حوالي 95% من الإضرابات إضرابات غير رسمية. (82) كما أن هذه الإضرابات في مجملها كانت قصيرة الأجل وانتهت بانتصار العمال.

كانت سنوات الخمسينيات تشهد زيادة في الثروة وتوظفا كاملا. غير أن الرأسمالية البريطانية كانت عالقة في تناقضات عميقة وإن لم تكن واضحة، فقد تزامن انتعاشها تزامنا لصيقا بتدهور الاقتصاد البريطاني في الأجل الطويل مقارنة بأداء الاقتصاد العالمي. وكشفت الأزمات المتعاقبة عن ذلك بوضوح. فقد كانت الإجراءات التي تسعى للتوسع الاقتصادي تشتمل على تدهور في ميزان المدفوعات والذي كان يؤدي بدوره إلى فقدان الثقة في الجنيه الاسترليني وحدوث أزمات في النقد الأجنبي. وكانت القاعدة هي دورة الانتعاش – الركود في الاقتصاد البريطاني.

دفع هذا الوضع الحكومات المتعاقبة في بريطانيا إلى تجريب وفرض سياسات تخفيض الدخول. فلأول مرة قامت حكومة ماكميلان في عام 1962 بوقف أي زيادة في الأجور والتي كانت اختيارية إلى حد كبير. وفي عام 1965، فرضت حكومة حزب العمال سياسة أشد وأكثر تفصيلا تهدف إلى السيطرة على الأجور، عن طريق المجلس القومي للأسعار والدخول. وبداية كانت سياسة ضبط الدخول اختيارية ولكن في عام 1966 تم فرض بنود لائحية بشأنها. وخلال أزمة الاسترليني في يوليو عام 1966، تم فرض قانون بتجميد الأجور تجميدا كاملا. وتلى ذلك سلسلة من الإجراءات التي منحت الوزراء سلطة تأجيل تطبيق اتفاقيات الأجور الفردية لفترات متفاوتة خلال فترة دراستها وفحصها من قبل المجلس القومي للأسعار والدخول، وفي حالة إصدار المجلس تقريرا معارضا يمكن استخدام سلطات تأجيل هذا الاتفاقيات لفترات تالية.

الزيادة المستمرة في الأسعار دفعت العمال إلى المزيد من مقاومة سياسة الدخول التي فرضتها الحكومة. وبحلول عام 1969، اضطرت الحكومة إلى التخلي عن معظم النصوص اللائحية، وتعتمد فقط على الاتفاقيات الطوعية.

وعند انتخابه في عام 1971 قام تيد هيث بإلغاء سياسة الدخول تماما، كما قام بحل المجلس القومي للأسعار والدخول. فقد كان ينوي الاعتماد على زيادة معدلات البطالة، وتزايد المقاومة لرفع أجور القطاع العام وقانون العلاقات الصناعية المقترح. وعندما اتضح فشل هذه الاستراتيجية، عادت حكومة المحافظين في عام 1972 إلى سياسة الدخول مع تشديد الضوابط والقيود اللائحية فيها مقارنة بالسياسة التي فرضتها حكومة حزب العمال.

وجاء رد فعل العمال. فكلما اتسع نطاق تطبيق سياسة الدخول، كانت تكبح مطالب زيادة الأجور لدى مجموعات كثيرة، خاصة في القطاع العام، التي انخفضت إلى أقل من مستوى القطاع الخاص. كما شهدت هذه الفترة أيضا ارتفاعا حادا في الأسعار، أولا كنتيجة لتخفيض قيمة الجنيه الاسترليني في نوفمبر 1967، وثانيا نتيجة لزيادة الأسعار العالمية للمواد الأولية التي سادت خلال أوائل السبعينيات.

وفي عام 1969 حدث أضراب هام وطويل لموظفي الإدارة المحلية وانتهى إلى النجاح. كما قام عمال آخرون بإضرابات خلال نفس العام: منهم سائقو اللواري، وعمال شركة فورد، وعمال الموانئ، وعمال المناجم والمدرسون. وكان ذلك حقا ارتفاع انفجاري في الأجور، كما وصف آنذاك. وفي عام 1970، حدثت إضرابات كبيرة وتحركات عمالية أخرى: منها إضراب العمال اليدويين في المحليات، وعمال شركة فوكسول، وعمال المناجم، والكهرباء والمدرسون. وفي 1971، أضرب عمال شركة فورد وعمال الكهرباء وعمال البريد، أما في عام 1972 فقد أضرب عمال المناجم وعمال الموانئ وعمال البناء.

ومنذ عام 1966 وما بعده قامت حكومات حزب العمال وحزب المحافظين بالتوجه نحو سياسة فرض أطر قانونية جديدة للعلاقات الصناعية (علاقات العمل). رئيس الوزراء هارولد ويلسون اضطر إلى التراجع عندما وأدت المعارضة القوية من النقابات مشروع الورقة البيضاء المعروف باسم In Place of Strife. وعندما عاد المحافظون إلى السلطة قدموا مشروعا للعلاقات الصناعية أصبح قانونا في عام 1971. وقد أدى التحريض على الإضرابات ضد مشروع قانون العلاقات الصناعية إلى تنظيم إضراب غير رسمي لمدة يوم واحد في ديسمبر 1970 شارك فيه 600 ألف عامل، خاصة من قطاع السيارات وعمال الطباعة.

