فقراء الأقباط والدولة القمعية

Posted: 25 نوفمبر 2010 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , , , , , ,
24 نوفمبر 2010

هل يمكن رؤية عنف ووحشية أجهزة القمع الأمنية اليوم في التعامل مع مظاهرات الأقباط بحي الطالبية بالجيزة بمعزل عن ما حدث منذ أيام قليلة في الإسكندرية عندما تم قمع مسيرة انتخابية للإخوان المسلمين والنشطاء السياسيين والقبض على العشرات منهم وتلفيق قضايا حيازة مخدرات وسلاح أبيض لبعضهم ومنهم المناضل الاشتراكي يوسف شعبان؟ هل يمكن فصل ما حدث اليوم عن اغتيال سفاحي الداخلية لخالد سعيد منذ شهور قليلة والعديد من أمثاله قبل وبعد تلك الحادثة، فقط لأنهم قرروا أن لا تمتهن إنسانيتهم أكثر من ذلك؟ هل يمكن تفسير تلك الأحداث مجتمعة بعيدا عن خطط النظام والدولة وأجهزتهما القمعية لتزوير الانتخابات وسيطرة الحزب الوطني الحاكم على مجلس الشعب القادم مع تمثيل هزيل وهزلي للأحزاب الكارتونية التي عقد معها صفقة لا تقل قذارة عنه، حتى تبدو الانتخابات في منتهى الديمقراطية كما يحاول أن يوهمنا عبر أبواقه الإعلامية المنحطة؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة في تصوري: بالطبع لا.

مظاهرات اليوم التي أسفرت عن مقتل شخص (حسب الأرقام المعلنة) وإصابة نحو خمسين آخرين بالإضافة للقبض على العشرات، لم تحدث هذه المرة بسبب العنف الطائفي بشكله التقليدي بين مسلمين ومسيحيين كما كان يبدو على السطح في معظم المرات. فلم يخرج المتظاهرون ليطالبوا بعودة مسيحية أعلنت إسلامها أو كرد فعل غاضب على مقتل أشخاص منهم، أو حرق محصول لهم، أو الاعتداء على ممتلكاتهم من قبل “اللهو الخفي” الذي يظهر في النهاية إما كمختل عقليا، أو مدمنا أتلفت رأسه المخدرات، أو من أصحاب السوابق المأجورين لتخليص ثأر قديم. ولم يكن طرفها الثاني الجماعات الإسلامية والمتشددين الذين يرجعون سبب مشكلاتنا لابتعادنا عن الدين الإسلامي الذي ينكر -من وجهة نظرهم- وجود آخر مختلف في العقيدة أو الفكر، أو في أفضل الأحوال إخضاعه له. مظاهرات اليوم خرجت بشكل واضح لا لبس فيه ضد الدولة التي طالما لعبت الدور الأساسي والمخطط الخبيث لعملية اضطهاد الأقباط على مدار سنوات وسنوات.

بالتأكيد لعبت أسباب من المذكورة عاليه في حوادث سابقة، وستظل تلعب -لفترة ليست بالقصيرة- دور المفجر للغضب المكبوت والصبر المتأجج لدى الأقباط على كل أصناف الاضطهاد والتمييز والعنصرية تجاههم، ولكنها وبالرغم من كونها حقيقية ليست هي السبب الرئيسي لما يعانيه الأقباط في مصر، أنها مجرد أعراض للمرض وليس سببه. أما الجديد الإضافي اليوم، والذي يؤكد العداء للدولة مباشرة -كما أفاد عدد من المشاركين بالمظاهرات- أنها ضمت مسلمين، فالعدو واحد. فهل بدأت ملامح المعركة الحقيقية تتضح؟ بالتأكيد لا يعني ذلك الجديد أن وحدة فقراء المسلمين والمسيحيين ضد عدوهم المشترك بدت قريبة في طرحها على أجندة حركة الجماهير، ولكن تناقضات الصراع وأزمة النظام وعداؤه السافر للفقراء عموما من الممكن أن تدفع الاحتجاج لمناطق متقدمة لو تم توحيد الضربات في صدر المستفيد الأساسي من فرقتهم.

