ليون تروتسكي

1923

مقدمة الطبعة الثانية

بالمقارنة مع الطبعة الأولى، فإن الطبعة الثانية هذه موسعة على نحو ملحوظ : فقد أضفت إليها مقالات قديمة متعلقة بقضايا نمط الحياة وأخرى حديثة للغاية. وإني أعبر هنا عن عميق تقديري للرفاق الذين لبوا ندائي عندما طلبت منهم أن يفيدوني بملاحظاتهم واقتراحاتهم و أيضا بالمواد التي بين أيديهم حول موضوع نمط الحياة. هذه المواد لم استخدمها بأكملها. لكن العمل لم ينجز بعد على كل الأحوال. ومن الضروري، لإنجازه، أن يأخذ طابعا جماعيا يتسع نطاقه باطراد.

بعض العقول النيرة تسعى، على حد اطلاعي، إلى إقامة معارضة بين المهام المتعلقة بتهذيب نمط الحياة وبين المهام الثورية. وعن نظرة كهذه للأمور لا يسعنا إلا أن نقول أنها تشكل خطأ سياسيا ونظريا فادحا. فقد كتبنا في مقال عن الثقافة البروليتارية ( البرافدا، العدد2.7) ما يلي( [22]): ” مهما كان بناؤنا الثقافي هاما و حيويا، فهو يظل منضويا بكامله تحت جناح الثورة الاوروبية والعالمية. إننا ما زلنا جنودا في حملة.

وأمامنا في الوقت الراهن يوم من الراحة، وينبغي أن نستفيد منه لنغسل قمصاننا ونقص شعورنا، وقبل كل شيء لننظف البندقية ونشحمها. إن كل نشاطنا الاقتصادي والثقافي الحالي لا يعدو أن يكون ضربا من إعادة تنظيم لمتاعنا بين معركتين، بين حملتين. والمعارك الفاصلة ما تزال أمامنا، ولم تعد بعيدة جدا في أرجح الظن. والأيام التي نعيشها ليست هي بعد عصر ثقافة جديدة. وإنما هي في أحسن الأحوال المدخل إلى ذلك العصر”.

وبقدر ما يتسم عملنا الاقتصادي والثقافي بطابع منهجي وعملي، بقدر ما نوفق في حل المشكلات الجسام المطروحة علينا. ان الموجة الثانية لن تكون في أي حال تكرارا للأولى، بل ستقتضي منا، في سائر المجالات، تهيئة وتأهيلا أرفع و أفضل بكثير. هنا ينبغي أن تدلل الجماهير الكادحة على تفهم أعمق للآفاق المستقبلية البناءة التي لا يمكن لغير الثورة العالمية المظفرة أن تمنحنا إياها كاملة و بكل أبعادها.

9 ايلول 1923

مقدمة الطبعة الأولى

كي نفهم هذا الكتاب على نحو أفضل، يجب أن نروي قصته بكلمتين. لقد بدت لي مكتبة الحزب مفتقرة إلى كراس صغير يوضح للعامل وللفلاح المتوسطين، على نحو شعبي مبسط، العلاقة التي تجمع بين بعض وقائع عصرنا الإنتقالي وبعض ظواهره، ويصلح لأن يكون، بتحديده للمنظور الصحيح، سلاحا للتربية الشيوعية. وللتأكد من هذه الفكرة توجهت إلى سكرتير لجنة موسكو، الرفيق زيلنسكي، وطلبت منه أن يعقد اجتماعا لعدد من الدعاة والمحرضين يتم خلاله تبادل وجهات النظر حول الوسائل والطرائق الأدبية لدعايتنا.

وقد تجاوز الاجتماع على الفور حدود المشروع الأولي. وقد أثارت المشكلات المتعلقة بالأسرة وبنمط الحياة اهتمام سائر المشتركين وحماستهم. وخلال جلسات ثلاث استغرقت في مجموعها من عشر إلى إثنتي عشرة ساعة، تمكنا، لا من حل، وإنما من استعراض مختلف جوانب الحياة العمالية في مرحلة انتقالية ومن تسليط الأضواء عليها، وكذلك على وسائل تأثيرنا على نمط الحياة العمالي.

بين الجلستين الأولى والثانية، وبناء على اقتراح من المجتمعين، وجهت بعض الأسئلة المكتوبة وأجاب عليها بعضهم كتابيا أيضا. وثمة أجوبة أخرى كانت حصيلة اجتماعات مصغرة عقدت على مستوى الدوائر البلدية. وقد سجلت محادثاتنا مع محرضي موسكو بالطريقة الإختزالية. وهذه المحاضر والتحقيقات هي التي تشكل أساس الكتاب الذي بين أيدينا. ولا ريب في أن هذه المواد الأولية غير كافية على الإطلاق. وعلاوة على ذلك فقد اضطررنا إلى تنقيحها بسرعة: لكن هدفي لم يكن أساسا تسليط الأضواء على مختلف زوايا نمط الحياة العمالي، وعلى تطوره، وعلى وسائل التأثير عليه، وإنما طرح قضية نمط الحياة العمالي كموضوع جدير بدراسة جدية ومتأنية.

إن الكتيب الذي نقدمه للقارئ ليس على الإطلاق ذلك الكراس الشعبي الذي كانت فكرته نقطة انطلاق عملنا هذا. وسوف أحاول من جديد كتابة ذلك الكراس إذا ما سمحت لي الظروف بذلك. فالمؤلف الذي بين أيدينا موجه في المرتبة الأولى إلى أعضاء الحزب، وإلى قادة النقابات والتعاونيات والمؤسسات الثقافية.

ل.تروتسكي

4 تموز 1923

(1) ليس بالسياسة وحدها يحيا الإنسان

هذه الفكرة البسيطة ينبغي أن نفهمها مرة واحدة و إلى الأبد، والا ننساها أبدا في إعلامنا، الشفهي أو المكتوب، لكل عصر أغانيه. وتاريخ حزبنا قبل الثورة كان تاريخ سياسة ثورية. فأدب الحزب، وتنظيمات الحزب، وكل ما يتعلق بالحزب كان يخضع لشعار “السياسة” بالمعنى الضيق للكلمة، وقد زادت الثورة والحرب الأهلية من حدة المهام والإهتمامات السياسية. فخلال هذه الفترة جند الحزب في صفوفه أكثر عناصر الطبقة العاملة نشاطا على الصعيد السياسي. مع ذلك، فإن الدروس والاستنتاجات السياسية الجوهرية لهذه السنوات واضحة بالنسبة إلى الطبقة العاملة في مجملها.

والتكرار الآلي لهذه الاستنتاجات لن يأتيها بجديد، وقد يمحو بالعكس دروس الماضي في وعيها. وبعد الاستيلاء على الحكم وبعد تدعيمه في أعقاب الحرب الأهلية، تحولت مهامنا الأساسية إلى ميدان البناء الاقتصادي والثقافي، فأصبحت أكثر تعقيدا، ومالت إلى أن تكون مجزأة، واكتسبت طابعا أكثر تفصيلا وأكثر”ابتذالا” على ما يبدو.

لكن نضالاتنا السابقة، مع ما واكبها من جهود وتضحيات، لن تجد تبريرا لها إلا بقدر ما نوفق في طرحنا السليم وحلنا للمشكلات الخاصة، اليومية، المتعلقة ب”النضالية الثقافية”.

فماذا ربحت الطبقة العاملة على وجه التحديد، وعلام حصلت خلال نضالاتها السابقة؟

1- ديكتاتورية البروليتاريا (بواسطة دولة عمالية وفلاحية يقودها الحزب الشيوعي).

2- الجيش الأحمر، بصفته ركيزة مادية لديكتاتورية البروليتاريا.

3- تأميم أهم وسائل الإنتاج، الذي من دونه تكون ديكتاتورية البروليتاريا شكلا فارغا، بلا مضمون.

4- احتكار التجارة الخارجية، وهو شرط ضروري للبناء الاشتراكي في محيط رأسمالي.

هذه العناصر الأربعة، التي أضحى امتلاكها نهائيا، تشكل الدرع الفولاذية لعملنا بأكمله. وبفضل هذه الدرع، فإن كل نصر نحققه في الميدان الاقتصادي أو الثقافي- شرط أن يكون نصرا فعليا لا وهميا- يتحول بالضرورة إلى عنصر تأسيسي للبناء الاشتراكي.

ما هي مهمتنا اليوم، ماذا يجب أن نتعلم في المرتبة الأولى، وإلام ينبغي أن ننزع ؟ يجب أن نتعلم أن نعمل جيدا- بدقة، ونظافة واقتصاد. ونحن بحاجة إلى تطوير ثقافة العمل، وثقافة الحياة وثقافة نمط الحياة. لقد أطحنا بهيمنة المستغـِلين بعد طول استعداد وبفضل عتلة الثورة المسلحة. ولكن ليس هنالك عتلة قادرة على النهوض بالثقافة دفعة واحدة. ولا بد هنا من سيرورة طويلة الأمد من التربية الذاتية والتثقف للطبقة العاملة وللطبقة الفلاحية. يشير الرفيق لينين في مقال له عن التعاون، إلى هذا التحول في توجه اهتمامنا وجهودنا ومفاهيمنا، فيقول: “… نحن مضطرون إلى التسليم بتحول جذري في نظرتنا للاشتراكية. وينبع هذا التحول الجذري من اضطرارنا في الماضي إلى وضع مركز ثقل نشاطنا في الصراع السياسي، في الثورة، في الإستيلاء على السلطة، إلخ. وقد تحول اليوم مركز الثقل هذا إلى العمل التنظيمي، السلمي، “الثقافي”. ولولا العلاقات الدولية وضرورة الدفاع عن وضعنا على الصعيد الدولي لقلت أن مركز الثقل قد انتقل، بالنسبة إلينا، إلى “النضالية الثقافية”. لكن لو وضعنا الأمور الدولية جانبا، وحصرنا أنفسنا بالعلاقات الاقتصادية الداخلية، لوجدنا أن مركز الثقل قد أعيد فعلا إلى” النضالية الثقافية”( [23]). وحدها إذن مسألة وضعنا الدولي تحولنا عن النضالية الثقافية، وذلك بصورة جزئية فقط كما سنرى على الفور. فالعامل الأساسي في وضعنا الدولي هو الدفاع الوطني، أي الجيش الأحمر. والحال أن مهامنا، في هذا الميدان الأساسي، ترجع مرة أخرى، بنسبة تسعة أعشار، إلى النضالية الثقافية : رفع سوية الجيش، القضاء على الأمية في صفوفه، تعليمه كيف يستخدم الأدلة والكتب والخرائط، تعويده على النظافة والدقة والإنتظام والملاحظة. وليس هنالك دواء معجزة يسمح بحل هذه المشكلات على الفور. فبعد انتهاء الحرب الأهلية، وفيما كنا نواجه مرحلة جديدة من نشاطنا، جاءت محاولة خلق “مذهب عسكري بروليتاري” تعبر على نحو واضح وصارخ عن عدم فهم مهام المرحلة الجديدة. والمشاريع الصلفة والمكابرة الهادفة إلى خلق ” ثقافة بروليتارية ” في المختبر تنطلق هي الأخرى من عدم فهم مماثل. وفي هذا المسعى وراء حجر الفلاسفة، يتحد يأسنا أمام تخلفنا بايمان بالعجائب والمعجزات، وهذا الايمان هو بحد ذاته دليل على هذا التخلف. لكن ليس ثمة مبرر لليأس، وقد آن الأوان لنتخلص من هذا الإيمان بالعجائب والمعجزات، من هذه الممارسات السحرية الصبيانية، من نوع “الثقافة البروليتارية” أو المذهب العسكري البروليتاري. فمن أجل تدعيم ديكتاتورية البروليتاريا، لا بد من العمل على تطوير نضالية ثقافية يومية لأنها وحدها كفيلة بصيانة المضمون الاشتراكي لمكاسب الثورة الأساسية. ومن لم يدرك ذلك، يؤد دورا رجعيا في تطور فكر الحزب وعمله.

عندما يؤكد الرفيق لينين أن مهامنا اليوم لم تعد سياسية بقدر ما هي ثقافية، فإنه ينبغي أن نتفق على المصطلحات كي لا نسيء تفسير رأيه. فالسياسة تسيطر على كل شيء بمعنى ما. ونصيحة الرفيق لينين بتحويل اهتمامنا من المجال السياسي إلى المجال الثقافي هي نصيحة سياسية. فعندما يقرر حزب عمالي، في قطر أو في آخر، انه قد أضحى من الضروري، في زمن محدد، وضع المتطلبات الاقتصادية لا السياسية، في المرتبة الأولى، فإن هذا القرار يتميز بطابع ” سياسي”. من الواضح تماما أن كلمة ” سياسي ” قد استخدمت هنا بمعنيين مختلفين : أولا بالمعنى الواسع، المادي- الجدلي، المحتوي على مجموعة الأفكار المرشدة والمناهج والأنظمة التي توجه نشاط مجموع الشعب في سائر ميادين الحياة الاجتماعية، ثانيا بالمعنى الضيق، المختص، المميز لجزء محدد من النشاط الاجتماعي، المرتبط على نحو وثيق بالكفاح من أجل السلطة والمتعارض مع العمل الاقتصادي والثقافي إلخ. عندما يكتب الرفيق لينين أن السياسة هي اقتصاد مركز، فهو يرى إلى السياسة من منظور المفهوم الواسع، الفلسفي. وعندما يقول الرفيق لينين : ” قليل من السياسة ومزيد من الاقتصاد “، فهو ينظر إلى السياسة بالمعنى الضيق والمختص للكلمة. لكن يبقى أن نفهم تماما أي المعنيين هو المقصود في كلتا الحالتين.

ان التنظيم الشيوعي حزب سياسي بالمعنى الواسع، والتاريخي، أو إذا أردنا، بالمعنى الفلسفي للكلمة. أما الأحزاب الحالية الأخرى فهي سياسية فقط بمعنى أنها تهتم بالسياسة ( الصغيرة ). وأن يحول حزبنا اهتمامه إلى المجال الثقافي، فهذا لا يعني في حال من الأحوال أنه يضعف دوره السياسي. فالدور القيادي ( وبالتالي السياسي ) للحزب يتجلى تاريخيا على وجه التحديد في هذا التحول المنطقي لاهتمامه إلى المجال الثقافي. ولن يتمكن الحزب من التحرر بالتدريج من قوقعته الحزبية للإندماج بالأسرة الاشتراكية إلا بعد سنوات طوال من النشاط الاشتراكي المطبق بنجاح في الداخل، والمضمون في الخارج، لكن ذلك بعيد جدا بحيث لا جدوى هنا من استباق المستقبل… أما في الوقت الراهن، فعلى الحزب أن يحافظ أتم المحافظة على ميزاته الأساسية : تلاحم إيديولوجي، مركزية، انضباط وبالتلازم، قتالية. لكن هذه الميزات التي لا تقدر بثمن والتي تميز ” الروح الحزبية ” الشيوعية لا يمكن أن تثبت وأن تنمو في ظل شروط جديدة إلا إذا لبيت المطالب والحاجات الاقتصادية والثقافية على نحو أكمل. وأحدق و أدق وأكثر تفصيلا. وانسجاما مع هذه المهام المدعوة إلى القيام بدور راجح في سياستنا، فإن الحزب يعيد تجميع قواه وتوزيعها ويثقف الجيل الصاعد. بتعبير آخر، ان السياسة العليا تقتضي بأن نعتبر المهام والمقتضيات الاقتصادية والثقافية، لا المقتضيات ” السياسية ” بالمعنى الضيق للكلمة، أساس كل عمل تحريض ودعاية وتوزيع للقوى وتعليم وتثقيف.

***

إن الوحدة الاجتماعية القوية التي تمثلها البروليتاريا تظهر بكل أهميتها في مراحل النضال الثوري المحتدم، لكن داخل هذه الوحدة نلاحظ تنوعا لا يصدق، بل تنافرا عظيما. فمن الراعي المغمور والجاهل إلى الآلاتي الرفيع الإختصاص تندرج تشكيلة من المواصفات، ومن المستويات الثقافية، ومن انماط الحياة. زد على ذلك، أخيرا، ان كل شريحة اجتماعية، كل ورشة في منشأة، كل مجموعة، تتألف من أفراد يختلفون في أعمارهم وطبائعهم، كما يختلفون بماضيهم. ولولا وجود هذا التنوع لكان عمل الحزب الشيوعي في مجال تثقيف البروليتاريا وتوحيدها سهلا للغاية. لكن مثال أوروبا يثبت لنا بالعكس كم هو صعب هذا العمل في الواقع.

ونستطيع أن نقول أنه كلما كان تاريخ بلد، وبالتالي تاريخ الطبقة العاملة نفسها، غنيا، كثرت فيه الذكريات والتقاليد والعادات، وكلما كانت التجمعات الاجتماعية فيه أقدم عهدا، صعب فيه أكثر تحقيق وحدة الطبقة العاملة. إن البروليتاريا عندنا تكاد لا تملك تاريخا، ولا تقاليد. وهذا ما سهّـًل دون أدنى ريب اعدادها لثورة أكتوبر. فعاملنا ( باسثناء الشريحة العليا ) يجهل حتى أبسط العادات الثقافية وأكثرها بدائية ( فهو لا يعرف مثلا النظافة، ولا الدقة، ويجهل القراءة والكتابة إلخ ). أما العامل الأوروبي فقد اكتسب هذه العادات بالتدريج في إطار النظام البورجوازي : لهذا نراه – ولا سيما في الشرائح العليا – متعلقا إلى حد كبير بهذا النظام، بديموقراطيته و حرية تعبيره ومكاسبه الأخرى التي من هذا القبيل. إن العامل عندنا لم يجن مكسبا يذكر من نظام بورجوازي جاء متأخرا : لهذا السبب استطاعت البروليتاريا في روسيا أن تقطع علاقتها بالبورجوازية وأن تطيح بها بسهولة أكبر. لكن لهذا السبب أيضا فإن البروليتاريا عندنا، في غالبيتها، تجد نفسها مضطرة إلى أن تكتسب اليوم، أي في إطار حكم اشتراكي عمالي، أبسط العادات الثقافية. والتاريخ لا يعطي شيئا بالمجان : فان أعطى حسما على شيء، على السياسة مثلا، عوّضه في مكان آخر، في الثقافة. وبقدر ما كان تحقيق الثورة سهلا ( نسبيا بالطبع ) بالنسبة إلى البروليتاريا الروسية سيكون تحقيق البناء الاشتراكي صعبا. لكن درع مجتمعنا الجديد بالمقابل، الذي قدّته الثورة، وميّزته العناصر الأساسية الأربعة المشار إليها في مطلع هذا الفصل، يعطي طابعا اشتراكيا موضوعيا لسائر الجهود الواعية والعقلانية التي تبذل في مجال الاقتصاد والثقافة. فالعامل في النظام البورجوازي يغني البورجوازية من دون إرادته، بل من دون علمه، وبقدر ما كان يعمل بإتقان، كان يزيد في غناها. أما في الدولة السوفياتية فإن العامل صاحب الوجدان يؤدي عملا اشتراكيا، حتى دون أن يفكر يذلك أو يعيره بالا ( إذا كان غير حزبي ولا مسيسا ) ويزيد من قدرات الطبقة العاملة. هنا على وجه التحديد يكمن معنى ثورة اكتوبر الذي لم تبدل السياسة الاقتصادية الجديدة فيه شيئا.

هناك أعداد ضخمة من العمال غير الحزبيين، المخلصين للإنتاج، وللتقنية وللآلة. وينبغي أن نتحفظ في كلامنا عن ” لا تسيسهم ” أي عن عدم اهتمامهم بالسياسة. فقد وقفوا إلى جانبنا في اللحظات الحرجة التي مرت بها الثورة. ان ثورة أكتوبر لم تفزعهم، في غالبيتهم الساحقة، لذا لم يتخلوا عنها ولم يخونوها. وإبان الحرب الأهلية توجه العديد منهم إلى الجبهة، في حين انكب الآخرون على العمل لتجهيز الجيش. يقال عنهم أنهم غير مسيسين، وهذا الحكم لا يطلق جزافا، لأنهم يسبقون عملهم ومصلحة أسرتهم على المصلحة السياسية، في المراحل ” الهادئة ” على الأقل. إن كل واحد من بينهم يود أن يصبح عاملا صالحا، وأن يتقن عمله، وأن يرتفع إلى سوية أعلى ليحسن وضع أسرته وليرضي كبرياءه المهنية المشروعة في آن واحد. إن كل واحد من بينهم، كما سبق أن قلنا، يؤدي عملا اشتراكيا، وإن لم يكن ذلك قصده وهدفه، لكن ما يهمنا نحن، أي الحزب الشيوعي، هو أن يكون لدى هؤلاء العمال – المنتجين شعور واضح بالعلاقة بين إنتاجهم اليومي الخاص وبين أهداف البناء الاشتراكي بأكمله. فمصالح الاشتراكية ستصبح عندئد مضمونة على نحو أفضل، كما أن الترضية المعنوية التي سيجنيها هؤلاء المنتجون الفرديون من جراء ذلك ستكون أعظم بكثير.

لكن كيف نتوصل إلى ذلك ؟ فمن الصعب عقد حوار مع عامل من هذا النمط حول قضايا سياسية خالصة. فقد سبق له أن استمع إلى سائر الخطب. وهو لا يشعر بأي انجداب نحو الحزب. وفكره لا ينتبه ويستيقظ إلا عندما يكون إلى جانب آلته، وما لا يرضيه في الوقت الحاضر هو النظام القائم في الورشة، وفي المعمل، وفي المجمًّع. ويحاول هؤلاء العمال أن يذهبوا إلى أبعد ما أمكن في تفكيرهم، وغالبا ما يكونون متحفظين، ومن صفوفهم يخرج مخترعون عصاميون. لذا يجب ألا نحدثهم بأمور السياسة، لأن السياسة لا تثير اهتمامهم، للوهلة الأولى على الأقل. بالمقابل نستطيع أن نحدثهم عن الإنتاج والتقنية، بل يتوجب علينا علينا ذلك.