وفي فبراير 1971، خرجت مسيرة ضد مشروع القانون انضم إليها 130 ألف عامل، وفي مارس أعلن مليونا عامل تقريبا إضرابا عن العمل احتجاجا على القانون. ولأن الإضرابات السياسية لا يتم احتسابها إضرابات من الجهات الرسمية، لابد أن نعتمد على التقديرات في معرفة حجمها. ويذكر أحد هذه التقديرات أن الإضرابات الرسمية وغير الرسمية التي خرجت ضد قانون العلاقات الصناعية في عام 1970-1971 بلغت المشاركة فيها ضعف عدد العمال الذين شاركوا في الإضرابات الصناعية على مدار العام. (83)

وسيطر أسلوب جديد في تحركات العمال بشكل كبير، وهو احتلال المصانع. بدأ اللجوء إلى هذا الأسلوب في أغسطس 1971 عندما قام 8500 من عمال شركة أبركلايد لبناء السفن باحتلال المصنع. وتلى ذلك أكثر من 200 عملية احتلال للمصانع والورش ومصانع بناء السفن والمكاتب خلال الأشهر الثمانية عشر التالية.

وقد لخص كولين كراوتش بشكل جيد كيف أن تدخل الحكومة – بسياسة الدخول، وقوانين العلاقات الصناعية، ودفع اتفاقيات الإنتاجية إلخ – أجبر العمال على تعميم نضالاتهم. “جزئيا كانت الإصلاحات الي صممت لإعادة صياغة التحركات المحلية صياغة مؤسسية – سياسة الدخول، وإصلاحات هياكل المفاوضة الجماعية ونظم تحديد الأجور، والمفاوضة حول الإنتاجية وإصلاحات قانون العلاقات الصناعية – هي التي كسرت الطابع المحلي المعزول للتحركات النضالية ورتبت عليها تأثيرات أوسع في المجالين الاقتصادي والسياسي. إن نمو نضالية العمال في المصانع أدى في البداية إلى رد حكومي دفع العلاقات الصناعية دفعا لكي تصبح مسيسة بشكل كثيف.” (84)

كانت هذه هي الخلفية التاريخية لفترة كانت النقابة العامة لعمال المناجم تنتهج فيه سياسة توفيقية نحو حكومات حزب العمال خلال 1945 – 1951 و 1964-1970 وسياسة الخضوع السلبي نحو حكومات حزب المحافظين خلال الفترة 1951-1964. وعلى مدى فترة حكم المحافظين التي امتدت ثلاثة عشر عاما كانت المناجم تغلق بأسلوب منظم، ولكن قيادات وأعضاء النقابة العامة لعمال المناجم كانوا يعتقدون أن نهاية عمليات الإغلاق هذه سوف تحين مع تولي حزب العمال السلطة. ولكن في الفترة من عام 1964 وحتى عام 1970، قامت حكومة حزب العمال بتخفيض قوة العمل في المناجم تخفيضا هائلا. فقد انخفض عدد عمال المناجم خلال الأعوام الثلاثة عشر الممتدة من 1951 إلى 1964 بمقدار 175 ألفا و 600 عامل، في حين أن عددهم انخفض بمقدار 211 ألف و 900 عامل ليصل إلى 305 آلاف و 100 عامل فقط خلال الأعوام الست من حكومة حزب العمال.

ولم يعد قادة النقابة العامة لعمال المناجم يعارضون ضوابط الأجور التي فرضها حزب العمال كما لم يعارضوا إغلاق المناجم. ومرة تلو الأخرى كان عمال المناجم يقعون في شراك سياسة الدخول التي فرضها حزب العمال. ففي عام 1948، كانت أجور عمال المناجم أعلى من متوسط أجور العمال في الصناعة التحويلية بنسبة 29%. وبحلول عام 1960 كانت أجورهم أعلى من المتوسط بنسبة 7.4% فقط، ولكن بحلول عام 1970 تراجعت أجور عمال المناجم إلى مستوى يقل بنسبة 3.1% عن متوسط أجر العمال في قطاع الصناعة التحويلية. وإضافة إلى ذلك، جاء تأثير الاتفاقية الوطنية للتحميل الكهربائي في عام 1966، وقد وضعت هذه الاتفاقية نهاية لنظام العمل بالقطعة وفرضت مساواة في الأجور في قطاع إنتاج الفحم، وهكذا مثلا فإن عمال المناجم في ساوث ويلز سوف يحصلون على نفس الأجر عن العمل الذي يحصل عليه عمال المناجم في نوتنجهامشاير ويوركشاير. وقد تم تطبيق هذه الاتفاقية تدريجيا خلال الفترة بين 1966 و1971. “كان تأثير هذه الاتفاقية هي مساواة الأجر ، ولكن ذلك كان معناه تعميم انخفاض الأجور على المستوى القومي، غير أن النتيجة غير المنظورة لهذه الاتفاقية كانت تعميم سخط العمال على الأجور على المستوى القومي وعلى مستوى النقابة العامة لعمال المناجم.” (85).

