2006
في بدايات شهر نوفمبر 2004 دمرت القوات الأمريكية مدينة الفلوجة، ونتج عن ذلك الاعتداء مقتل العديد من المدنيين وأعداد غير معروفة من مقاتلي المقاومة العراقية. وأضحت مدينة المساجد مدينة من الأطلال، إلا أن آثار ذلك الدمار دفنت معها مخططات الولايات المتحدة وبريطانيا للتمتع باحتلال مستقر. وعشية الهجوم على الفلوجة أخبر القادة العسكريون الجنود بأنهم يواجهون كبرى معاركهم منذ الاعتداء على مدينة “هيو” عام 1968 في فيتنام. وهكذا أصبحت العراق بمثابة فيتنام جديدة لأمريكا.وفي الواقع أنه بينما كان القادة العسكريون وجنرالات بوش في أبريل 2003 مجتمعين احتفالا بانتصارهم، كانت الطلقات الافتتاحية تنطلق معلنة بدء حرب العراق من أجل التحرر الوطني. ففي يوم 18 أبريل 2003 خرج العراقيون من الأحياء التي تعاني غالبيتها من الفقر في عاصمتهم وذلك للانضمام إلى مظاهرة شعبية. وإذا كان ما يفوق 100.000 شخصا قد احتفلوا بسقوط صدام حسين، إلا أنهم رفعوا مطلبا جديدا وهو “لا للاحتلال”، وذلك على العكس من الحشد الذي كان قبلها بيومين يتابع الدبابات الأمريكية وهي تطيح بتمثال صدام حسين.

وعلى مدى الأسابيع التالية، نجد الآلاف من العراقيين، ما بين مدرسين وجنود سابقين وعمال موانئ وموظفين، وقد خرجوا في مسيرات مطالبين بفرص العمل وإعادة فتح الوزارات ودفع المرتبات. وفي يوم 28 أبريل تجمع حشد صغير بالقرب من مدرسة في الفلوجة وقد احتلت القوات الأمريكية مقرها. ولم تشهد الفلوجة عمليات النهب والفوضى التي عمت الكثير من أنحاء البلاد في أعقاب الغزو، حيث قام شيوخ القبائل والزعماء الدينيون في الفلوجة بضمان حالة الأمن في المدينة. وقد شدد الحشد على عدم الاحتياج إلى القوات الأمريكية وطالبوا الجنود بتسليم المدرسة لسلطات المدينة والخروج من الفلوجة. ففتحت القوات النيران، مردية 13 قتيلا، ذلك الحدث الذي دفع بالمدينة السنية إلى قلب حركة وطنية جديدة.

وبحلول شهر أكتوبر 2004 كان التفاؤل الذي غمر كلا من جورج بوش وتوني بلير في البداية قد حل محله اليأس، وبدلا من الترحاب لم يواجهوا سوى الغضب والكراهية. وأصبحت معظم المدن العراقية واقعة تحت سيطرة المقاومة الشعبية، بينما لم يتبق للقوات الأمريكية والبريطانية سوى التحكم في خط من القواعد العسكرية المعزولة على مستوى البلاد. وقد واصلت القوات الأمريكية والبريطانية صراعها من أجل فرض سيادتها على العراق الذي ظنوا أنفسهم قد هزموه، بينما أخذت الحكومة العراقية المدعومة أمريكيا في محاولة تشكيل قوات أمنية وسلطة مركزية.

ونقوم في هذه الورقة بتتبع الخلفية التاريخية لحركة التمرد والعصيان التي أعقبت الحرب، بما في ذلك الوعود التي لم تحققها ثورة 1958، تلك الثورة التي حملت للعراقيين آمالا بشأن التحرر من الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية. ونقوم في هذه الورقة أيضا بتحليل أسباب نجاح الولايات المتحدة في الحرب من ناحية وفقدانها السلام من ناحية أخرى، مما أدى إلى نشأة حركة التمرد الشعبية. كما نوضح كيف أدى إضعاف النظام البعثي تحت وطأة العقوبات الاقتصادية لتهيئة الظروف للانهيار السريع للدولة بعد الحرب، ومع عدم وجود العدد الكافي من القوات لفرض القانون والنظام توقفت أعمال إعادة الإعمار.كما نبين في هذه الورقة كيف أن فرض حكومة يسيطر عليها عراقيون ممن كانوا في المنفى وموالون للولايات المتحدة الأمريكية أدى إلى مضاعفة إحساس العراقيين بالمرارة تجاه الاحتلال، وأنه إزاء تصاعد حدة حركة التمرد قامت القوات الأمريكية باكتساح المدن العراقية واحتجاز الآلاف من الشباب العراقيين، لتشعل بذلك حالة الاستياء.

ثم نتتبع طبيعة التمرد، ونؤكد على أن حركة المقاومة أبعد ما تكون عن مجرد تجمعات من المقاتلين الأشداء الموالين لحزب البعث أو المجاهدين الأجانب، وإنما تضرب بجذورها عميقا في قطاعات مختلفة من المجتمع العراقي. كما نؤكد على أن حركة المقاومة هي حركة أصيلة للتحرر الوطني. ونقدم تحليلا للعوامل التي أدت إلى ظهور الجماعات الإسلامية العراقية، السنية منها والشيعية، والتي نجحت في تحقيق مكاسب سياسية عظمى في أعقاب الحرب، كما نقوم بتقييم استمرارية الدعم الشعبي للتمرد منذ بداية الحرب. وأخيرا نتناول القيود الخاصة بالمرحلة الأولى من المقاومة، والآثار المتوقعة عن التغيرات في استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهة الموقف، والمتبعة من قبل القوات المحتلة لمحاولة التعامل مع فشلها السياسي والعسكري. إن الانتخابات المزمع عقدها في 2005 تمثل عنصرا من الاستراتيجية الأمريكية التي تهدف إلى قطع الطريق أمام دعم المقاومة، وذلك من خلال جر أقدام معارضي الاحتلال من المدنيين إلى عملية سياسية خارج مجال سيطرتهم، في الوقت الذي يتم فيه سحق المقاومة المسلحة بقوة غاشمة.

شعب مولود في معمعة الصراع

ترجع أولى تجارب كفاح العراق من أجل التحرر الوطني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث عقدت كل من بريطانيا وفرنسا العزم على تقسيم الإمبراطورية العثمانية المهزومة فيما بينهما. فقامت بريطانيا بدعوة الأمير فيصل، زعيم الثورة العربية ضد العثمانيين، ليكون ملكا على العراق. إلا أنه ما لبثت أن تفجرت الثورة في العراق عام 1920 عندما منحت عصبة الأمم بريطانيا الحماية على العراق. وقد عبر الشاعر محمد العبيدي عن حالة التحدي والرفض السائدة حينذاك قائلا:

لسنا عبيدا[1]

وقد تم التخلص من السيادة البريطانية في أجزاء واسعة من وسط العراق، وقامت الشعارات الوطنية بتوحيد صفوف السنة والشيعة في عمليات احتجاج في بغداد، كما أصدر رجال الدين الشيعة فتاوى تدعو إلى شن حرب مقدسة ضد الاحتلال. وقد قدمت جيرترود بيل، مستشارة المندوب السامي البريطاني في بغداد، وصفا لجهود المسئولين البريطانيين في فرض الملك الجديد على العراق، فقد كتبت في أغسطس 1920 أن “الأمور لم تتخذ بعد وضعا سلسا على الإطلاق،” وأضافت قائلة: “تأتينا تقارير بشأن قيام قبائل منطقة الفرات بإعداد بيانات والتماسات داعية لإقامة نظام جمهوري .. ولا أعتقد أن نصف تلك التقارير صحيح، ولكنها تبقينا في حالة قلق وترقب.”[2] وقد أدى مزيج من الرشاوى والتهديدات والمناورات السياسية إلى ضمان حصول الملك فيصل على القبول آخر الأمر، وفي أغسطس 1921 تم تتويجه ملكا على أنغام النشيد الوطني البريطاني “حفظ الله الملك…”، حيث لم يكن قد تم تأليف نشيد وطني عراقي بعد.

وفي هذه الأثناء كان المجتمع العراقي يتغير بسرعة بالغة، حيث نشأت طبقة من ملاك الأراضي الذين سيطروا على الاقتصاد والنظام السياسي على مدار النصف الأول من القرن العشرين دفعت صغار المزارعين إلى هاوية الفقر. وجاءت التغييرات في قانون ملكية الأراضي لعام 1932 لتزيد من سلطات ملاك الأراضي زيادة بالغة، وهكذا نجد أن شيوخ القبائل البدوية، الذين كانوا في السابق يعيشون على ما يجمعونه من جراء هجومهم على المزارعين، تحولوا إلى طبقة من ملاك الأراضي. كما استفاد تجار المدن أيضا من التغيير في القانون إذ أصبح في إمكانهم الآن استثمار الأراضي. وبحلول ثورة 1958 كان أكبر اثنين من ملاك الأراضي هما أحمد عاجل الياور، كبير زعماء قبائل شمر وصاحب 160 ألف هكتار من الأراضي، وعبد الهادي الجلبي، وهو تاجر شيعي ثري من بغداد، والذي ربما كانت قيمة الـ64 ألف هكتار من الأراضي المعتمدة على الأمطار والتي كان يملكها تفوق قيمة الأراضي التي يملكها الياور على اتساعها. وأحمد الياور هو جد غازي عاجل الياور الذي تم تعيينه رئيسا للعراق في يونيو 2004، بينما نجد أن ابن عبد الهادي الجلبي هو أحمد الجلبي، عضو مجلس الحكم العراقي الذي عينته القوات الأمريكية لحكم العراق بعد إسقاط صدام حسين. وهكذا نرى أن الطبقة العراقية الحاكمة القديمة قد عادت محمولة في مؤخرة دبابة أمريكية.

وفيما بين عامي 1945 و1958، انضم مئات الآلاف من العراقيين إلى حركة للتحرر الوطني، وهي ثورة لم تكن ضد الاحتلال البريطاني فحسب وإنما ضد ملاك الأراضي والتجار الذين كانوا يدعمون النظام الملكي المكروه.[3] وكانت جماهير المدن في قلب موجات الاحتجاج الكبرى، وبينما كان العمال المنظمون أقلية إلا أن بعضهم، وخاصة عمال السكك الحديدية وعمال الموانئ وعمال النفط قاموا باستخدام قوتهم الصناعية استخداما فعالا. وفي نفس الوقت كانت المدن العشوائية الفقيرة والمزدحمة بالسكان حول مدينة بغداد بمثابة مصدر للجنود المشاة لحركة العصيان المسلح في المدن عامي 1948 و1952، وأولئك الفلاحون الفقراء من المقاطعات الشرقية للبلاد ممن وجدوا لأنفسهم مصدر رزق في وظائف غير رسمية. كما قامت شريحة رفيعة ولكن هامة من الطبقة الوسطى بتقديم العديد من النشطاء العاملين ضمن الحركات الوطنية واليسارية المتنامية.

وقد تطلع الآلاف صوب الحزب الشيوعي العراقي من أجل إحداث تغيير، ويشهد تنوع عضوية الحزب على قدرة الحركة الجماهيرية على تجاوز التقسيمات العرقية والدينية عن طريق توحيد صف العراقيين طبقيا. وبحلول عام 1955 كان الشيعة يمثلون أغلبية الحزب الشيوعي  ويحتلون غالبية مواقع القيادة، في حين انجذب الأكراد إلى الحزب لقيامه بتنظيم الفلاحين الأكراد في مواجهة ملاك الأراضي الأكراد من ناحية ولتأييده حصول الأكراد على حقوقهم القومية.[4]

خيبة الأمل عام 1958

قام انقلاب ضباط الجيش بالقضاء على الملكية في عام 1958، وتم قتل كل من الملك ورئيس الوزراء الموالي لبريطانيا، بينما قام عبد الكريم قاسم، قائد الجيش، بإعلان قيام الجمهورية. وقد كان ذلك في مصلحة اليسار أول الأمر، حيث اتسع الحزب الشيوعي بسرعة بالغة في أعقاب الثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم سرعان ما تحرك في عام 1959 ضد الحزب الشيوعي، فأخرج مؤيدي الحزب من الحكومة وطهر الجيش من نشطائه. وقد انسحب الحزب الشيوعي العراقي من المواجهة، فقد كان عامل عبد الكريم قاسم معاملة الأبطال في بدايات الثورة، كما تلقى الحزب توجيهات من موسكو بعدم إرباك موازين القوى الهشة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط عن طريق بإثارة صراع على السلطة في العراق.[5] وقد اتضح آخر الأمر أن انتصار عبد الكريم قاسم على الحزب الشيوعي انعكس بالسلب عليه وأدى إلى نهايته حيث انتهى به الأمر بلا وسيلة لتعبئة الناس دفاعا عن نظامه أمام الانقلاب الذي قام به حزب البعث عام 1963. وكان حزب البعث في تلك المرحلة مجرد منظمة صغيرة نجحت في اجتذاب شريحة من القوميين بمقولات الوحدة العربية والتحديث والاشتراكية. إلا أنها كانت منظمة شديدة العداء للشيوعية، واستغلت فرصة الانقلاب على عبد الكريم قاسم للقضاء الدموي على الآلاف من الشيوعيين والنقابيين.