لقد أشار الرفيق كولتسوف ( من حي كراسنايا برسنيا )، وهو أحد المشاركين في اجتماع محرضي موسكو، إلى النقص الهائل في الموجزات، والكتب الدراسية، والمؤلفات المكرسة لاختصاصات تقنية أو لمهن خاصة أخرى. فالكتب القديمة نفدت، وبعضها كان قد أضحى متخلفا على الصعيد التقني. أما على الصعيد السياسي فإن تلك الكتب غالبا ما تكون مشبعة بالعقلية الرأسمالية الخسيسة.

أما بالنسبة إلى الكتب الجديدة، فيوجد منها واحد أو إثنان على الأكثر، ومن الصعب الحصول عليها لأنها تطبع في أوقات مختلفة، ومن قبل دور نشر أو هيئات مختلفة، خارج كل خطة عامة. وهي ليست دائما صالحة ومشروعة من الزاوية التقنية : فغالبا ما تكون نظرية و أكاديمية أكثر مما ينبغي. أما سياسيا، فهي خالية من كل طابع مميز بوجه عام لأنها لا تعدو كونها في الواقع ترجمة لأعمال أجنبية. إننا بحاجة إلى سلسلة من كتب الجيب الجديدة، كتب لصانع الأقفال السوفياتي، وللخراط السوفياتي، و للكهربائي السوفياتي إلخ. وينبغي أن تتكيف هذه الكتب مع تقنيتنا واقتصادنا الراهنين، وأن تحسب حسابا لفقرنا ولإمكاناتنا الهائلة آن واحد، وأن تهدف إلى أن تطور في صناعتنا أساليب وعادات جديدة أكثر عقلانية. كذلك يفترض فيها أن تبرز، بهذا القدر أو ذاك من الإلحاح، الآفاق الاشتراكية من زاوية ضرورات ومصالح التقنية بالذات ( هنا تأخد مكانها مسألة توحيد المنتوجات الصناعية، والكهربة، والاقتصاد المخطط ). ففي كتب كهذه لا بد وأن تندمج الأفكار والإستنتاجات الاشتراكية بالنظرية العملية لكل قطاع من قطاعات العمل. إذ لا يجوز، في حال من الأحوال، أن تكون مجرد تحريض سطحي و غير مؤات. وفيما يتعلق بهذه المؤلفات فإن الطلب عليها ضخم. وينجم هذا الطلب عن الحاجة إلى عمال مختصين من جهة وإلى الرغبة، لدى العمال أنفسهم، في رفع مستوى تأهيلهم من جهة أخرى. ومما يزيد في شدة هذا الطلب التدني في الإنتاجية الذي تم تسجيله خلال الحربين الأهلية و الإمبريالية. نحن هنا أمام مهمة في غاية الأهمية والمنفعة.

يجب ألا نتجاهل طبعا كم هي صعبة كتابة مثل هذه الموجزات. فالعمال يعجزون عن تأليف الكتب حتى ولو كانوا من ذوي الإختصاص الرفيع. والكتاب المختصون الذين يتعرضون لبعض القضايا، غالبا ما يجهلون جانبها العملي. ونادرا ما نجد بينهم أناسا يتمتعون بفكر اشتراكي. والواقع أن هذه المشكلة تفترض حلا مركبا لا ” بسيطا ” أي روتينيا. فلكتابة موجز ينبغي جمع هيئة من ثلاثة أشخاص ( ترويكا ) تتألف من كاتب مختص، مطلع على الصعيد التقني، له إلمام – أو قدرة على الإلمام – بالوضع السائد في الفرع الإنتاجي الذي سيتناوله الموجز، ومن عامل رفيع الإختصاص في هذا الفرع، ويتمتع بعقل مبدع، وأخيرا من كاتب ماركسي، من سياسي له بعض المعلومات في شؤون التقنية والإنتاج. وسواء ألجأنا إلى هذا الحل أم إلى حلول مشابهة، يبقى أنه من الضرورة القصوى العمل على إيجاد مكتبة نموذجية من المؤلفات التقنية برسم ورشات العمل، تكون حسنة الطباعة والتغليف، مناسبة الحجم وقليلة الكلفة. إن مكتبة كهذه مؤهلة لأن تؤدي دورا مزدوجا : فهي من جهة ستسهم في رفع سوية العمل وبالتالي في إنجاح تجربة البناء الاشتراكي. وستساعد، من جهة أخرى، على ربط مجموعة من العمال – المنتجين الرفيعي الأهمية بالاقتصاد السوفياتي ككل، وبالتالي بالحزب الشيوعي.

صحيح أننا لن نكتفي بسلسلة من الكتب الدراسية الموجزة، لكن إن كنا قد توقفنا بمثل هذا التفصيل عند هذه المسألة الخاصة، فذلك لأنها تعطينا، حسب اعتقادنا، مثالا واضحا بما فيه الكفاية على التناول الجديد الذي تمليه مشكلات المرحلة الراهنة. فالنضال من أجل كسب الولاء الإيديولوجي للبروليتاريين ” غير المسيسين ” قابل لأن يخاض، ويجب أن يخاض بوسائل مختلفة. يجب إصدار مجلات أسبوعية وشهرية، علمية وتقنية ومختصة بكل قطاع من قطاعات الإنتاج. وينبغي كذلك إنشاء جمعيات علمية وتقنية موجهة لهؤلاء العمال. وإلى هؤلاء العمال يجب أن تنحاز نصف صحافتنا المهنية على الاقل، هذا إن كانت هذه الصحافة لا ترغب في أن تكون موجهة للنقابيين فقط. لكن تبقى نجاحاتنا العملية في الميدان الصناعي، وتنظيمنا الفعلي للعمل في المصنع أو الورشة، وكل جهد يبذله الحزب بعد تفكير في هذا الإتجاه، الحجة السياسية الأكثر قدرة على اقناع العمال ” غير المسيسين “.

نستطيع أن نصوغ على النحو التالي وجهة النظر السياسية للعامل المنتج الذي هو محط اهتمامنا هنا، والذي نادرا ما يعبر عن أفكاره: ” فيما يتعلق بالثورة وبالإطاحة بالبورجوازية ليس لنا أي رأي مخالف : لقد كان عملا محقا. ونحن بغنى عن البورجوازية. وبغنى أيضا عن ممثليها المناشفة وغير المناشفة. وفيما يعلق ب ” حرية الصحافة “، فالأمر ليس بالغ الأهمية، ذلك أن المشكلة الأساسية ليست هنا. لكن كيف ستحلون مشكلة الاقتصاد ؟ فقد أخدتم، أنتم الشيوعيين، قيادة الأمور بين أيديكم. وأهدافكم وخططكم صحيحة وسليمة – نحن نعلم ذلك، وليس ثمة فائدة من التكرار، فلقد سمعنا، ووافقنا و أيدنا – لكن كيف ستحلون عمليا هذه المشكلات ؟ هذا ما يهمنا على وجه التحديد. حتى الآن حصل أكثر من مرة أن حشرتم أصبعكم حيث لا يجب، هذا ما لم يعد خافيا على أحد. ونحن نعلم أن الصواب في العمل لا يتحقق دفعة واحدة، وأنه لا بد من تعلم ذلك، وأن الوقوع في الأخطاء أمر لا مفر منه. هكذا هي الأمور دوما. ومادمنا قد استطعنا تحمل جرائم البورجوازية فكيف لا نتحمل أخطاء الثورة ؟ بيد أن ذلك لن لن يدوم إلى أبد الآبدين. ففي صفوفكم، أنتم أيضا أيها الشيوعيون، يوجد أناس مختلفون شأننا أيضا نحن الخطاة المساكين : فبعضهم يدرس جديا ويؤدي عمله وجدانيا ويحاول الوصول إلى نتيجة اقتصادية عملية، بينما يكتفي بعضهم الآخر بالمخادعة الكلامية. وهؤلاء المخادعون مضرون للغاية، لأن العمل يضيع من بين أصابعهم… “. والعامل المنتج، الذي هو محط اهتمامنا، قد يكون خراطا، أو حدادا، أو سباكا، نشيطا، وماهرا ومهتما بعمله. إنه ليس متحمسا سياسيا، بل إنه على العكس سلببي، بيد أنه يفكر، وعقله نقدي. وقد يراوده الشك أحيانا، غير انه يبقى دوما مخلصا لطبقته. إنه بروليتاري جيد. والحزب مطالب بتوجيه جهوده نحو هذا النمط من العمال. فدرجة تأصلنا في هذه الشريحة الاجتماعية – في الاقتصاد، والإنتاج والتقنية – ستكون أضمن مؤشر لنجاحاتنا في مجال النضالية الثقافية، بمعناها الواسع، أي بالمعنى اللينيني للكلمة.

إن توجيهنا لاهتماماتنا نحو العامل الوجداني لا يتعارض على الإطلاق، طبعا، مع المهمة الأساسية الأخرى لحزبنا، مهمة تأطير الجيل الصاعد ينمو في شروط محددة، فهو يتكون، ويشتد ساعده، ويخشوشن عن طريق حله مشكلات محددة. وينبغي من الجيل الصاعد أن يكون، قبل أي شيء آخر، جيل عمال وجدانيين، رفيعي التأهيل، محبين للعمل. جيل يعي ويدرك أن إنتاجه يخدم في الوقت نفسه قضية الاشتراكية. ولا شك في أن اهتمام الشبان بالتدريب المهني ورغبتهم في الحصول على أرفع تأهيل سيرفعان في نظرهم من مكانة العمال ” الشيوخ ” الذين بقوا في غالبيتهم خارج الحزب كما سبق أن ذكرنا. لذا، وإلى جانب اهتمامنا بالعامل الوجداني والماهر، ينبغي أيضا أن نجهد في الوقت نفسه لتثقيف الشبيبة البرليتارية ولتنشئتها على نحو سليم. وإلا استحال علينا المضي قدما باتجاه الاشتراكية.

(2) الصحيفة وقارئها

إن ازدياد عدد أعضاء الحزب وتعاظم تأثيره على اللاحزبيين من جهة، ومرحلة الثورة الجديدة التي ننبري لها اليوم من جهة أخرى، يفسران اصطدام الحزب بمشكلات جديدة، وكذلك بمشكلات قديمة عادت للظهور بشكل جديد، حتى في ميدان التحريض والدعاية. لذا يتوجب علينا أن نعيد النظر، بدقة وإمعان، في وسائل وأساليب دعايتنا. هل هي كافية من حيث الحجم، أي هل تشمل سائر المشكلات التي هي بحاجة إلى التوضيح ؟ وهل اهتدت إلى التعبير المناسب، السهل المنال بالنسبة إلى القارئ والقادر على جذب اهتمامه ؟

هذه المشكلة، مع غيرها من المشكلات، كانت موضوع دراسة خمسة وعشرين محرضا وداعية موسكوفيا عقدوا اجتماعا لهذا الغرض. وقد سجلت وجهات نظرهم و آراؤهم وملاحظاتهم بأسلوب الإختزال. وآمل أن أتمكن قريبا من نشر كل هذه المواد. إن رفاقنا الصحفيين سيجدون فيها عددا كبيرا من المآخذ المريرة، لكن لا يسعني إلا أن أعترف بأن غالبية هذه المآخذ مبررة في نظري. إن مسألة تنظيم تحريضنا المكتوب، تحريضنا الصحفي في المرتبة الأولى، هي أهم وأخطر من أن نلزم الصمت بصدد أي جانب من جوانبها. بل يجب أن نتكلم بصراحة.

هنالك مثل يقول : ” إن البزة العسكرية هي التي تصنع الجنرال “. ينبغي إذن أن نبدأ بالتقنية الصحفية. إنها اليوم أفضل بكثير مما كانت عليه خلال عامي 1919-1920، غير أنها مع ذلك ما تزال تشكو من نواقص عديدة. فبسبب قلة الإهتمام بالإخراج، والشطط في التحبير، يعاني القارئ المثقف من صعوبات في مطالعة الصحيفة، فكم بالأحرى القارئ غير المثقف. والصحف الواسعة التوزيع، والموجهة للجماهير العمالية العريضة، مثل ” عامل موسكو ” أو ” الجريدة العمالية “، تشكو من سوء رهيب في الطباعة. والتباين عظيم بين نسخة وأخرى : فقد تكون الصحيفة بأكملها مقروءة أحيانا، وقد يكون نصفها غير مقروء أحيانا أخرى. لذا أصبح شراء جريدة كشراء ورقة يانصيب. ها أنا أسحب، دون تمييز، نسخة من العدد الأخير من ” الجريدة العمالية “. وألقي نظرة على ” ركن الأطفال ” : ” قصة الهر الذكي… ” مستحيل قراءة ما جاء في القصة لشدة سوء الطباعة، والركن موجه للأطفال ! يجب أن نعترف بصراحة : أن تقنيتنا في ميدان الصحف هي عارنا. فعلى الرغم من فقرنا، وعلى الرغم من حاجتنا الماسة إلى التعلم، نسمح لأنفسنا بترف تلويث ربع صفحة من الجريدة إن لم نقل نصفها. إن ” خرقة ” كهذه لا تفلح إلا في إثارة غيظ القارئ. إن القارئ غير المطلع يمل منها بسرعة، أما القارئ المثقف والمتطلب فهو يصرف على أسنانه غيظا، ويحتقر صراحة من يسخر منه على هذا النحو. فهنالك طبعا من يكتب هذه المقالات، ومن يخرجها، ومن يطبعها، لكن على الرغم من هذه الجهود كلها لا يستطيع القارئ في نهاية المطاف أن يفك نصف ألغاز المقال الواحد. هذا عار ومهانة ! وخلال مؤتمر الحزب الأخير حظيت مشكلة الطباعة باهتمام خاص . لكن السؤال ما يزال مطروحا : إلامَ سنظل نتحمل ذلك ؟ ” البزة العسكرية هي التي تصنع الجنرال ” … لقد رأينا كيف يمكن أن تحول الطباعة السيئة أحيانا دون فهم روح المقال. لكن يبقى أن نهتم أيضا بتوفير المواد، وبالإخراج والتصحيح. لأنه يشكو من نواقص فاضحة عندنا. فليس من النادر أن نلاحظ أخطاء مطبعية فادحة، لا في الصحف اليومية فحسب، وإنما أيضا في المجلات العلمية، وبخاصة في مجلة ” تحت راية الماركسية “. لقد قال ليون تولستوي ذات يوم أن الكتب هي وسيلة نشر الجهل. ولا ريب في أن هذا التأكيد، الصادر عن نبيل متعجرف، كاذب مئة بالمئة. غير أنه مع الأسف قد يجد تبريرا جزئيا له… فيما لو نظرنا إليه من زاوية التصحيح في صحافتنا. وهذا أيضا ما عاد يحتمل ! فإذا كانت المطابع تفتقر إلى الأطر اللازمة، إلى المصححين-المراجعين المثقفين والملمين بعملهم، فينبغي تحسين الكوادر المتوفرة حاليا في هذه المطابع. وذلك بإعطائها دروسا في تقنية الطباعة وأخرى في السياسة. فالمصحح ملزم بفهم النص الذي يصححه، وإلا لما اعتبر مصححا، بل مروجا للجهل رغما عنه، والمطلوب أن تكون الصحافة أداة تثقيف شاء تولستوي أم أبى.

والآن لنتأمل عن كثب مضمون الصحيفة.

إن الصحيفة هي قبل أي شيء آخر وسيلة ربط بين الأفراد، فهي تطلعهم عما يجري وأين. وروح الجريدة تكمن في الأخبار الحديثة، والوافرة والمثيرة للإهتمام. وقد بات التلغراف والراديو يلعبان في أيامنا دورا هاما للغاية في الإعلام الصحفي. لذا فإن القارئ المعتاد على صحيفة محددة، وعلى مطالعتها الدائبة، يسارع دوما إلى مطالعة زاوية ” الأنباء البرقية “. لكن كي تحتل البرقيات المكانة الأولى في صحيفة سوفياتية، يجب أن تأتي بأخبار هامة ومثيرة، وأن تقدمها بشكل مفهوم من قبل جماهير القراء. والحال أننا لا نجد شيئا من هذا القبيل . فالأنباء البرقية في صحفنا تصاغ وتطبع على طريقة الصحافة البورجوازية ” الكبرى “. ولو تتبعنا يوميا أنباء بعض الصحف، لشعرنا بأن الرفاق الذين يهتمون بهذه الزاوية يتصرفون كمن نسي ما نشر بالأمس عندما يحملون برقياتهم إلى الإخراج. فليس ثمة استمرار منطقي في عملهم. فكل برقية تبدو وكأنها شظية سقطت هنا بالصدفة. أما الشروح المتعلقة بها فهي مجانية، وسطحية في معظم الأحيان. وفي أفضل الأحوال، قد يكتب محرر الزاوية إلى جانب اسم سياسي بورجوازي أجنبي كلمة ” ليب ” أو ” محا ” بين مزدوجتين. والمقصود بها ليبرالي، ومحافظ. لكن بما أن ثلاثة أرباع القراء لا يفهمون هذين الإختصارين، فإن توضيحات المحرر لا تزيدهم إلا تشويشا. إن البرقيات التي تطلعنا عما يجري في بلغاريا أو رومانيا تأتي عادة عن طريق فيينا، برلين ووارسو. إن أسماء هذه المدن التي يشار إليها في مطلع البرقية تضلل نهائيا جماهير القراء الذين لا يفقهون شيئا في الجغرافيا. ولماذا تراني آتي بهذه التفاصيل ؟ للسبب نفسه في الواقع : فهي تبين، أكثر من أي شيء آخر، كيف أننا لا نعير بالا لوضع القارئ المحدود الإطلاع، لحاجاته، لمتاعبه ومشكلات عندما ننكب على اعداد صحفنا. فصياغة البرقيات لصحيفة عمالية عمل من أصعب ما يكون، عمل يقتضي أكبر قدر من المسؤولية. هذه الصياغة تتطلب عملا يقظا ودقيقا. فلا بد أولا من إمعان التفكير في الجوانب الهامة في النبأ البرقي، ولا بد ثانيا من إعطائه شكلا يتناسب على نحو مباشر مع مستوى معرفة جماهير القراء. كذلك يجب العمل على إعادة تجميع البرقيات قبل التقديم لها بالشروح اللازمة. إذ ما الفائدة من عنوان ضخم يقع في سطرين أو ثلاثة أو أكثر إن كان لا يعدو كونه تكرارا لما جاء في البلاغ ؟ وغالبا ما تنحصر فائدة هذه العناوين في التشويش على القارئ. فكثيرا ما يشار إلى إضراب غير ذي أهمية بعنوان مثير : ” لقد دقت الساعة “، أو ” قريبا الحل “، في حين أن البرقية بحد ذاتها تكون قد اكتفت بالإشارة من بعيد إلى تحرك مبهم لعمال سكك الحديد، دون أن تأتي بذكر أسباب هذا التحرك أو أهدافه. وفي اليوم التالي لا يشار إلى هذا الحدث ولو بكلمة واحدة. وكذلك في اليوم الذي يليه. لذا عندما يطالع القارئ من جديد برقية عنوانها ” لقد دقت الساعة !”، فإنه سيعتبر نفسه أمام عمل غير جدي، أمام إثارة صحفية رخيصة، واهتمامه بالبرقيات، بل بالصحيفة بأكملها سيتضاءل بطبيعة الحال، في حين لو تذكر محرر زاوية البرقيات ما نشره بالأمس وما قبل الأمس، ولو حاول أن يفهم هو أولا ما يربط بين الأحداث والوقائع كي يشرحها للقارئ، لاكتسب الإعلام على الفور، على ما تشوبه من نواقص، أهمية تثقيفية كبرى. فالمعلومات الصحيحة تنتظم شيئا فشيئا في ذهن القارئ ويسهل عليه بالتدريج فهم الوقائع الجديدة، كما انه يتعلم كيف يبحث في صحيفته عن المعلومات الهامة و أين يجدها. وهكذا يخطو القارئ خطوة جبارة على طريق الثقافة. والمطلوب من هيئات التحرير تركيز جهودها على الإعلام البرقي كي تتمكن من صياغة هذه الزاوية على النحو المنشود. فإن لم تمارس الصحف الضغوط بهذا الإتجاه وتضرب المثال بهذا الصدد، فلن نقوى على تعليم مراسلي وكالة ” روستا ” ( [24]) وتثقيفهم ولو بالتدريج.