كان أكثر العمال غضبا وثورة هم عمال يوركشاير. فحتى الستينيات من القرن الماضي كانت عمليات إغلاق المناجم تقتصر على حقول الفحم في الأطراف بشكل رئيسي والتي تعلمت كيف تتعايش مع هذه الظاهرة لمدة عشر سنوات. وبدأت يوركشاير – أكبر حقول الفحم من حيث المساحة – تشعر بتأثير ذلك كاملا في منتصف الستينيات، وكان لذلك تأثير نفسي هائل على عمال المناجم. وفي 1967 وحدها أغلقت 9 مناجم في مدينة يوركشاير. علاوة على ذلك، كان عمال المناجم في يوركشاير في عامي 1967 و 1968 يعانون من موقف شديد الخصوصية حيث تتراجع أجورهم مرتين: مرة من خلال سياسة الدخول، ومرة أخرى بتطبيق الاتفاقية الوطنية للتحميل الكهربائي. وشهدت مدينة يوركشاير إضرابات كبيرة غير رسمية في عامي 1955 و 1961.

كان إضراب عام 1955 يركز على قوائم الأسعار غير الملائمة وبطء عملية مراجعة هذه القوائم. وقد بدأ الإضراب في منطقة ماركهام مين (أرمثورب) وانتشر بسرعة حتى أنه بعد أيام قليلة بلغ عدد عمال المناجم المشاركين في الإضراب 44 ألف و 660 عاملا.

أما إضراب عام 1961 فرغم أنه بدأ في شمال يوركشاير، تركزت قوته في منطقة دونكاستر عندما طالب فرع مدينة برودسوورث لجنة دونكاستر بإعلان الإضراب احتجاجا على أجر القطعة، وهو الطلب الذي استجابت له اللجنة. وقد أخفق هذا الاضراب في الانتشار إلى حد كبير رغم جهود نظار الإضراب ورغم أن منطقة دونكاستر نفسها استمر فيها الإضراب لمدة ثلاثة أشهر تقريبا. (86)

وما كان له أثر أكبر بكثير هو انفجار أزمة عمال المناجم في عام 1969. وكانت القضية التي فجرت الإضراب هي ساعات العمل بالنسبة للعمال خارج المنجم. ففي صباح الاثنين يوم الثالث عشر من أكتوبر توقفت جميع المناجم في يوركشاير عن العمل ماعدا منجم واحد فقط، وهو المنجم الذي توقف يوم الثلاثاء. “وانتشر الإضراب من قاعدته في يوركشاير إلى اسكتلندا و ساوث ويلز وديربيشاير وكنت ونوتنجهام والأراضي الوسطى حتى ضم في صفوفه 130 ألفا من عمال 140 منجما. واستمر الإضراب من يوم الثالث عشر حتى يوم 27 أكتوبر 1969، وانتشر رغم رداءة وسائل الاتصال بين مختلف المناطق.” (87)

ثم تفجر إضراب آخر غير رسمي في عام 1970 وكان الإضراب في هذه المرة يتعلق بالأجور. ومرة أخرى كانت لجنة دونكاستر في مركز الأحداث. وانتشر هذا الإضراب من يوركشاير إلى ساوث ويلز واسكتلندا – وبلغ عدد المشاركين في الإضراب 103 آلاف عامل. (88) وكتب أندرو تايلور: “إن أهمية هذه الإضرابات كانت أنها نظمت من قبل قيادات الأفرع ومن خلال نظام اللجنة.” (89)

هذه الضغوط المتصاعدة من قبل القواعد العمالية خلقت قيادة جديدة في النقابة العامة لعمال المناجم في يوركشاير. ففي الفترة بين عامي 1947 و 1973 كان اليمين يسيطر على المنطقة. وحتى وقت متأخر في أبريل 1968، صوت مؤتمر النقابة العامة لعمال المناجم في منطقة يوركشاير ضد اتخاذ إجراءات وشن إضرابات لمواجهة إغلاق المناجم. وقد عرض قرار المؤتمر للتصويت في الفروع والتي أيدته بأغلبية 1671 صوتا مقابل 210 أصوات.(90) ورغم ذلك كانت جماعات من عمال المناجم المناضلين تخرج عن تنفيذ القرار لعدة سنوات. ومن المثير أن نلاحظ أنه في انتخابات نائب رئيس النقابة العامة في منطقة يوركشاير في 1961، حصل جوك كين الشيوعي على 23 ألف و 797 صوتا، وهو عدد لا يقل كثيرا عن عدد الأصوات التي حصل عليها جاك ليج اليميني الذي فاز بإجمالي أصوات بلغ 29 ألف و 797 صوتا. (91)

وفي عام 1967 تأسس منتدى عمال المناجم في بارنسلي. وكان المنتدى يجتمع شهريا ويعمل بمثابة جماعة محفزة لمسئولي الفرع منزوعي الصلة بالعمال. وقد لعب المنتدى دورا هاما في الوقوف ضد القيادة اليمينية في النقابة العامة لعمال المناجم في يوركشاير وهو الذي بادر بالإضرابات الكبيرة غير الرسمية في عامي 1969 و 1970.