وقد فقد البعثيون سلطتهم بنفس السرعة التي كانوا قد اكتسبوها بها، وأصبح العراق خاضعا لحكم عبد السلام عارف، النائب السابق لعبد الكريم قاسم. وفي أعقاب وفاة عبد السلام عارف في حادثة تحطم طائرة مروحية عام 1966 حل محله شقيقه الأكبر عبد الرحمن، الذي لم يستمر في موقع السلطة طويلا، حيث سقط بأيدي انقلاب قام به حزب البعث عام 1968. وفي هذه المرة كان البعثيون أكثر تنظيما، ونجحوا في تأسيس نظام حاكم استمر حتى الغزو الأمريكي للعراق. وقد شهدت السبعينيات قيام حزب البعث بإحكام قبضته على السلطة، كما منح تأميم صناعة النفط العراقية في عام 1972 الدولة السيادة الكاملة والتحكم التام في الثروة النفطية للبلاد، والتي استثمرتها في بناء البنية التحتية والجيش ودولة الرفاهة. ومن الخصائص الرئيسية لحكم البعث هو إعادة توزيع بعض الثروة النفطية لصالح الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية. وتم إما تحييد الخصوم المحليين، بمن فيهم الحزب الشيوعي الذي انضم إلى الحكومة كشريك أصغر في عام 1972، أو القضاء على هؤلاء الخصوم.

وفي عام 1979، قام صدام حسين الذي كان نائبا للرئيس حينذاك بانقلاب ضد حاكم العراق أحمد حسن البكر، كما قام بتطهير حزب البعث ودعم أوضاع مسانديه المقربين وأقربائه من مسقط رأسه، مدينة تكريت. وخلال عام من وصوله إلى الحكم شن صدام حسين هجوما ضد جارته إيران على أمل انتزاع مكاسب من دولة لم تستقر بها الأمور بعد في أعقاب ثورة 1979، وبهدف توجيه ضربة للمعارضة الشيعية المتزايدة في العراق. كما وضع صدام حسين في حسبانه أن قيام العراق بضربة ضد إيران التي يحكمها رجال الدين الشيعة ستجد صدى إيجابيا لدى الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن الحرب امتدت على مدى ثماني سنوات حاصدة أرواح حوالي مليونا من البشر. وبفضل الدعم الأمريكي لم ينهزم العراق في ذلك النزاع العسكري، ولكنه خرج من المعركة باقتصاد مدمر وديون تعيقه عن التحرك إلى الأمام.

وبعد أقل من عامين كانت القوات العراقية تسير هذه المرة في طريقها إلى الكويت، وبدلا من أن تدير الولايات المتحدة ظهرها (كما توقع صدام حسين)، إذا بالرئيس الأمريكي جورج بوش الأب ينتهز الفرصة لفرض “نظام عالمي جديد” قائم على الهيمنة الإمبريالية الأمريكية. وقد تم إخراج القوات العراقية من الكويت في فبراير 1991 بواسطة تحالف بقيادة الولايات المتحدة، إلا أن الرئيس بوش الأب لم يمضي قدما بإسقاط صدام حسين مفضلا استمرار وجود نظام بعثي ضعيف بدلا من المخاطرة بتقسيم العراق وإحداث حالة عدم استقرار في المنطقة بأسرها. وبمرور عشرة سنوات كان الدعم الذي تناله سياسة الولايات المتحدة في فرض العزلة والفقر على العراق عن طريق العقوبات الاقتصادية قد أخذ يضعف ويتلاشى بالتدريج، ومن هنا كانت الاعتداءات على مركز التجارة العالمية والبنتاجون يوم 11 سبتمبر 2001 بمثابة الفرصة لتغيير مسار الأحداث: فبدأ العد التنازلي لغزو العراق.

ومن مآسي المرحلة البعثية في تاريخ العراق هو انهيار كافة الآمال الخاصة بالتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المصاحبة لقيام ديمقراطية حقيقية. فلم يحرر حزب البعث العراق من الإمبريالية، وعلى الرغم من خطابه القومي إلا أن حزب البعث قام بعقد صلات وثيقة بالولايات المتحدة، فمنذ 1969 أدرك النظام الاستعماري القديم في العراق أن صدام يحمل مؤهلات تجعله حليفا مستقبليا، حيث نجد أن السفير البريطاني أرسل عام 1969 مذكرة سرية إلى وزارة الخارجية البريطانية ورد فيها: “يمكنني الحكم عليه، مع حداثة سنه، أنه عضو قوي حازم وعنيد يحتل موقعا بارزا ضمن هيكل الحزب، إلا أنه شخص يمكن التفاهم والعمل معه إذا ما أتيحت فرصة أكبر للتعامل معه.”[6] وعلى مدار العقدين التاليين قامت حكومة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا بالعمل مع صدام، بما في ذلك بيع الأسلحة لحربه ضد إيران ولقمع الأكراد.

كما كشفت تلك الأعوام أيضا عن الإفلاس الذي أصاب اليسار، فعلى الرغم من تعرض الحزب الشيوعي للقمع من قبل البعثيين خلال الستينيات، إلا أنهم عادوا لمساندة النظام العراقي في الفترة ما بين عامي 1972 و1978، وهو ما يوضحه سامي رمضاني بقوله:

لم يكونوا ليألوا جهدا في محاولاتهم، سواء في العراق أو هنا في بريطانيا، لإقناع النقابات وحزب العمل بقبول وحشية صدام وطغيانه باعتباره ضمن نظام حاكم خاضع للإصلاح .. أما صدام، الذي وصفه حينذاك قادة الحزب الشيوعي العراقي باعتباره ممثلا لـ”يسار” حزب البعث، فقد قام بنشر ورقة عنوانها “خندق واحد أم خندقان؟” على سبيل تذكيرهم بدورهم الذي تضمن فيما بعد القضاء على انتفاضة كربلاء عام 1977. أما العراقيون، بمن فيهم من بعض أعضاء الحزب الشيوعي العراقي، والذين واصلوا في الخارج فضح سياسات صدام الفاشية، بل وهؤلاء الذين تعرضوا للقتل والتعذيب في العراق، كان يطلق قادة الحزب الشيوعي العراقي عليهم مسمى “اليساريون الطفوليون” أو “الأكراد الرجعيون.”[7]

إلا أن مساندتهم للبعثيين لم تنقذ الحزب الشيوعي من مظاهر القمع، ففي عام 1978 انقلب حزب البعث على الشيوعيين، وقام بإعدام الآلاف منهم وألقى بالمزيد منهم في السجون.

المعارضة الشيعية: بين الثورة والتاريخ

إن تغيير اسم “مدينة الصدر”، تلك الضاحية الفقيرة من ضواحي بغداد، يشير إلى خيبة الأمل وفشل حركة التحرر الوطني في الخمسينيات في تحقيق وعودها، حيث أن مؤسسها عبد الكريم قاسم الذي قاد عملية إسقاط الملكية في العراق عام 1958 قد أطلق عليها اسم “مدينة الثورة. وقد كان اسما مناسبا حيث كان سكان تلك الضاحية قد لعبوا دورا محوريا في حركة التمرد في الخمسينيات، كما أنها كانت معقلا للحزب الشيوعي. إلا أن السبعينيات شهدت تحولا حيث اتخذت المدينة طابعا سياسيا مختلفا عندما بدأ حزب الدعوة في تجنيد أبناء الضاحية من الشيعة الفقراء للانضمام إلى الثورة الإسلامية، ونجد أن المنطقة الآن هي معقل لرجل الدين الشيعي المتشدد مقتضى الصدر.

إن نشأة المعارضة الشيعية لها جذور عديدة، حيث كان من نتائج التقارب بين الحزب الشيوعي وحزب البعث ما أتاح الفرصة للشيعة الإسلاميين لتجنيد فئة كانت فيما سبق تميل إلى اليسار. وقد أدرك مؤسسو حزب الدعوة، من صغار رجال الدين في الكليات الدينية بمدينة النجف منذ نهاية الخمسينيات، مقدار الخطر الذي يمثله الشيوعيون للسلطة الدينية التقليدية، ومن هنا قام حزب الدعوة بتشجيع قيام نظريات إسلامية حول الاقتصاد وأسس الحكم لتكون تلك النظريات أساسا فكريا لقيام حركة سياسية شيعية.[8] وهكذا جنبا إلى جنب النشطاء السياسيين (العلمانيين)، بدأ رجال الدين الشباب في بناء حزب سياسي شيعي جديد.[9]

وكانت المنظمة الجديدة بمثابة جسر يربط بين النظام التراتبي الديني التقليدي من ناحية، وبين جيل أصغر من شباب الشيعة، وقد احتفظ رجال الدين الكبار بمسافة تفصلهم رسميا عن تلك الحركة الجديدة، مفسحين المجال للنشطاء ورجال الدين الشباب ليقوموا بدور بارز في بناء الحزب. وكانت الاحتفالات الدينية الشيعية الكبرى بؤرة اهتمام الحركة الجديدة، فبعد سنوات من التراجع شهدت السبعينيات تزايدا مذهلا في حجم المسيرات المقامة في ذكرى سقوط الإمام الحسين، حفيد النبي محمد، شهيدا في معركة كربلاء. وقد كان استشهاد الإمام الحسين كثيرا ما يستخدم كرمز قوي لمقاومة الطغيان، حيث أنه سقط قتيلا في نهاية حركة تمرد بطولية ومأساوية ضد الخليفة يزيد، وهو الخليفة الذي تصفه المصادر الشيعية باعتباره نموذجا للحكم القائم على الطغيان والفساد. أما المواجهة الكبرى فكانت في عام 1977 عندما تحولت مسيرة الحج إلى كربلاء، إلى مظاهرة تلقائية مناهضة للحكومة بمشاركة عشرات الآلاف.

وشهد العامان التاليان قيام الحركة الثورية في إيران وإسقاط نظام الشاه، أما في العراق فقد تم القضاء على حزب الدعوة وإعدام الكثيرين من زعمائه، بما في ذلك كبير منظري الحزب آية الله محمد باقر الصدر. وفي مواجهة القمع من ناحية واندلاع الحرب من ناحية أخرى فر العديد من نشطاء حزب الدعوة إلى جارتهم إيران أو انخرطوا في أنشطة حربية سرية. وفي إيران قام أعضاء حزب الدعوة وغيرهم من الشيعة العراقيين بتأسيس “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.”[10] إلا أن حزب الدعوة بدأت تصيبه الانقسامات الداخلية نتيجة للضغوط الناجمة عن الحياة في المنفى واندلاع الحرب، وفوق هذا وذاك، فشل عمليات الاحتجاج الشعبي التي شهدتها أواخر السبعينيات في إسقاط حزب البعث. كما أن اعتماد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق اعتمادا كليا على الحكومة الإيرانية أدى إلى انشقاقات شديدة داخل حزب الدعوة. وفي أثناء الحرب مع إيران شكل المجلس كتيبة من المقاتلين المجندين من بين اللاجئين العراقيين في إيران، المعروفة باسم “سرايا بدر.” وبانتهاء الحرب بدأت الحكومة الإيرانية تدريجيا في تقليل دعمها للمجلس، مما دفع قادة المجلس للبحث عن مصدر آخر مساند، وأخبرا في نهايات التسعينيات وجدوا ذلك الدعم ممثلا في وزارة الخارجية الأمريكية.

القاعدة الاجتماعية للنظام البعثي

كثيرا ما يتم في الغرب تفسير استمرار النظام البعثي في الحكم لفترة طويلة من منطلق سيادة الخوف والتعذيب ودائرة المنبهرين بشخصية صدام، إلا أن واقع الأمر هو أن حزب البعث قد نجح في البقاء والاستمرار في موقع السلطة نتيجة لاستراتيجيته المتفق عليها لبناء قاعدة اجتماعية للنظام الجديد، حيث عملت سياسات البعث الاقتصادية، وخاصة تأميم صناعة النفط في عام 1972، على خلق الظروف المناسبة لنشأة طبقة متوسطة جديدة، والسماح بإعادة توزيع بعض الثروات على الطبقة العاملة.