إن فهم الأخبار الخارجية يستحيل ان لم تتوفر بعض المعلومات الجغرافية الأولية. والخرائط الغامضة التي تنشرها الصحف أحيانا تعجز، حتى ولو كانت مقروءة، عن تقديم مساعدة ملموسة للقارئ الذي يجهل ترتيب مختلف أقطار العالم وتوزيع مختلف الدول. والحال أن مسألة الخرائط الجغرافية تشكل في وضعنا الخاص، أي بالنظر إلى محيطنا الرأسمالي وإلى صعود الثورة العالمية، قضية هامة من قضايا الثقافة الاجتماعية، فحيثما تنظم المؤتمرات والمهرجانات، أو على الأقل في قاعة المؤتمرات والاجتماعات الكبرى، يجب أن تتوفر خرائط جغرافية خاصة، تبرز فيها بوضوح الحدود الفاصلة بين الدول، ويشار فيها إلى بعض عناصر التطور الاقتصادي والسياسي لهذه الدول. وقد يكون من المفيد تعليق هذا النوع من الخرائط البيانية في بعض الشوارع والساحات، إسوة بما كنا نفعله إبان الحرب الأهلية. ووسائل تحقيق مثل هذا العمل متوفرة، ولا بد. ففي العام الماضي نصبنا كمية غير معقولة من اللافتات ولأتفه الأسباب. أفلم يكن من الأفضل أن نسخر هذه الوسائل لتزويد المصانع والمعامل، والقرى فيما بعد، بخرائط جغرافية ؟ إن كل محاضر، كل خطيب، كل محرض، إلخ، يأتي بذكر إنكلترا ومستعمراتها مثلا، كان سيستطيع تحديدها على الفور على الخريطة. كان سيشير، بالطريقة نفسها، إلى موقع الرور مثلا. والخطيب هو الذي سيكون المستفيد الأول : فمعرفته بموضوعه ستكون أوضح وأدق لأنه سيضطر إلى الإستفسار مسبقا عن موقع بلد من البلدان أو دولة من الدول. أما المستمتعون فإن كان موضوع المحاضرة يهمهم فإنهم سيتذكرون، ولا بد، ما عرض عليهم من خرائط، إن لم يكن من المرة الأولى، فلنقل في المرة الخامسة أو العاشرة. وعندئذ، أي عندما تكف كلمات ” الرور ” و ” لندن ” و ” الهند ” عن أن تكون فارغة من كل معنى، فإن القارئ سيطالع البرقيات على نحو مختلف تماما. عندئذ سوف يجد متعة في مطالعة كلمة ” الهند ” في الصحيفة، بعد أن يكون قد بات يعلم أين يقع هذا البلد. وسوف يصبح أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على هضم البرقيات والمقالات السياسية. سوف يشعر بأنه أكثر ثقافة، فيصبح هكذا فعلا. الخرائط الجغرافية الواضحة والبينة هي إذن عنصر أساسي من عناصر الثقافة السياسية للجميع. والمطلوب أن تهتم مؤسسة ” غوسيزدات “( [25]) جديا بتوفيرها.

لكن لنعد إلى الصحيفة. الأخطاء التي أشرنا إليها بالنسبة إلى ” أخبار الخارج ” نجدها أيضا في أخبار ” البلد “، ولا سيما المتعلق منها بنشاط المنشآت والتعاونيات السوفياتية، إلخ. فهذا الموقف من القارئ، الرقيع والمتهاون، نلمسه في معظم الأحيان من خلال ” أشياء صغيرة ” تكفي لإفساد الكل. فالمنشآت السوفياتية يشار إليها بتعابير مختصرة، وأحيانا بالأحرف الأولى فقط من إسمها. وهذا الإختصار يسمح بتوفير الوقت والورق ضمن إطار المنشأة نفسها أو ضمن إطار المنشآت المجاورة. غير أن جماهير القراء الواسعة لا تستطيع أن تفهم ما المقصود بهذه الإختصارات الإصطلاحية. وقد اعتاد صحفيونا وكتبة التعليقات والتحقيقات على أداء ألعاب بهلوانية مع كمية لا تحصى من هذه المصطلحات المختصرة، تماما كما يفعل المهرجون مع كرياتهم. فقد ينقلون مثلا تفاصيل مناقشة دارت مع الرفيق فلان، رئيس ” م. إ. ب ” ولا يترددون في استعمال هذا الإسم المختصر عشرات المرات خلال المقال. لكن ان لم يكن القارئ بيروقراطيا سوفياتيا مطلعا، عجز عن أن يدرك أن هذه الأحرف تشير إلى ” مكتب الإدارة البلدية “( [26]). ولما كان من المستحيل على جماهير القراء فك لغز هذا الرمز، فإنها ستعزف عن مطالعة المقال، وربما عن مطالعة الصحيفة برمتها. يجب أن يفهم صحفيونا أن استخدام الإختصارات والرموز غير جائز إلا في الحالات التي تكون مفهومة للحال، لكن إن كانت لا تفيد إلا في تشويش العقول والأذهان، فعندئذ يصبح استخدامها إجراما وغباء.

إن المهمة الأولى للصحيفة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، هي الإعلام الصحيح. ولن تصبح الصحيفة أداة تثقيف إن لم يكن الإعلام فيها جيدا، مثيرا للاهتمام، معروضا بنباهة وذكاء. فالحدث فيها لا بد أن يعرض بوضوح وذكاء قبل أي شيء آخر : يجب تحديد مكان الحدث، ومضمونه وكيفية حصوله. فغالبا ما نميل إلى الإعتقاد بأن الأحداث والوقائع بحد ذاتها ليست غريبة عن القارئ، أو أنه يفهمها بالإشارة والتلميح، وقد نعتقد أيضا بأنها غير ذات أهمية، وبأن هدف الصحيفة هو الإنطلاق من ” معرض الحديث ” عن واقعة ما ( واقعة يجهلها القارئ ولا يفقه منها شيئا ) لحشو دماغه بجملة من الشعارات التثقيفية الممجوجة. وهذا كثيرا ما يحدث لأن كاتب المقالة أو الزاوية لا يعرف دوما عما يتكلم، ولنكن صريحين، لأنه كسول، بل وأكسل من أن يستعلم، ويقرأ، ويتناول الهاتف، ويتحقق من صحة معلوماته. هكذا نراه يتحاشى لب الموضوع ويروي ” في معرض حديثه ” عن واقعة ما أن البورجوازية هي البورجوازية، وأن البروليتاريا هي البروليتاريا. أيها الزملاء الصحفيون الأعزاء، إن القارئ يرجوكم ألا تلقوا عليه دروسا، ألا تعظوه، ألا تنهالوا عليه باللوم والتقريع، ألا تهاجموه، بل أن ترووا له، أن تعرضوا له، أن تشرحوا له بوضوح وعلى نحو مفهوم ما حدث، وأين، وكيف. أما الدروس والنصائح فإنها ستأتي من تلقاء نفسها.

على الكاتب، ولا سيما الصحفي، ألا ينطلق من وجهة نظره هو، وإنما من وجهة نظر القارئ. وهذا تمييز بالغ الأهمية ينعكس في بنيان كل مقالة على حدة، وفي بنيان كل جريدة ككل. ففي الحالة الأولى ينحصر عمل الكاتب ( الأخرق وغير المدرك لأهمية عمله ) في تقديمه للقارئ شخصيته الخاصة، ووجهات نظره الخاصة، وأفكاره الخاصة، بل، في معظم الأحيان، عباراته الخاصة أيضا. أما في الحالة الأخرى، فإن الكاتب الذي ينظر نظرة صحيحة إلى مهمته، يدفع قارئه إلى أن يستخلص بنفسه الإستنتاجات الضرورية، وذلك باستخدامه تجربة الجماهير اليومية. وتوضيحا لهذه الفكرة لنأخذ مثالا دار عنه النقاش خلال اجتماع محرضي موسكو. لقد انتشر وباء البرداء عندنا هذا العام كما نعلم جميعا. فلئن تكن الأوبئة القديمة – التيفوس، الكوليرا، إلخ – قد تراجعت بوضوح في الآونة الأخيرة، ( حتى أصبحت نسبتها دون ما كانت عليه قبل الحرب )،فإن البرداء بالمقابل قد انتشرت بنسبة رهيبة. وباتت تضرب في المدن والقرى والمصانع، إلخ. إن الظهور الفجائي لهذا الداء ، مده وجزره، دورية هجماته ( انتظامها ) أمور تجعل البرداء لا تؤثر على الصحة فحسب، وإنما أيضا على الخيال. فالناس يتكلمون عنها، وتحتل نقطة المركز في تفكيرهم، لذا فهي توفر تربة مناسبة للخرافات وللدعاية العلمية في آن واحد. لكن صحافتنا لا تهتم بها على النحو المطلوب. مع أن كل مقال يعالج البرداء يثير اعظم الإهتمام، كما أكد لنا ذلك رفاق من موسكو.

إن عدد الجريدة يمر من يد إلى يد، والمقال يقرأ بصوت عال. ومن الواضح تماما أن صحافتنا مدعوة إلى الشروع بعمل هام حول هذا الموضوع، دون أن تحد نفسها طبعا بالدعاية الصحية لمفوضية الصحة العامة. يجب البدء بوصف مراحل تطور الوباء، وتحديد مكان انتشاره، وتعداد المصانع والمعامل التي يبطش فيها. هذا وحده يكفي لخلق علاقة حية مع أكثر الناس تخلفا، إذ يشعرهم بأننا نعرفهم، ونهتم بهم، ولا ننساهم. وبعد ذلك يجب شرح داء البرداء من وجهة نظر علمية واجتماعية، واعتماد عشرات الأمثلة في بيان كيفية نموه وانتشاره في شروط حياتية وانتاجية خاصة، وإبراز الإجراءات التي اتخذتها الهيئات الحكومية، وتعميم النصائح الضرورية وتكرارها بإلحاح من عدد إلى آخر، إلخ. إنه في مقدورنا ومن واجبنا أن ننمي في هذا المجال الدعاية ضد الأفكار المسبقة الدينية. فإذا كانت الأوبئة، شأن سائر الأمراض بصورة عامة، عقابا على الخطايا المرتكبة، فلماذا تنتشر البرداء إذن في المناطق الرطبة أكثر مما تنتشر في المناطق الجافة ؟ إن خريطة لانتشار البرداء، مرفقة بالشروح العملية اللازمة، هي وسيلة رائعة للدعاية المناهضة للآراء الدينية. ومما يزيد من أهمية تأثيرها أن مجموعات واسعة من العمال تجد نفسها معنية إلى أبعد الحدود بمشكلة الوباء.

لا يحق لصحيفة ألا تهتم بما يهتم به الجمهور، وعامة العمال. صحيح أن لكل صحيفة حقها وواجبها في إعطاء تفسيرها الخاص للأحداث، بحكم من أنها مدعوة إلى تهذيب وتطوير ورفع السوية الثقافية. غير أنها لن تبلغ هذا الهذف ما لم تعتمد على الأحداث والأفكار التي تثير اهتمام جمهور القراء.

فمما لا يشك فيه أن الدعاوى القضائية وما يسمى ب ” الأخبار المنوعة ” : مآسي، انتحارات، جرائم، فواجع عاطفية، إلخ. تثير، إلى أبعد الحدود، اهتمام فئات الشعب الواسعة. وذلك لسبب بسيط : فهي أمثلة ساطعة على الحياة التي نعيش. ومع ذلك، فإن صحافتنا بصورة عامة لا تولي اهمية تذكر لهذه الأخبار، وتكتفي منها في أفضل الأحوال ببعض السطور المطبوعة بأحرف صغيرة. النتيجة : توجه الجماهير إلى مصادر غير مختصة للحصول على معلومات، غالبا ما يساء تفسيرها. فمأساة عائلية، أو حالة انتحار، أو جريمة، أو حكم قاس، أمور أثارت وستثير المخيلات دوما. فقد طغت مثلا ” دعوى توماروف ” لفترة من الزمن على ” قضية كورزون “( [27]) كما يقول الرفيقان لاغوتين وكازانكي من معمل التبغ ” النجم الأحمر “. على صحافتنا إذن أن تبدي أشد الإهتمام بالأخبار المنوعة : يجب أن تعرضها، وتعلق عليها، وتوضحها. ومن المفروض أن تقدم شرحا يأخذ بعين الإعتبار السيكولوجيا، والوضع الاجتماعي، ونمط الحياة في آن واحد. إن العشرات والمئات من المقالات، التي تتكرر فيها عبارات ممجوجة عن تبرجز البورجوازية وعن غباء البورجوازية الصغيرة، لن تؤثر في القارئ أكثر من رذاذ خريفي مزعج. بالمقابل فإن دعوى حول مأساة عائلية، إذا ما رويت بذكاء، وتوبعت في سلسلة المقالات، تستطيع أن تثير اهتمام الآلاف من القراء، وأن توقظ مشاعر و أفكارا جديدة لديهم، وأن تكشف لهم عن أفق أوسع وأرحب. وقد تحث مثل هذه المقالات بعض القراء على المطالبة بدراسة شاملة لموضوع الأسرة. إن صحافة الإثارة البورجوازية تجني فائدة كبرى من الجرائم وحوادث التسميم، وذلك بمراهنتها على الفضول المنحرف وعلى أحط الغرائز عند الإنسان. لكن هذا لا يعني أنه من واجبنا أن ندير ظهرنا للفضول ولغرائز الإنسان عامة. فموقف كهذا هو ضرب من المراوغة، هو الرياء بأم عينه. فنحن حزب الجماهير، ونحن دولة ثورية، ولسنا رهبانية أو ديرا. وعلى صحفنا ألا تلبي فقط الفضول الأنبل وإنما أيضا الفضول الطبيعي. شرط فقط أن ترفع من مستواه وتحسنه بتقديمها الأحداث وشرحها على نحو ملائم. إن المقالات والزوايا من هذا النوع تحظى دوما وفي كل مكان بنجاح كبير. والحال أنه نادرا جدا ما تطالعنا بها الصحافة السوفياتية. قد يصار إلى الرد على ذلك بأننا نفتقر إلى الأدباء المختصين في مثل هذا الموضوع. وهذا صحيح، لكن إلى حد ما فقط، فعندما تطرح مشكلة على نحو واضح وذكي، فإنه يوجد دوما أناس قادرون على حلها. ويجب قبل كل شيء إحداث تحول هام في اهتمامات صحافتنا. في أي اتجاه يكون هذا التحول ؟ في اتجاه القارئ، الحي، كما هو في الواقع، القارئ الجماهيري، الذي أيقظته الثورة والذي ما يزال ضعيف الثقافة، النهم إلى المعرفة والمفتقر إليها، والذي يبقى انسانا يثير كل ماهو انساني اهتمامه. والقارئ بحاجة إلى أن نعيره انتباهنا وإن كان لايعرف دوما كيف يعبر عن هذه الرغبة. ولكن دعاة لجنة موسكو ومحرضيها الخمسة والعشرين نابوا عنه على أفضل نحو في التعبير عن هذه الحاجة.

***

إن كتابنا الإعلاميين الشباب لا يجيدون جميعهم الكتابة المفهومة. ربما لأنهم لم يضطروا إلى شق طريقهم عبر القشرة القاسية للظلامية والجهل. وقد جاؤوا إلى الأدب التحريضي في وقت راجت فيه مجموعة من الأفكار والكلمات والتعابير لدى فئات واسعة من الشعب. وهنالك خطر يهدد حزبنا : الإنفصال عن الجماهير اللاحزبية، وهذا الخطر ناجم عن انغلاقية دعايتنا في مضمونها وشكلها، وعن ابتكار رطانة خاصة بالحزب لا يعجز عن فهمها تسعة أعشار الفلاحين فحسب، وإنما العمال أيضا. بيد أن الحياة لا تتوقف لحظة واحدة، والأجيال تتوالى بانتظام. إن مصير الجمهورية السوفياتية هو اليوم، إلى حد كبير، بين أيدي الذين كانوا في الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة عند وقوع الحرب الإمبريالية وثورتي آذار وأكتوبر. وتأثير هذه ” الدفعة ” من الشباب، التي ستحل مكاننا، سيبرز أكثر فأكثر.

والحال أننا لا نستطيع أن نتوجه إلى هذه الشبيبة بالصيغ الجاهزة، والجمل، والتعابير، والكلمات التي لها معناها بالنسبة إلينا نحن ” الشيوخ “، لأنها منبثقة عن تجربتنا السابقة، والتي تبدو فارغة من كل مضمون بالنسبة إليها. يجب أن نتعلم أن نتكلم بلغتها، أي بلغة تجربتها.

فالنضال ضد القيصرية، وثورة 1905، والحرب الإمبريالية، وثورتا 1917، هي بالنسبة إلينا تجارب معاشة، وذكريات وأحداث بارزة لنشاطنا الخاص. فنحن نتكلم عنها بالتلميح والكناية، ونتذكر ونستكمل في أذهاننا ما لا نعبر عنه، لكن ماذا بالنسبة إلى الشبيبة ؟ فهي لا تفهم هذه التلميحات والكنايات لأنها لم تعشها ولم تستطع الإطلاع عليها عن طريق الكتب والروايات الموضوعية، إذ هي غير متوفرة. فحيث يكتفي الجيل القديم بالتلميح يحتاج الشباب إلى كتاب. وقد آن الأوان لكي نصدر سلسلة من الموجزات والمؤلفات في التربية السياسية الثورية الموجهة للشباب.

(3) لابد من الإهتمام بالجزئيات (٭)

علينا أن نعيد بناء اقتصادنا المدمر. علينا أن نبني، وننتج، ونرمم، ونرقع. إننا ندير اقتصادنا وفق أسس جديدة يفترض فيها أن تضمن رفاهية سائر الشغيلة. لكن الإنتاج، في جوهره، يتلخص في صراع الإنسان ضد قوى الطبيعة المناوئة، وفي الإستخدام العقلاني للثروات الطبيعية. أما السياسة، والمراسيم، والشعارات فدورها ينحصر في تنظيم النشاط الاقتصادي بتحديدها له وجهة عامة. بيد أن انتاج السلع المادية، والعمل المنهًّج، العنيد والمثابر، هما وحدهما اللذان يستطيعان فعلا تلبية حاجات الإنسان. إن السيرورة الاقتصادية تتألف من أجزاء وعناصر مختلفة، من تفاصيل وأشياء صغيرة. ويستحيل إعادة بناء اقتصاد من دون إحاطة هذه الجزئيات باهتمام فائق. والحال أن هذا الإهتمام معدوم – أو يكاد – عندنا. والمهمة الأساسية للتثقيف والتثقف الذاتي في ميدان الاقتصاد هي إيقاظ وتنمية وتعزيز هذا الإهتمام بمتطلبات الاقتصاد الخاصة، والتافهة واليومية. يجب ألا نهمل شيئا، وأن نلاحظ أبسط الأمور، وأن نتصرف ونتدخل في اللحظة المطلوبة، وأن نطالب الآخرين بحذو حذونا. هذه المهمة تفرض نفسها علينا جميعا وفي سائر ميادين الحياة السياسية والبناء الاقتصادي.

إن تأمين الثياب والأحذية للجيش ليس بالأمر السهل، نظرا للوضع الحالي للإنتاج. وغالبا ما يكون التموين غير منتظم. لكن بالمقابل ليس ثمة من يهتم، في الجيش، بتصليح الأحذية والثياب المتوفرة أو الحفاظ عليها في حالة جيدة. فنادرا جدا ما تصبغ الأحذية، وعندما نسأل عن السبب تأتينا أجوبة مختلفة : فتارة لأن الدهان ليس متوفرا، وتارة لأنه لم يوزع في الوقت المناسب، وطورا لأن الجزمات بنية اللون في حين أن الدهان أسود، إلخ. غير أن السبب الرئيسي هو إهمال جنود الجيش الأحمر وكوادره لمتاعهم. فالجزمة غير المصبوغة، ولاسيما إن كانت قد ابتلت، تجف بسرعة ويكون مآلها إلى سلة القمامة، وإن كانت أسابيع معدودة فقط قد انقضت على استعمالها. ولما كنا عاجزين أساسا عن تأمين الكميات المطلوبة من الجزم، فقد بتنا ننتجها كيفما كان. فأضحت تتلف بسرعة أكبر أيضا. إنها لحلقة مفرغة. لكن ثمة وسيلة للخروج منها، وسيلة بسيطة للغاية. يجب أن تدهن الجزم في الوقت المطلوب، وأن تربط بعناية، وألا يشوه منظرها وبغير شكلها. لقد أتلفنا أحذية أميركية جيدة لا لشيء إلا لأننا لا نملك سيور أحذية. علما بأنه كان بإمكاننا الحصول عليها فيما لو ألححنا قليلا. على كل حال، إن كانت السيور مفقودة فذلك لأننا على وجه التحديد لا نعير بالا لدقائق الحياة اليومية. علما بأن هذه الدقائق الصغيرة هي التي تصنع كل شيء في نهاية المطاف.

القصة نفسها تتكرر، ولكن على نحو أفظع بعد، مع الحربات. فإذا كان من الصعب صنعها، فإنه من السهل إتلافها. والمطلوب هو الإعتناء بالحربة، تنظيفها وتشحيمها. وهذه العناية تفترض اهتماما مستمرا ومثابرا. إنها تفترض تدريبا كاملا، وتربية كاملة.

هذه الجزئيات التي تتراكم وتتفاعل تنتهي إما بإعطاب شيء هام … واما بتدمير شيء هام. فحفر الطريق الصغيرة لا يتم اصلاحها بسرعة تكبر وتشكل فجوات وأخاديد تعيق السير وتلحق الأضرار بالعربات والسيارات والشاحنات، وتتلف العجلات، والطريق التي تكون في حالة متردية تتسبب في انفاق أموال وجهود توازي عشرة أضعاف ما كان سينفق على تصليحها. وبسبب جزئيات صغيرة من هذا القبيل، تتلف الآلات والمعامل والأبنية. وللحفاظ عليها في حالة جيدة لا بد من أن نولي الجزئيات اهتماما يوميا ودائما. وهذا الإهتمام ينقصنا، لأن تربيتنا الاقتصادية والثقافية غير مكتملة.

غالبا ما يصار إلى الخلط بين الإهتمام بالجزئيات وبين النزعة البيروقراطية. وهذا خطأ فادح. فالنزعة البيروقراطية تكمن في تسليط الإهتمام على الشكل الفارغ على حساب المضمون وعلى حساب العمل. والنزعة البيروقراطية تغوص في الشكلية، في صغائر الأخطاء والهفوات، ولا تحل أبسط الأمور العملية. النزعة البيروقراطية بالعكس تتجنب، بصورة عامة، التفاصيل العملية التي تشكل لب المشكلة، وتكتفي فقط بمحاولة تنظيم ركام أوراقها القديمة.