ومع ذلك ، فقد حقق عمال المناجم انتصارهم في 1972 ليس بفضل جهودهم وحدهم وإنما أيضا بفضل المساندة التي تلقوها من العمال الآخرين، وأهمهم على الإطلاق عمال الكهرباء وعمال الصناعات الهندسية في برمنجهام. فما هي خبرات عمال الكهرباء قبل عام 1972 التي جعلتهم على استعداد لمساندة إضراب عمال المناجم بإجراء مباشر؟

في سبتمبر 1967، أعلن مجلس الأسعار والدخول زيادة الأجور بنسبة 3.7 % استجابة لمطالب نقابات عمال الكهرباء بزيادة الأجور بنسبة 5% ولكنه ربط هذه الزيادة بشروط جديدة حول الإنتاجية. ورد العمال على ذلك بالتهديد بالإضراب. بل إن الرد بلغ حد الإضراب الفعلي في قليل من محطات الكهرباء، وانتصر العمال وفرضوا زيادة في الأجور بنسبة 10%. (92)

ومرة أخرى شارك عمال الكهرباء في انفجارات الأجور خلال عام 1969 ومن خلال إضرابات غير رسمية حصلوا مرة أخرى على زيادة في الأجور بنسبة 10%. (93) وفي عام 1970، عاد عمال الكهرباء الكرة من أجل زيادة جديدة في الأجور. ففي العديد من الاجتماعات غير الرسمية في مختلف أنحاء البلاد في صيف 1970، رفع العمال مطالبهم بزيادة الأجور بمقدار10 جنيهات استرلينية في الأسبوع دون شروط تتعلق بالإنتاج. وفي نوفمبر عدلت النقابات المطلب العمالي بزيادة الأجور بمقدار 5.80 جنيه فقط في الأسبوع. لكن أصحاب العمل ردوا على ذلك بعرض زيادة مقدارها 1.75 جنيه فقط، والتي تم رفعها بعد ذلك إلى جنيهان. ولذلك أعلنت النقابات الالتزام فقط بالحدود الدنيا ومنع العمل الإضافي. وشرح فرانك تشابل هذا الموقف قائلا أن أحد أسباب عدم اللجوء إلى التحكيم تكمن في أنه كان بلاشك “سيؤدي إلى حدوث إضرابات وفقدان السيطرة على أعضاء النقابات في القطاع.”

ومع ذلك فقد ظهرت نتائج التباطؤ (العمل وفق الشروط الدنيا ومنع العمل الإضافي) على الفور وبل وظهرت في بعض المناطق حتى قبل أن يبدأ التنفيذ رسميا. وأعلنت الفايننشال تايمز “إنها أسوأ أزمة انقطاع في الكهرباء منذ أزمة الوقود في عام 1947” كما نشرت الجريدة قائمة بالشركات والقطاعات في مختلف أنحاء البلاد التي تأثرت بانقطاع الكهرباء. وفي اليوم الثاني بلغ إجمالي فترة الذروة في انقطاع الكهرباء 31%. وعلى مدار الأسبوع ، شعر جميع السكان بآثار تحرك عمال الكهرباء، ومع انقطاع الكهرباء توقفت الآلات وأغلقت المصانع. (94)
وانطلقت حملة دعائية خبثة، أسوأ كثيرا من الحملة التي انطلقت ضد عمال المناجم في 1984-1985 ضد عمال الكهرباء:

زادت أعداد القصص الإخبارية حول تعرض عمال الكهرباء والمهندسين للتهديد والاعتداءات. وقام الأطباء وأطباء الأسنان بشطب عمال الكهرباء من قوائم الفحص الطبي، العمال في المحال العامة والبائعون رفضوا تقديم خدماتهم لهم، وتعرض ملتقى اجتماعي لعمال الكهرباء للتهديد بتفجير قنبلة، إلخ. وتعرض العمال لمئات المكالمات الهاتفية المهينة وتهديدات بتفجير قنابل وبالاختطاف. وبحلول يوم السبت ظهرت تقارير حول قذف الشبابيك بالحجارة، ورشهم بمواد الطلاء وتمزيق إطارات السيارات كما تعرض أحد العمال بشركة نورويب للضرب في الشارع وفي وضح النهار.… وفي ليلة الأحد تعرض أحد عمال الكهرباء لاعتداء بدني في برنامج ديفيد فروست التليفزيوني أمام جمهور غاضب كفرق الإعدام. (95)

هذه الحملة الهستيرية ساعدت قادة النقابات حيث قدمت لهم مبررا بإنها الإضراب التباطؤي. وتشكلت محكمة ويلبرفورس وبعد أيام قليلة توصلت إلى تقرير لم يعط العمال أكثر من جنيهان في الراتب الأساسي، مع تغييرات قليلة وطفيفة حول بدل الوردية والعطلة، إضافة إلى اتفاق إنتاجية في صورة دفعة مقدمة، وبيع الوظائف مقابل تعويض إضافي. وبحلول 1971 انخفضت قوة العمل بنسبة 13% فيما ارتفع متوسط الأجر بنسبة 20%. (96)

كثير من عمال الكهرباء رفضوا اتفاق الانتاجية خلال عام 1971. كانت منطقة المقاومة الرئيسية هي منطقة الجنوب الشرقي حيث رفضت 25 محطة من إجمالي 50 محطة كهرباء هذا الاتفاق. كما كانت مجموعات عديدة متفرقة من العمال في مختلف أنحاء البلاد ترفض أيضا ذلك الاتفاق.