ففي ظل الحكم الملكي كانت الصناعة النفطية خاضعة لشركة النفط العراقية التي تضم مجموعة من شركات النفط متعددة الجنسيات. أما الزراعة فكانت حكرا على كبار ملاك الأراضي وقائمة على قلة المحاصيل وقلة الإنتاج وعلاقات اجتماعية مجحفة. وكان كلا هذين القطاعين يوفران ما يزيد على 50% من إجمالي الدخل القومي في العراق، بينما لم تساهم الصناعة سوى بمعدل 5% فقط من إجمالي الدخل القومي. وبالرغم من ارتفاع الإنتاج الصناعي ليصل إلى 14% من الدخل القومي عام 1969، إلا أن الغالبية العظمى من المشاريع الصناعية كانت مجرد ورش صغيرة.[11] ومع حدوث انقلاب حزب البعث في عام 1969 قامت عملية الإصلاح الزراعي بتقليل سلطة كبار ملاك الأراضي عن طريق وضع حد أقصى لملكية الأراضي. إلا أن تدهور الإنتاج الزراعي في السبعينيات جعل قطاع الزراعة غير صالح كأداة لتعزيز الوضع السياسي أو كمصدر للثروة المالية مثلما كان الأمر عليه إبان النظام الملكي. وهكذا أصبح السبيل الوحيد لتحقيق الثروة والسلطة هو ضمان الحصول على عقود للدولة، وخاصة في ظل قيام حكومة البعث ببرامج طموحة للإنفاق على مجالات اجتماعية متنوعة مثل الصحة والسكن والتعليم وإقامة البنية التحتية للبلاد. ويوضح كل من ماريون فاروق سلاجليت وبيتر سلاجليت الآتي:

حيث أن النظام الذي أصبح مرادفا لـ”صدام حسين ودائرته المقربة” كان هو المسيطر على الاقتصاد بمعدل فاق تماما أيا من الأنظمة السابقة، فقد وجد نفسه في موقع لفرض الوصاية وتوزيع العقود بلا حدود. وكان المستفيدون الرئيسيون محليا هم رجال الأعمال والسماسرة والمقاولون من كل نوع، الذين أصبحوا يمثلون قاعدة اجتماعية واسعة للنظام.[12]

إن مصدر الثروة العراقية كان نتيجة للزيادة الضخمة في الدخل من النفط، ففي عام 1972 إبان فترة التأميم كان الدخل الناتج عن النفط هو 575 مليون دولار، وفي العام التالي ارتفع الدخل ليصل إلى 1840 مليون دولار، وبحلول عام 1974 كان قد بلغ 5700 مليون دولار. ويرجع هذا الارتفاع جزئيا إلى زيادة الإنتاج، ولكن العامل الأساسي كان الارتفاع في أسعار النفط في أعقاب حرب 1973 بين العرب وإسرائيل. أما في الثمانينيات التي شهدت وضعا اقتصاديا قاسيا اتجه البعثيون إلى أساليب أخرى للحفاظ على قاعدتهم الاجتماعية. وأدى انهيار أسعار النفط إلى إحداث خفض كبير في قدرة الدولة على الإنفاق العام، مما دفع الحكومة إلى خصخصة 47 شركة تابعة للدولة. وقد توقفت التوجهات الاقتصادية الليبرالية مؤقتا لاندلاع حرب الخليج عام 1991، إلا أنه وحتى إبان خضوع العراق للعقوبات الاقتصادية (التي تم فرضها على العراق بعد غزوه الكويت عام 1990) واصل النظام اتباع سياسات مشابهة، حيث أقام العراق عديدا من “مناطق التجارة الحرة” خلال عامي 2000 و2001 وذلك بعد توقيع اتفاقيات تجارية مع عدد من الدول العربية. وقد ساهم الاقتصاد الذي أنهكته سنوات الحصار في خلق فرص أخرى للكسب لبعض المقربين من النظام. فقد تشكلت سوق سوداء كبيرة، كما كان عدي حسين، أكبر أبناء صدام حسين، المستفيد الرئيسي من التجارة غير المشروعة في النفط والسجائر والأسلحة والسيارات الفارهة.

أثار العقوبات الاقتصادية

إن المسئولين الأمريكيون وأتباعهم في الأمم المتحدة وفي المؤسسات المالية العالمية يفسرون المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العراق اليوم باعتبارها نتاجا لسياسات التخطيط التي قام بها حزب البعث، فكما يرد في وثيقة من وثائق الأمم المتحدة والبنك الدولي صدرت في أكتوبر 2003 حول تقديراتهم لاحتياجات إعادة إعمار العراق، نجد الآتي:

لقد عانى الاقتصاد العراقي على مدى عشرين عاما من الإهمال والتدهور في البنية التحتية للبلاد والبيئة والخدمات الاجتماعية .. وقد تدهور اقتصاد البلاد بفعل ما ترتب على وجود حكومة سلطوية فاسدة شديدة المركزية، والعقوبات الاقتصادية إضافة إلى قيام اقتصاد سلطوي تلعب فيه الأسعار دورا محدودا في توزيع المصادر، بينما تقوم الدولة (وتحديدا النظام الحاكم) بالسيطرة على الصناعة والزراعة والمالية والتجارة.[13]

وعلى النقيض من تلك الإشارة العابرة للعقوبات الاقتصادية في هذا التقرير، من حيث تأثيرها على تاريخ العراق، عملت العقوبات على إعادة تشكيل المجتمع العراقي. فقد خرجت العراق من حربها مع إيران في نهاية الثمانينات وقد أصبح المجتمع العراقي يعاني من حالة من الدمار والانسحاق، ولكنه لم يكن قد أصابه الشلل أو توقف عن العمل. حيث استمرت معدلات وفاة الأطفال في الانخفاض على مدار الثمانينيات. كما أن معدل دخل الفرد، مع انخفاضه عن معدله السابق أثناء فترة ارتفاع أسعار النفط، بلغ 2840 دولارا في عام 1989 ليجعل من العراق دولة من متوسطي الدخل.[14]

وقد جاءت العقوبات الاقتصادية التي تم فرضها على العراق في عام 1990 لتتسبب في تراجع يقدر بعشرات السنين في مسيرة التقدم الاقتصادي والاجتماعي.[15] ولعله من المفارقة أن نلاحظ أن درجة التطور والتقدم النسبي التي كان قد حققها العراق أدى إلى صعوبة متزايدة في التعامل مع انهيار البنية التحتية فيما بعد. فقبل حرب الخليج (عام 1991)  كان التخلص من مخلفات المدن يعتمد على 800 عربة لنقل المخلفات، وهو كم من العربات ما لبث أن انكمش ليصبح 80 عربة نقل في خدمة مدينة تعدادها 5 ملايين من السكان.[16] فمن الذكريات القوية المرتبطة في أذهان الآلاف من الطبقة الوسطى العراقية والخاصة بالحرب عام 1991 هي ذكرى رائحة اللحم المخزون في ثلاجاتهم وقد بدأ يفسد، حيث أنهم جمعوا مخزونا من الطعام ولكنهم لم يخططوا للحياة بدون كهرباء.[17] كما أنه بالنسبة لإنجازات نظام الرعاية الصحية في العراق، كان الرجوع إلى أوضاع العالم الثالث كارثيا. ومن ناحية أخرى فإن إحدى الانتقادات الموجهة إلى سياسات الحكومة العراقية كما وردت في تقرير الأمم المتحدة والبنك الدولي بشأن احتياجات إعادة الإعمار في أكتوبر 2003 تضمنت أن مثل هذا “النموذج القائم على فكرة المستشفيات ورأس المال” والذي يتطلب “استيراد الكثير من الأدوية والأجهزة الطبية بل والعاملين في مجال الصحة” هي عناصر لن يمكن لها أن تعمل في ظل مجتمع شديد الفقر.[18]

وفي عام 1995 تم تعديل العقوبات بما يسمح للعراق ببيع بعض النفط في السوق العالمي مقابل الغذاء والبضائع الأساسية، وقد تم تقديم ذلك الاتفاق الجديد تحت مسمى “برنامج النفط مقابل الغذاء” باعتباره وسيلة لرفع المعاناة عن الشعب العراقي. إلا أن إحدى النتائج الرئيسية تمثلت في التقليل المتزايد من قدرة نظام صدام حسين على ممارسة سلطاته الأساسية كحاكم. فمنذ عام 1991 كانت الحكومة العراقية قائمة على توفير الغذاء للغالبية العظمى من السكان، وبالرغم من أن نظام توفير الغذاء كان يستخدم كأداة للتحكم الاجتماعي والسياسي إلا أنه ضمن مقومات الحياة للملايين من العراقيين خلال أشد فترات الحصار الاقتصادي قسوة. وقد أدى انهيار نظام الرفاهة الاجتماعية إلى ضرب الدولة البعثية في مقتل. فإذا كان صدام حسين قد سكن في قصور فارهة باذخة إلا أن المواطنين العراقيين كانوا يتمتعون بأحد أفضل أنظمة الرعاية الاجتماعية على مستوى منطقة الشرق الأوسط. فلم يكن لهذا النظام الاجتماعي مثيل، وكان الأكثر فقرا يشعرون مع ذلك أن لهم نصيبا من الرعاية.[19]

ومع تداعي نظام الرعاية الاجتماعية اتجه العراقيون إلى قوى أخرى تقوم بملء الفراغ، وقد اتسع مجال عمل المؤسسات الخيرية السنية منها والشيعية لمواجهة الاحتياجات المتزايدة لشعب غارق في الفقر. إن القاعدة التي ورثها رجل الدين الشيعي الراديكالي (الثوري) مقتضى الصدر عن والده محمد صادق الصدر كانت مبنية على شبكة من المؤسسات الخيرية الشيعية. كما أن الصعود السريع لرجال الدين السنيين والشيعة وبروزهم السياسي في أعقاب سقوط صدام حسين يعود جزئيا إلى تراجع دور الدولة خلال العقد الأخير.[20] ومن المفارقة أن نلاحظ أن زعماء حزب البعث قاموا بتشجيع “إعادة أسلمة” المجتمع العراقي عن طريق إدارة “الحملات الدينية” بما فيها برنامج بناء المساجد ونظام يوفر أئمة لصلاة الجمعة في المساجد السنية والشيعية.

إن دعم الدولة للدين كان من العلامات الدالة على السعي اليائس والمتزايد لحزب البعث بحثا عن قاعدة أيديولوجية للنظام. وتمثل “القبلية الجديدة” سياسة أخرى أثبتت دورها المدمر لسلطة الدولة المركزية، حيث يصف أماتزيا بارام كيفية قيام حزب البعث في عام 1992 بإعادة تشكيل نفسه باعتباره “قبيلة كل القبائل.”[21] أما بالنسبة للتوجه نحو الدين، فقد كانت تلك السياسة الجديدة مدفوعة بالإحساس باليأس، وفي أثناء انتفاضة مارس 1991 التي أعقبت الهزيمة في الكويت نجد أن:

جهاز حزب البعث أثبتت فشلا يكاد يكون كاملا. إن صدام قام بنفسه فيما بعد بمعاقبة الأعضاء الكبار ومتوسطي المكانة في الحزب لما كانوا عليه من عزلة عن الجماهير وقت حدوث التمرد. وقد لجأ صدام إلى زعماء القبائل بحثا عن الدعم القاعدي ضد الانتفاضة وفيما بعدها في مواجهة أعمال التغلغل والتجسس وحرب العصابات.[22]

وبصورة عملية يعني ذلك منح زعماء القبائل تصريحا بإقامة جيوش خاصة وفرض قانون القبيلة، وخلال شهور معدودة كانت الدولة تواجه صعوبات في السيطرة على زعماء القبائل.[23] وفي أكتوبر 1992 جنوب مدينة الكوت، نشب خلاف على الأرض ما لبث أن تحول إلى معركة قبلية استخدمت فيها القذائف التي أودت بحياة 266 من القتلى.[24]

إن سياسة القبلية الجديدة لم تكلف النظام البعثي احتكاره للقوات المسلحة فحسب وإنما أتت تلك السياسة على الأسس القانونية للدولة، ففي الأماكن التي تمتع بها زعماء القبائل بالقوة وخاصة في الريف كانوا يتمكنون من فرض قانون القبيلة وضمان العدالة. إن القانون العراقي المدني العلماني كان، نظريا على الأقل، قائما على المساواة بين كافة المواطنين، وذلك منذ بدء تطبيقه في عام 1958، إلا أن إعادة إحياء الأعراف القبلية المسنودة بالقوات المسلحة، كبديل لنظام العدالة والقضاء في الدولة، أدى إلى خلق قوة أخرى في مواجهة النظام البعثي، وقد تداخلت سلطة الحزب والقبيلة في بعض أجزاء المنظومة التراتبية، وخاصة على مستوى القمة، حيث أن صدام وعائلته كانوا قد اعتمدوا منذ فترة طويلة على الولاء القبلي أكثر من الإيديولوجيا البعثية، ويتمثل لب المشكلة في أنه كلما أصبح الحزب مرادفا للقبيلة كلما سهل منح الأولوية لأشكال الولاء الشخصي والمحلي على حساب مظاهر الانتماء البعثي. وقد ظهر ذلك جليا في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 حيث سرعان ما تخلى زعماء القبائل عن صدام حسين في صالح الدخول في علاقات مع الولايات المتحدة.[25]

نجاح كارثي

كان غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة غزوا دمويا أحادي الجانب، فبينما انهالت قوات التحالف مقتحمة العراق عبر الحدود مع الكويت يوم 20 مارس 2003 انهار الجيش العراقي. وقد قام أحمد هاشم من مركز الحروب البحرية بالولايات المتحدة بشرح ما صار يعرف تحت مسمى “النجاح الكارثي”، قائلا:

قليل من الناس من توقع أن تتمكن القوات المسلحة العراقية من الصمود في حرب مع قوات التحالف الأفضل تدريبا وتجهيزا. ولم يقم أي من القوات العراقية بالقتال الفعال، وينطبق ذلك على كل من الجيش النظامي بقواته ضعيفة التدريب والروح المعنوية، وعلى الحرس الجمهوري/الحرس الجمهوري الخاص والذي يضم قوات حاصلة على تدريب أفضل ومعدات قتالية أكثر والمتمثل دوره في الاشتراك في الحروب وحماية النظام. لقد ذابت القوات العراقية تماما، أما ما تم بالفعل فلم يخرج عن كونه حلقة قصيرة وسخيفة من القتال العنيف غير المنظم بمبادرة من العراقيين.[26]

وفي نشوة النجاح خططت الولايات المتحدة لانسحاب قواتها من العراق بنفس السرعة التي غزوه بها، وقد استندت خطة الغزو على المقولة المحورية للمحافظين الجدد في تعاليمهم الحربية الواردة في وثيقة عنوانها “العراق: الأهداف والأغراض والاستراتيجية” التي أعدها مسئولون أمريكيون في أغسطس 2002. فطبقا لتلك الوثيقة نجد أن الهدف من الحرب لم يقتصر على إسقاط صدام حسين وإنما العمل كذلك على بناء نظام مستقر موال للولايات المتحدة يحافظ على بيروقراطية الإدارة البعثية، في الوقت الذي توجه فيه الإدارة في واشنطن اهتمامها صوب الدول المجاورة للعراق، أي سوريا وإيران.[27]لقد كان الأمريكيون يأملون في استبدال القادة العراقيين بأولئك العائدين من المنفى في الوقت الذي تقوم به المؤسسات العراقية بإدارة شئون البلاد يوما بيوم. وكانوا يأملون أيضا في إحساس الشعب العراقي بالامتنان بما يضمن حدوث تحول سلس نحو الحكم الأمريكي. وكان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رمسفيلد قد خطط لغزو العراق بأعداد صغيرة ولكن سريعة الحركة من القوات، تساندها القوات الجوية والقوات الخاصة والحلفاء المحليون، وبالتالي كانوا يتصورون أنهم لن يتركوا سوى بصمة خفيفة لوجودهم في العراق.