الدولة لم تظهر هذه المرة كطرف محايد يظهر في الأحداث لإعادة الأمن والاستقرار ومحاسبة المخطئ والمعتدي، وكأنها بريئة مما حدث وليست طرفا فيها ولا شأن لها سوى فض النزاعات.. الدولة هذه المرة وبشكل مفضوح تماما هي السبب الرئيسي والمباشر في خروج هؤلاء المقهورين لإعلان رفضهم لما ألم بهم من فقر وتهميش واضطهاد، الدليل على ذلك اقتحامهم لمبنى المحافظة.. رمز السلطة، والاشتباك بجسارة مع قوات مكافحة حركة الجماهير. لذا لا يمكن فهم مظاهرة اليوم إلا في إطار الرفض لما تمارسه الدولة بشكل عام من سياسات إذلال وإفقار وقمع غير مسبوقة، وبالتالي فرفض الأجهزة المحلية لاستكمال بناء الكنيسة في هذه الواقعة ما هو إلا القشة التي قصمت ظهر البعير الذي ينوء بأحمال سنوات طوال من الاضطهاد والتمييز ومعاملته كمخلوق ومواطن أدنى في كافة الحقوق، أحمال زادت كثيرا في الفترة الأخيرة بعد زيادة وتيرة العنف الطائفي الموجه ضده، وتصعيد سياسات النهب والاستغلال والقمع التي أوصلت فقراء مصر إلى العيش على الهامش بدون اي حقوق أو ضمانات.

القمع الأمني المتعمد اليوم وأيضا من خلال ممارسات سابقة عدة، يثبت أن النظام قرر بشكل صريح لا لبس فيه الدخول في مواجهات مع كل فصائل المعارضة الحقيقية التي تطالب بتغيير ديمقراطي ينهي احتكار الحزب الوطني وعصابة مبارك للسلطة ويطلق الحريات، أيضا مع كافة قطاعات الجماهير الفقيرة المطالبة بحقها في السكن والعلاج والتعليم والعمل وأجر عادل يوفر احتياجاتها من المأكل والمشرب والملبس، وممارسة حقها في التعبير عن نفسها ومنها حرية العقيدة دون تمييز والحق في بناء دور عبادة يؤدون فيها شعائرهم.

النظام إذن، مغيرا تكتيكاته، أعلن دخوله حربا بلا هوادة ضد كل من يقف أمامه مطالبا بأي شيء، فالأزمة الاقتصادية والإفلاس السياسي جعلا النظام ليس لديه ما يمكن أن يقدمه للجماهير التي جلب لها الفقر والأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية سوى قمع تحركاتها، فعندما يفقد النظام قدراته على الاحتواء وحل أزماته ولا يجد لنفسه أي شرعية أو رصيد لدى الجماهير لا يصبح لديه للحفاظ على وضعه واستمراره جاثما على صدورنا سوى الاستخدام السافر لسياسات الترهيب والقمع وخرس الألسنة عبر التعذيب والاعتقال وتلفيق القضايا، وأخيرا وليس أخرا القتل المتعمد في الشوارع ومقار الداخلية. ظهر ذلك جليا في التعامل مع عمال أمونسيتو عندما فض اعتصامهم بالقوة قبل شهور وموظفي مراكز المعلومات مؤخرا، وفي التعامل مع الإخوان ونشطاء حركة التغيير الديمقراطي، ولم ينج المواطنون الأبرياء من أمثال خالد سعيد من توديع الحياة على أيدي زبانية الأمن.

ولكن لماذا تزيد الدولة من اضطهادها للأقباط خاصة الفقراء منهم؟ وما الدور الذي تلعبه الكنيسة في هذه العملية؟ ولماذا تصاعد الاحتقان الطائفي سريعا في السنوات الأخيرة؟ وما هي السياسة الصحيحة التي يمكنها إنهاء هذا الاضطهاد؟