وقبل أيام قليلة بعد بداية إضراب عمال المناجم في عام 1972، شارك عمال الكهرباء بدورهم في حملة لزيادة أجورهم. وعقد تجمع عمال الكهرباء، وهو منظمة غير رسمية لأعضاء النقابات الموقعية على المستوى الوطني في هذا القطاع، اجتماعا في 14 يناير لمناقشة الإجراء الذي ينبغي اتخاذه لدفع مطالب العمال. وفي يوم الاثنين 24 يناير بدأ عمال الكهرباء في منطقة ويست هام، ويست ثوروك، وولويتش ومحطات كهرباء أخرى في بريطانيا حظرا على العمل وقتا إضافيا مستبقين بذلك المنع الرسمي للعمل وقتا إضافيا على مستوى البلاد الذي كان يعتزم بدئه في أول فبراير. ومع ذلك، وافق قادة النقابات على تأجيل الحظر الرسمي للعمل وقتا إضافيا على مستوى البلاد حتى يوم 7 فبراير خلال مفاوضات بين الحكومة وهيئة الكهرباء.
(ولم يحدث حظر العمل الإضافي على مستوى القطر لأن مطالب عمال الكهرباء تمت تسويتها). مهندسو برمنجهام، وأغلبهم من عمال صناعة السيارات، هرولوا أيضا إلى مساندة عمال المناجم في ساتلي. فماذا كان مستوى نضاليتهم في النزاعات الصناعية خلال السنوات السابقة على ذلك؟

كانت شركة السيارات البريطانية (BMC) قلب صناعة السيارات في بريطانيا وتتركز في منطقة برمنجهام – كوفنتري. وحسب نص كلام اثنين من خبراء الاقتصاد اللذين درسا لجنة التجمع العمالي بشركة BMC (كومباين) التي لم تكن رسمية على الإطلاق في تلك الفترة:
كانت اللجنة مهتمة بشكل أساسي بمعدلات الأجور في مختلف المصانع، خاصة فيما يتعلق بمعدل الأجر عن القطعة. كما أن معرفة العمال بوجود معدلات أعلى للأجور عن القطعة الواحدة أو الأرباح في بعض المصانع لعب دورا في تحريض أعضاء النقابات الموقعية في المصانع التي تنخفض فيها معدلات الأجور عن القطعة أو الأرباح من أجل المساواة مع الأخرى. وهكذا، رغم أن معدلات الحوافز المختلفة في مختلف المصانع لم تكن منظمة مركزيا من قبل الإدارة وسمحت بالتباينات في متوسط الأرباح بين المصانع، مارست لجنة العمال ضغوطا من أجل المساوة في زيادة الأرباح في جميع المصانع وفي كل المناطق.

وفي ضوء الموقع القيادي لعمال شركة BMC وأعضاء النقابات الموقعية بها في صناعة السيارات، وفي ضوء الموقع القيادي لصناعة السيارات في مجال الصناعات الهندسية، كان عمال الشركة ينظمون إضرابات أكثر من عمال الشركات الأخرى في صناعة السيارات. وبمعنى آخر كان هؤلاء العمال طليعة الحركة من أجل زيادة الأجور. (98)

ومن المفيد جدا الاطلاع على تقرير مجلة وزارة العمل حول الإضرابات الهامة في عام 1970. ففي صناعة السيارات كان هناك خمسة إضرابات هامة و11 إضرابا في شركات الصناعات الهندسية الأخرى في برمنجهام. وكانت جميع إضرابات برمنجهام هجومية – وفي غالبيتها العظمى كان العمال يطالبون بزيادة كبيرة في الأجور. (99)

في 1971، تكررت القصة نفسها. فقد شهد العام تسعة إضرابات هامة في صناعة السيارات في برمنجهام، مقابل أربعة إضرابات في شركات الصناعات الهندسية الأخرى. ومرة أخرى، كما حدث في العام السابق كانت إضرابات برمنجهام هجومية بنفس القدر أو أكثر من أجل تحسين الأجور. (100)
إن الإجراءات والإضرابات التضامنية التي تتخذها مجموعة من العمال لمساعدة مجموعة أخرى تعتمد على درجة الثقة بالنفس لدى هذه المجموعة في مواجهة أصحاب العمل. وفي ضوء الطبيعة الهجومية والتي كانت ناجحة بوجه عام لنضالات عمال السيارات في برمنجهام أنفسهم، فقد كانوا لذلك أكثر استعدادا بشكل خاص وأكثر قدرة على مساعدة عمال المناجم عند دعوتهم إلى هذه المساندة.

هناك ثلاثة عوامل أساسية تشكل الملامح الرئيسية لأي إضراب : (1) الثقة النسبية لدى العمال في مواجهة أصحاب العمل الذين يعملون لديهم، (2) العلاقة بين القواعد العمالية والبيروقراطية النقابية، (3) وعمق النزعة القطاعية التي تعمل على تقسيم العمال. هذه العوامل الثلاثة متداخلة ونسبية في علاقتها بعضها ببعض.

وقد بين إضراب عام 1972 أن عمال المناجم كانوا على درجة عالية من الثقة في أنفسهم وكانوا أكثر هجومية مقارنة بالحكومة؛ وكانت القواعد العمالية مستقلة نسبيا عن بيروقراطية النقابات، وكانت الانقسامات القطاعية، سواء بين عمال المناجم وأنفسهم أو بين عمال المناجم والعمال في القطاعات الأخرى، في حدودها الدنيا. ومع ذلك لم تكن هذه الحقائق حقائق مطلقة. فلو كانت القواعد العمالية مستقلة بشكل مطلق عن البيروقراطية النقابية، وغابت الانقسامات القطاعية غيابا مطلقا، لكان هذا الإضراب قد تحول إلى ثورة عمالية.

ففي نهاية إضراب عام 1972 استطاعت البيروقراطية النقابية في نقابة عمال المناجم أن تؤكد سيطرتها. ويجب إدراك ذلك إذا كان المرء يرغب في أن يفهم التطورات التي جرت فيما بعد ومهدت لهزيمة 1984-1985.