وفي يوم 16 أبريل 2003 هبطت في مطار بغداد طائرة الجنرال تومي فرانكس، قائد القوات الأمريكية في العراق، وتم الإسراع في نقل الجنرال إلى قصر أبوغريب الشمالي في بغداد، الذي كان أحد بيوت صدام حسين ثم تحول إلى مقر للجيش الأمريكي. واجتمع فرانكس بكبار القادة ليخبرهم بأن أمامهم 60 يوما لخفض قوات الغزو البالغ عددها 140 ألف جندي إلى 30 ألف مقاتل. وكان جورج بوش قد أكد على فرانكس في اليوم السابق انه سيتصل بحلفائه لضمان إرسال قوات دولية إلى العراق، وكان الرئيس الأمريكي على ثقة من أنه على الرغم من معارضة عديد من حلفاء أمريكا التقليديين للحرب إلا أنهم سينضمون إليه الآن وقد تم إسقاط تمثال صدام. كما قام المسئولون من البنتاجون بإخبار الرئيس بخططهم لضم قوات من حلف شمال الأطلنطي (ناتو) ومجلس التعاون الخليجي وبولندا وبريطانيا والهند، من أجل تحالف يضم 30 دولة. كما أكد مستشارو بوش لرئيسهم على توقعاتهم بأن تبدأ الحكومة الانتقالية في مباشرة مهامها خلال 60 يوما، على أن تضم أعضاء محليين تحت قيادة العائدين من المنفى الموالين للولايات المتحدة.

إلا أن المخاوف بشأن أعداد القوات أحدثت انشقاقا داخل الجيش، ففي بدايات عام 2003 حذر هيو شيلتون، رئيس مجمع رؤساء الإدارات، من أن العراق قد يهوي إلى حالة من الفوضى إن لم يتم إرسال القدر الكافي من القوات للحفاظ على حالة الأمن في البلاد، كما جاءت مذكرة سرية لتحذر من أن القواعد السائدة في ظروف القتال مختلفة عن ظروف الاحتلال.[28] إن ذلك العرض الذي اعتمد على حسابات تم التوصل إليها خلال حرب كوسوفو خلصت إلى أن الولايات المتحدة ستحتاج إلى قوات يبلغ عددها 480 ألفا لتأمين حدود العراق والمدن، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف عدد القوات التي اقترحها رمسفيلد والبالغة 140 ألفا. وعندما أخبر الجنرال إيريك شينسيكي الكونجرس الأمريكي بأن التحالف في حاجة إلى ما لا يقل عن 300 ألفا من القوات على أرض العراق تمت إقالته من منصبه. وقد قام الجنرال جي جارنر، وهو أول مسئول أمريكي تم إرساله لحكم العراق، بتلخيص مظاهر الإحباط المتزايد داخل الجيش، قائلا:

كان جون أبي زيد (نائب قائد القوات الأمريكية وكبير القادة العرب الأمريكيين في الجيش الأمريكي) هو الوحيد الذي وضع في الاعتبار الموقف ما بعد الحرب، في حين لم تفكر الإدارة الأمريكية في ذلك. لم يفكر كوندي رايس في ذلك، ولم يفكر دوج فيث في ذلك. فقد كان يتم إخبارهم ولكن دون صدور أية مبادرة منهم. واقتصر الأمر على هزة رأس منهم. وهكذا انتهى المر بكل تلك المآسي.[29]

“المآسي” كانت قد بدأت بالفعل بينما كان فرانكس مجتمعا بقادته، وتمثلت تلك المآسي في عمليات النهب وإشعال النار بمراكز الإدارة الرئيسية وتدمير البنية التحتية العراقية والتي كان قد أصابها الوهن. كما تم نهب المستشفيات والمدارس والجامعات ثم إشعال النيران فيها، ومن هنا اعتبر العراقيون أن قوات التحالف أتت بالفوضى والدمار. وفي الأيام التي أعقبت سقوط النظام شعر كثير من العراقيين بأن قوات التحالف قد فشلت في أول اختبار حقيقي لها، ألا وهو ضمان الأمن. فبعد عام كتب مايكل جوردون في صحيفة النيويورك تايمز قائلا:

لم يمر وقت طويل حتى تمت تنحية كل الأحاديث المتفائلة بشأن الانسحاب السريع للقوات الأمريكية. فلم ترغب أي من دول حلف شمال الأطلنطي (ناتو) أو دول الخليج الفارسي في إرسال قواتها إلى العراق، كما تم إرسال جنرال أمريكي إلى نيودلهي لعقد مباحثات مع الهنود، إلا أن الآمال الخاصة بانضمام قوات هندية ما لبثت أن تحطمت. وقد عرضت تركيا إرسال قوات حفظ السلام ولكن العراقيين رفضوها، وأصبحت الحقيقة الوحيدة هي الفرق الخاضعة للقيادة البولندية والبريطانية.

لقد كان للجيش القدر الكافي من القوات لضم الجيش العراقي، ولكنه لم يكن كافيا لتأمين البلاد، فبدلا من الاستسلام قام العديد من أفراد القوات العراقية بالاحتفاظ بأسلحتهم، ومنهم من انضم إلى عمليات نهب محلات السلاح. وهكذا خلال أسابيع من انتهاء الحرب، بدأت حركة تمرد صغيرة تستهدف القوات الأجنبية، وكانت معظم العمليات الهجومية موجهة ضد القوات الأمريكية.

تفكيك الدولة

إن النتائج الاقتصادية المترتبة على إضعاف الدولة العراقية سرعان ما كشفت عن نفسها في أعقاب الحرب، ففي بعض الحالات تم تفكيك مصانع بأكملها وشحنها خارج البلاد. كما تم تفكيك البنية التحتية للعراق، أحيانا لمجرد سد الاحتياجات اليومية للسكان البائسين، وأحيانا أخرى لتحقيق مكاسب شخصية. ففي عدد من المناطق بدأ البعض، فرادى وجماعات، في توفير الخدمات للمستهلكين المحليين باستخدام الأجهزة والمعدات المنهوبة. وتمثل شبكة الكهرباء مجالا من مجالات البنية التحتية التي تعرضت لتزايد عمليات انهيارها بعد الغزو. وعندما عادت هيفاء زنجانا إلى العراق لأول مرة في يناير 2004 بعد غياب دام 28 عاما وجدت أن أمرا بسيطا مثل فتح جهاز التلفزيون يتطلب الكثير:

بيوت الطبقة الوسطى بها ثلاثة أو أربعة مصادر مختلفة للكهرباء، وإن لم تكن على علم بمعدلات الفولت المختلفة فقد تتسبب في إحراق كل ما بداخل البيت. فهناك الشبكة الوطنية التي تعمل لقترة قصيرة من الوقت. وفي البيت الذي أقمت به كان مسجد الحي هو الذي يقوم بتوفير الكهرباء، حيث كان لدى إمام المسجد مولد كهربائي كبير (من عمليات النهب) يوفر الكهرباء لمائة من البيوت. كما كان لدينا مولد صغير محمول يمكنه توفير الكهرباء لحجرة واحدة فقط.[30]

وفي مايو 2003، كانت سبعة محافظات عراقية من مجموع 18 محافظة تتمتع بما لا يقل عن 16 ساعة من الكهرباء يوميا، أما في نهايات مايو 2004 فلم تكن تتمتع بهذا القدر من الكهرباء سوى محافظة واحدة في شمال العراق.[31] أما معدلات الكهرباء في بغداد بحلول أكتوبر 2004 فكانت بالكاد تمثل نصف معدلات وفرة الكهرباء في فترة ما قبل الحرب.[32] وقد عانى نظام الرعاية الصحية هو الآخر من عمليات النهب فور اندلاع الحرب، فبالنسبة للمستشفيات القريبة من مدينة الصدر فإن الأجهزة الطبية لم تختف لتعود إلى الظهور في السوق السوداء، وإنما تم نقلها من قبل مساندي رجل الدين الشيعي مقتضى الصدر لتحل داخل العيادات الطبية التي تمت إقامتها داخل “الحسينيات” أي أماكن العبادة الشيعية في المدينة.[33]

وقد تعرضت وسائل الإعلام التابعة لنظام صدام لعمليات تحول مشابهة، حيث انتقلت محطات الإذاعة والتلفزيون ما بين ليلة وضحاها إلى أيدي هيئات بث محلية خاصة يديرها عادة موظفون من القنوات التابعة للدولة سابقا.[34] مما نتج عنه انهيار سريع في شبكة البث التابعة للدولة، وهو ما أيده المسئولون الأمريكيون أول الأمر بدعوى تصحيح المسار. إلا أنه مع إدراكهم أن عملية الانقسام تعوق عمليات الدعاية الخاصة بهم، نشأ صراع قوي بين بعض تلك المحطات المحلية من ناحية وبين الشبكة الإعلامية العراقية في بغداد المدعومة من البنتاجون، ودار الصراع على المدى المتاح من موجات الهواء.[35] ولعل من المفارقة بالنسبة للولايات المتحدة هو أن المستفيدين الأساسيين في تلك الدعوة إلى الحرية الإعلامية كانوا من قنوات البث الفضائيات العربية مثل قناتي “الجزيرة” و”العربية” اللتين تتمتعان بتزايد مستمر في أعداد المتابعين لهما في العراق، في الوقت الذي يستقبل المشاهدون في البصرة بالكاد القنوات المدعومة من البنتاجون والتي يتم بثها من العاصمة.

معمل لليبرالية الجديدة

يبدو أن التخطيط الأمريكي لصورة العراق ما بعد الحرب كان مبنيا على فرضية مؤداها أن الدولة العراقية ما زالت الإدارة البيروقراطية المركزية القوية لحزب البعث والتي تم إنشاؤها منذ بدايات حكم الحزب. ونجد أن كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي الأمريكي والمقربة من الرئيس الأمريكي، قامت بتلخيص الفكر السائد وراء الاحتلال:

كانت الفكرة تتمثل في أننا سنهزم الجيش بينما تظل المؤسسات كلها قائمة، بداية من الوزارات وانتهاء بقوات الشرطة، بحيث يتسنى المجيء بزعامة جديدة مع الحفاظ على الهيكل كما هو.[36]

إلا أنه قبل الحرب وبعدها ظل المسئولون الأمريكيون يخططون لاستحضار قوى السوق وذلك للقضاء على قيام الدولة بتوفير كافة الخدمات. إن جهاز الحكومة الأمريكية المعني بالمساعدات الأمريكية USAID منح عقودا لعدد من الشركات الأمريكية لإعادة بناء البنية التحتية ونظامي الرعاية الصحية والتعليمية، فقد تم منح “أبت وشركاه” على سبيل المثال عقدا تبلغ قيمته 42 مليون دولار من أجل “تقوية واستقرار” نظام الرعاية الصحية العراقي، ونجد أن “ملخص المشروع الخاص بتلك الشركة يتضمن تحديدا “ضم مقدمي ومستهلكي الخدمة الصحية من القطاع الخاص.”[37]

ولم يكن مجال الصحة هو المجال الوحيد الذي تم إتاحته لعمليات الخصخصة، حيث أصدر المسئول الإداري الأمريكي بول بريمر قرارا في سبتمبر 2003 يتيح نسبة 100% للملاك الأجانب داخل البنوك والمشروعات التي تملكها الدولة، وذلك لأول مرة منذ عشرات السنين. وتشير ناومي كلاين في إحدى مقالاتها العديدة التي تكشف فيها عن خضوع العراق للاحتلال من قبل الشركات الكبرى، مؤكدة على أن تلك السياسة هي سياسة تفقد شرعيتها حتى في إطار القانون الدولي.[38] وفي نفس الوقت نجد أن الشركات الأمريكية المتعددة الجنسيات مثل شركتي هاليبرتون وبيكتيل حققتا مكاسب ضخمة من أعمال إعادة إعمار العراق، في حين تم استبعاد الشركات العراقية من الدخول في مناقصات للحصول على العقود.[39] وعندما تم إصدار القواعد المالية الجديدة استقبلتها الصحافة المحلية بعاصفة من الاحتجاج.[40]

وكذلك تم حل مؤسسات عراقية أخرى، حيث تم يوم 23 مايو 2003 إلغاء وزارتي الدفاع والإعلام وحل القوات المسلحة، كما أن الموظفين الحكوميين الذين لم يخدموا النظام السابق سوى عن طريق طباعة الكتب الدراسية والنشرات الطبية وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل. وقد أدى حل الجيش إلى زيادة التمرد الذي بدأ يظهر على السطح خلال صيف 2003. فعلى الرغم من الوعود التي قدمها المسئولون الأمريكيين في يونيو بخصوص دفع مرتبات لحوالي 250 ألف جندي سابق، انفجرت أعمال احتجاج عنيفة قام بها جنود سابقون في كافة أنحاء العراق واستمرت خلال أشهر الصيف.