إن المطالبة بعدم التف وإلقاء أعقاب السجائر على السلالم وفي الممرات هو “أمر بسيط ” مطلب لا يذكر، بيد أن له دلالته التربوية والاقتصادية الهامة. فالشخص الذي يتف دون حياء على سلم أو على أرضية خشبية هو عديم الفائدة، هو انسان غير مسؤول. ولن ننتظر منه أن يعيد بناء الاقتصاد. فلا ريب في أنه لن يصبغ جزمته، وفي أنه سيكسر لوحا زجاجيا بلا انتباه، كما أنه سيكون مقملا..

أعيد فأكرر أن بعضهم قد يرى في الإهتمام الدائب بهذا النوع من الجزئيات ضربا من المشاحنة والمشاكسة ومن ” النزعة البيروقراطية “. لكن غالبا ما يخفي عديمو الفائدة واللامسؤولون طبيعتهم بالنضال ضد نزعة بيروقراطية مزعومة. إنهم يقولون : ” لمَ هذه الضجة كلها حول عقب سيجارة مرمي على سلم ! “. وهذه هي الحماقة بأم عينها. فإلقاء أعقاب السجائر على الأرض يعني احتقار عمل الآخرين. ومن لا يحترم عمل الآخرين، فلا بد أن يكون مهملا لعمله الخاص أيضا. والحال أنه كي تتطور المساكن المشتركة( [28])، فلا بد أن يهتم كل مستأجر، رجلا أكان أم إمرأة، بتوفير النظافة والترتيب للدار بأكملها، وإلا وجد المستأجرون أنفسهم – وهذا ما يحصل غالبا مع الأسف – في جحر مقمل، مليء بالبصاق لا في دار مشتركة. وعلينا أن نحارب، بلا كلل ولا رحمة، هذه الوقاحة، هذه القلة في التهذيب، هذا الإهمال. نحارب بالشرح والتفسير، بإعطاء المثل الصالح، بالقيام بعمل إعلامي، بنصح الناس وبحملهم على أن يكونوا مسؤولين. فمن يصعد على سلم ملوث أو يجتاز باحة قذرة ولا يبدي أي ملاحظة، فهو مواطن غير صالح وهو بان بلا وجدان.

إن الجيش يجمع بين الجوانب الإيجابية والسلبية للحياة الشعبية. وهذا ما يتضح تماما في التربية الاقتصادية. فعلى الجيش أن يرتقي، ولو لدرجة واحدة، في هذا الميدان. ويمكن تحقيق ذلك بفضل الجهود المتضافرة لكوادر الجيش القيادية، من أعلى السلم إلى أسفله، ولخيرة عناصر الطبقة العاملة والفلاحية برمتها.

ففي الوقت الذي كان فيه الجهاز الحكومي السوفياتي ما يزال قيد التكوين، كانت التحزبية( [29]) قد تغلغلت في الجيش فأمسى يطبق أساليبها. وقد خضنا كفاحا مثابرا، لا هوادة فيه، ضد هذه العقلية وحصلنا على نتائج هامة دون أدنى ريب : فنحن لم ننشئ فقط جهاز قيادة وإدارة مركزيا، بل توصلنا أيضا، وهذا أهم، إلى حمل الشغيلة على أن يعيدوا النظر في ضمائرهم بهذه العقلية التحزبية على صعيد وعيهم بالذات.

وعلينا اليوم أن نخوض كفاحا ليس بأقل أهمية : علينا أن نحارب سائر أشكال ” التنبلة “، والإهمال، واللامبالاة، والقذارة، واللاانضباطية، والاسترخاء، والتبذير. فتلك هي درجات وأوجه مختلفة لداء واحد : من جهة نقص في الإنتباه، ومن الجهة الأخرى استهتار سمج. ومن الضروري أن نقوم في هذا المجال بعملية واسعة النطاق، بكفاح يومي، مثابر ودائب نسخر له سائر الوسائل المتوفرة – من تحريض واقتداء ونصح وعقاب .. إسوة بما أقدمنا عليه عندما اضطررنا إلى القضاء على التحزبية.

إن أعظم خطة لا تعدو أن تكون ضربا من العبث إذا لم تحسب حسبانا للجزئيات، فما الفائدة مثلا من استصدار أفضل المراسيم إن كان الإهمال سيحول دون تبليغها في الوقت المناسب، أو ان كانت ستنسخ بأخطاء، أو إن كانت ستطالع بلا انتباه ؟ وما يصح على المستوى الأدنى ينطبق على المستوى الأعلى.

نحن فقراء ولكنا مبذرون. نحن لا نعرف الإنتظام. ونحن مهملون. وأيضا قذرون. ولهذه العيوب جذور في ماضي عبوديتنا. لذا لن نستطيع التخلص منها إلا تدريجيا، وبفضل دعاية مثابرة، والقدوة الصالحة، والبرهنة، والرقابة الدقيقة، والتيقظ، والتشدد في كل لحظة وآن. لتحقيق مشاريع عظمى، علينا أن نولي أصغر الجزئيات اهتمامنا ! – حول هذا الشعار ينبغي أن يلتف سائر المواطنين الواعين والمدركين الذين يتصدون لمرحلة جديدة من البناء والتطوير الثقافي.

(4) لإعادة بناء نمط الحياة لابد من معرفته

إن قضية نمط الحياة هي التي تبين لنا، بأكبر قدر من الوضوح، إلى أي حد يكون الفرد المعزول منفعلا بالأحداث، لا فاعلها. فنمط الحياة، أي المحيط والعادات اليومية، يتكون، أكثر حتى من الاقتصاد، ” من خلف ظهور الناس ” ( التعبير لماركس ). فالإبداع والخلق الواعي في ميدان نمط الحياة لم يشغل إلا مكانا ثانويا للغاية في تاريخ البشرية. إن نمط الحياة هو حصيلة تجارب الأفراد غير المنظمة، وهو يتبدل على نحو عفوي تماما تحت تأثير التقنية أو النضالات الثورية، وهو بالإجمال يعكس ماضي المجتمع أكثر مما يعكس حاضره.

خلال العقود الأخيرة، انبثقت عندنا بروليتاريا شابة، لا ماضي لها، من الطبقة الفلاحية، وجزئيا فقط من الطبقة البورجوازية الصغيرة. ونمط حياة هذه البروليتاريا يعكس تماما أصلها الاجتماعي. يكفي أن نذكر بهذا الصدد ” عادات شارع راستريائييف ” لغليب اوسبنسكي( [30]). فماذا يميز سكان شارع راستريائييف، أي عمال تولا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ؟ انهم بورجوازيون صغار أو فلاحون فقدوا ، في غالبيتهم، كل أمل في أن يصبحوا ذات يوم ملاكين مستقلين بأنفسهم، إنهم خليط من البورجواية الصغيرة الأمية ومن الحفاة. وقد حققت البروليتاريا، منذ تلك الحقبة، تقدما هائلا، غير ان هذا التقدم هو أكثر بكثير على الصعيد السياسي منه على صعيد العادات ونمط الحياة. صحيح أن شارع راستريائييف لم يعد موجودا في شكله الأولي. فتثقيف التلامذة، والخنوع أمام أرباب العمل، والسكر، والجنوح، كل ذلك زال وامـًّحى. لكن العلاقات بين الزوج والزوجة، بين الأهل والأولاد، داخل الأسرة المقطوعة عن العالم، ما تزال متشبعة ب” عقلية راستريائييف “هذه. وقد نحتاج إلى سنوات وعقود من التطور الاقتصادي والثقافي لطرد هده العقلية من ملاذها الأخير – نمط الحياة الفردي والعائلي – ولإعادة صياغتها وفق روح جماعية.

إن مشكلات نمط الحياة العائلي كانت موضوع نقاش مثير – على نحو خاص – خلال اجتماع محرضي موسكو الذي سبق أن تحدثنا عنه. وقد كانت مشكلة مؤلمة بالنسبة إلى الجميع. فقد تراكمت الإنطباعات، والملاحظات، وبخاصة الأسئلة، ولم يكن ثمة أثر لجواب. بل أكثر من ذلك : فالأسئلة نفسها لم تلق أي صدى في الصحافة ولا في المنظمات. ومع ذلك فأي حقل واسع للبحث، للتفكير، وللعمل يوفره لنا نمط حياة المحرضين العمال، نمط الحياة الشيوعي، وأي حقل توفره لنا أيضا نقطة الوصل بين نمط حياة الشيوعيين ونمط حياة الجماهير العمالية العريضة ؟

إن أدبنا الفني لا يفيدنا بشيء في هذا المجال. فالفن، بطبيعته، محافظ، وهو متخلف عن الحياة، وغير مؤهل للقبض على ظواهر هي رهن التكوين. لقد أثارت قصة ” الأسبوع ” لليبدنسكي( [31]) لدى بعض الرفاق حماسة بدت لي متطرفة، وخطرة على المؤلف الشاب. فمن وجهة نظر شكلية تتسم قصة ” الأسبوع ” بطابع تعليمي، على الرغم من بعض اللمسات الفنية فيها، وكي يصبح ليبدنسكي فنانا حقيقيا فهو يحتاج إلى عمل دؤوب، مثابر ودقيق. وآمل أن يتحقق له ذلك. لكن ليس هذا الجانب من المشكلة هو موضوع اهتمامنا الآن. وإنما إلى الطريقة ” الشيوعية ” في مواجهة الحياة التي وصفت فيها. علما بأن الوصف ينقصه العمق حول هذه النقطة بالذات.

ف ” لجنة الإقليم ” قـُدِّمت لنا على نحو علمي أكثر مما ينبغي، فهي تبدو بلا جدور عميقة، وغير مندمجة بالمنطقة. لذا بدت ” الأسبوع ” بأكملها وكأنها رواية على حلقات، شأن تلك القصص التي تصف حياة الهجرة الثورية. لا شك أنه من المفيد والمثير وصف ” نمط حياة ” لجنة اقليم، غير أن الصعوبات والفائدة تبرز حيثما تتصل حياة المنظمة الشيوعية بالحياة اليومية للشعب – على نفس النحو الوثيق الذي تتداخل به عظام الجمجمة- . يجب التعرض للمشكلات على نحو جذري. لهذا السبب فإن نقطة اتصال الحزب الشيوعي بالجماهير الشعبية هي المكان الأساسي لكل فعل تعاون أو معارضة تاريخي.

ان النظرية الشيوعية متقدمة على حياتنا اليومية بعشرات السنوات، بل بعدة قرون في بعض المجالات. ولولا ذلك لما استطاع الحزب الشيوعي أن يكون عاملا تاريخيا ذا قوة ثورية هائلة. وبفضل واقعيتها ومرونتها الجدلية، تنشئ النظرية الشيوعية مناهج سياسية تضمن عملها في الميادين كافة. لكن النظرية السياسية شيء، ونمط الحياة شيء آخر. فالسياسة مرنة، في حين أن نمط الحياة جامد ومتصلب. لهذا السبب تحصل كل هذه الصدامات في الوسط العمالي عندما يعتمد الإدراك والوعي على التقاليد. صدامات يزيد من حدتها كونها تبقى بلا صدى. فلا الأدب الفني ولا حتى الصحف تشير إليها. فصحافتنا تلزم الصمت حول هذه المشكلات. أما المدارس الفنية الجديدة التي تحاول مواكبة الثورة، فنمط الحياة بصورة عامة غير مطروح بالنسبة إليها. فهي، كما ترون، تطمح إلى خلق الحياة الجديدة لا إلى تصويرها. لكن ابتكار نمط حياة جديدة دفعة واحدة أمر مستحيل. وأقصى ما بمستطاعنا أن نشيده انطلاقا من عناصر واقعية، وقابلة للتطوير. لذا ينبغي أن نتعرف أولا عما هو موجود في تصرفنا ومتناولنا قبل أن نقدم على البناء. وهذا أمر ضروري ليس فقط للتأثير على نمط الحياة، وإنما بصورة عامة لكل نشاط انساني واع.

فللمشاركة في صياغة نمط حياة جديدة، يجب أن نكون عالمين أولا بما هو موجود، وبالتغييرات الممكنة لمواد البناء التي هي بين أيدينا. أرونا، بل أروا أنفسكم أولا، مايجري في مصنع، في تعاونية، في الوسط العمالي، في النادي، في مدرسة، في الشارع، في خمارة، حاولوا أن تفهموا ما يجري فيها، أي انظروا إلى المشكلات على نحو يتيح لكم العثور فيها على ترسبات الماضي واكتشاف بذور المستقبل. هذا النداء موجه إلى الأدباء والصحفييين، إلى المراسلين العماليين وكتاب التحقيقات على حد سواء. أرونا الحياة كما خرجت من بوثقة الثورة.

لكن لا يحتاج المرء إلى عميق التفكير كي يدرك أن التمنيات وحدها غير قادرة على تغيير كتابنا. ومن الضرورة الملحة هنا طرح المشكلات عل نحو سليم وتوجيهها أيضا على نحو سليم. يجب التأكيد قبل كل شيء على أن دراسة نمط الحياة العمالي وتحليله مهمة تقع على عاتق الصحفيين، أو على الأقل على عاتق الذين يملكون عيونا وآدانا من بينهم. يجب توجيههم نحو هذا العمل، وتزويدهم بالمعلومات، وتصحيح كتاباتهم، وتثقيفهم على هذا النحو المنشود ليصبحوا مؤرخي ثورة نمط الحياة. ويجب، في الوقت نفسه، العمل على توسيع وجهة نظر المراسلين العماليين. والواقع أن كل واحد منهم يستطيع أن يقدم مقالات أكثر إفادة وتثفيفا بكثير من تلك التي يكتبونها حاليا. لكن لبلوغ ذلك، لا بد من صياغة الأسئلة بوعي وإدراك، ومن طرح المشكلات على نحو سليم، ومن إثارة النقاش وتوجيهه إلى الهدف المطلوب.

لكي ترتقي الطبقة العاملة إلى مرتبة ثقافية أعلى، ينبغي عليها، وبخاصة على طليعتها، أن تراجع نمط حياتها. ومن أجل ذلك ينبغي أن تتعرف عليه أولا. إن البورجوازية، بفضل طبقة مثقفيها بالدرجة الأولى، كانت قد حلت هذه المشكلة قبل أن تستولي على السلطة بفترة طويلة: فعندما كانت ما تزال في المعارضة كانت قد أصبحت الطبقة المالكة، والفنانون والشعراء والصحفيون كانوا مذاك في خدمتها وكانوا يساعدونها على التفكير، بل كانوا يفكرون بالنيابة عنها.

إن القرن الثامن عشر الفرنسي، المعروف بعصر الأنوار، كان عصر انكباب الفلاسفة البورجوازيين على تحليل مختلف أوجه نمط الحياة الفردي والاجتماعي، وعلى عقلنة هذه الأوجه، أي على اخضاعها لمتطلبات ” العقل”. على هذا النحو كانوا يتصدون لا لمشكلات النظام السياسي والكنيسة فحسب، وإنما أيضا لمشكلات العلاقات بين الجنسين، وتربية الأطفال إلخ. ومن الواضح أن مجرد طرحهم ودراستهم لهذه المشكلات قد أتاح لهم رفع السوية الثقافية للفرد، الفرد البورجوازي طبعا، وسويته الفكرية في المرتبة الأولى. لكن جهود فلسفة الأنوار الرامية إلى العقلنة، أي إلى إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والفردية على أساس قوانين العقل، كانت ترتكز إلى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، حجر زاوية المجتمع الجديد القائم على العقل. والملكية الخاصة كانت تعني السوق واللعبة العمياء للقوى الاقتصادية غير الموجهة من قبل ” العقل”. وهكذا شيد على أساس من العلاقات الاقتصادية التجارية نمط حياة تجاري هو الآخر. فطالما كان قانون السوق هو السائد، كان من المستحيل التفكير بعقلنة حقيقية لنمط حياة جماهير الشعب، لذا جاء تطبيق التصورات العقلانية لفلاسفة القرن الثامن عشر محدودا للغاية، على الرغم مما اتسمت به هذه التصورات أحيانا من ذكاء نافذ وجرأة.

في ألمانيا يمتد عصر الأنوار إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر. على رأس الحركة نجد ” المانيا الفتاة ” التي كان يتزعمها هاينة وبورنه. وهنا أيضا نجدنا أمام التفكير النقدي للجناح اليساري للبورجوازية، لشريحتها المثقفة التي كانت قد أعلنت الحرب على العبودية، على الخنوع، على الجهل، على الحماقة البورجوازية الصغيرة، على الأفكار المسبقة، والتي كانت تجاهد لإقامة ملكوت العقل، وإنما بقدر أكبر من الريبية من سلفائها الفرنسيين. وقد اختلطت هذه الحركة فيما بعد بثورة 1848 البورجوازية الصغيرة، التي عجزت عن الإطاحة بالسلالات الملكية الألمانية المتعددة، فكم بالأحرى اعادة بناء كامل الحياة البشرية.

إن حركة الأنوار لم ترتد أهمية عندنا، في روسيا المتخلفة، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إن تشيرنيشفسكي، وبيساريف، ودوبروليوبوف، المتخرجين من مدرسة بييلنسكي، لم يوجهوا انتقاداتهم للعلاقات الاقتصادية بقدر ما وجهوها لتفكك نمط الحياة، ولطابعه المتخلف والآسيوي، معارضين نموذج الإنسان التقليدي بآخر جديد، ” واقعي ” و ” نفعي “، كان يتطلع إلى تشييد حياته وفق قوانين العقل فتحول بسرعة إلى ” شخصية نقدية “. هذه الحركة، التي اندمجت بالشعبوية، تمثل الشكل الروسي، المتأخر، لعصر الأنوار. لكن إن لم تتمكن العقول النيرة للقرن الثامن عشر الفرنسي من أن تغير، إلا في حدود ضيقة، نمط حياة وعادات كونتها السوق لا الفلسفة، وإن كان الدور التاريخي الجلي للأنوار في ألمانيا أكثر محدودية أيضا، فإن التأثير المباشر للإنتلجانسيا الروسية النيرة على نمط الحياة وعادات الشعب كان معدوما تماما. إن الدور التاريخي لحركة الأنوار في روسيا، بما فيه دور الشعبوية، قد اقتصر في نهاية المطاف على تهيئة شروط ظهور حزب ثوري بروليتاري.

وإنما مع استيلاء الطبقة العاملة على السلطة فقط توفرت الشروط لتحويل حقيقي وجذري لنمط الحياة. فعقلنة نمط الحياة، أي تغييره وفق مقتضيات العقل، لا يمكن أن تتم ان لم يعقلن الإنتاج، ذلك أن جذور نمط الحياة هي في الاقتصاد. ووحدها الاشتراكية تحدد لنفسها مهمة التصدي على نحو عقلاني لنشاط الإنسان الاقتصادي واخضاع هذا النشاط للعقل. فلقد اكتفت البورجوازية، بواسطة عناصرها الأكثر تقدمية، بعقلنة التقنية من جهة ( العلوم الطبيعية، التكنولوجيا، الكيمياء، الإختراعات، المكننة ) والسياسة من جهة أخرى ( بواسطة النظام البرلماني )، أما الاقتصاد فقد بقي ميدانا للمنافسة العمياء. لهذا السبب بقي الجهل وعدم الإدراك يتحكمان بنمط حياة المجتمع البورجوازي. والطبقة العاملة التي استولت على السلطة تضع نصب عينيها اخضاع الأساس الاقتصادي للعلاقات الإنسانية للرقابة والتوجيه الواعي.

لكن هذا يفترض أن نجاحاتنا في ميدان نمط الحياة وثيقة الإرتباط بنجاحاتنا في الميدان الاقتصادي. بيد أننا نستطيع دون أدنى شك، حتى في إطار وضعنا الاقتصادي الراهن، أن نزيد من النقد، ومن المبادرات، ومن العقلنة فيما يتعلق بنمط حياتنا. فتلك هي إحدى المهام الأساسية لعصرنا. غير أنه من الواضح أن إعادة البناء الجذرية لنمط الحياة ( تحرير المرأة من عبودية البيت، تنشئة الأطفال على الروح الجماعية، تحرير الزواج من القيود الاقتصادية إلخ ) لا يمكن أن تتم إلا بقدر ما تتغلب الأشكال الاشتراكية للاقتصاد على أشكاله الرأسمالية. والتحليل النقدي لنمط الحياة هو اليوم الشرط الضروري للحؤول دون ان يظل هذا الأخير، المحافظ بسبب تقاليده الألفية، متخلفا بالمقارنة مع إمكانات التقدم الراهن والمقبل الذي توفره لنا طاقاتنا الاقتصادية الحالية. من جهة أخرى، فإن أبسط النجاحات في ميدان نمط الحياة تسمح برفع السوية الثقافية للعامل وللعاملة، وتزيد عل الفور من امكانيات عقلنة الاقتصاد، وبالتالي، من امكانيات تراكم اشتراكي أسرع، وهذه النقطة الأخيرة توفر بدورها امكانات تحقيق مكاسب جديدة في مجال تشريك نمط الحياة. فالإرتباط هنا جدلي : صحيح أن العامل التاريخي الأساسي هو الاقتصاد، لكن نحن، أي الحزب الشيوعي، أي دولة العمال، لا نستطيع أن نؤثر على الاقتصاد إلا بواسطة الطبقة العاملة، وعن طريق رفع مستوى التأهيل التقني والتقافي للعناصر التي تكونها. إن النضالية الثقافية في دولة عمالية تخدم الاشتراكية، والاشتراكية تعني تقدم الثقافة، الثقافة الحقيقية، غير الطبقية، الثقافة الإنسانية والمفيدة للإنسانية.