عندما تم تطبيق المرحلة الثانية لسياسة الدخول في أول أبريل عام 1973، والتي حدت من زيادة الأجور إلى جنيه واحد + 4%، لم تعارضها نقابة عمال المناجم. وهنا جاء دور عمال الغاز وموظفي الحكومة, والمدرسين وعمال الخدمات المعاونة في المستشفيات، والذين ربما شجعهم على شن المعركة انتصارات عمال المناجم وعمال الموانئ وعمال السيارات في العام السابق. ومع ذلك فإن جهود هؤلاء العمال لم يكللها النجاح. (101)

ثم جاء إضراب عمال المناجم في 1974، الذي كشف بوضوح عن عقبة بيروقراطية نقابة عمال المناجم. كان هذا الإضراب مختلفا تماما عن إضراب عام 1972. ففي نوفمبر 1973، أعلنت نقابة عمال المناجم حظرا كاملا على العمل الإضافي. وردا على ذلك، أعلنت الحكومة حالة طورائ في اليوم التالي، بهدف الحفاظ على مخزون الوقود. وفي أول يناير 1974، تم فرض نظام العمل ثلاثة أيام في الأسبوع. وكان الهدف من ذلك توفير استهلاك الفحم وتأليب الرأي العام ضد عمال المناجم. وفي 7 فبراير تم إعلان تاريخ الانتخابات العامة في 18 فبراير. وبدأ عمال المناجم إضرابهم في 9 فبراير.

وكما أوضح فيك ألان، قادة نقابة عمال المناجم كانوا يريدون تجنب العفوية التي ميزت إضراب عام 1972 والاستقلال النسبي الذي تمتعت به لجان الإضراب المحلية وكذلك المواجهات. وكانوا يرغبون هذه المرة في السيطرة على الإضراب مركزيا حتى يتمكنوا من تحديد التكتيكات والسيطرة على نطاق الإضراب. ومنذ البداية كانوا يخططون لاحتواء الإضراب ما أمكنهم ذلك حتى يحظى الإضراب بمظهر محترم. (102)

ووضعت اللجنة التنفيذية القومية في نقابة عمال المناجم ترتيبات رسمية للإضراب في اجتماعها في الخامس من فبراير. ومنذ البداية حاولت اللجنة أن تطمئن إلى أن السيطرة على الإضراب سوف تتركز في أيديها. وأكدت أن إدارة الإضراب لا ينبغي أن تسيطر عليها لجان الاتصال على مستوى المنجم ولكن السيطرة ستكون من خلال لجان الاتصال بالمنطقة والتي تضم جميع القطاعات في النقابة وذلك بالتشاور مع لجنة الإضراب على المستوى القومي. كما أنها أقرت أيضا أن عملية حراسة ونظارة الإضراب لا ينبغي أن تتم إلا بعد الموافقة عليها من قبل لجنة الإضراب على المستوى القومي. وكانت هذه القواعد تهدف إلى منع أي قرار عفوي لحراسة ونظارة الإضراب يتضمن اللجوء إلى أنشطة مثل النظارة الطائرة (حيث ينتقل العمال من موقع إلى موقع لإقناع زملائهم بالامتناع عن العمل أو منع كاسري الإضراب – المترجم) أو النظارة الثانوية (حيث يتجه نظار الإضراب من العمال إلى الوقوف أمام الشركات الأخرى التي تتعامل مع شركتهم أو بيوت المديرين للدعاية ضدها – المترجم). (103)

وقررت اللجنة القومية للإضراب ألا يزيد عدد نظار الإضراب عن ستة عمال في أي موقع في أي وقت. وقطعا كانت هناك شكاوى من القواعد العمالية وسط عمال المناجم ضد التعليمات بتخفيض عدد نظار الإضراب إلى ستة عمال. ولكن عندما وصلت هذه الشكاوى إلى مسئولي منطقة يوركشاير، كل ما استطاعوا أن يقولوه هو: نحن نعلم أن هذا الرقم الضئيل يمكن أن يؤدي إلى فتور الحماس بين العمال، ولكن تأكدوا أن هذا الرقم تحدد لأسباب وجيهة. (104) والتزم سكارجيل التزاما كاملا بهذا القرار. (105)

السبب الرئيسي للخط الذي فرضته قيادة نقابة عمال المناجم كان رغبتهم في عدم إرباك حزب العمال خلال حملته للانتخابات العامة. وقد خسر تيد هيث في الانتخابات وأدى ذلك إلى انتصار عمال المناجم. ولو كان هيث فاز في الانتخابات، كان يمكن لعمال المناجم في جميع الأحوال أن ينتصروا أيضا، ولكن ذلك كان يتطلب تغييرا جذريا في تكتيكاتهم، بأن يصبحوا أكثر هجوما وأن يقوموا بتنظيم عددا كبيرة في نظارة الإضراب، إلخ. وقد أبدى عمال آخرون من غير عمال المناجم استعدادا كبيرا لاتخاذ مواقف تضامنية في عام 1974 كما فعلوا ذلك في الإضراب السابق. ومن أمثلة ذلك أن عرض عمال الكهرباء التعاون الكامل مع عمال المناجم. (106) كما عقد عمال آخرون اجتماعات لمناقشة تنظيم إضرابات تضامنية. (107)