عودة المنفيين

إن السياسيين العراقيين المنفيين، الذين عادوا إلى العراق مع القوات الغازية، لم يجدوا في عراق ما بعد صدام أملهم المنشود. وقد يبدو على الظاهر أنهم حققوا كل ما يريدون من مناصب وزارية وفرص للقيام بأعمال تجارية وحرية إقامة أحزاب سياسية، إلا أن المشكلة تكمن في أن كلا من المسئولين الأمريكيين والسياسيين العائدين من المنفى يبدو وأنهم يشتركون في وهم واحد ألا وهو عدم الحاجة إلى بناء قاعدة من الجماهير المناصرة لهم في العراق طالما لديهم مثل تلك القاعدة في واشنطن.[41] إلا أنه وبمرور عامين من الاحتلال بدأت يتضح زيف تلك الفكرة، حيث أن الدولة العراقية الهشة عاجزة عن توفير قوة سياسية حقيقية طالما كان العائدون من المنفى معتمدين على القوات الأمريكية.

فأثناء الإعداد للحرب بدت الولايات المتحدة كما لو كانت قد حققت الوحدة بين الأطراف العتيدة للمعارضة العراقية، وهكذا ما بين أكبر حزبين كرديين مرورا بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وانتهاء بالبعثيين القدامى في لجنة الوفاق الوطني، وجد أعضاء المعارضة العراقية في المنفى أنفسهم سعداء بحضور المؤتمرات المدعومة أمريكيا للتخطيط لمرحلة “ما بعد صدام.” بل إن الجماعات الإسلامية الشيعية، كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والتي كانت على مدى سنوات تحصل على الدعم من إيران، أصبحت مؤهلة للحصول على التمويل العسكري الأمريكي.

إن الائتلاف الذي شكّل مجلس الحكم الذي عينته الولايات المتحدة في يوليو 2003 كان شبيها جدا برابطة المنفيين المقربة من الولايات المتحدة قبل الحرب، حيث انضم كل من الحزبين الكرديين الرئيسيين KDP and PUK، والشيعة الإسلاميين بما في ذلك المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والقوميين العلمانيين مثل أحمد الجلبي من المجلس الوطني العراقي، وكذلك البعثيين السابقين التابعين للجنة الوفاق الوطني وزعيمها إياد علاوي. كما قام الحزب الإسلامي العراقي بتمثيل السنة الإسلاميين، في الوقت الذي تمت مكافأة بعض المجموعات الأصغر حجما بمقعد واحد في مجلس الحكم. أما حزب الدعوة والحزب الشيوعي العراقي فكانا هما الإضافة الوحيدة إلى قائمة الأحزاب التي حضرت مؤتمر المعارضة العراقية في لندن في ديسمبر 2002. وقد عارضت مجموعة داخل حزب الدعوة الحرب وكذلك عارضها الحزب الشيوعي العراقي، إلا أن كليهما انضم إلى مجلس الحكم عندما أنشأه ممثل الإدارة الأمريكية بالعراق بول بريمر. ومثله في ذلك مثل المندوب السامي البريطاني في العشرينيات من القرن الماضي، كان بريمر من يملك زمام الأمور في العراق بوصفه رئيسا لسلطة التحالف المؤقتة والتي تأسست في أعقاب الغزو. فقد كان هو القائم على إصدار القوانين والتحكم في الميزانية.

إن مجلس الحكم بحكومتيه المؤقتتين (عامي 2003 و2004) يوضح قوة الاحتلال الذي تتزعمه أمريكا في نفس الوقت الذي يكشف فيه عن ضعفها. وتتضح قوة الاحتلال في قيامه بتعيين مجلس الحكم، وبدلا من منح العراقيين فرصة تحديد مسارهم جاء تعيين المجلس أبعد ما يكون عن الممارسة الديمقراطية حيث قامت مجموعة من حلفاء أمريكا بفرضه على بلد مهزوم. إلا أن الأداء التعيس لمجلس الحكم كشف في الوقت ذاته عن نقطة ضعف هامة لدى قوات الاحتلال، ألا وهي عدم قدرتها على إيجاد شركاء عراقيين من بين بقية الشعب العراقي، قادرين على تقديم ولو دعم رمزي للاحتلال.

ويتضح ذلك الفشل جليا من استطلاعات الآراء التي تمت لصالح سلطة التحالف المؤقتة وذلك في الفترة من نوفمبر 2003 وحتى مايو 2004، تلك الاستطلاعات التي تتبعت درجة الثقة في كل من قوات الاحتلال ومؤسسات الدولة العراقية الجديدة. ففي نوفمبر 2003، أعرب 63% من العراقيين عن قدر من الثقة في مجلس الحكم، إلا أن تلك النسبة انخفضت إلى 23% في أبريل من العام التالي. وكان الوضع سيئا أيضا بالنسبة للوزارات العراقية الجديدة حيث انخفض معدل الثقة فيها من 63% في نوفمبر 2003 إلى نسبة 31% في أبريل 2004. أما الثقة في سلطة التحالف المؤقتة فقد انخفضت هي الأخرى انخفاضا كبيرا، حيث كانت نسبة العراقيين المعربين عن ثقتهم في السلطة تعادل 47% في نوفمبر 2003 وما لبثت أن انهارت النسبة إلى 9% في أبريل 2004.[42]

وقد جاء انتقال السلطة المفترض من سلطة التحالف المؤقتة إلى الحكومة العراقية الانتقالية في يونيو 2004 ليؤكد على مدى اعتماد العائدين من المنفى على قوات الاحتلال. وتم اختيار إياد علاوي رئيسا للوزراء، وهو زعيم لجنة الوفاق الوطني العراقي والذي يتمتع بعلاقات طويلة مع المخابرات الأمريكية (CIA) و(MI6).[43] إضافة إلى ذلك، كان المسئولون الأمريكيون يخططون لترك 155 مستشارا للوزارات العراقية، وكذلك 1700 من العاملين في المقر الجديد للسفارة الأمريكية والتي كان سيتم تغطية تكاليف إنشائه من مبلغ 184 مليون دولار من أموال التمويل الأمريكي الذي كان مخصصا لإصلاح قطاعي المياه والكهرباء.[44]

تصاعد الاستياء

لقد شهد صيف 2003 تزايد أعداد الهجوم على قوات التحالف، وهو ما ردت عليه سلطة التحالف بسيل من الاعتقالات، فقد أغار الآلاف من جنود القوات على البيوت، بطول البلاد وعرضها، معتقلين الرجال والفتيان وأحيانا النساء. كان الجنود يظهرون ليلا، فيكسرون باب البيت ويقبضون على الرجال، وكان يتم التعامل مع النساء بقسوة وخشونة، وكثيرا ما تمت سرقة الأموال والأشياء الشخصية النفيسة. وفي يوم 27 يونيو 2003، تمت عملية شبيهة قامت بها القوات البريطانية في قرية “مجر الكبير”، ولكنها انتهت بانتفاضة محلية ومقبل 6 من رجال الشرطة العسكرية البريطانية. كما خرج الآلاف من العراقيين في مسيرات عبر مدينة بغداد يوم 3 يونيو 2003، مطالبين بوضع حد للاعتقالات ولعمليات التفتيش الجسدي المهين الذي تتعرض له النساء العراقيات. وقد قام المتظاهرون من الأحياء الشيعية والسنية بالتهديد بحمل السلاح والقتال إذا لم تتوقف تلك الغارات الليلية. فما كان من قوات التحالف إلا أن ردوا بالمزيد من الغارات والاعتقالات.

وكان العراقيون قد أصابهم الذعر من مجرد ذكر اسم أبوغريب وذلك بفترة طويلة قبل بث صور الإساءة والتعذيب على العالم في أبريل 2004. إن سجن أبوغريب، الذي كان مركزا معروفا للتعذيب إبان حكم صدام حسين، ما لبث أن ملأته قوات التحالف بالمسجونين، وبحلول سبتمبر 2003 كان قد عدد المعتقلين قد بلغ 10000 معتقل، وقد كان أثر ذلك رهيبا بالنسبة للمدن في وجه العاصفة، فطبقا لقوات التحالف ذاتها، كان 325 معتقلا من مدينة الفلوجة وحدها ممن تتراوح أعمارهم بين رجل يبلغ 82 عاما وعدد من الفتيان في السادسة عشرة من أعمارهم.[45]

وقد بدأ صبر العراقيين الذين كانوا قد رحبوا بداية بالغزو في النفاذ، ونجد أن نضال الجزائري، وهي ممثلة لمنظمات معنية بالنساء والأطفال في البصرة، تصف كيف كان الناس في الأيام الأولى التي أعقبت الغزو يأملون في أن تتحسن ظروف الحياة:

جاءت المنظمات غير الحكومية إلى البصرة وقدمت الكثير من الوعود، ولكنها في غالبيتها لم تقم سوى بإعادة طلاء الجدران وبعض الإصلاحات السطحية. فلم تتم إعادة بناء المدارس بعد، وفي كثير من المدارس لا تزال الأسطح ترشح بالماء والأرضيات عبارة عن طين، ويعود الأطفال إلى بيوتهم كل يوم متسخين بالطين من أرضيات مدارسهم. كما تم إغلاق كافة الوزارات وفقد الناس وظائفهم، وكذلك تم إغلاق الميناء وارتفعت معدلات البطالة إلى درجة قصوى. لقد قامت مظاهرات عديدة، حيث احتج الناس على انتخاب المحافظ وتعيين قائد الشرطة في البصرة، فبدأت المفاوضات مع قوات الاحتلال. بدأ الناس في التعبئة والتساؤل: “ماذا عن المستقبل؟” ولكنه كان من المحال أن يتم التفاوض مع القوات متعددة الجنسيات.[46]

وبدأت عمليات بالعربات المليئة بالمتفجرات والقنابل المزروعة على الطرقات والكمائن تستهدف القوات بطول البلاد وعرضها، وكانت تلك الحملة عادة غير دقيقة متسببة في أعداد كبيرة من القتلى من السكان المحليين، وفي أعقاب كل عملية كان المشيعون يوجهون غضبهم نحو قوات الاحتلال. وهكذا بنهاية فصل الصيف كانت القلاقل قد امتدت إلى كافة أنحاء البلاد، ففي البصرة قامت حشود بإشعال النيران في ناقلات النفط وإلقاء الحجارة على القوات البريطانية، كما تم استهداف الشركات الكويتية بعدما انتشرت الإشاعات بأنها تسرق النفط، كما قامت عصابات من العراقيين بالاستيلاء على عربات نقل النفط واقتحام أقسام الشرطة. وبذلك بدأت حركة شعبية جديدة في التشكل من الموصل إلى سامراء ومن النجف إلى الإسكندرية، في الوقت الذي ظهرت لجان الشوارع والقبائل والمساجد لتحل محل الفراغ الذي أحدثه سقوط النظام.