(5) الفودكا والكنيسة والسينما

ثمة ظاهرتان هامتان تركتا بصمتهما على نمط الحياة العمالي : يوم العمل من ثماني ساعات وحظر الفودكا. وتصفية احتكار الفودكا كانت قد سبقت الثورة وضرورات الحرب هي التي فرضتها. فقد كانت الحرب تستلزم موارد عديدة، مما اضطر القيصرية إلى التخلي عن الدخل الذي كان يحققه لها بيع المشروبات الروحية، دون أن تعاني طبعا من خسارة تذكر : فمليار بالزائد أو مليار بالناقص لا يغير في واقع الأمر شيئا، وقد ورثت الثورة تصفية احتكار الفودكا، وأبقت عليها، وإنما لاعتبارات مبدئية. والحق أن صراع الحكومة مع الإدمان على الكحول، ذلك الصراع الثقافي والتربوي والقسري في آن واحد، لم يأخد معناه التاريخي الكامل إلا بعد أن قامت الطبقة العاملة – البانية الواعية لاقتصاد جديد – بالإستيلاء على السلطة. من هذا المنظور، فإن حظر بيع الكحول بسبب الحرب الإمبريالية لا يبدل على الإطلاق من واقع أن تصفية الإدمان على الكحول هي مكسب يضاف إلى حصيلة مكاسب الثورة. ومهمتنا أن نطور، وأن نعزز، وأن ننظم. وأن نكفل النجاح لسياسة مناهضة الإدمان في بلد العمل المتجدد. ونجاحاتنا الاقتصادية والثقافية ستزداد بالتوازي مع تراجع عدد ” الدرجات ” فلا مجال هنا للتساهل أو التنازل.

فيما يتعلق بيوم عمل من ثماني ساعات فإنه مكسب مباشر حققته الثورة، بل واحد من أهم مكاسبها. إنه يحدث، بحد ذاته، تغييرا جوهريا في حياة العامل، وذلك بتحريره ثلثي يوم العمل. وهذا من شأنه خلق قاعدة لتحويلات جذرية لنمط الحياة، لتحسين السلوك والآداب، لتطوير التربية الجماعية، إلخ، لكن الأمر لا ينحصر بتأمين هذه القاعدة. فبقدر ما يجري استغلال زمن العمل على نحو مفيد، تنتظم حياة العامل عل نحو أكمل وأذكى. وهنا على وجه التحديد يكمن المعنى الجوهري لثورة اكتوبر، كما سبق أن قلنا : فالنجاحات الاقتصادية لكل عامل على حدة تؤدي، على نحو آلي، إلى ترقية الطبقة العاملة برمتها ماديا وثقافيا. ” ثماني ساعات من العمل، ثماني ساعات من النوم، وثماني ساعات من الحرية ” : هكذا يقول الشعار القديم للحركة العمالية. غير أنه، في الظروف الحالية، يأخد مضمونا جديدا تماما : فبقدر ما تكون ساعات العمل الثماني منتجة، وبقدر ما تكون ساعات النوم الثماني صحية ومجددة للقوى، تصبح ساعات الحرية الثماني مفيدة ثقافيا ومغنية للشخصية.

من هنا يتضح لنا أن مشكلة التسلية هي مشكلة ثقافية وتربوية بالغة الأهمية. فطبع الطفل يتكشف ويتكون عن طريق اللعب. وطبع الإنسان البالغ يتجلى بوضوح أكبر في الألعاب والتسلية. لذا فإن التسلية واللعب مؤهلان لاحتلال مكانة مرموقة في تكوين طبائع طبقة برمتها، ولا سيما إذا كانت هذه الطبقة فتية ومتقدمة كالبروليتاريا. إن الطوباوي الفرنسي الكبير فورييه، المحتج على التقشف المسيحي وعلى قمع الطبيعة البشرية، كان يشيد مشاركه Phalanstères ( كومونات المستقبل ) على اساس الإستخدام والتنسيق السليم والعقلاني للغرائز والأهواء. وهذه فكرة عميقة. فالدولة العمالية ليست رهبانية ولا ديرا. ونحن نقبل الناس كما خلقتهم الطبيعة، وكما أنشأهم المجتمع القديم من جهة وشوههم من جهة أخرى. وفي هذه المواد البشرية الحية نبحث عن النقطة التي يمكن أن نركز فيها عتلة الثورة والحزب والدولة. إن الرغبة في التسلية، واللهو، والعبث، والضحك، هي رغبة مشروعة للطبيعة البشرية، ونحن قادرون، بل ملزمون بأن نؤمن لها تلبية فنية أكثر فأكثر، وأن نجعل من التسلية، في الوقت نفسه، وسيلة تربية جماعية بلا إكراه ولا توجيه قسري.

إن السينما في هذا المجال، وفي الوقت الراهن، وسيلة تفوق سائر الوسائل الأخرى أهمية. فقد اقتحم هذا الإختراع المذهل حياة البشرية بسرعة لم يسبق لها مثيل في الماضي. وفي المدن الرأسمالية أضحت السينما جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، إسوة بالحمامات العامة، والخمارات، والكنيسة وغيرها من المؤسسات، الحميدة أو غير الحميدة. والشغف بالسينما ناجم عن رغبة في التسلية، في مشاهدة أشياء جديدة ومجهولة، في الضحك، وفي البكاء أيضا ولكن على شقاء الآخرين وأحزانهم. كل هذه المتطلبات تلبيها السينما على نحو مباشر، مذهل، مصور، حي، وذلك دون أن تستلزم أي شيء من المشاهد ولا حتى ثقافة بدائية. من هنا مصدر ذلك الحب المشحون بعرفان الجميل الذي يكنه المشاهد للسينما، ينبوع الإنطباعات والأحاسيس الذي لا ينضب. تلك هي نقطة الإنطلاق، بل ذلك هو المضمار الشاسع الذي يمكننا الإنطلاق منه لتطوير الثقافة الاشتراكية. أن نكون قد عجزنا حتى الآن، أي منذ ستة أعوام تقريبا، عن السيطرة على السينما، فهذا ما يبين إلى أي حد نحن حمقى وجهلة، إن لم نقل ببساطة إلى أي حد نحن محدودو الأفق. فهذه الوسيلة التي بين أيدينا هي أفضل وسيلة للدعاية، سواء أكانت هذه الدعاية تقنية، أم ثقافية، أم مناهضة للإدمان على الكحول، أم صحية، أم سياسية. إنها تيسر القيام بدعاية هي في متناول فهم الجميع وجاذبة لاهتمام الجميع، دعاية تستوحذ على المخيلة. وهي، علاوة على ذلك، قابلة لأن تصبح مصدر دخل أيضا.

والسينما، بصفتها مصدر جذب وتسلية، قادرة على منافسة مشارب الجعة والحانات، ولا أدري ما الأكثر رواجا في باريس ونيويورك، حاليا : الحانات أم دور السينما ؟ ولا أي منها يأتي بريع أوفر. لكن من الواضح أن السينما تنافس الخمارات قبل أي شيء آخر فيما يتعلق بانفاق ساعات الحرية الثماني. فهل في مقدورنا السيطرة على هذه الوسيلة الرائعة ؟ لم لا ؟ فالحكومة القيصرية أوجدت، خلال سنوات معدودة، شبكة من الخمارات التي كانت تعود بمليارات من الروبلات الذهبية. فلمَ تعجز حكومة عمالية عن تنظيم شبكة من دور السينما، ولم تعجز عن غرس هذا النمط من التسلية والتربية في الحياة الشعبية، فتعارض بها الإدمان على الكحول، وتؤمن لنفسها بواسطتها مصدر دخل ؟ هل هذا قابل للتحقيق ؟ لم لا ؟ صحيح أن الأمر لن يكون سهلا. لكنه يبقى أكثر انسجاما وتناسبا مع طبيعة الدولة العمالية وقواها وطاقاتها التنظيمية من تجديد شبكة الخمارات( [32]).

ان السينما تنافس الخمارة، بل تنافس الكنيسة أيضا. وقد تكون هذه المنافسة قاضية بالنسبة إلى الكنيسة إذا ما أكملنا انفصال الكنيسة عن الدولة الاشتراكية بقران هذه الدولة الاشتراكية مع السينما.

إن الشعور الديني منعدم في الواقع لدى الطبقة العاملة الروسية، على كل، لم يكن له في يوم من الأيام من وجود فعليا. فالكنيسة الأورثوذكسية كانت تمثل مجموعة من التقاليد وتنظيما سياسيا. وقد فشلت في الولوج بعمق إلى وجدان الجماهير الشعبية، وفي الربط بين عقائدها وقوانينها وبين المشاعر العميقة لهذه الجماهير. والسبب هو واحد دائما : جهل روسيا القديمة، بما فيه كنيستها. لذلك، عندما يستيقظ العامل الروسي على الثقافة، فقد يتحرر بكثير من السهولة من الكنيسة التي كانت علاقته بها سطحية. صحيح أن الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إلى الفلاح، لا لأنه قد تعمق وتفاعل على نحو أوثق مع تعاليم الكنيسة – إذ ليس ثمة من هذا القبيل – وإنما لأن نمط حياته الرتيب والروتيني وثيق الإرتباط بطقوس الكنيسة الرتيبة والروتينية.

إن العامل – نقصد بكلامنا الجمهور العمالي اللاحزبي – يقيم مع الكنيسة علاقات قائمة في معظم على العادة، العادة المتأصلة على نحو خاص لدى النساء. فالأيقونات قد تترك معلقة في البيت لأنها موجودة فيه منذ زمن طويل. فهي تزين الجدران التي قد تبدو عارية بدونها، أي غير مألوفة. قد لا يقدم العامل على شراء أيقونات جديدة، لكنه لا يجد في نفسه الإرادة اللازمة للتخلص من الأيقونات القديمة. كيف يحتفل بعيد الربيع إن لم يكن يصنع الكوليتش أو الباسكا ( [33]) ؟ وقد جرت العادة أن تبارك هذه الحلويات كي يكتمل العيد. ولم تعد الناس تذهب إلى الكنيسة من باب التدين، وإنما لأن الطقس جميل، ولأن الكنيسة جميلة وفيها جمهور غفير، ولأن الغناء فيها جيد. والواقع أن الكنيسة تمارس جذبها بسلسلة من الإغراءات الاجتماعية – الجمالية غير المتوفرة في المصنع والأسرة والشارع. أما الإيمان فلا وجود له، أو لا وجود له تقريبا. والشيء الأكيد على كل حال هو انعدام الإحترام لهيئة الإكليروس وانعدام الثقة في القوة السحرية للطقوس الدينية. لكن من جهة أخرى فإن إرادة تحطيم هذا كله منعدمة بدورها. إن اللهو والتسلية يلعبان دورا هاما في طقوس الكنيسة. فالكنيسة تلجأ إلى أساليب مسرحية لتمارس تأثيرها على النظر، والسمع، والشم ( البخور!)، ومن ثم على المخيلة. والحاجة إلى المسرح – أي إلى مشاهدة وسماع ماهو غير مألوف، ما هو بهي وزاهي الألوان، ما يخرج عن الرتابة اليومية – هذه الحاجة كبيرة لدى الإنسان، وغير قابلة للإستئصال، وتلازمه من الطفولة وحتى الشيخوخة. والدعاية المناهضة للدين غير كافية لتحرير الجماهير العريضة من هذه الطقوس، من هذا الورع الروتيني. صحيح أنها ضرورية. لكن تأثيرها يبقى محصورا بفئة صغيرة من الناس هم من الأساس أكثرهم اطلاعا على الصعيد الإيديولوجي. وإذا كانت الجماهير العريضة لا تنصاع للدعاية المناهضة للدين، فليس ذلك لأن علاقاتها الروحية بالدين قوية، وإنما بالعكس لأنها تفتقر لكل رابط ايديولوجي ولأنها تقيم مع الكنيسة علاقات عديمة الشكل، روتينية، آلية، لا تعيها، شأن ذلك المتسكع الذي لا يرفض المشاركة في زياح أو قداس احتفالي، وسماع الترانيم أو التلويح بيديه. هذه الشعائرية التي لا أساس ايديولوجي لها، هي التي تنحفر بقوة عطالتها في الوجدان، وبالنقد وحده لا يمكن التخلص منها، إذ أن القضاء عليها لن يتم إلا بأشكال جديدة، بتسليات جديدة، وبتمثيليات جديدة تكون أرقى من حيث المستوى الثقافي. وهنا تتوجه الأفكار من جديد وتلقائيا إلى الوسيلة الأقوى شأنا، لأنها الأكثر ديموقراطية. تتوجه إلى السينما. فالسينما لا تحتاج إلى مراتب كهنوتية متنوعة، ولا إلى البروكار، إلخ، بل أن رقعة من القماش الأبيض تكفي لخلق أجواء مسرحية أكثر جاذبية من تلك التي توفرها أغنى الكنائس والمعابد وأكثرها خبرة بالتجارب المسرحية العريقة. فالكنيسة لا تقدم إلا فصلا واحدا، يتكرر باستمرار، في حين أن السينما كفيلة بأن تبين بأنه في الجوار، أو في طرف الشارع الآخر، تقام في يوم واحد، بل في ساعة واحدة، طقوس الفصح الوثني واليهودي والمسيحي. إن السينما تسلي، وتثقف، وتستحوذ على الخيال بالصور، وتلغي الرغبة في الدخول إلى الكنيسة. السينما منافس خطير لا للخمارة فحسب، وإنما للكنيسة أيضا. تلك هي الوسيلة التي يتوجب علينا السيطرة عليها والتحكم بها مهما كلف الأمر.

(6) من العائلة القديمة إلى العائلة الجديدة

إن علاقات العائلة وأحداثها الداخلية لا تخضع بسهولة، بحكم طبيعتها بالذات، لدراسة موضوعية أو لحساب إحصائي. لذا يصعب القول إلى أي حد باتت العلاقات العائلية أسهل قابلية للتفكك اليوم ( وفي الحياة وليس على الورق ) منها بالأمس. ولا بد لنا أن نكتفي، إلى حد كبير في هذا المجال، بما هو قابل لأن يقع تحت النظر. والفارق بين المرحلة الراهنة ومرحلة ما قبل الثورة هو أن نزاعات ومآسي الأسرة العمالية كانت في الماضي لا تلفت انتباه أحد، حتى لدى جمهور العمال نفسه، في حين أن حياة عدد كبير من العمال الطليعيين الذين يحتلون مناصب مسؤولية أضحت اليوم عرضة لأنظار الجميع، الأمر الذي جعل من كل مأساة عائلية موضوع أحكام، بل موضوع ثرثرة وأقاويل بكل بساطة.

لكن على الرغم من هذا التحفظ الهام يبقى أن العائلة، بما فيها العائلة البروليتارية، قد تعرضت لهزة قوية. هذا الواقع، الذي جرى التنويه به بوضوح خلال اجتماع محرضي موسكو، لم ينف من قبل أي كان. وقد طرحت المشكلة على نحو مختلف خلال النقاش : بعضهم تحدث عنها بضيق وقلق، وبعضهم بتحفظ، وبعضهم الآخر بحيرة وتردد. على كل حال، كان واضحا بالنسبة إلى الجميع أننا هنا بصدد سيرورة خطيرة، سديمية تماما، وأشكالها مرَضية أحيانا، ومنفرة أحيانا أخرى، مضحكة تارة ومأساوية طورا، سيرورة لم تفسح في المجال بعد أمام إمكانيات النظام العائلي الجديد التي تنطوي عليها. والصحافة من جهتها نادرا ما تتعرض لظاهرة تفكك الأسرة. وقد طالعت ذات مرة مقالة جاء فيها أنه ينبغي أن نرى في تدهور الأسرة العمالية ظاهرة ” تأثير البورجوازية على البروليتاريا “. إن تفسيرا كهذا خاطئ كليا. فالمشكلة أكثر عمقا وأكثر تعقيدا. صحيح أن التأثير الماضي والحاضر للبورجوازية واضح جلي. لكن السيرورة الأساسية تكمن في تطور مَرَضي للأسرة البروليتارية التي تواجه وضعا متأزما، ونحن نشهد اليوم الظواهر الفوضوية الأولى لهذه السيرورة.

الجميع يعلم دور الحرب الهدام بالنسبة إلى الأسرة.

إن فعل الحرب في هذا المجال ميكانيكي صرف، فهي تفرق بين الناس لفترة طويلة من الزمن أو تجمع بينهم عن طريق الصدفة. وقد أطالت الثورة تأثير الحرب وعززته. وقد هزت الحرب بشكل عام ركائز كل ما كان صامدا بقوة عطالة التاريخ، أي النظام القيصري والإمتيازات الطبقية، والعائلة القديمة. وقد شيدت الثورة دولة جديدة، وحلت بالتالي المشكلة الأكثر إلحاحا والأكثر بساطة. أما على الصعيد الاقتصادي، فإن الأمور كانت أكثر تعقيدا. فالحرب كانت قد هزت دعائم النظام الاقتصادي القديم، فجاءت الثورة لتطيح به. ونحن اليوم نشيد شيئا جديدا – انطلاقا من الماضي حاليا، ولكن من ماض أعدنا تنظيمه على نحو جديد. والواقع أننا، في مضمار الاقتصاد، لم نتجاوز إلا منذ فترة وجيزة مرحلة الدمار لنبدأ بالإزدهار. ونجاحاتنا ما تزال ضئيلة، والطريق أمامنا ما تزال طويلة لبلوغ أشكال الاقتصاد الاشتراكي الجديد. بيد أننا خرجنا من مرحلة الخراب والدمار. وأكثر المراحل صعوبة وإحراجا كانت خلال عامي 1920 و 1921.

وفيما يتعلق بنمط الحياة العائلي، فإن مرحلة الهدم لم تنته بعد، إذ مازلنا في قلب فترة التفكك والتصدع. ويجب أن نعي بوضوح تام هذه الظاهرة، فعلى صعيد العلاقات العائلية، نحن لانزال، إن صح التعبير، في عامي 1920 و 1921، وليس على الإطلاق في عام 1923. إن نمط الحياة أكثر محافظة من الاقتصاد، ولهذا السبب بالذات يصعب فهمه. ففي السياسة والاقتصاد تتحرك الطبقة العاملة ككل. لهذا السبب تبوئ طليعتها – الحزب الشيوعي – المرتبة الأولى، وتحقق من خلاله مهامها التاريخية. أما في مضمار نمط الحياة، فإن الطبقة العاملة تتجزأ إلى خلايا عائلية صغيرة. إن تحول السلطة، وأيضا تحول النظام الاقتصادي ( تملك الشغيلة للمصانع والمعامل ) يؤثران طبعا على الأسرة، وإنما من الخارج فقط، وعلى نحو ملتو، دون زعزعة عاداتها الموروثة مباشرة عن الماضي. إن تغيير نمط الحياة والأسرة يقتضي من الطبقة العاملة برمتها وعيا حادا للمشاكل وللجهود المطلوبة، وهذا التغيير يفترض، من الطبقة العاملة نفسها، عملا تثقيفيا ضخما. فعلى المحراث أن يفلح الأرض عميقا. فأن نحقق المساواة السياسية بين المرأة والرجل في الدولة السوفياتية، فهذه مشكلة من أبسط المشكلات. وأن نحقق المساواة الاقتصادية بين الشغيل والشغيلة في المعمل والمصنع والنقابة. فهذه مشكلة أصعب بكثير. أما أن نحقق المساواة الفعلية للرجل والمرأة داخل الأسرة، فهذا ما هو في غاية التعقيد، وهذا ما يقتضي بذل جهود هائلة لقلب نمط حياة رأسا على عقب. مع ذلك، فإنه لمن الواضح أننا لا نستطيع الكلام جديا عن مساواة الرجل والمرأة في الإنتاج، ولا حتى على الصعيد السياسي، إن لم تتحقق هذه المساواة في الأسرة، ذلك أن المرأة التي تستعبدها الأسرة، والمطبخ، والغسيل، والخياطة، تجد قدراتها على العمل في الحياة الاجتماعية وفي التأثير على حياة الدولة قد تضاءلت وتقلصت إلى أبعد الحدود.

لقد كان الإستيلاء على السلطة أسهل الأمور وأبسطها. بيد أنه شغل قوانا كافة خلال مرحلة الثورة. وقد اقتضى منا تضحيات جسيمة. كذلك استلزمت الحرب الأهلية اجراءات تقشف صارمة. وقد أدانت العقول المبتذلة والبورجوازية الصغيرة وحشية الطبائع والسلوك، والفساد الدموي للبروليتاريا، إلخ. لكن البروليتاريا في الواقع، ومن خلال الإجراءات القسرية التي كانت تفرضها عليها الثورة، كانت تكافح من أجل ثقافة جديدة، من أجل أخلاق انسانية جديدة. وعلى الصعيد الاقتصادي، عرفنا خلال السنوات الأربع أو الخمس الأولى من العهد، مرحلة تدمير وتراجع تام في الإنتاج. وقد رآى أعداؤنا في ذلك، أو بالأحرى أرادوا أن يروا في ذلك، تفسخ النظام السوفياتي. لكن كل ما في الأمر الواقع أننا كنا نمر بمرحلة التدمير التي لا مناص منها لأشكال الاقتصاد القديمة، وبمرحلة المحاولات الواهنة الأولى لخلق بديل لها.