في البدء لا يمكن تصديق أن هذه الدولة تضطهد الأقباط لأسباب محض دينية، بالطبع هذه الدولة تنضح بالرجعية وتستخدم معايير تمييزية بين الأغلبية المسلمة والأقلية القبطية، لكن لا يمكن فهم جذور هذا الاضطهاد وأسبابه بإرجاعها فقط لرجعيتها ومحافظتها وإلا ما سبب تفسير عدم اضطهادها لأمثال غالي وساويرس وغبور ولكح. هنا مفتاح فهم أصل الموضوع. فالاضطهاد موجه بالأساس ضد الفقراء، ولكي لا يصبح هؤلاء الضعفاء المغلوبين على أمرهم يدا واحدة يجب إشاعة الفرقة بينهم وتفويت أي فرصه لالتحامهم بتقسيمهم لمسلمين وأقباط ورجال ونساء وتقسيمات أخرى تلعب دورا في توسيع الفجوة لتحول دون تضامنهم. أيضا اضطهاد الأقباط يمكن استخدامه كورقة ضغط لإملاء شروط على الكنيسة التي تلعب دورا احتوائيا وموجها سياسيا بصفتها الملاذ في مجتمع لا قلب له، مجتمع يزيد من تهميشهم وينتقص من حقوقهم بشكل مزدوج بصفتهم فقراء وأقباط في نفس الوقت. وفي أوقات أخرى يمكن تقديمهم ككبش فداء لحل أزمة سياسية بافتعال فتنة طائفية كما فعل السادات في أحداث الزاوية الحمراء 1980.

الدولة إذن بما فيها من رجال حكم وممثلين سياسيين وأصحاب الثروة الرأسماليين ورجال الدين أقباطا ومسلمين يساهمون جميعا في استغلال ولجم الفقراء المصريين بما فيهم فقراء الأقباط. فالوجود الحقيقي لهؤلاء السادة واستمرارهم في لعب أدوارهم يعبر عن نفسه في إخضاع الفقراء لمصالحهم. يمكننا هنا أن نفهم دور الكنيسة كوسيط بين الدولة والرأسمالية من جانب وفقراء المسيحيين في مصر من جانب آخر. الكنيسة والدولة ليسا طرفي نقيض ولكنهما يستخدمان سويا ورقة الأقباط لتنفيذ مصالحهما حينما يدخلان في مساومة أو يثور بينهما خلافا. الدولة برجعيتها وتناقضاتها وانحيازها تضطهد الأقباط والكنيسة تحتوي الغضب الجماهيري ملوحة بالاستقواء بالخارج وقدراتها على إبقاء النار مشتعلة أو إخمادها. الدولة ترضي كبار الرأسماليين المسيحيين ممولي الكنيسة بالتسهيلات الاستثمارية وبعض الحقائب الوزارية والوظائف العليا في مقابل ضمان أصوات الأقباط في الانتخابات لمرشحي الحزب الحاكم. حتى دماء القتلى وجراح المصابين في المظاهرات تخضع لأليات المساومة.

لكن وبالرغم من هذا التحالف غير الشريف فرياح الصراع الطبقي في المجتمع تأتي بما لا تشتهيه سفن أطرافه. فالواقع يقول أن التمييز في المجتمع والنظرة الدونية للأقباط يضربان بجذورهما في الحياة اليومية والقوانين والتفرقة في الوظائف ومن الممكن عبر الصراع وخوض المعارك المختلفة اكتشاف أن أصل الاضطهاد ليس في جار القبطي المسلم أو العكس بل في النظام الاقتصادي والاجتماعي نفسه الذي يسن القوانين والتشريعات وينفث السموم الطائفية حتى لا ينتبه المظلومين للظالم فيغرقون حتى آذانهم في معارك وهمية تزيدهم تأزما وتشظيا. فلك أن تتخيل أن من يخصص الطابق السفلي في عمارته كزاوية للصلاة يتم إعفاؤه من دفع الضرائب العقارية، في حين أن إصلاح ماسورة صرف بكنيسة يستلزم موافقات من الجهات الأمنية والمحلية، فما بالك ببناء كنيسة كمثل واقعة اليوم. أيضا وبالرغم من وجود أقباط في الجيش والشرطة -بحذر في القيادات العليا والوظائف الحساسة- لا يوجد قبطي واحد في جهاز المخابرات يعمل حتى كجانيني. بالتأكيد هناك أفكار حقيرة وفي منتهى العنصرية بين الناس وبعضهم ولكنهم ليسوا المسئولين الأساسيين عنها، بل الواقع الذي يعيشونه ولا يتحكمون في مناهجه التعليمية وقنواته الإعلامية وأخذ القرارات فيه، بل يصبحون بسببها الضحايا الوحيدين.