ونقرأ وصفا للدكتورة فاطمة سلوم، محررة صحيفة “المتحد” في بغداد، تبين فيه كيف بدأ الناس العاديون في تجمل المسئوليات العامة:

إن الناس العاديين هم الذين بدأوا في إعادة بناء المدارس وتنظيف الشوارع وإدارة شئون المستشفيات التي تعرض العديد منها للدمار بفعل القنابل الأمريكية.. وقد بدأ الناس يتساءلون: “ما فائدة كل هذه الجيوش؟ إنهم لا يعرفون حتى كيفية إعادة توصيل الكهرباء.” وسرعان ما أدركنا أنه يجب علينا نحن أن نقوم بذلك بأنفسنا، أي أنه يجب علينا إدارة شئون مدننا بأنفسنا.[47]

عناصر النظام؟

أصرت قوات الاحتلال على أنها كانت في معركة ضد “فلول النظام.” كما بدأت إشاعات في الانتشار مفادها أن العديد من وحدات الجيش العراقي انسحب من ساحة المعركة لتنفيذ خطة مسبقة تستهدف عرقلة الاحتلال، وكان مما منح تلك الإشاعات وزنها هي المقابلات التي تمت مع سكوت ريتر، وهي مفتش سابق من مفتشي الأسلحة، والذي تذكر أنه قد وجد أدلة في عام 1996 على أن النظام كان قد وضع خطة للتمرد في حالة شن حرب على العراق.[48] إلا أن أحمد هاشم، من المركز الأمريكي للحرب البحرية، يوضح أنه لا توجد أدلة كافية على قدرة نظام البعث على القيام بذلك:

حذر المسئولون العراقيون قبل بدء الحرب أنهم سيستخدمون كافة الأساليب لقتال قوات التحالف، إلا أن تلك التصريحات الاستعراضية لم تتحول إلى حقيقة على أرض الواقع، حيث فشل النظام في القيام بحملة تمرد فعالة أو القيام بعمليات قتالية في المدن الرئيسية مثل بغداد. وقد اعتبر صدام أنه تعرض للخيانة من ضباطه، وهي تهمة كررتها ابنته الصغرى رغد من منفاها في الأردن.[49]

وقد قام متشيل بروثيرو، مراسل UPI، بمقابلة بعض مؤيدي صدام حسين سابقا، في بغداد، كما تحدث إلى أحد قادة المقاومة المحليين يحمل اسما حركيا هو أبو مجهد، وقال:

قال أبو مجهد أنه لم يكن يرغب في محاربة الأمريكيين عند وصولهم في أبريل. “لقد كنت أحب صدام، فقد كان زعيما قويا، ولكنني كنت عضوا في حزب البعث وكنت أعلم أن رجاله، بل وأبناءه، كانوا فاسدين، يسرقون وينهبون الشعب العراقي. ولذا انتظرت كي أرى إذا ما كان الأمريكيون سيحررون أراضينا أم يحتلونها. وقد كان صدام قويا فيما قبل عام 1991 وكان يتخلص من أعدائه، أما المخلصون فلم يمسهم سوء. فمن كان بعيدا عن الأعمال السيئة كانت حياته على ما يرام، إلا انه فيما بعد 1991 وبسبب الأمريكيين وحرب الكويت، فقد صدام صوابه وبدأ في قتل حتى الطيبين من الناس.[50]

وتصاعدت درجة الذعر في واشنطن بأن التمرد يؤثر على مسيرة خطة إعادة الإعمار، حيث تعرضت الطائرات المروحية والدبابات والعربات المصفحة للهجوم، وإلحاق الأضرار بأنابيب النفط، إضافة إلى اغتيال المترجمين والمسئولين المتعاونين مع الاحتلال. ومع ازدياد العمليات الهجومية جرأة ودقة، أصبح موقف قوات التحالف يؤثر على سيطرة الولايات المتحدة على الموقف تأثيرا خطيرا. وفي 26 أكتوبر 2003، كاد بول وولفوفيتز (ذلك القائد ومهندس الغزو) أن يلقى حتفه في هجوم صاروخي على منطقة “النطاق الأخضر” المحصنة في وسط بغداد. كما نجا بول بريمر بأعجوبة من انفجار قنبلة على الطريق. وجاء رد فعل واشنطن بوضع خطط للتعجيل من تسليم السلطة لحكومة عراقية انتقالية، وتم تحديد يوم 30 يونيو 2004 لتسليم السلطة. وفي 13 ديسمبر حقق الأمريكيون أخيرا خطوة مفاجئة إلى الأمام، حيث تم عرض صدام في صورة مزرية بعد أسره أمام العالم أجمع، وقد ظن الأمريكيون بأنهم بذلك قد وجهوا ضربة قاضية للمقاومة، إلا أن فرحتهم واحتفالهم بهذا الحدث لم يطل. حيث نجد أن شخصا مثل البعثي السابق أبو مجهد وضح أنه اتخذ قرار القتال بعدما فشلت الوعود الأمريكية لبناء عراق جديد:

لقد وعدنا (الأمريكيون) بتحريرنا من الاحتلال، ووعدونا بالحقوق والحرية، فانتظرت أنا وزملائي قبل اتخاذ قرارنا حتى نرى ما سيفعلون. كان يجب عليهم أن يأتوا وأن يمنحونا الغذاء وبعض الأمان فحسب، ولكنني حتى اليوم لا أشعر بقدرتي على قيادة سيارتي ليلا بسبب علي بابا (أي المجرمين بلغة أهل بغداد). وحينها أدركت أنهم جاءوا كمحتلين لا محررين، وهكذا اخترت أنا وزملائي طريق القتال، فبدأنا نجتمع ونخطط، واجتمعنا بغيرنا وحاولنا شراء الأسلحة. ولا يخشى أي منا الموت، ولكن الأمر صعب، فنحن مجرد رجال، عمال لا جنود.[51]

وقد أشار بول ماري دي لا جورس في صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” أن أسر صدام قد أزاح آخر عقبة من أمام قيام معارضة موحدة:

كان صدام حسين بلا شك عاملا على التقسيم لا التوحيد، ومعوقا لا ميزة، ولم يكن من الممكن للمقاومة العراقية أن تجد فيه مصدرا للمساندة الشعبية التي ما كان للمقاومة أن تمارس وجودها ونشاطها بدون تلك المساندة، مثلها في ذلك مثل أي مقاومة سرية. فبعد أسر صدام حسين وما تلاه من اعتقالات ضخمة، اكتسبت المقاومة العسكرية القدرة على ضم أنصار الرئيس السابقين، ممن كانوا يريدون مواصلة كفاحهم، إلى صفوفهم.[52]

الإسلاميون

قامت معظم التغطية للتمرد في الإعلام الغربي بالتركيز على الإسلاميين المتشددين مثل مجموعة “التوحيد والجهاد” المفترض خضوعها لزعامة أبو مصعب الزرقاوي، كما تكرر ظهور ذلك المقاتل الأردني ضمن ادعاءات الولايات المتحدة بكونه حلقة الوصل بين نظام البعث وشبكة “القاعدة” التي يتزعمها أسامة بن لادن، وذلك على الرغم من أنه من المفترض أيضا أنه كان منضما إلى مجموعة إسلامية كردية معارضة لصدام حسين. ورغم ذلك الزخم الإعلامي إلا أن مجموعة “التوحيد والجهاد” هي مجموعة هامشية بالنسبة لحركة التمرد، فمن إجمالي 2700 عملية ضد القوات المحتلة في أغسطس 2004 يبلغ عدد العمليات المنسوبة لمجموعة الزرقاوي 6 عمليات فقط، كما أن العدد المحدود من الإسلاميين المتشددين في العراق الذين يتخذون من شبكة “القاعدة” نموذجا لهم إنما يقعون على هامش حركة إسلامية أكثر اتساعا.[53]

وقد أخذت المجموعات السنية والشيعية تتطور في العراق قبل ظهور شبكة “القاعدة” بفترة طويلة، وكان مما قواها هو خيبة الأمل في نظام البعث وفشل اليسار في تقديم بديل للقومية العربية، فضلا عن أن الممارسات البعث القمعية جعلت من المساجد في معظم الأحوال هي المساحة العامة الوحيدة التي تتيح للناس مكانا للاجتماع والنقاش طالما استخدموا لغة الدين. كما أن كردستان العراقية، والتي كانت خارج نطاق سيطرة الحكومة المركزية خلال التسعينيات، شهدت بدورها نمو تيار إسلامي سني قوي. كما أن المؤيدون للجماعة الإسلامية محليا ظهروا على السطح باعتبارهم مصدر تهديد للأحزاب الكردية القائمة، وذلك من حيث قوتهم الانتخابية. وخلال الفترة ذاتها وفي منطقة أخرى من العراق، قاد محمد صادق الصدر حركة إحياء إسلامية شيعية مبنية على فكرة قيام دور سياسي واجتماعي لرجال الدين.

وفي أعقاب الغزو الأمريكي، ظهر رجال الدين السنة في مدن مثل الفلوجة باعتبارهم يمثلون زعامة سياسية لمقاتلي المقاومة المحليين، في حين قام مقتضى الصدر بتكوين حركة مسلحة (ميليشيات) انضمت إلى حركة التمرد التي قامت على مستوى البلاد في أبريل 2004 ضد الاحتلال. إلا أن ذلك لم يعن أن كل مقاتلي المقاومة كانوا من الكوادر الإسلامية، ففي العديد من أنحاء البلاد عمل كل من القوميين والبعثيين السابقين والإسلاميين جنبا إلى جنب، وقد ربطت بينهم وحدة الهدف ممثلة في إنحاء الاحتلال. ويوضح زكي شهاب ذلك في صحيفة “الجارديان” قائلا:

في شوارع الموصل الخلفية، وعشية سقوط المدينة، لاقيت وجها لوجه مجموعة من الرجال المسلحين، وكانوا يصيحون مطلقين الأعيرة النارية في مختلف الاتجاهات، وسألتهم عن هوياتهم فعرّفني بعضهم بنفسه بوصفهم بعثيين سابقين بينما قال آخرون أنهم ينتمون إلى منظمات إسلامية. وعلى الرغم من المسافة التي تفصلهم أيديولوجيا، إلا أنهم أوضحوا لي بأنهم يتلقون أوامرهم من نفس اللجنة في المدينة، وهي لجنة ترأسها مجموعة من القادة الدينيين. وقد اكتشفت فيما بعد وجود أشكال شبيهة بذلك في الفلوجة وسامراء.[54]

كما يذكر مقاتل من الموصل كيف كان يتم التعاون بين مجموعات من المقاتلين ينتمون إلى تيارات سياسية مختلفة، فيقول:

دعونا لا نخلط الأمور. إن كلمة “المقاومة” تحمل معنى وطنيا، أما “الجهاد” فهو في سبيل الله وبالنسبة لي فأنا أفعل ما أفعله في سبيل الله. إلا أن كثيرا من مقاتلي المقاومة ليسوا من المسلمين الملتزمين ولا يحافظون على الصلاة، ولكنهم يقاتلون الاحتلال ويواجهون الموت، فمن يذهب في مهمة تكون أمامه فرصة واحد إلى أربعة للعودة إلى بيته. إن المقاومة العلمانية والمقاومة الإسلامية تتعاونان فيما بينهما لأن لدينا نفس الغرض، لدينا نفس الهدف.[55]

ومن مقابلة أخرى مع مقاتلين من مجموعة إسلامية سنية تدعى “جيش النور”، يتم التأكد أن الإسلاميين اعتبروا أنفسهم هم القادة الطبيعيون للمقاومة. وقد التقى صحفي من صحيفة “سيدني مورننج هيرالد” بقائد الخلية، الذي عرف نفسه باسم أحمد، وذلك في إحدى ضواحي بغداد، وردا على سؤاله عن مصدر السلطة في الحركة قال:

إنها لدى الشيوخ في المساجد، فلا يسمح لأتباع حزب البعث وأعضاء الجيش سابقا بأن يكونوا قادة لنا. والبعثيون خاسرون فلم ينجحوا عندما كانوا يعملون من أجل الحزب، ولدينا الآن مجموعة واحدة من القادة الجهاديين تعمل على مستوى البلاد.[56]

صعود مقتدى الصدر

منذ سقوط صدام حسين ظهرت ثلاثة تيارات سياسية رئيسية بين رجال الدين الشيعة، فقد وافق بعض كبار أعضاء “حزب الدعوة” و”المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” على شغل مقاعد في مجلس الحكم ومناصب في الحكومة الانتقالية. أما آية الله علي السيستاني، وهو من كبار رجال الدين الشيعة على مستوى العالم، فقد التزم بموقف يميل إلى الهدوء أول الأمر مؤكدا على أنه يجب على رجال الدين عدم التدخل في الشئون السياسية. ولكنه قام فيما بعد بتوجيه انتقادات إلى سلطة التحالف المؤقتة ومجلس الحكم لقيامهما بتأجيل الانتخابات الوطنية، كما أعرب عن رفضه للدستور الانتقالي الذي تم توقيعه في مارس 2004. ويمثل مقتضى الصدر تيارا ثالثا، شديد المعارضة للاحتلال، ومصرا في دعوته إلى رجال الدين للقيام بدور فعال في الحكومة، بل ومستعدا لحمل السلاح ضد الاحتلال.

وقبل سقوط صدام حسين لم يكن مقتضى الصدر معروفا بالخارج سوى للقليل من الناس، إلا أنه طبقا لاستطلاع للرأي قامت به سلطة التحالف المؤقتة في مايو 2004 فإن مقتضى الصدر هو ثاني أكثر الشخصيات شعبية في العراق بعد على السيستاني، وأعرب حوالي 70% ممن شملهم الاستطلاع عن مساندتهم أو دعمهم الشديد له.[57] ففي أعقاب سقوط صدام حسين قام مقتضى الصدر بإعادة إحياء عادة والده في إقامة صلاة الجمعة في مسجد الكوفة الكبير، حيث توافد الآلاف للاستماع إلى خطبة الجمعة التي كان يلقيها محمد صادق الصدر في الفترة ما بين عام 1997 و1999، عام وفاته، حيث كانت شعبيته قد بلغت درجة فاقت احتمال نظام البعث، فمات مقتولا. وقد استخدم مقتضى الصدر، مثله في ذلك مثل والده من قبل، خطب الجمعة لإعلان آرائه السياسية على العالم، فمن على منبر مسجد الكوفة أعلن تشكيل “حكومة ظل” موازية لمجلس الحكم الذي عينته أمريكا في أكتوبر 2003.