وفي مضمار الأسرة ونمط الحياة، ثمة مرحلة ضرورية أيضا يتم فيها تصديع سائر الأشكال القديمة، التقليدية، الموروثة عن الماضي. غير أن فترة الأزمة والتدمير هذه تأتي متأخرة أكثر، وتدوم أطول، وتكون أشق وأصعب، مع أن أشكالها، المجزأة إلى أقصى حدود التجزئة، لا تبدو دوما مرئية لمن يتفحصها على نحو سطحي. يجب أن نعي بوضوح هذه الصدوع في ميدان السياسة والاقتصاد، وأيضا في مضمار نمط الحياة، وذلك حتى لا تخيفنا الظواهر التي نلمسها، وحتى نقدرها على العكس حق قدرها، أي نفهم لماذا تظهر لدى الطبقة العاملة، وحتى نؤثر عليها على نحو واع ومدرك وباتجاه تشريك أشكال نمط الحياة.

لكن حذار أن نفقد صوابنا، وإن كانت أصوات فزعة قد بدأت ترتفع هنا وهناك. خلال اجتماع محرضي موسكو، أشار بعض الرفاق، بقلق له ما يبرره، إلى السهولة الفائقة التي باتت تتفكك بها أواصر الأسرة القديمة وتنعقد أواصر جديدة لا تفوق الأولى صلابة ومتانة. والأم و الأولاد هم الذين يكابدون بالدرجة الأولى من ذلك. من جهة أخرى، من منا لم يسمع ذلك النغم المكرر حول ” انحطاط ” أخلاق الشبيبة السوفياتية، ولا سيما شبيبة الكومسومول؟ ( [34]) صحيح أن هذه الشكاوي ليست مجرد تخريف، فهي لا تخلو من أساس من الصحة. ونحن إذا ما نظرنا إلى الأمور من منظار نسبي، وجدنا أنه لا بد من النضال من أجل تنمية ثقافة الفرد وشخصيته. لكن لو طرحنا المشكلة على نحو سليم، دون أن ننجر وراء نزعة أخلاقية رجعية أو سوداوية عاطفية لوجدنا أنه ينبغي، قبل أي شيء آخر، أن نعرف الواقع و أن نفهم ما يجري.

كما سبق وذكرنا، إن أحداثا بالغة الخطورة – الحرب والثورة – قد قلبت أوضاع نمط الحياة العائلي. وقد حملت معها الفكر النقدي، وإعادة التنظيم الواعية لعلاقات الأسرة ولنمط الحياة اليومي وتقييما جديدا لها. إن تضافر القوة الميكانيكية لهذه الأحداث الكبرى مع قوة الفكر النقدية هو، على وجه التحديد، ما يفسر في ميدان الأسرة مرحلة التدمير التي نعرفها اليوم. فالعامل الروسي بدأ اليوم فقط، بعد استيلائه على السلطة، يخطو خطواته الأولى على درب الثقافة. وتحت تأثير هزات عنيفة انعتقت شخصيته للمرة الأولى من الأشكال والعلاقات التي يفرضها الروتين، والتقاليد، والكنيسة. فهل من المستغرب أن تأخد بادئ الأمر ثورته الفردية على النظام القديم أشكالا فوضوية، أو بتعبير أكثر فظاظة، أشكالا جامحة، فالتة العنان؟ لقد لاحظنا الشيء نفسه في السياسة، في الاقتصاد وفي الجيش : فوضوية – فردية، تطرف يساري من كل الأنواع، تعصب حزبي، هوس المهرجانات الخطابية. هل من المستغرب أخيرا أن تجد هذه السيرورة تعبيرها الأكثر حميمية، وبالتالي الأكثر إيلاما، في الأسرة؟ هنا تضطر الشخصية المتحررة، الراغبة في بناء حياتها على نحو جديد وليس على نحو تقليدي، تضطر إلى التأكيد على ذاتها عن طريق ” الفجور ” و ” الرذيلة ” وغيرها من الآفات التي أشير إليها خلال اجتماع موسكو.

فالزوج الذي تنتزعه التعبئة العامة من شروط حياته المألوفة، يصبح في الجبهة مواطنا ثوريا. إنه يعيش ثورة داخلية عارمة. ويتوسيع أفقه وتسمو متطلباته الروحية وتصبح أكثر تعقيدا. وها هوذا قد أصبح إنسانا آخر. ويعود إلى أسرته. فإذا بكل شيء فيها قد بقي على حاله. فتضمحل الوحدة العائلية القديمة، لكن دون أن تقوم مكانها وحدة جديدة. ويتحول الإستغراب والذهول من الطرفين إلى استياء، والإستياء إلى غضب، والغضب يؤدي إلى الإنفصال.

الزوج، الشيوعي، يعيش حياة اجتماعية نشطة، فيتقدم ويجد فيها معنى حياته الشخصية. بيد أن الزوجة، الشيوعية هي الأخرى، تود بدورها المساهمة في عمل الجماعة، فتشارك في الاجتماعات، وتعمل في السوفييت أو في النقابة. وتضمحل الأسرة شيئا فشيئا، أو تزول العلاقة العائلية الحميمة وتتزايد الخلافات، الأمر الذي يثير سخطا مشتركا ينتهي إلى الطلاق.

وقد يكون الزوج شيوعيا، والزوجة لاحزبية. عندها ينشغل الزوج كليا بعمله الحزبي، في حين تبقى الزوجة، كما في الماضي، أسيرة الدائرة العائلية. العلاقات بينهما تكون “مسالمة”، أي قائمة على أساس من اللامبالاة المتبادلة. لكن قد يتقرر، داخل الخلية، أن يتخلص الرفاق من الأيقونات التي هي في بيوتهم. ويعتبر الزوج أن الأمر مفروغ منه. غير أن المسألة قد تتحول إلى دراما حقيقية بالنسبة إلى الزوجة. وتأتي هذه المشكلة الفجائية لتكشف عن الهوة الفكرية الشاسعة التي تفصل الزوج عن الزوجة. فتتأزم علاقتهما وينتهيان إلى الإنفصال.

لنتصور الآن أسرة غير حديثة العهد، تجمع بين الزوجين فيها حياة مشتركة تتراوح بين عشرة وخمسة عشر عاما. الزوج عامل مجد، ووالد طيب القلب، والزوجة تحب بيتها وتتفانى من أجل ذويها. وقد تشاء المصادفة أن تتسل بمنظمة نسائية. وعندئذ ينفتح عالم جديد أمامها وتجد فيه مجال عمل أرحب بكثير لإنفاق طاقاتها. لكن في العائلة، يكون الإنهيار. فالزوج يغضب، والزوجة تعتبر نفسها قد أهينت في كرامتها كمواطنة. وينتهي الأمر إلى الطلاق.

نستطيع أن نضاعف إلى ما لا نهاية عدد المآسي العائلية هذه التي تؤدي دوما إلى النتيجة إياها – إلى الطلاق. بيد أننا اكتفينا هنا بالإشارة إلى الأمثلة الأكثر رواجا. والقاسم المشترك بينها هو خط الفصل ذاك بين العناصر الشيوعية والعناصر اللاحزبية. غير أن انحطاط الأسرة ( الأسرة القديمة ) لا ينحصر فقط بالعناصر الطليعية للطبقة العاملة، الأكثر تحسسا بالظروف الجديدة، فهو يذهب إلى أعمق من ذلك بكثير. كل ما في الأمر أن الطليعة الشيوعية تجرب قبل غيرها، وعلى نحو أكثر حدة، ما ستعاني منه بهذا القدر أو ذاك من الحتمية الطبقة برمتها. وهذه الظواهر – إعادة النظر في الحياة الشخصية، متطلبات جديدة على صعيد الأسرة – تتجاوز طبعا حدود مجال اتصال الحزب الشيوعي بالطبقة العاملة. وما كان اقرار الزواج المدني إلا ليسدد ضربة قاصمة للأسرة القديمة المكرسة من قبل الكنيسة، والتي لم تكن أكثر من واجهة. وكلما كانت العلاقات واهنة، كانت وحدة الأسرة تقتصر على المظهر الخارجي، اليومي، والطقسي إلى حد ما، لتلك العلاقات. وبالقضاء على الطقوس، تم في الوقت نفسه تسديد ضربة قاسية إلى الأسرة. فالطقوسية، الخالية من كل مضمون موضوعي، والمفتقرة إلى اعتراف الدولة بها، ما عادت تحافظ على نفسها إلا بقوة عطالتها، وهي تستخدم كعكاز للأسرة التقليدية. لكن إن لم تتوفر العلاقات المتينة داخل الأسرة نفسها، وإن كان تماسك هذه الأخيرة لا يعتمد إلا على قوة العطالة والجمود، فإن كل ضربة توجه إليها من الخارج قادرة على تحطيمها بالقضاء على طابعها الطقسي. والواقع أن الضربات التي تتلقاها الأسرة في عصرنا هذا قد فاقت كل ما نالته حتى الآن. لهذا نراها تترنح، ولهذا نراها تتصدع وتتساقط، ولهذا نراها تعيد تكوينها من جديد لتتفكك مرة أخرى ومن جديد. وقد خضع نمط الحياة لتجربة قاسية نتيجة هذا النقد الصارم والمؤلم للأسرة. لكن ” لا يمكن صنع عجة من دون كسر البيض ” كما يقول المثل.

هل نشهد ظهور عناصر أسرة من طراز جديد ؟ دون أدنى شك.

بيد أنه يجب أن نكون لأنفسنا فكرة واضحة عن طبيعة هذه العناصر وطريقة تكونها. وينبغي أن نميز هنا، إسوة بما نفعل في ميادين أخرى، بين الشروط المادية والشروط النفسية، أو بالأحرى الشروط الذاتية. على الصعيد النفسي، فإن ظهور أسرة من طراز جديد وعلاقات إنسانية جديدة يساوي بالنسبة إلينا، بشكل عام، التقدم الثقافي للطبقة العاملة، وتطور شخصيتها، وتحسن حاجاتها وانضباطها الداخلي. ومن وجهة النظر هذه فإن الثورة تشكل، بحد ذاتها، خطوة جبارة إلى الأمام، والظواهر المكدرة لتفكك الأسرة ليست سوى تعبير مؤلم عن يقظة الطبقة العاملة وتفتحها. لذا فإن مجمل عملنا الثقافي – العمل الذي نقوم به، وبخاصة الذي يتوجب علينا القيام به – يجب أن يخدم قضية إقامة أسرة وعلاقات من طراز جديد. لكن هذه الأسرة الجديدة العليا، لن ترى النور ما لم يتم تحسين السوية الثقافية الفردية للعامل وللعاملة، ذلك أنه في هذا المجال لا بد من الإعتماد على الإنضباط الداخلي وحده، إذ ليس ثمة مكان للإكراه الخارجي. وتتحدد قوة هذا الإنضباط الشخصي بالحياة التي يعيشها الزوجان داخل نطاق الأسرة، وبمجمل العلاقات التي تجمع بينهما، وبطبيعتها. مرة أخرى نعود فنقول أن شروط ظهور نمط حياة جديد وأسرة من الطراز الجديد لا يمكن أن تنفصل عن مهمة البناء العام للاشتراكية. لذا ينبغي أن تغتني الحكومة العمالية حتى يصبح في مقدورها أن تنظم، على نحو جدي ومتكامل، تربية الأطفال الجماعية، وأن تحرر الأسرة من الطبخ والغسيل. وتشريك الاقتصاد العائلي وتربية الأطفال يبقى غير وارد ما لم يغتن اقتصادنا برمته. فنحن بحاجة إلى التراكم الاشتراكي. بهذا الشرط فقط نستطيع أن نحرر الأسرة من الوظائف والمشاغل التي ترهقها وتحطمها. الغسيل مثلا يجب أن يرسل إلى مغسل جماعي. ووجبات الطعام يجب أن تؤخذ في مطعم جماعي جيد. والثياب يجب أن تفصل في ورشة عمل. أما الأولاد فيشرف على تربيتهم أخصائيون ممتازون ينحصر عملهم في ذلك. عندها لن يعيق علاقات الزوج والزوجة ما هو خارجي عنها، ما هو زائد وفائض، وعابر. ويكف كل واحد منهما عن تنغيص حياة الآخر. عندها فقط نشهذ ظهور مساواة فعلية في الحقوق. وتمسي الروابط متحددة بالإنجذاب المتبادل فقط. ولهذا السبب بالذات تصبح هذه الروابط أكثر متانة، مختلفة طبعا بالنسبة للزوجين، ولكن لا أثر للإكراه فيها.

ثمة طريقة مزدوجة إذن تقود إلى الأسرة الجديدة : أ- تربية الطبقة وتربية الفرد في الطبقة، ب- الإغتناء المادي للطبقة التي تشكل الدولة. وهاتان الأواليتان وثيقتا الإرتباط فيما بينهما.

إن ما تقدم قوله لا يعني على الإطلاق أنه في لحظة محددة من التطور المادي ستظهر إلى حيز الوجود على نحو مفاجئ وفوري هذه الأسرة الجديدة. كلا، فتكوّن العائلة الجديدة ممكن منذ الآن. صحيح أن الدولة لا تستطيع بعد التعهد بتربية الأطفال الجماعية، وبإنشاء مطابخ جماعية تكون أفضل من المطابخ العائلية، وبإيجاد مغاسل جماعية لا يتعرض فيها الغسيل للتمزيق والسرقة. لكن هذا لايمنع الأسر الأكثر تقدمية من أن تبادر إلى التجمع منذ الآن على أساس جماعي. لا ريب في أن تجارب كهذه لا بد أن تتم بحذر شديد كي تتناسب الوسائل التقنية للتنظيم الجماعي مع مصالح ومتطلبات المجموعة، وكي تتحقق لسائر أعضائها فوائد واضحة، وإن تكن ضئيلة في المراحل الأولى.

حول إعادة بناء نمط حياتنا العائلي، كان الرفيق سماشكو ( [35]) قد كتب قبل فترة من الزمن: ” يجب أن نقرن الكلمة بالفعل، إذ لن نحصل على شيء يذكر فيما لو اكتفينا بتسجيل المواقف أو بالعمل الدعائي. فإن برهانا واحدا، تجربة واحدة، يمارسان تأثيرا أقوى من ألف كراس مثقن الكتابة، والوسيلة المثلى لإنجاح هذه الدعاية هي استخدام تلك الطريقة التي يطلقون عليها إسم “إعادة الزرع ” في ميدان العمل الجراحي. فعندما ينسلخ الجلد عن مساحة كبيرة من الجسم ( نتيجة جرح أو حرق ) وعندما يتلاشى الأمل في أن يغطي الجلد من جديد هذه المساحة، يلجأ الجراحون إلى قص قطع من الجلد من موضع سليم من الجسد و إلى إلصاقها بالموضع المسلوخ، وينزرع الجلد وتمتد رقعه الصغيرة وتكبر إلى أن تغطي تماما المساحة المنزوع جلدها .

” وسوف تتم الأمور على نحو مماثل مع هذه الدعاية الإثباتية : فإذا ما جرى تبني نمط الحياة الشيوعي في معمل أو مصنع ما، فإن منشآت أخرى ستسير على هذا المنوال “. (أخبار اللجنة المركزية، العدد رقم 8، 4 نيسان 1923. ن. سماشكو: الميت يقبض على الحي).

إن تجربة هذه الجماعيات العائلية التي تشكل محاولة تقرب أولية، وإن ناقصة، من نمط الحياة الشيوعي، يجب أن تخضع لدراسة ولتحليل دقيقين. والسلطة مطالبة، قبل سائر المجالس والمؤسسات الاقتصادية، بتقديم دعمها لهذه المبادرات الجزئية. فبناء المساكن مثلا – ذلك أنه لا بد أن نباشر أخيرا ببناء البيوت! – يجب أن يخطط له وفق مقتضيات المجمعات العائلية. فالنجاحات الأولى، الواضحة والأكيدة، في هذا المجال من شأنها أن تحفز لا محالة شرائح أوسع على تنطيم نفسها على نحو مماثل. أما في ما يتعلق بمبادرة مخطط لها وآتية من فوق، فإن الأمور لم تنضج بعد بما فيه الكفاية، لا من حيث طاقات الدولة المادية، ولا من حيث استعداد البروليتاريا نفسها. وحاليا لا يمكن لهذه القضية أن تنطلق إلا بإنشاء مجمعات تجريبية. فالثقة بالنفس لن تأتينا إلا بالتدريج، أي دون أن نجازف بالإندفاع إلى أبعد مما ينبغي وبالسقوط بين براتن البيروقراطية العجيبة الغريبة. أما الدولة فستتكفل بهذه القضايا عندما يحين الأوان، بواسطة المجالس المحلية، والتعاونيات،إلخ، فتعمم العمل الذي يكون قد تم إنجازه وتطوره وتعمقه. بهذه الطريقة ستنتقل البشرية، كما يقول إنجلز، ” من ملكوت الضرورة إلى ملكوت الحرية”.

(7) الأسرة والطقوس

ثمة لحظات ثلاث أساسية وطقوسية في حياة الإنسان والأسرة، تتوسل بها الكنيسة لتشد العامل إلى غلها، حتى ولو كان غير مؤمن أو ضعيف الإيمان، وهي : الولادة، والزواج، والوفاة. وقد حادت الحكومة العمالية عن طقوسية الكنيسة، وشرحت للمواطنين أن لهم كل الحق في أن يولدوا، ويتزوجوا، ويموتوا دون اللجوء إلى الشعائر السحرية لأولئك الذين يرتدون المسوح أو غيرها من الملابس الكهنوتية. بيد أن التخلي عن الطقوس أصعب بكثير بالنسبة إلى نمط الحياة منه إلى الحكومة. فحياة الشغيلة رتيبة أكثر مما ينبغي ( متماثلة أكثر مما ينبغي )، ورتابتها وحدها كفيلة بإنهاك الجهاز العصبي. من هنا الحاجة إلى الكحول : ففي زجاجة صغيرة عالم من الصور. من هنا أيضا الحاجة إلى الكنيسة بطقوسيتها. فكيف يحتفل بزواج أو بميلاد داخل الأسرة ؟ كيف يكرم قريب لاقى حتفه ؟ هذه الحاجة إلى التأكيد على مراحل الحياة الرئيسية، إلى الإحتفال بها وتجميلها، هي الركيزة التي تعتمد عليها طقوسية الكنيسة.

لكن بمَ نواجهها ؟ صحيح أننا نقابل الخرافات التي هي قاعدة الطقوسية بالنقد الماركسي، وبعلاقة موضوعية بالطبيعة وقواها. بيد أن هذا الإعلام العلمي والنقدي لا يحل المشكلة : فهو أولا لم يطل بعد – ولن يطال لفترة طويلة من الزمن – سوى أقلية من الناس، وهذه الأقلية، ثانيا تشعر هي الأخرى بحاجة إلى تجميل، وترقية، وتعظيم حياتها الشخصية، في اللحظات الهامة على الأقل.

لقد باتت للدولة العمالية أعيادها، ومواكبها، واستعراضاتها العسكرية، واحتفالاتها، وعروضها الرمزية، وأبهتها المسرحية. صحيح أن هذه الأخيرة تذكر إلى حد بعيد بمسرحية الماضي، وتقلدها، بل لا تعدو أحيانا أن تكون استمرارا لها. غير أن جوهر الرموز الثورية جديد، واضح وقوي : العلم الأحمر، المنجل والمطرقة ، النجم الأحمر، العامل والفلاح، الرفيق، والأممية. والحال أن هذه الرموز الجديدة تكاد تكون منعدمة الوجود داخل الخلية العائلية المنطوية على ذاتها، أو على الأقل ضعيفة التأثير. علما بأن حياة الفرد مرتبطة على نحو وثيق بحياة العائلة. هذا ما يفسر أن الغلبة في الأسرة، على صعيد العلاقات اليومية، هي للعناصر الأكثر محافظة، فهي تبقي على الأيقونات، وعلى العماد، وعلى المآثم الدينية، لأن العناصر الثورية في الأسرة لا تجد ما تعارضها به. فالحجج النظرية لا تؤثر إلا على العقل، في حين أن الطقوسية المسرحية تؤثر على المشاعر والمخيلة، وتأثيرها بالتالي أعظم بكثير. لذلك ينبغي، حتى في الوسط الشيوعي نفسه، معارضة هذه الطقوسية القديمة بأشكال جديدة، برموزية جديدة، وذلك لا على الصعيد الرسمي فحسب حيث تأصلت على نحو واسع، وإنما أيضا على صعيد الأسرة. فثمة نزعة لدى العمال للإحتفال بعيد الميلاد، لا بعيد القديس، ولإعطاء الطفل الوليد، لا إسم قديس، بل إسما جديدا يرمز إلى وقائع وأحداث وأفكار قريبة منهم. لقد علمت للمرة الأولى مثلا، أثناء اجتماع محرضي موسكو، أن اسم اكتوبرين قد أصبح شائعا بالنسبة إلى الفتيات. وقد ذكر كذلك إسم نينيل ( لينين بالمقلوب ) وريم ( إسم مركًّب من الأحرف الأولى لكلمات ثورة وكهرباء وسلم في الروسية ). وقد بات الناس، تأكيدا منهم على تعلقهم بالثورة وارتباطهم بها، يطلقون على أولادهم أسماء فلاديمير، وإيليتش، بل لينين أيضا. وكذلك روزا ( إكراما لروزا لوكسمبورغ ) إلخ. في بعض الأحيان يعقب الولادة طقس لا يخلو من روح دعابة : فلجنة المعمل تتولى ” فحص ” الوليد، ثم تحرر ” بيانا ” تؤكد فيه أن الوليد أصبح مواطنا سوفياتيا. بعد ذلك ينتقل الجميع إلى مائدة الطعام.