خلال الفترة بين عامي 1968 و 1974 كان التوازن غير مستقر بين التعميمات السياسية في جانب أصحاب العمل – مثل سياسة الدخول وتشريعات علاقات العمل – والروح النضالية في جانب العمال. وضع كهذا لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة. فالمعادلة غير المستقرة يمكن أن تؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما إلى التعميم السياسي للنضالية العمالية، أو إلى تدهور نضالية القطاعات العمالية. وفي الواقع تم تدمير هذه المعادلة غير المستقرة في السنوات التالية نتيجة للسياسات المهيمنة في صفوف الطبقة العاملة البريطانية – أي العمالوية – والتي تلخصها راية نقابة عمال المناجم في كنت: والتي رسمت عليها صورة لأحد عمال المناجم أمام مقدمة المنجم متطلعا إلى مبنى البرلمان. وهذا هو جوهر ما تمثله العمالوية بالنسبة للعلاقة بين التحركات العمالية والسياسة. ويقوم منطق هذا الانفصال بين الاقتصاد والسياسة على أساس أنه لو كان للعمال مطلب يجعلهم يتخذون موقفا ضد حكومة المحافظين، فإن البديل هو حكومة حزب العمال. ولكن إذا كان مطلبهم يدفعهم أكثر إلى مواجهة حكومة حزب العمال، فلا بديل أمامهم إلا التراجع.

هوامش

1. M.A. Waters (ed.), Rosa Luxemburg Speaks (New York 1970), p.171.
2. R. Luxemburg, Ausgewãhlte Reden und Schriften (Berlin 1955), vol.I, pp.227-8.
3. Ibid., pp.201-2.
4. Ibid., p.274.
5. Ibid., p.187.
6. R. Luxemburg, Gesammelte Werke (Berlin), vol.III, p.457.
7. W.M. Crook, The General Strike (Chapel Hill 1931), pp.126-7.
8. Ibid., p.140.
9. Ibid., pp.133, 115.
10. Ibid., p.133.
11. Ibid., p.142.
12. Ibid., p.87.
13. Ibid., pp.73-4.
14. Ibid., p.75.
15. Ibid., pp.80-83.
16. Ibid., pp.84-5.
17. Ibid., pp.79-80.
18. Ibid., p.80.
19. Ibid., pp.95, 87.
20. Ibid., pp.87, 95-6.
21. Ibid., pp.94-5.
22. J. Symons, The General Strike (London 1957), pp.64-5.
23. E. Burns, The General Strike, May 1926: Trades Councils in Action (London 1975), p.172.
24. A. Clinton, The Trade Union Rank and File. Trades Councils in Britain, 1900-40 (Manchester 1977), p.75.
25. J. Mendelson, W. Owen, S. Pollard and V. Thornes, The Sheffield Trades and Labour Council, 1858-1958 (Sheffield 1958), p.67.
26. J. Hinton, The First Shop Stewards’ Movement (London 1973), p.138; W. Kendall, The Revolutionary Movement in Britain, 1900-1920 (London 1969), p.140.
27. Hinton, op. cit., pp.237, 248, 263.
28. Ibid., p.223.
29. J.T. Murphy, Stop the Retreat, n.d. (1922).
30. Clinton, op. cit., p.126.
31. Burns, op. cit., p.139.
32. J. Jacobs, London Trades Council, 1860-1950 (London 1950), pp.129-30.
33. M. Morris, The General Strike (London 1976), p.321.
34. P. Kerrigan in J. Skelley (ed.), The General Strike, 1926 (London 1976), p.321.
35. Morris, op. cit., p.400.
36. Skelley, op. cit., p.316.
37. Morris, op. cit., p.401.
38. Skelley, op. cit., p.322.
39. Morris, op. cit., pp.402, 410.
40. R. Mason, The General Strike in the North East (Hull 1970), pp.22-3, 25.
41. Ibid., pp.27-8.
42. Burns, op. cit., p.146.
43. Skelley, op. cit., pp.211-2.
44. Morris, op. cit., p.438.
45. R. Postgate, E .Wilkinson and I.F. Horrabin, A Workers’ History of the General Strike (London 1927), p.46.
46. Burns, op. cit., pp.15, 123, 154, 171; Clinton, op. cit., pp.217, 219; G.A. Phillips, The General Strike (London 1976), p.197.
كان التعبير الأكثر تطرفا عن النزعة القطاعية هو رفض رابطة عمال طباعة الصحف في أغلب الأحوال الموافقة على طباعة نشرات الإضراب المحلية. “انحياز ومشاعر الطوائف الحرفية القديمة، والتقاليد الكاملة للنزعة القطاعية، وفي الإخلاص والولاء للنقابة الخاصة قبل كل شيء ولسلطة مسئوليها ومجلسها التنفيذي، كل ذلك قطع الطريق على التضامن الشامل … كان قطاع الطباعة لزجا بشكل خاص، يحتاج إلى الكثير من محاولات الإقناع والمفاوضات الطويلة في كثير من المواقف قبل أن يقوم العمال بتنفيذ الطبعات الإقليمية للجريدة الخاصة بالمجلس العام نفسه.
(A. Hutt, The Postwar History of the British Working Class (London 1972), p.142. See also Phillips, op. cit., pp.173-5; C. Farman, The General Strike, May 1926 (London 1974), pp.173-4.)
كان عمال الطباعة الذين يقومون بتنفيذ جريدة العامل البريطاني في لندن طماعين جدا. “العمال الذين يقومون بإدارة الآلات طالبوا في البداية بمبالغ كبيرة. فقد طلبوا مبالغ تزيد عن المبالغ التي كانوا يحققونها في الأوقات العادية. وقد تم التفاوض معهم ومناقشتهم ولكنهم لم يقبلوا تخفيض مطالبهم.
(M. Fyfe, Behind the Scenes in the Great Strike (London 1926), p.62.)
47. Account of the Proceedings of the Northumberland and Durham General Council and Joint Strike Committee, Labour Monthly, June 1926; Phillips, op. cit., pp.205-6.
48. British Worker, 5 May 1926.
49. Farman, op. cit., p.229.
50. Symons, op. cit., p.14.
51. Farman, op. cit., p.229.
52. British Worker, 9 May 1926.
53. Morris, op. cit., p.389.
54. Burns, op. cit., p.160.
55. Farman, op. cit., pp.193, 202.
56. P. Renshaw, The General Strike (London 1976), p.18.
57. Farman, op. cit., pp.339-40.
58. Burns, op. cit., p.70.
59. Morris, op. cit., p.78.
60. لا يستطيع المرء أن يميز بين تأثير الإضراب العام وبين عملية إغلاق المناجم الممتدة على نمو عضوية الحزب الشيوعي. فعند انعقاد المؤتمر السابع للحزب في مايو 1925، كان عدد أعضائه يبلغ 5000 عضو، وقد ارتفع هذا العدد إلى 10730 عضوا بحلول المؤتمر الثامن في أكتوبر 1926. وكانت الأغلبية العظمى من الأعضاء الجدد من بين عمال المناجم.
(L.J. Macfarlane, The British Communist Party. Its Origins and Development Until 1929 (London 1966), p.173.)