كما قام مقتضى الصدر بتشكيل قوات مساحة أثبتت كونها أهم وسائله للحصول على الدعم، حيث تم تأسيس “جيش المهدي” في نهايات شهر يونيو 2003، وهي منظمة تشتق اسمها من الإمام المنتظر محمد المهدي، آخر المعصومين من بيت النبوة، والذي يعتبر ظهوره علامة لنهاية العالم. وقد ازداد حجم تلك الميليشيات بسرعة بالغة في ظل الاحتلال الأمريكي، فقد أدى قرار المسئولين الأمريكيين حل الجيش العراقي في مايو 2003 إلى قيام جمع من 400 ألف رجل مسلح يعاني من البطالة والغضب وبلا أمل في الحصول على فرصة عمل، وكان قد تمت إعادة تعيين بعضهم من قبل سلطة التحالف المؤقتة وذلك للعمل في مجال الجهاز الأمني الوليد، بينما انجذب آخرون نحو “جيش المهدي” وغيره من الميليشيات أو حركات المقاومة. وعلى الرغم من علاقة “جيش المهدي” بمصادمات كبيرة المدى ضد القوات الأمريكية إلا أنه لم ينشأ أساسا بهدف مقاومة الاحتلال، وإنما يعبر عن عسكرة السياسة الشيعية وعن المنافسة القائمة بين مقتضى الصدر غيره من الزعماء الشيعة.

وقد كانت معارضة مقتضى الصدر للاحتلال الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية مصدر جذب للعديد من شباب الشيعة الفقراء الذين تغمرهم حالة من الاستياء، حيث أنه سرعان ما تحولت توقعات وآمال الشيعة المشوبة بالحذر إلى شعور بالمرارة بسبب البطالة وتصاعد معدلات الجريمة. ومن العلامات الدالة على هذا التغير في الحالة السياسية هو رد فعل مدينة الصدر للنشاط العسكري الأمريكي، ففي الشهور الولى للاحتلال لاحظ الصحفيون الغربيون أن الجنود الأمريكيين عادة ما كانوا يستقبلون بالحفاوة في مدينة الصدر، وذلك مقارنة بمناطق أخرى من العاصمة، إلا أنه في نوفمبر 2003 حاول مؤيدو الصدر التخلص من المجلس المحلي المعين من قبل أمريكا.[58] وعلى مدى الأشهر التالية من المصادمات بين الطرفين، يقدر القادة العسكريون الأمريكيون أنهم قد قتلوا 800 عراقي في مدينة الصدر ومنهم أعداد كبيرة من الشباب المراهقين أعضاء “جيش المهدي.”[59]

وتوضح العلاقة بين مقتضى الصدر وعلي السيستاني بعض التناقضات القائمة في سياسة الشيعة في عراق ما بعد الحرب، حيث أن السيستاني يحتل مرتبة أعلى من الصدر في إطار التراتبية الدينية، ففي المذهب الشيعي يجب على كل شيعي بالغ اختيار “مرجع” وهو رجل دين كبير يحق له إصدار الأحكام الدينية الملزمة لأتباعه. وهكذا على العكس من الكنيسة الكاثوليكية التي تتمتع بهيكل تراتبي مركزي، فإننا نجد لدى الشيعة العديد من “المراجع” في نفس الوقت ولكل منهم الملايين من الأتباع. إن أتباع السيستاني يديرون مؤسسات خيرية يبلغ دخلها ملايين الدولارات سنويا، ويديرون نشاطها من خلال شبكة من المكاتب الموجودة في العراق وإيران.[60] وعلى الرغم من صغر سن مقتضى الصدر وبالتالي عدم كونه “مرجعا دينيا” بعد، إلا أنه قد ورث عن والده سلطة إدارة منظمة شبيهة لمنظمة السيستاني. ومع ذلك يظل ملتزما بهيكل السلطة الدينية التي تمنح السيستاني الأسبقية وسلطات أعلى منه، كما أن نداءاته إلى أتباعه والمجتمع الشيعي عامة تتحدث عن الولاء لرجال الدين الشيعة بشكل عام وعلى رأسهم الكلية الدينية في النجف أي “الحوزة الشيعية.”

إن نجاح مقتضى الصدر في التعامل مع حالة خيبة الأمل والاستياء تجاه الاحتلال هو نجاح يعكس أيضا ضعف خصومه السياسيين، فإذا كان المنفيون السابقون من أعضاء حزب الدعوة والمجلس العلى للثورة الإسلامية في العراقي يتمتعون بولاء الجيل الأكبر سنا من النشطاء إلا أن الكثير من الشباب يرونهم موصومين بعلاقاتهم بإيران أولا ثم بالاحتلال. إلا أن مقتضى الصدر يواجه تناقضا بشأن مصير الشباب الذين يجندهم، وهي مشكلة تقع في صلب الإسلام الشيعي في العراق. إن خيبة الأمل في محاولات حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق لإقامة أحزاب سياسية إسلامية أضفت الشرعية على العودة إلى هياكل أكثر تقليدية للسلطة الشيعية، فكلا النموذجين التنظيميين يحملان في حالة نجاحهما قدرا من المجازفة برفع مجال التوقعات، بشأن التغييرات السياسية والاجتماعية، إلى معدلات لا يمكنهما تحقيقها. إن ميليشيات الصدر غير قادرة وحدها على إلحاق الهزيمة بالقوات الأمريكية على الرغم من محاولات رجال الدين ملء الفراغ الموجود في مجال الرعاية الصحية والتعليم عن طريق العمل الخيري، إلا أنه لا يمكن تلبية احتياجات ملايين الفقراء من سكان مدينة الصدر دون الحصول على دعم من الدولة. كما أن تكوين حركة قادرة فعليا على أن مواجهة الاحتلال سيؤدي كذلك إلى إضعاف نفوذ نظام السلطة الدينية الذي تمثله حركة مقتضى الصدر.

انتفاضة أبريل

نجد في عديد من المناطق العراقية نظاما للمقاومة نابعا من خبرات السكان المحليين، حيث توجد سلسلة من الهجمات التي خلقت لنفسها إيقاعها الخاص، وتمثل الفلوجة نموذجا جليا في هذا الصدد حيث بدأت المقاومة ردا على مقتل 13 من المتظاهرين العزل من قبل القوات الأمريكية في أبريل 2003، واستمرت الأعمال الهجومية ضد قوات الاحتلال بمعدل متصاعد خلال فصل الصيف، في الوقت الذي أخذت المدينة تتعرض فيه لغارات مكثفة من القوات الأمريكية. وقد كان لشعب الفلوجة أسبابهم الخاصة لحمل السلاح ضد الاحتلال دون الحاجة إلى مصعب الزرقاوي، وهو ما ينطبق أيضا على مناطق أخرى رئيسية حيث نشأت حركات مقاومة في مدن بعقوبة والرمادي ومدينة الصدر وسامراء وتل عفار والموصل.

إلا أنه حتى في المناطق التي لا يوجد بها نظام مقاومة محلي فإن استطلاعات الرأي تشير دوما إلى أن العراقيين يعارضون الاحتلال من حيث المبدأ، فيشير استطلاع كبير تم في مارس 2004 إلى وجود تشابه بالغ بين ردود أفعال سكان المناطق الشيعية من ناحية والسنية التي عانت من العمليات العسكرية الأمريكية من ناحية أخرى.[61] فقد اعتقلت قوات التحالف من الفلوجة وحدها عددا أكبر ممن اعتقلتهم على مستوى المحافظات الثماني الجنوبية كلها،[62] إلا أن 80% من سكان المناطق الشيعية والسنية على السواء قالوا أنهم يعتبرون الآن أن قوات التحالف هي قوات احتلال. ومن الملفت للنظر بصورة أكبر هو أن العديد من الشيعة قد غيروا رأيهم خلال عام واحد، فقد ذكر 47% أنهم كانوا يعتبرون قوات التحالف وقت الغزو قوات احتلال، مقارنة بنسبة 64% من المناطق السنية. وطبقا لاستطلاع قامت به سلطة التحالف المؤقتة في شهر مايو فإن 81% من العراقيين يرون أنه يجب على قوات الاحتلال الرحيل.[63]

وفي أبريل 2004 شهدت المقاومة تغيرا كيفيا لتتحول ولأول مرة إلى انتفاضة شعبية وطنية، وقد بدأ العد التنازلي عندما تم إغلاق صحيفة مقربة لمقتضى الصدر واعتقال أحد كبار معاونيه بتهمة فتل أحد خصومه من رجال الدين. فقد نظم مؤيدو الصدر أنفسهم على مستوى البلاد، كما استولى أعضاء “جيش المهدي” على المباني الحكومية في العديد من المحافظات الجنوبية. وجاء رد فعل المسئولين الأمريكيين ضد الصدر في توقيت قاتل وأتى بنتائج كارثية، ففي 31 مارس تعرض 3 من الجنود الأمريكيين المرتزقة بأيدي حشد من سكان الفلوجة، فأمر الجيش الأمريكي أهل المدينة بتسليم المسئولين عن عملية القتل، ورفض المجلس المحلي تنفيذ الأمر، فاقتحمت القوات المدينة في اليوم التالي بينما ظلت المقاومة متماسكة، ومن هنا بدأ حصار الفلوجة.

وقد كان لقيام القوات الأمريكية بمحاربة تمرد سني شيعي مشترك أثره السياسي الهائل، حيث دخلت مظاهرات التضامن في كافة أنحاء العراق في مواجهات متكررة ضد القوات والشرطة المحلية. وفي بغداد امتلأ مسجد أم القرى السني بعشرات الآلاف من السنة والشيعة لأداء صلوات مشتركة، كما تظاهر ما يزيد على 200 ألف متظاهر يوم 9 أبريل في أكبر احتجاج يتم على مدى جيل بأكمله. وقد استجاب العراقيون لنداءات الفلوجة طلبا للدعم الطبي والدم والمال، وبطول البلاد وعرضها قام رجال مسلحون، وأغلبهم من الشباب المحليين، بمهاجمة قوات التحالف بالحجارة والبنادق.

وخلصت صحيفة “واشنطن بوست” إلى أن الاحتلال قد فقد رصيده الأخلاقي والسياسي تماما بالنسبة للعراقيين العاديين:

إن الانقسام بين السنة والشيعة، والذي أخذ في التراجع في العراق بمعدل أسرع منه في بعض مناطق العالم العربي، هو انقسام تتراجع مظاهره بالتأكيد مع مرور كل يوم يتيقن فيه العراقيون من أن مشكلتهم الأساسية هي الاحتلال. ويتردد الكلام هنا عن أنه مهما كانت قيمة عزل صدام حسين إلا أن الأمريكيين قد استنفذوا حسن نواياهم.[64]

وجاءت الضربة القاضية للهجوم الأمريكي على الفلوجة عندما وقفت الجموع في وجه الكتيبة الثانية من الجيش العراقي التي تضم 650 جنديا والمتوجهة إلى الفلوجة في طريقها من قاعدتها في شمال بغداد، حيث دعا العراقيون القوات ألا تنضم إلى الهجوم المتوقع، مما أصاب الجنود، وكثير منهم من الشيعة، بحالة من الذهول. وفي لحظة حاسمة تم إطلاق النيران التي تسببت في جرح العديد من الجنود. فعادت الكتيبة أدراجها إلى قاعدتها بينما بدأت الاستعدادات تجري لنقل القوات جوا إلى المعركة، ولكنه كان بعد فوات الأوان إذ كان الحس الشعبي قد تغلغل في صفوف القوات فرفضوا تنفيذ الأوامر. وهكذا أدت تلك المواجهة بين الجيش العراقي وجموع العراقيين إلى ترسيخ معارضتهم لتنفيذ المهمة العسكرية.[65]

وعقد العسكريون الأمريكيون اتفاقا مع زعماء مدينة الفلوجة لتشكيل “فرقة الفلوجة” لتكون قوة عسكرية جديدة متكونة من المتطوعين المحليين، على أن تعترف بحكومة بغداد. وقد قال سعد العاني، أمين عام “الاتحاد الإسلامي الصوفي في العراق” بالفلوجة، أن أهل المدينة اعتبروا تشكيل “فرقة الفلوجة” المكونة من أعضاء في الجيش العراقي المدعوم من قوات التحالف جنبا إلى جنب مقاتلي المقاومة العراقية بمثابة انتصار للمقاومة:

إن تكوين “فرقة الفلوجة” كان بالتأكيد انتصارا لشعب الفلوجة ولمقاطعة الأنبار بأسرها، حيث عقد علماء الدين بالفلوجة اتفاقا مع ممثلين عن الحكومة الانتقالية وقاموا باختيار أعضاء “الفرقة” من بين أهل الفلوجة.[66]

وهكذا أدت انتفاضة أبريل إلى وضع السيادة على المدينة في أيدي زعامة سياسية قريبة الصلة بالمقاومة.[67] وكان الزعماء الدينيون السنة يمثلون عنصرا أساسيا في تلك الزعامة، كما أمكنهم الاتصال بشبكة دعم سياسي على مستوى الأنبار وصولا إلى بغداد،[68] وذلك من خلال مجموعات مثل “هيئة العلماء المسلمين” التي لعبت دورا وسيطا أثناء المعركة. ومقارنة بذلك نجد أن الزعماء السياسيين الذين تعاملوا مع الأمريكيين بدوا فاسدين تماما. وقد التقى عبد الكريم برجس، محافظ مقاطعة الأنبار، بالمقاتلين وأعرب عن ندمه لتعاونه مع القوات الأمريكية، معلنا عن استقالته مقابل عودة أبنائه الثلاثة الذين قامت المجموعة باختطافهم في يوليو، وقد تم إطلاق سراح أبنائه فيما بعد.[69]