إن دخول الطفل إلى المدرسة قد يكون في بعض الأحيان مناسبة احتفال لدى الأسر العمالية. وهذا حدث هام للغاية في الواقع، لأنه يرتبط باختيار مهنة، وخط في الحياة. ويمكن أن تتدخل النقابة هنا بروية، ذلك أن النقابات على وجه التحديد هي التي ستشرف، في المرتبة الأولى، على خلق وتنظيم أشكال نمط الحياة الجديد. لقد كانت أخويات القرون الوسطى عظيمة الشأن، لأنها كانت تطوي تحت جناحيها حياة التلميذ والمتمرن والمعلم. فقد كانت تهتم بالطفل منذ لحظة ولادته، تم تقوده إلى أمام المذبح يوم قرانه، ثم تدفنه عندما ينتهي من إنجاز مهمته. ولم تكن الأخويات تقصر عملها على تجميع أهل المهنة الواحدة، بل كانت تنظم نمط الحياة برمته. إن نشاط نقاباتنا سيتطور في هذا الإتجاه على الأرجح، مع فارق أكيد : فإن نمط الحياة الجديد، بخلاف نمط القرون الوسطى، سيكون متحررا تماما من الكنيسة وخرافاتها، وقائما على الرغبة في استغلال كل فتح علمي وتقني لإغناء حياة الإنسان وتجميلها.

إن الزواج قد يستغني بسهولة أكبر عن الإحتفالات علما بأن حالات عديدة من ” سوء التفاهم ” والفصل من الحزب قد وقعت بسبب عقد القرانات في الكنيسة. ذلك أنه يصعب على نمط الحياة التكيف مع الزواج البسيط الذي لا تجمله أي أبهة مسرحية.

لكن يبقى الدفن مصدر المتاعب الأعظم. فإن دفن ميت دون تلاوة صلاة عليه شيء مألوف، غريب ومخجل كتنشئة طفل لم يعمد. وفي الحالات التي يرتدي فيها المأتم طابعا سياسيا، بسبب مكانة الميت، فإن طقوسية جديدة، مسرحية، متشبعة بالرموز الثورية، بدأت تفرض نفسها : الأعلام الحمر تعلق، والنشيد المأتمي الثوري يعزف، والرصاص يطلق حزنا على الراحل. لقد نوه بعض المشاركين في اجتماع موسكو بأهمية الترميد، واقترحوا، على سبيل المثال، حرق جتث الثوريين البارزين، الأمر الذي من شأنه أن يشكل وسيلة كفاح قوية ضد الكنيسة. لكن الترميد، الذي آن الأوان للجوء إليه، لا يعني التخلي عن المواكب، والخطب، والألحان المأتمية والرشقات النارية. فالحاجة إلى التعبير عن المشاعر حاجة قوية و مشروعة.

إذا كانت الأبهة المسرحية لنمط الحياة وثيقة الإرتباط بالكنيسة في الماضي، فهذا لا يعني على الإطلاق أن الفصل بينهما أمر مستحيل كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. فالفصل بين المسرحية والكنيسة قد حصل في الواقع قبل الفصل بين الكنيسة والدولة. لقد حاربت الكنيسة، في العصور الأولى، المسرح ” العمومي ” لأنها كانت تعتبره عن حق منافسا خطيرا لعروضها المسرحية. وإن كان المسرح قد بقي على قيد الحياة فإنما كعرض خاص، سجين أربعة جدران. أما على صعيد الحياة اليومية، فإن الكنيسة قد إحتفظت، شأنها في الماضي، باحتكار الإخراج المسرحي. ولقد نافستها في هذا المضمار بعض الجمعيات السرية كالماسونية. غير أنها كانت هي الأخرى مشبعة إلى أقصى حد بنوع من المظهرية التقوية الدنيوية. بإمكاننا خلق ” طقوسية ” ثورية على مستوى نمط الحياة ( نستخدم كلمة ” طقوسية ” لعدم توفر عبارة أفضل )، ومحاربة طقوسية الكنيسة الكنيسة بواسطتها، لا فيما يتعلق بالأحداث الجماعية الطابع فحسب، وإنما الأحداث العائلية أيضا. فالأوركسترا التي تعزف لحنا مأتميا تستطيع في معظم الأحيان أن تنافس القداس. وعلينا بكل تأكيد أن نستغل هذه الأوركسترا لنحارب طقوسية كنيسة قائمة على أساس إيمان خانع بعالم آخر، عالم يعوضنا بمئات الأضعاف عما عانينا من شر الدنيا وبؤسها. وستكون السينما أعظم فائدة أيضا بالنسبة إلينا في هذا المضمار.

نمط الحياة هذا، والأبهة المسرحية الجديدة هذه، لن يتطورا إلا بالتوازي مع تقدم محو الأمية والرفاهية المادية. عديدة هي الأسباب التي تحثنا على مراقبة هذه الاوالية بفائق الإهتمام. ولا بد من أن نستبعد أولا فكرة تدخل قسري آت من فوق، أي بقرطة الظواهر الجديدة لنمط الحياة. فوحده الخلق الجمالي للجماهير العريضة، يؤازره إبداع الفنانين وخيالهم الخلاق ومبادراتهم، قادر على أن يقودنا بالتدريج، خلال السنوات والعقود القادمة، على طريق أشكال الحياة الجديدة، الأكثر نبلا وروحية، والمشبعة بالأبهة المسرحية الجماعية. وعلينا، منذ الآن، أن نسخر سائر الوسائل لمساعدة هذه السيرورة الخلاقة على التطور والنمو، دون أن نعمد مع ذلك إلى تنظيمها وضبطها. ومن أجل ذلك لا بد أن نبدأ بإعادة النظر إلى هذا الأعمى الذي هو نمط الحياة. يجب أن ندرس بتأن كل ما يجري في الأسرة العمالية، وفي الأسرة السوفياتية عامة. فكل جديد، كل جنين، أو حتى كل إشارة إلى هذه الأشكال الجديدة، يستحق أن يرد ذكره في الصحف وأن يطلع عليه الجميع، بغية ايقاظ الإهتمام والخيال الخلاق وإعطاء دفع جديد لعملية الخلق الجماعي لنمط الحياة الجديد.

وهذه مهمة الكومسومول في المرتبة الأولى. صحيح أن كل ما نكون قد تخيلناه أو باشرنا بتحقيقه لن يعطينا نتيجة نهائية بالضرورة. لكن أي شر في ذلك ؟ فالخيارات لا بد أن تتم بالتدريج. والحياة الجديدة ستوجد الأشكال التي تناسبها. وبالإجمال ستكون أغنى، وأفضل، وأرحب، وأجمل وأزهى. وذلك هو على وجه التحديد لب المشكلة.

(8) المجاملة والتهذيب كشرطين ضروريين لعلاقات منسجمة

خلال إحدى جلساتنا النقدية العديدة نوه الرفيق كيسليف، رئيس السوفناركوم، أو على الأقل ذكًّرنا بجانب بالغ الأهمية من قضية جهاز الدولة. وكان المطلوب معرفة كيف وبأي طريقة يتصل هذا الجهاز بالناس، كيف ” يناقش ” معهم، كيف يستقبل الزوار ” المشتكين “، والملتمسين، كيف ينظر إليهم، كيف يحدثهم، وهل يعقد الحوار معهم في سائر الظروف… فذلك أيضا جانب هام ل”نمط الحياة”.

من جهة أخرى ينبغي التمييز هنا بين أمرين : الشكل والمضمون.

في سائر الأنظمة الديموقراطية المتحضرة تكون البيروقراطية ” في خدمة ” الشعب طبعا، وهذا لا يمنعها من أن تشكل، فوق الشعب، طبقة مهنية مغلقة وثيقة التلاحم. وإذا كانت البيروقراطية “تقدم” فعلا “خدماتها” إلى وجهاء الرأسمالية وعظمائها، أي تزحف أمامهم، فهي بالمقابل تقف موقف التعالي والإزدراء تجاه الفلاح والعامل، وتعاملهما وكأنهما أشياء ( هذا صحيح بالنسبة إلى فرنسا وأميركا وسويسرا على حد سواء ). لكن هنالك، في الديمقراطيات ” المتحضرة “، يتم تغليف ذلك بالتهذيب واللطف – وقد يكون هذا الغلاف أوضح في بلد، وأقل ظهورا في آخر. لكن كلما اقتضت الحاجة ( وقد يحصل ذلك يوميا )، فإن قبضة الشرطي تفقأ بلا أي صعوبة حجاب التهذيب هذا. ففي مراكز الشرطة في باريس ونيويورك وغيرها من المدن الكبرى يتعرض المضربون عن العمل للضرب. وبالإجمال، فإن التهذيب ” الديمقراطي “، الرسمي، والذي يوجه علاقات البيروقراطية مع الشعب هو نتاج الثورة البورجوازية ونتيجتها : فاستغلال الإنسان للإنسان مايزال قائما، لكن شكله هو الذي تغير، فقد أضحى أقل ” فظاظة “، وتفلح بمظاهر المساواة، وتدثر ببريق حسن السلوك واللياقة.

إن جهاز البيروقراطية السوفياتية معقد على نحو خاص، فهو يحمل في طياته عادات عصور مختلفة، وكذلك بذور العلاقات الإنسانية المستقبلية. التهذيب، بشكل عام، منعدم الوجود عندنا. بالمقابل، لدينا أكثر من حاجتنا بكثير من تلك الفظاظة الموروثة عن الماضي. لكن هنا أيضا لا تكون الفظاظة دوما واحدة، فهنالك الفظاظة المحضة، فظاظة الموجيك ( [36])، إنها تفتقر طبعا للنعومة، غير أنها لا تجرح ولا تذل. هذه الجلافة تصبح لا تطاق، وموضوعيا رجعية، عندما يستخدمها أدباؤنا الشباب لتحقيق فتح ” فني ” مزعوم. والشغيلة الطليعيون يعادون حتى النهاية هذا الضرب من الجلافة الكاذبة، لأنهم يرون عن حق في جلافة الكلام والسلوك بقايا عبودية، ويرغبون في أن يجعلوا من لغة الثقافة، مع ما تفرضوا من اكراهات، لغتهم. لكي أقول ذلك عابرا…

إلى جانب هذه الفظاظة التبسيطية، غير المتميزة، الفلاحية، والسلبية إذا ما صح التعبير، هنالك جلافة ” ثورية ” خاصة – جلافة الطليعة – الناجمة عن التململ ونفاذ الصبر، عن التحرق إلى القيام بما هو أفضل، عن الغيظ الذي تثيره في نفسها نزعتنا ” الأوبلوموفية ( [37])”، وأيضا عن التوتر العصبي. هذه الجلافة بحد ذاتها تفتقر هي الأخرى طبعا إلى النعومة، ونحن نحاربها. لكنها في الواقع غالبا ما تنهل من ذلك الينبوع الثوري الذي حرك الجبال من مكانها أكثر من مرة خلال الأعوام الأخيرة. وليس المطلوب هنا تغيير جوهر الأمور، لأنه سليم في معظم الأحيان، وأنما فقط شكلها القاسي والجلف…

لكن عندنا أيضا – وهنا نقطة ضعفنا – نمطا آخر من الجلافة، جلافة سلفية، جلافة الغني، النبيل، التي تأتينا من أيام العبودية والمشبعة بدناءة كريهة. هذه الجلافة لم تختف بعد، وليس من السهل التخلص منها. في مؤسسات موسكو، ولا سيما الهامة منها، لا يظهر تعالي السيد هذا بشكله الصدامي – فليس من يزعق ويلوح بيديه أمام مقدِّمي الإلتماسات – لكنه يأخذ في معظم الأحيان مظهر النزعة الشكلية اللاإنسانية. وإن لم تكن هذه النزعة المصدر الوحيد ” للبيروقراطية والبطء الإداري “، فهي واحد من عواملها الأساسية : لا مبالاة مطلقة بالأفراد وبعملهم. ولو كان بإمكاننا أن نسجل على شريط حساس للغاية الإستشارات، والأجوبة، والشروح، والأوامر، والتوجيهات التي تعطى في سائر دوائر مؤسسة بيروقراطية في موسكو خلال يوم واحد، لحصلنا على مجموعة من الوثائق الدامغة، والأمر أسوأ بعد في الأقاليم، وبخاصة حيث تتصل المدينة بالريف. إن النزعة البيروقراطية ظاهرة بالغة التعقيد، غير متجانسة على الإطلاق. إنها في الواقع تركيبة من الظواهر، من الإواليات العديدة التي ظهرت في لجظات تارخية مختلفة. والأسباب التي تعزز وتغدي البيروقراطية متنوعة بدورها. ويحتل جهلنا، وتخلفنا، وغباوتنا مكانة الصدارة بينها. والإختلال العام لجهازنا الحكومي، الذي يعاد بناؤه باستمرار ( وهذا أمر محتم في المرحلة الثورية)، يتسبب في خلق خلافات عديدة تساعد على نمو النزعة البيروقراطية. وفي هذه الظروف، على وجه التحديد، يبرز التنافر الاجتماعي للجهاز السوفياتي، وبخاصة عاداته المولوية والبورجوازية، في أبشع أشكالها وأكثرها تنفيرا.

من هنا فإن النضال ضد النزعة البيروقراطية لا بد أن يرتدي بدوره طابعا متنوعا. في البداية يجب الإنطلاق من محاربة الجهل، والغباوة، والقدارة والبؤس. إن التحسين التقني للجهاز البيروقراطي، وضغط الكوادر، والمزيد من الدقة والصرامة والإنتظام في العمل، وغيرها من الإجراءات التي هي من هذا القبيل، أمور قد لا تحل المشكلة التاريحية للنزعة البيروقراطية، غير أنها تسمح بالمقابل بالتخفيف من حدة أكثر مظاهرها سلبية. إن تكوين ” بيروقراطية ” سوفياتية من طراز جديد، وتأهيل ” الأخصائيين “، شيء بالغ الأهمية. وبالمناسبة، يستحسن ألا نقلل، في هذه المرحلة الإنتقالية – نظرا إلى العادات الموروثة عن الماضي – من صعوبة تأهيل عشرات الآلاف من الشغيلة الجدد على أسس جديدة، أي بروح حس العمل، والبساطة، والإنسانية. إنها مهمة صعبة، لكنها ليست مهمة مستحيلة، كل ما في الأمر أنها لن تنجز دفعة واحدة، وإنما بالتدريج، وبفضل تخريج ” دفعات ” أفضل فأفضل من الشغيلة السوفييت الشباب.

هذه الإجراءات المفروض تطبيقها على المدى البعيد لا تلغي بأي حال ضرورة كفاح مباشر، يومي، وشرس ضد تلك الوقاحة البيروقراطية، ضد الإزدراء الإداري بالفرد وبشؤونه، ضد عدمية البيروقراطي التي تخفي إما لا مبالاة مطلقة تجاه سائر الأمور، وإما جبنا وعجزا عن الإعتراف بالقصور، وإما رغبة واعية في التخريب، وإما أيضا حقدا عضويا للطبقة المخلوعة على الطبقة التي طردتها من مكانها. وهنا تكمن إحدى نقاط الإرتكاز الأساسية لعتلة الثورة.

يجب أن يكف الإنسان البسيط، الشغيل الوضيع، عن التخوف من المؤسسات الإدارية التي قد يلجأ إليها أحيانا، وعن التهيب منها. وبقدر ما يكون مدقعا أي نكرة وجاهلا، تكون هذه المؤسسات مطالبة بايلائه المزيد من الإهتمام والرعاية. المطلوب منها العمل على مساعدته لا التخلص منه. ومن أجل ذلك لا بد، إلى جانب سائر الإجراءات الأخرى، من إطلاع الرأي العام باستمرار على المشكلة، وإشراكه فيها على أوسع نطاق، ولا بد بشكل خاص من أن تحظى هذه المشكلة باهتمام سائر العناصر السوفياتية الصادقة، الثورية، والشيوعية. وهذه العناصر عديدة لحسن الحظ : إن جهاز الدولة يرتكز إليها، وهو يتقدم بفضلها.

” تستطيع الصحافة أن تلعب في هذا المضمار دورا حاسما للغاية “

لكن صحفنا مع الأسف لا تقدم بشكل عام إلا مواد تربوية محدودة للغاية فيما يتعلق بنمط الحياة. وإذا ما أوردت خبرا فإنما على شكل تقارير رتيبة في معظم الأحيان. فقد نطالع فيها مثلا : يوجد مصنع، المصنع الفلاحي، ولهذا المصنع لجنة ومدير: اللجنة تقوم بعملها كلجنة، والمدير يقوم بعمله كمدير، إلخ. علما بأن حياتنا تعج بالأحداث، والنزاعات، والتناقضات الظاهرة، ذات الفائدة التعليمية، وبخاصة في المجالات التي يتصل فيها جهاز الدولة بالشعب. والمطلوب فقط من صحفيينا أن يشمروا بشجاعة عن سواعدهم ويباشروا بالعمل… من نافل القول أن عمل التثقيف والكشف عن الحقائق هذا لا بد أن يأتي بريئا تماما من كل نميمة ودسيسة واتهام مجاني لا أساس له من الصحة، ومن كل تلاعب وديماغوجية. هذا العمل ضروري وحيوي، شرط أن ينفذ على نحو صحيح، وعلى المسؤولين في الصحف، في نظري، أن ينظروا في طرق إنجازه. إننا نحتاج، من أجل ذلك، إلى صحفيين يجمعون بين الحذاقة الأمريكية والنزاهة السوفياتية. وهذا النوع من الصحفيين موجود عندنا. وسوف يساعدنا الرفيق سوسنوفسكي على تعبئتهم. وعلى مذكرات مهماتهم يجب أن تكتب العبارة التالية ( دون أن يكونوا أمثال قوزما بروتكوف ) : إذهب إلى نهاية الأمور!

ويمكن أن تأخذ ” رزنامة ” كفاحنا الشكل التالي : إذا ما استطعنا، خلال الأشهر الستة القادمة، أن نفضح – بدقة ونزاهة وبعد التأكد مرتين أو ثلاثا من صحة أقوالنا – ما يقارب من مئة بيروقراطي يدللون على ازدراء مطلق بجماهير الشغيلة، وإذا ما فصلنا هؤلاء البيروقراطيين عن جهاز الحزب وقطعنا عليهم طريق العودة إليه، وذلك بعد أن نكون قد كشفنا أمرهم في سائر أرجاء البلاد، بل أقمنا لهم محاكمة علنية، فهذه ستكون بداية حسنة دون أدنى ريب. يجب ألا نتوقع المعجزات السريعة طبعا. لكن عندما يكون الأمر متعلقا بإحلال الجديد مكان القديم، فإن للخطوة الصغيرة إلى الأمام قيمة أكبر من أطول المناقشات وأكثرها إسهابا.

(9) يجب أن نناضل من أجل تهذيب أسلوبنا

لقد تقرر، خلال اجتماع عام في مصنع أحذية ” كومونة باريس “، وضع حد لفظاظة الأسلوب ومعاقبة الذين يتلفظون ب ” كلمات نابية “، إلخ.

بالمقارنة مع ” كلمات ” اللورد كورزون ( [38])، الذي لا نستطيع بعد أن ننزل به عقابا، فإن القرار الذي إتخذته الجمعية العامة لمصنع الأحدية قد لا يعدو حدثا صغيرا في دوامة عصرنا، بيد إنه حدث له دلالاته. ولن يأخذ كامل أهميته إلا بمقدار ما تخلفه هذه البادرة من أصداء.

إن جلافة الأسلوب – الجلافة الروسية بشكل خاص – موروثة عن عهد العبودية، والإذلال، واحتقار الكرامة الإنسانية لدى الآخرين ولدى الذات. ويجب أن نسأل فقهاء اللغة وعلماءها والمختصين في الشؤون الفولكلورية إن كانت توجد في الأقطار الأخرى جلافة منفلتة، منفرة، ومزعجة، كالتي عندنا. وعلى حد علمي، ليس ثمة مرادف لجلافتنا في الخارج. لقد كانت الجلافة لدى الطبقات الشعبية تعبر عن اليأس، وعن الغضب، وأيضا، وقبل أي شيء آخر، عن وضع عبودية لا أمل فيه ولا مخرج منه. لكن هذه الجلافة كانت لدى الطبقات العليا، في فم سيد مالك أو مفتش عقاري، تعبر عن التفوق الطبقي، عن حق لا جدل حوله في إستعباد البشر. يقولون عن الأمثال أنها تعبر عن الحكمة الشعبية، لكنها تعبر أيضا عن الجهل، والأفكار المسبقة والعبودبة. فثمة مثل روسي قديم يقول ” الكلمة النابية تنسى بسرعة “، وهذا المثل لا يعكس فقط العبودية، وإنما أيضا تقبلها السلبي. وثمة نمطان للجلافة – جلافة السادة والموظفين والبوليس، وهي جلافة متخمة وبذيئة، وأخرى جائعة ويائسة – قد لونا الحياة الروسية بلونهما المنفر. وقد ورثتهما الثورة، كما ورثت أشياء عديدة أخرى.

بيد أن الثورة هي قبل أي شيء آخر يقظة الشخصية الإنسانية لدى طبقات كانت، فيما مضى، تفتقر إليها كليا. وعلى الرغم من قساوة أساليبها وشراستها الدموية، فإن الثورة هي قبل أي شيء يقظة الحس الإنساني. فهي تسمح بالتقدم، وبمنح قدر أكبر من الإهتمام للكرامة الذاتية ولكرامة الآخرين، وبمساعدة الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة. فالثورة لن تكون ثورة إن لم تعمل، بكل قواها ووسائلها، على مساعدة المرأة المستلبة مثنى وثلاث ورباع على التقدم ذاتيا واجتماعيا. والثورة لن تكون ثورة ما لم تعر الأطفال بالغ الإهتمام: فهم المستقبل الذي باسمه تتم وتتحقق. فهل نستطيع أن نشيد – ولو على نحو مجزأ ومحدود – حياة جديدة قائمة على الإحترام المتبادل، على احترام الذات، على حق المرأة في المساواة، على اهتمام حقيقي بالأطفال، في جو يدوي فيه ويهدر وينفجر أسلوب السادة والعبيد والاجلاف، هذا الأسلوب الذي لم يوفر قط لا الأشياء ولا الأشخاص؟ إن الثقافةالروحية تحتاج إلى مكافحة جلافة الأسلوب وفظاظته حاجة الثقافة المادية إلى مكافحة القذارة والقمل.