أضف إلى ذلك أنه وبالرغم من الدعم المحدود الذي تقدمه الكنيسة لفقرائها، ففقراء الأقباط مثلهم كنظرائهم من المسلمين يقع عليهم نفس العبء في تكاليف المعيشة والتعرض لنفس نوعية العمل ومعاملة الشرطة، مضافا إليها كونهم أقباط منبوذين بدرجات. كل هذه العوامل وأخرى كثيرة تدفع فقراء الأقباط إلى الانتفاض في وجه من يظلمهم. ولكن للأسف ما زال هناك من يهيمن على تحركاتهم الغاضبة التي تنطلق في معظم الأحوال من الكنيسة فيعدهم بالتدخل لدى الجهات المسئولة لحل النزاعات، أو طلب يد العون من الخارج، وفي كل الأحوال يستخدم غضبهم كوقود لضغوطه وتنفيذ مصالحه وإعادة ضبط توازناته. وهكذا تصطبغ حركة المضطهدين بألوان رجعية تكرس أوضاعهم المهينة أكثر فأكثر ولا تبحث عن حلول جذرية لما يعانوه. هذه الرجعية تجد لنفسها متسعا في تأجيج وقيادة ردود الفعل لتكون بنفس قوة أفعال تمارس ضدهم وتنتقص من حقوقهم، وهنا تتحول سهام الفقراء إلى صدور بعضهم البعض.

بالتأكيد لعبت مجمل الأفكار العنصرية دورا هاما في تزكية روح الفرقة والتمييز المفتعلين، ولكن إذا كانت الأفكار.. أي أفكار لها أصل مادي في الواقع، فالحرب الأساسية يجب أن تكون في الواقع نفسه ضد مظاهر الظلم والتمييز ومن يقف ورائهم يحركهم ويزكيهم وليست ضد الأفكار بصفتها مهيمنة على عقول وسلوكيات البشر.

لدى الفقراء في عموم مصر.. العمال في مواقعهم.. الموظفون والمهنيون.. الطلاب والحركات الشبابية المناضلة.. فرصة لقلب السحر على الساحر، فالدولة الآن ليس لديها استعداد لتقديم أي تنازلات أمام الجماهير وحركتها. ولن نكسب معركتنا ضدها إلا إذا تكاتفنا في وجهها، ليست لدينا اي مصلحة فيما يروجونه من أفكار تكرس أوضاعنا المهينة، لأن ما يجمعنا أقوى من أي خلاف صنعوه ليكبلنا ويمنعنا من السير معا، معركة كل الفقراء أقباط ومسلمين، رجالا ونساء.. الخ، يجب أن تكون ضد كل أصحاب الثروة والسلطة ومن يشوه علاقاتنا وأفكارنا ويحول دون وحدتنا باسم الدين.

ولكن لتحقيق ذلك يجب أن لا نرتكن لفكرة وهمية مفادها انتظار التغيير الجذري الذي سيجلب معه كافة أشكال التحرر والمساواة، لأن انتظاره بهذه الطريقة سيعني تكريس الأزمة وفقدان أي أمل وتحول الأمر برمته لمجرد تصور مثالي عن الخلاص. إن هذا التغيير نفسه ما هو إلا تتويج لمعارك طويلة ونضالات عديدة تكتسب فيها الجماهير جزء من مطالبها ووعيها بضرورة إنجازه كمعركة أخيرة لكسب الحرب ككل ضد أصل كل اضطهاد واستغلال. فلنبدأ من اليوم في خلق أوسع حركة تضامن ممكنة مع الأقباط المضطهدين أيا كانت صور ومصادر هذا الاضطهاد. ففي كل خطوة سنكسبها بوحدتنا ستدق مسمارا جديدا في نعش النظام، وفي كل نجاح يحققه النظام بتفريقنا خسارة جديدة لن يدفع ثمنها سوانا.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s