61. Quoted in J. Braunthal, History of the International, vol.2 (London 1967), pp.168-9.
62. British Government, Cabinet Papers GT6323 and 326, 13 November 1918.
63. T. Jones, Whitehall Diary (London 1969), pp.99-100.
64. J.T. Murphy, Preparing for Power (London 1972), p.179.
65. A. Hutt, The Postwar History of the British Working Class (London 1972), p.18.
66. R. Page Arnot, The Miners. Years of Struggle (London 1953), p.339.
67. Hutt, op. cit., p.62.
68. Murphy, op. cit., pp.2134.
69. Ibid., pp.207-8.
70. Fourth Congress of the Communist International (London 1923), p.62.
71. Solidarity, July 1917.
72. Workers’ Weekly, 30 September 1922.
73. Workers’ Weekly, 21 September 1923.
74. This section relies heavily on T. Cliff and I. Birchall, France: The Struggle Goes On (London 1968).
75. Ibid., pp.61-4, 67-8.

76. V.L. Allen, The Militancy of British Miners (Shipley 1981), p.200.
على المرء أن يتعامل مع هذه الأرقام بحذر شديد، رغم أنه لا شك أن عملية نظارة الإضراب كانت تضم جزءا كبيرا من العمال مقارنة بعام 1984-1985 ولكن لم يكن أكثر بقدر كبير.
77. M. Pitt, The World on our Backs (London 1979), pp.151-3.
78. Ibid., p.159.
79. Ibid., pp.163-5.
80. Allen, op. cit., p.212.
81. A. Scargill, New Unionism, New Left Review, July 1975, p.17.
82. Royal Commission on Trade Unions and Employers’ Associations – the Donovan Report (London 1968), p.19.
83. M. Silver, Recent British Strike Trends: A Factual Analysis, British Journal of Industrial Relations, January 1973.
84. C. Crouch, The Intensification of Industrial Conflict in the United Kingdom, in C. Crouch and A. Pizzorno (eds.), The Resurgence of Class Conflicts in Western Europe Since 1968 (London 1978), p.253.
85. A. Taylor, The Politics of the Yorkshire Miners (London 1984), p.88.
86. Ibid., pp.176-8.
87. Allen, op. cit., p.156.
88. Ibid., pp.163-4.
89. Taylor, op. cit., p.309.
90. Ibid., p.67.
91. Ibid., p.178.
92. T. Cliff, The Employers’ Offensive (London 1970), p.209.
93. C. Barker, The Power Game (London 1972), p.34.
94. Ibid., pp.36-7.
95. Ibid., p.46.
96. Ibid., p.54.
97. Pitt, op. cit., pp.157-8.
98. S.W. Lerner and I. Marquand, Regional Variations in Earnings, Demand for Labour and Shop Stewards’ Combine Committees in the British Engineering Industry, Manchester School of Economic and Social Studies, September1963.
99. Department of Employment Gazette, May 1971.
100. Ibid., May 1972.
101. كان عمال الخدمات المعاونة في المستشفيات شديدوا الأهمية أيضا في مايو 1974 عندما انضمت إليهم الممرضات اللائي بدأن أول إضراب لهن في محاولة لتحسين الأجور. وقد أعقبت هذه الإضرابات بسرعة منحة تضمنت زيادة كبيرة في الأجور. وكان المدرسون مشتركين في حملة نشطة في لندن، وأعقب هذه الحملة أكبر زيادة حققها المدرسون في تاريخهم وبلغت 30%.
102. Allen, op. cit., p.240.
103. Ibid., pp.247-8.
104. Taylor, op. cit., p.252.
105. Allen, op. cit., p.252.
106. Taylor, op. cit., p.252.
107. Ibid., p.254.

Advertisements
تعليقات
  1. […] نماذج من الإضراب الجماهيري « اكتب كي لا تكون وحيدا […]

    إعجاب

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s