وليس من السهل على الأخلاق القضاء على هذه الإباحية اللغوية لأن جذورها ليست في الكلمة بحد ذاتها، وإنما في النفسية وفي نمط الحياة. لا ريب في أن محاولات مصنع “كومونة باريس” تستحق منا كل التشجيع، لكن علينا أن نتمنى للقائمين عليها الصبر والمثابرة، لأن العادات النفسية التي تنتقل من جيل إلى آخر، والتي تتأثر بها أجواؤنا حتى اليوم، ليست سهلة الإستئصال. فغالبا ما نعقد العزيمة على تحقيق التقدم بأي ثمن كان، لكننا نرهق أنفسنا لنستسلم في نهاية المطاف تاركين الأمور على ما كانت عليه من قبل.

نأمل أن تقابل مبادرة ” كومونة باريس ” بالدعم من قبل العمال، ولا سيما من قبل الشيوعيين. وما يمكننا قوله هو أن الكلمات النابية توجه بشكل عام ( هنالك استثناءات طبعا ) إلى المرأة والأولاد، وذلك لا في أوساط الجماهير المتخلفة فحسب وإنما في صفوف الطليعة، بل أحيانا في صفوف ” المسؤولين “. ولا يسعنا أن ننكر أن هذه الطريقة في التعبير ما تزال حية لدى أصحاب ” المناصب العالية ” بعد انقضاء ستة أعوام على ثورة أكتوبر. وثمة ” شخصيات ” تعتبر أنه من واجبها، عندما تكون خارج العاصمة أو خارج المدينة، التحدث بأسلوب جلف، لأنها ترى فيه وسيلة اتصال بالطبقة الفلاحية …

إن حياتنا متناقضة تماما، على الصعيدين الاقتصادي والثقافي على حد سواء. ففي قلب البلاد، غير بعيد عن موسكو، تمتد مستنقعات شاسعة غير سالكة الدروب، وعلى مقربة منها تنتصب مصانع تلفت الإنتباه بسويتها التقنية الأوروبية أو الأميركية… تناقضات ومفارقات مماثلة نلمسها في عاداتنا، فإلى جانب كيت كيتيتش( [39]) الشاب الذي اجتاز الثورة وعرف المصادرة، والمضاربة السرية والمضاربة الشرعية، والذي حافظ بأمانة على جميع سمات طبقته، نجد النموذج الأمثل للعامل الشيوعي الذي لا يعيش إلا من أجل مصالح الطبقة العاملة، والمستعد دوما، في أي لحظة وفي أي بلد، لأن يقاتل من أجل الثورة. بالإضافة إلى هذه المفارقة الاجتماعية – الجلافة البليدة والمثالية الثورية – فإننا غالبا ما نلاحظ مفارقات نفسية عند الشخص الواحد، وداخل الوجدان الواحد. ومثالنا على ذلك شيوعي أصيل، مخلص لمهمته، لا يعتبر النساء أكثر من ” بابا “( [40]) (يا لها من كلمة فظة ) لا تستحق الحديث الجدي. أو مقاتل قديم في كومونة باريس يطلق، بصدد المسالة القومية، رشقة شتائم جديرة بأوغريوم – بورتشيف،( [41]) وكفيلة بأن تجعل الناس تهرب من حوله. وهذا ناجم عن كون ميادين الوعي المختلفة لا تتحول وتتطور على نحو متواز وفي آن واحد. هنا أيضا نجد تركيبا خاصا، فالنفسية تكون محافظة تماما، أما بالنسبة إلى الوعي فإن العناصر الخاضعة لمقتضيات الحياة هي وحدها التي تتحول. فالتطور الاجتماعي والسياسي خلال العقود الأخيرة تم بإيقاع جنوني، مع قفزات وتقلبات لا سابق لها. لهذا السبب تعاظم شأن الفوضى والفساد عندنا إلى هذا الحد. لكن لن نكون منصفين إذا ما توهمنا بأن هاتين الآفتين لا تهيمنان إلا على الإنتاج وعلى جهاز الدولة. كلا، يجب أن نعترف بأنهما تؤثران أيضا على العقليات حيث تمتزج آراء طليعية ورزينة ( في هذا المجال نستطيع أن نعطي دروسا لأوروبا ولأميركا ) مع طبائع وعادات وأفكار موروثة مباشرة عن دوموستروج( [42]). إن تسوية الجبهة الإيديولوجية وتمهيدها، أي تحليل سائر ميادين الوعي بواسطة النهج الماركسي، هي الصيغة العامة للتربية ولتربية الذات التي ينبغي تطبيقها على حزبنا في المرتبة الأولى، ابتداء بالقادة. ومرة أخرى نعود فنقول أن هذه المهمة هي في غاية التعقيد، ولن تحل بطريقة مدرسية ولا أدبية، لأن تناقضات النفسية واضطراباتها ترسي جذورها البعيدة في فوضى نمط الحياة وفساده. فالوعي يتحدد في نهاية المطاف بالوجود. لكن الإرتباط هنا ليس ميكانيكيا ولا آليا، وإنما متبادل. لذلك ينبغي مواجهة المشكلة من عدة جوانب، بما فيها الجانب الذي اختاره عمال مصنع ” كومونة باريس “.

فلنتمنَ لهم التوفيق !

***

إن النضال ضد الجلافة جزء من النضال من أجل صفاء اللغة ووضوحها وجمالها.

الهوامش

[1] المقال المشار إليه هو ” الثقافة البروليتارية والفن البروليتاري”، وقد نشر بالعربية في “الأدب والثورة “، دار الطليعة، بيروت 1975.(م).

[2] من المفيد التذكير هنا بتعريف ” النضالية الثقافية ” الذي أوردته في كتابي ” آراء عن الحزب ” : ” تبدو الثورة، على صعيد تحقيقها العملي، وقد ” تبعثرت” إلى مهام خاصة : فهي مطالبة بترميم الجسور وبتعليم القراءة والكتابة، وبتخفيض سعر كلفة إنتاج الأحدية في المصانع السوفياتية، وبالنضال ضد القذارة، وبإلقاء القبض على المحتالين، وبنقل الكهرباء إلى الارياف إلخ .. بعض المثقفين الأجلاف من ذوي العقول الملتوية ( لهذا السبب يعتبرون أنفسهم شعراء وفلاسفة ) راحوا يتكلمون عن الثورة بلهجة تنازل عظيم : فالثورة، كما يقولون، باتت منشغلة بتعليم الناس فنون البيع ( يا للسخرية ) وخياطة الأزرار ( دعونا نضحك ). لكن لندع هؤلاء النمامين يثرثرون في الفراغ. فالقيام بمهمة عملية ويومية في مجال الاقتصاد و الثقافة السوفياتيين – حتى في مجال التجارة بالمفرق – لا يعني، في حال من الأحوال، الإهتمام ب” أشياء صغيرة ” ولا يفترض بالضرورة عقلية البخيل الدنيء. فالحياة البشرية مليئة بأشياء صغيرة من دون أشياء كبيرة. لكن في التاريخ لا تحصل أبدا أشياء كبيرة من دون أشياء صغيرة. ولمزيد من الوضوح أقول : أن الأشياء الصغيرة في عصر كبير، وفي حال دمجها بعمل كبير، تكف عن أن تكون “أشياء صغيرة”. ” فالمسألة عندنا هي بناء الطبقة العاملة، وهذه الطبقة تبني، للمرة الأولى، من أجل ذاتها ووفقا لخطتها الخاصة. وهذه الخطة التاريخية، التي ما تزال ملتبسة وغير كاملة، لا بد أن تحتوي وتضم، في كل إبداع واحد، سائر عناصر النشاط الإنساني بما فيها العناصر الأكثر تفاهة. ” إن سائر المهام الصغيرة والمنعزلة – حتى التجارة السوفياتية بالمفرق – تشكل جزءا لا يتجزأ من الطبقة العاملة السائدة الساعية إلى التغلب على ضعفها الاقتصادي والثقافي. ” إن البناء الاشتراكي بناء مخطط واسع النطاق. وعبر المد والجزر، والأخطاء والتقلبات، وتعرجات السياسة الاقتصادية الجديدة، يتابع الحزب خطته، ويربي الشبيبة وفق روح هذه الخطة، ويعلم كل فرد كيف يربط بين نشاطه الخاص وبين المهمة العامة التي تقتضي اليوم خياطة الأزرار السوفياتية بعناية والتي قد تدعو في الغد إلى الموت بشجاعة تحت راية الشيوعية. ” علينا أن نطالب، وسوف نطالب، بإسم شبيبتنا، بتخصص عال ومعمق. وسوف يكون على هذه الشبيبة أن تتخلص من العيب الأساسي لجيلنا الذي يدعي معرفة كل شيء والقدرة على القيام بأي شيء. لكن هذا التخصص سيكون في خدمة الخطة العامة التي يناقشها كل منا بينه وبين نفسه ويوافق عليها على حدة “.

[3] روستا : وكالة برقية روسية، أصبحت فيما بعد وكالة ” تاس “. (م).

[4] غوسيزدات : دار نشر الدولة. (م).

[5] في الروسية O.K.X

[6] ” قضية كورزون “-ج.ن. كورزون (1859-1925) ديبلوماسي بريطاني كان واحدا من منظمي عملية التدخل ضد الإتحاد السوفياتي، في عام 1919 بعث بمذكرة إلى الحكومة السوفياتية أمرها بإيقاف تقدم قوات الجيش الأحمر عند خط أطلق عليه إسم ” خط كورزون “. وفي عام 1923 أرسل إنذارا إستفزازيا إلى الحكومة السوفيايتة هددها فيه بتدخل جديد. (م).

[7] أي المساكن المنظمة على شكل كومونة. (م).

[8] التحزبية : تعبير تحقيري كان يقصد به الكوادر الحزبية المتطلعة إلى أن تكون ” أكثر حزبية من الحزب نفسه ” والتي كانت تنتهي إلى الفوضوية وإلى الخروج على الإنضباط.(م).

[9] غليب أوسبنسكي (1843 – 1902) : كاتب واقعي مرتبط ب”المدرسة الطبيعية”، تعطي أعماله صورة شاملة عن حياة بسطاء الناس ( صغار الموظفين، فلاحين، عمال). و” عادات شارع راستريائييف ” هي أول أعماله الهامة.(م).

[10] يوري نيقولايفتش ليبدنسكي ( 1898 – 1959)، واحد من الممثلين الأوائل للأدب السوفياتي الحديث، شارك في الحرب الأهلية وأعطى عنها وصفا رومانسيا في قصته الأولى “الأسبوع”.(م).

[11] كنت قد إنتهيت من كتابة السطور عندما وجدت في العدد الأخير من ” البرافدا ” (المؤرخ في الثلاثين من حزيران) المقطع التالي المأخوذ عن مقال كان الرفيق غوردييف قد بعث به إلى هيئة التحرير : ” إن صناعة السينما مشروع مجز للغاية، ويدر أرباحا طائلة. وقد يؤدي إستغلال ذكي وعقالني ونبيه لإحتكار السينما إلى تحسين أوضاع خزينتنا، تماما كما كان استغلال بيع الفودكا يدعم وضع الخزينة القيصرية “. وفي مكان آخر، يعرض الرفيق غوردييف بعض الملاحظات العملية حول طريقة نقل نمط الحياة السوفياتية إلى الشاشة. وهذه في رأيي مسألة تستلزم تحليلا جديا و عينيا.

[12] كوليتش وباسكا، نوعان من الكاتو يصنعان عادة في عيد الفصح. الكوليتش هو نوع من البريوشة الأسطوانية الشكل. أما الباسكا فهي كاتو بالجبن الأبيض هرمي الشكل.(م).

[13] منظمة الشباب في الإتحاد السوفياتي.(م).

[14] سماشكو نيقولا ألكسندروفيتش (1874-1949) : مفوض الشعب الأول للصحة العامة. طور الطب الوقائي وسياسة الدفاع عن الأم والطفل. (م).

[15] الموجيك : الفلاح الروسي الفقير. (م).

[16] الأوبلوموفية : كلمة مشتقة من إسم بطل رواية غونتشاروف ” أوبلوموف “، نموذج الكسول الذي يعي كسله ولكن يعجز عن التغلب عليه. (م).

[17] اللورد كورزون : دبلوماسي بريطاني كان من بين منظمي التذخل المسلح ضد الإتحاد السوفياتي،وقد سبق أن أتى المؤلف بذكره في مقالته عن ” الصحيفة وقارئها “.(م).

[18] كيت كيتيتش : إسم جماعي ظهر في مطلع القرن التاسع عشر وكان يشار به إلى التاجر المستبد والمتميز بجلافته ومكره.(م).

[19] “بابا” : تسمية جماعية مهينة للمرأة تضعها في مرتبة البهيمة. (م).

[20] أوغريوم بورتشيف : إحدى شخصيات رواية سالتيكوف- شيدرين:” قصة مدينة “. وهو نموذج للمستبد الذي لا يعبر عن آرائه إلا بهمهمات وزمجرات فظة.(م).

[21] “دوموستروج” : كتاب مصنف من القرن السادس عشر، جمعت فيه القواعد الأساسية للحياة اليومية، والقائمة على مبدأ الخضوع المطلق لرب الأسرة.(م).

[22] المقال المشار إليه هو ” الثقافة البروليتارية والفن البروليتاري”، وقد نشر بالعربية في “الأدب والثورة “، دار الطليعة، بيروت 1975.(م).

[23] من المفيد التذكير هنا بتعريف ” النضالية الثقافية ” الذي أوردته في كتابي ” آراء عن الحزب ” : ” تبدو الثورة، على صعيد تحقيقها العملي، وقد ” تبعثرت” إلى مهام خاصة : فهي مطالبة بترميم الجسور وبتعليم القراءة والكتابة، وبتخفيض سعر كلفة إنتاج الأحدية في المصانع السوفياتية، وبالنضال ضد القذارة، وبإلقاء القبض على المحتالين، وبنقل الكهرباء إلى الارياف إلخ .. بعض المثقفين الأجلاف من ذوي العقول الملتوية ( لهذا السبب يعتبرون أنفسهم شعراء وفلاسفة ) راحوا يتكلمون عن الثورة بلهجة تنازل عظيم : فالثورة، كما يقولون، باتت منشغلة بتعليم الناس فنون البيع ( يا للسخرية ) وخياطة الأزرار ( دعونا نضحك ). لكن لندع هؤلاء النمامين يثرثرون في الفراغ. فالقيام بمهمة عملية ويومية في مجال الاقتصاد و الثقافة السوفياتيين – حتى في مجال التجارة بالمفرق – لا يعني، في حال من الأحوال، الإهتمام ب” أشياء صغيرة ” ولا يفترض بالضرورة عقلية البخيل الدنيء. فالحياة البشرية مليئة بأشياء صغيرة من دون أشياء كبيرة. لكن في التاريخ لا تحصل أبدا أشياء كبيرة من دون أشياء صغيرة. ولمزيد من الوضوح أقول : أن الأشياء الصغيرة في عصر كبير، وفي حال دمجها بعمل كبير، تكف عن أن تكون “أشياء صغيرة”. ” فالمسألة عندنا هي بناء الطبقة العاملة، وهذه الطبقة تبني، للمرة الأولى، من أجل ذاتها ووفقا لخطتها الخاصة. وهذه الخطة التاريخية، التي ما تزال ملتبسة وغير كاملة، لا بد أن تحتوي وتضم، في كل إبداع واحد، سائر عناصر النشاط الإنساني بما فيها العناصر الأكثر تفاهة. ” إن سائر المهام الصغيرة والمنعزلة – حتى التجارة السوفياتية بالمفرق – تشكل جزءا لا يتجزأ من الطبقة العاملة السائدة الساعية إلى التغلب على ضعفها الاقتصادي والثقافي. ” إن البناء الاشتراكي بناء مخطط واسع النطاق. وعبر المد والجزر، والأخطاء والتقلبات، وتعرجات السياسة الاقتصادية الجديدة، يتابع الحزب خطته، ويربي الشبيبة وفق روح هذه الخطة، ويعلم كل فرد كيف يربط بين نشاطه الخاص وبين المهمة العامة التي تقتضي اليوم خياطة الأزرار السوفياتية بعناية والتي قد تدعو في الغد إلى الموت بشجاعة تحت راية الشيوعية. ” علينا أن نطالب، وسوف نطالب، بإسم شبيبتنا، بتخصص عال ومعمق. وسوف يكون على هذه الشبيبة أن تتخلص من العيب الأساسي لجيلنا الذي يدعي معرفة كل شيء والقدرة على القيام بأي شيء. لكن هذا التخصص سيكون في خدمة الخطة العامة التي يناقشها كل منا بينه وبين نفسه ويوافق عليها على حدة “.

[24] روستا : وكالة برقية روسية، أصبحت فيما بعد وكالة ” تاس “. (م).

[25] غوسيزدات : دار نشر الدولة. (م).

[26] في الروسية O.K.X

[27] ” قضية كورزون “-ج.ن. كورزون (1859-1925) ديبلوماسي بريطاني كان واحدا من منظمي عملية التدخل ضد الإتحاد السوفياتي، في عام 1919 بعث بمذكرة إلى الحكومة السوفياتية أمرها بإيقاف تقدم قوات الجيش الأحمر عند خط أطلق عليه إسم ” خط كورزون “. وفي عام 1923 أرسل إنذارا إستفزازيا إلى الحكومة السوفيايتة هددها فيه بتدخل جديد. (م).

[28] أي المساكن المنظمة على شكل كومونة. (م).

[29] التحزبية : تعبير تحقيري كان يقصد به الكوادر الحزبية المتطلعة إلى أن تكون ” أكثر حزبية من الحزب نفسه ” والتي كانت تنتهي إلى الفوضوية وإلى الخروج على الإنضباط.(م).

[30] غليب أوسبنسكي (1843 – 1902) : كاتب واقعي مرتبط ب”المدرسة الطبيعية”، تعطي أعماله صورة شاملة عن حياة بسطاء الناس ( صغار الموظفين، فلاحين، عمال). و” عادات شارع راستريائييف ” هي أول أعماله الهامة.(م).

[31] يوري نيقولايفتش ليبدنسكي ( 1898 – 1959)، واحد من الممثلين الأوائل للأدب السوفياتي الحديث، شارك في الحرب الأهلية وأعطى عنها وصفا رومانسيا في قصته الأولى “الأسبوع”.(م).

[32] كنت قد إنتهيت من كتابة السطور عندما وجدت في العدد الأخير من ” البرافدا ” (المؤرخ في الثلاثين من حزيران) المقطع التالي المأخوذ عن مقال كان الرفيق غوردييف قد بعث به إلى هيئة التحرير : ” إن صناعة السينما مشروع مجز للغاية، ويدر أرباحا طائلة. وقد يؤدي إستغلال ذكي وعقالني ونبيه لإحتكار السينما إلى تحسين أوضاع خزينتنا، تماما كما كان استغلال بيع الفودكا يدعم وضع الخزينة القيصرية “. وفي مكان آخر، يعرض الرفيق غوردييف بعض الملاحظات العملية حول طريقة نقل نمط الحياة السوفياتية إلى الشاشة. وهذه في رأيي مسألة تستلزم تحليلا جديا و عينيا.

[33] كوليتش وباسكا، نوعان من الكاتو يصنعان عادة في عيد الفصح. الكوليتش هو نوع من البريوشة الأسطوانية الشكل. أما الباسكا فهي كاتو بالجبن الأبيض هرمي الشكل.(م).

[34] منظمة الشباب في الإتحاد السوفياتي.(م).

[35] سماشكو نيقولا ألكسندروفيتش (1874-1949) : مفوض الشعب الأول للصحة العامة. طور الطب الوقائي وسياسة الدفاع عن الأم والطفل. (م).

[36] الموجيك : الفلاح الروسي الفقير. (م).

[37] الأوبلوموفية : كلمة مشتقة من إسم بطل رواية غونتشاروف ” أوبلوموف “، نموذج الكسول الذي يعي كسله ولكن يعجز عن التغلب عليه. (م).

[38] اللورد كورزون : دبلوماسي بريطاني كان من بين منظمي التذخل المسلح ضد الإتحاد السوفياتي،وقد سبق أن أتى المؤلف بذكره في مقالته عن ” الصحيفة وقارئها “.(م).

[39] كيت كيتيتش : إسم جماعي ظهر في مطلع القرن التاسع عشر وكان يشار به إلى التاجر المستبد والمتميز بجلافته ومكره.(م).

[40] “بابا” : تسمية جماعية مهينة للمرأة تضعها في مرتبة البهيمة. (م).

[41] أوغريوم بورتشيف : إحدى شخصيات رواية سالتيكوف- شيدرين:” قصة مدينة “. وهو نموذج للمستبد الذي لا يعبر عن آرائه إلا بهمهمات وزمجرات فظة.(م).

[42] “دوموستروج” : كتاب مصنف من القرن السادس عشر، جمعت فيه القواعد الأساسية للحياة اليومية، والقائمة على مبدأ الخضوع المطلق لرب الأسرة.(م).

تعليقات

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s