كذلك فشلت قوات الاحتلال في إخماد ثورة الشيعة، فعلى الرغم من أن القادة العسكريين أعلنوا أن هدفهم هو “قتل أو أسر” مقتضى الصدر،[70] إلا انهم لم يتمكنوا من تحقيق ذلك، بل إن “جيش المهدي” نظم نفسه في النجف الأشرف وفرض سيادته على ضريح الإمام علي وغيره من المواقع في تلك المدينة المقدسة. وبعد تدخل رجال دين شيعيين آخرين بالوساطة، وفي أعقاب نداء وجهه آية الله السيستاني إلى كافة القوات بالانسحاب من مدينتي النجف وكربلاء المقدستين، دعا مقتضى الصدر المقاتلين المتطوعين في “جيش المهدي” إلى العودة لديارهم. وعلى الرغم من أن ذلك كان بعيدا عن هدفه في توحيد كافة القوات الشيعية تحت لوائه إلا أنها مع ذلك كانت بمثابة انسحاب مهين للولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد مأزقها في النجف حاولت الولايات المتحدة إخضاع مدينة الصدر، حيث أرادت القوات الأمريكية أن تزيد من دورياتها في المنطقة وطالبت بإنهاء العمليات الهجومية العراقية ضد مواكبها العسكرية، كما طالبت بحقها في زيادة دورياتها في تلك الضاحية. كما خشي العسكريون الأمريكيون من قيام “جيش المهدي” بإدراك أهمية قواته والعمل على بنائها وتطويرها. وعلى الرغم من أن معركة النجف كانت ورطة للأمريكيين إلا أنها كشفت أيضا عن افتقاد الميليشيات للتنظيم، حيث قاتل المحاربون الشبان بشجاعة ولكنهم لم يتميزوا بنفس القدر من التنسيق الموجود لدى مجموعات المقاومة السنية. وخشيت الولايات المتحدة من قدرة الشيعة على التغلب على نقص الخبرة التكتيكية، وانتشرت الشائعات بأن المتمردين السنة يقومون بتدريب المقاتلين الشيعة مما أفزع العسكريين الأمريكيين.[71]

وقرر الأمريكيون مواجهة “جيش المهدي” في مدينة الصدر، إلا أن شباب المقاتلين التابعين للصدر كانوا في معقلهم، وبالتالي اتجهت الولايات المتحدة إلى القيام بضربات جوية مدمرة بعد زيادة أعداد المصابين الأمريكيين في المعارك الشديدة مع “جيش المهدي.” فوافق الصدر على القيام بتسوية تتضمن نزع أسلحة أتباعه، إلا أن برنامج “المال مقابل السلاح” المدعوم أمريكيا لم يجمع سوى مئات الأسلحة فاقدة الصلاحية.[72] كما توقفت قوات الاحتلال عن محاولة فرض سيطرتها السياسية على المنطقة في نهاية شهر أبريل 2004 في أعقاب اغتيال رئيس المجلس المحلي المدعوم أمريكيا، فأوقف المجلس اجتماعاته لأجل غير مسمى تاركا للجنود الأمريكيين مهمة حماية المبنى المحصن والذي سبق أن كان مقرا للمجلس.[73]

وعلى مدار الأشهر التالية فقدت قوات كل من سلطة التحالف والحكومة العراقية سلطتها السياسية والعسكرية في عدد من المدن بما فيها تل عفار وسامراء ومدينة الصدر. وأنه لبئس الدليل على فشل قوات الاحتلال السياسي والعسكري المتكرر أن نرى الفلوجة، التي كانت قد سقطت في أيدي القوات الأمريكية بلا طلقة نار في مارس 2003، وقد تحولت الآن لتصبح في أيدي المقاومة العراقية. وبحلول 22 يوليو 2004، جاءت تقارير روبرت فيسك لصحيفة “الإندبندنت” قائلا: “كان المشهد متكررا ميلا بعد ميل في جنوب بغداد: من أقسام شرطة خالية، ونقاط تفتيش للجيش والشرطة العراقية مهجورة، ومخلفات عربات نقل للنفط أمريكية محترقة، وسيارات شرطة دمرتها الصواريخ، كلها على الطريق الرئيسية بين مدينتي الحلة والنجف.”

ومع تزايد حركة التمرد في ربيع 2004، بدا كما لو أن الإسلاميين الشيعة والسنة يستلهمون النموذج اللبناني، حيث قاد “حزب الله” الكفاح من أجل تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي. و”حزب الله” هي مجموعة إسلامية شيعية قامت بتعبئة قوى أخرى للانضمام إلى حربها ضد القوات الإسرائيلية، وذلك عن طريق التركيز على التحرر الوطني بدلا من الأجندة الإسلامية. وفي أبريل 2004 أعلن مقتضى الصدر أنه “يد حزب الله الضاربة” في العراق، في الوقت الذي قام فيه الشيخ حارث الداري، رئيس “هيئة العلماء المسلمين” وهي منظمة مهمة معارضة للاحتلال، بالسفر إلى بيروت للقاء حسن نصر الله، زعيم “حزب الله.”

موعد في سامراء

ردا على فشلهم في انتفاضة أبريل، قام الأمريكيون بتطوير استراتيجية جديدة تقوم على إحداث انقسام بين زعماء المدن وبين المقاتلين، واستهدفت تلك الاستراتيجية من ناحية جذب الزعماء السياسيين المعادين لأمريكا ودفعهم للتعاون مع حكومة بغداد، وإقناع المعتدلين من أمثال على السيستاني بتأييد الانتخابات من ناحية أخرى. وتم منح الزعماء المحليين الخيار التالي: إذا أوقفوا المقاومة واعترفوا بحكومة العلاوي فستسمح الولايات المتحدة للمجالس المحلية التي نشأت أثناء الانتفاضة أن تمارس دورها في إدارة شئون المدن، بشرط سيطرة الشرطة العراقية على الشوارع. كما تمت إضافة حافز آخر ممثلا في مساعدات تبلغ ملايين الدولارات لإعادة الإعمار. وتضمن الاتفاق أيضا تسليم أعضاء حركة المقاومة مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشئون الداخلية للمدن. أما البديل لذلك الخيار فكان هو الغزو والدمار مع التأكيد على استهداف المدنيين تحت ستار استهداف معاقل المقاتلين.[74]

وقد كشفت صحيفة “واشنطن بوست” عن هذا التغير في الموقف حيث ورد فيها:

إن خطة البنتاجون الجديدة التي تمت صياغتها خلال صيف 2004 ترتكز على جذب عدد أكبر من السنة إلى داخل العملية السياسية، مع استهداف المجموعات الإسلامية المتشددة بغرض القضاء عليها. إن الأمر يعتمد بشدة على بناء قوات عراقية بنجاح أكبر مما تحقق خلال العام الماضي، ويعتمد أيضا على تجاوز العقبات البيروقراطية التي أحبطت محاولات تدفق مساعدات إعادة الإعمار إلى المدن التي يسيطر عليها المتمردون مثل سامراء، وذلك لكسب تأييد المدنيين العراقيين.[75]

وقد كان الأمريكيون يأملون في عزل المقاتلين عن قواعدهم في المدن بما يتيح للولايات المتحدة التحكم في الانتخابات أو ضمان مستويات من المشاركة تمنح الشرعية لحكومة مساندة لأمريكا. وفي الخمسينيات أثناء “حالة الطوارئ الماليزية” استخدمت القوات البريطانية تركيبة شبيهة تتضمن القوة العسكرية والاستدراج السياسي في تعاملها مع حركة النضال من أجل الاستقلال التي قادها الحزب الشيوعي الماليزي، حيث قامت القوات البريطانية بعزل المقاتلين عن مؤيديهم في الوقت ذاته الذي قامت فيه بمساندة الزعماء الماليزيين المعتدلين عن طريق التعهد بمنحهم الاستقلال.[76]

وبعدما توقف القتال في النجف قامت القوات الأمريكية في سبتمبر 2004 بغلق الجسر الرئيسي المؤدي إلى سامراء، وهي عملية أحدثت انشقاقا بين أعضاء المجلس المحلي، عندما رضخت مجموعة من رجال الدين للمطالب الأمريكية بشأن الدوريات والاعتراف بحكومة بغداد. فدخلت القوات الأمريكية إلى المدينة واستولت على مبنى مجلس المدينة وأعلنت عن تشكيل حكومة محلية مساندة لأمريكا. ومن ناحيتها أعلنت المقاومة، المدعومة بعدد من زعماء المدينة من رجال الدين، تشكيل حكومة بديلة متحالفة مع الفلوجة، مما أدى إلى قيام معركة دامت أسبوعا قبل اختفاء المتمردين. وقد أوحى ذلك بنجاح استراتيجية الولايات المتحدة.

إلا أن الأحداث التي جرت شمال العراق تبين أن المقاومة كانت قادرة على تجاوز الفواصل العرقية والطائفية في العراق، فبعد استيلائهم على سامراء وجه الأمريكيون انتباههم صوب تل عفار، في تحرك تسبب في انشقاق بين غالبية من الشيعة التركمان وحلفائهم العرب السنة وبين فرق “البشمرجة” الكردية المدعومة أمريكيا. حيث تحولت تل عفار إلى مركز لعمليات التهريب التي تقوم بها المقاومة وذلك على طريق هام من سوريا إلى العراق. فعلى طول الحدود كان بوسع المئات من مقاتلي المقاومة التسلل إلى سوريا وبعيدا عن أيدي القوات الأمريكية.

وقد رفضت القيادة التركمانية الإنذار الذي وجهه الأمريكيون بشأن نزع سلاح المقاومة، فدفعت المدينة ثمنا باهظا نتيجة لذلك، حيث أطلقت الولايات المتحدة عملية انتقامية قذفا بالقنابل، متسببة في مقتل المئات من المدنيين ودفعت بما يزيد على 250 ألفا من سكان المدينة البالغ تعدادها 350 ألفا إلى معسكرات للاجئين. ولكن بعيدا عن المواجهات مع العرب السنة وجدت القوات الأمريكية نفسها أيضا في معركة مع التركمان المحليين، وهو أمر ألقى بأضوائه على أحد أبرز جوانب التمرد كما يراه مايكل شوارتز:

فبينما يتضح جليا أن العديد من التركمان الشيعة يساندون المقاتلين، يصر الجيش الأمريكي، ويوافقه في ذلك بعض المراقبين المستقلين، على أن الكثير إن لم يكن جميع المتمردين هم من العرب السنة. وإذا صح ذلك الأمر فإنه سيمثل تحالفا غير مسبوق بين الطوائف العرقية في العراق، وهو تحالف ينبئ بتمرد أكثر قوة واتحادا.[77]

وبمجرد انتصارهم في المعركة لجأ القادة العسكريون الأمريكيون إلى الميليشيات الكردية للسيطرة على المدينة، واعتبر الأمريكيون معركة تل عفار نصرا كبيرا ولكنه أثبت فيما بعد أنه كان نصرا دفع الاحتلال ثمنه باهظا، حيث نتج عنه بناء تحالف بين أهل المدينة ومقاتلي حركة المقاومة. فقد خشي التركمان من سيطرة الأكراد على المدينة وأصبحوا، منعا لذلك، على استعداد لربط أقدارهم بالمقاومة. وبحلول شهر نوفمبر 2004 كانت حركة المقاومة قد عادت إلى الظهور في تل عفار.[78]

أصبحت الفلوجة هي الهدف الأساسي للاعتداء الأمريكي الجديد، حيث كانت المدينة المركزية للتمرد نموذجا للعراق المحرر، ونظرا لدور قيادتها المحلية وعلاقاتها الوطيدة بالمقاومة، صارت الفلوجة هي المركز السياسي لحركة الاستقلال. ومن هنا كان لا بد من تدميرها، فتم إعطاء إنذار لزعماء المدينة الذين ظهروا على السطح في أبريل، وهو إنذار بتسليم كافة المقاتلين الأجانب، والخضوع لسلطة علاوي وقبول الدوريات الأمريكية في المدينة. ورفضت المدينة الإنذار. وأثناء انخراط المدينة في محاربة القوات الأمريكية البالغ عددها 15 ألف جندي تساندهم المدفعية والسلاح الجوي والدروع الجوية، خرج الآلاف من المقاتلين إلى الشوارع في كافة أنحاء العراق، وقاموا بطرد رجال الشرطة والحرس الوطني من مواقعهم، وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها متورطة في حرب دائرية تستولي فيها على مدينة في الوقت الذي تفقد فيه سيطرتها على غيرها.

وربما كانت تلك مجازفة جديرة بالمحاولة بالنسبة لقوات الاحتلال، فقد كان تدمير المدينة سيؤدي إلى تأكيد قوة تلك الاستراتيجية الجديدة القائمة على الخيار ما بين الاعتراف والدعم من ناحية أو المقاومة والدمار من ناحية أخرى. وفي نوفمبر قام مقاتل من الموصل بتوضيح أثر ذلك الاعتداء على استراتيجية المقاومة، قائلا: “إذا أصبحت الموصل مثل الفلوجة وخرج الجميع للقتال، فسيستدعي الأمريكيون القوات الجوية وسيدمرون المدينة. ويرى الكثير منا أن العمليات الهجومية التي يقوم بها المقاتلون هي أفضل من حالة التمرد العام على مستوى المدينة.”[79]

وقد أدى الاعتداء على المدينة إلى الدمار والخراب. واستعانت القوات الأمريكية بالأعمال التكتيكية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، فسوت المنازل ومباني المدينة بالأرض، ويقدر عدد القتلى من المدنيين العراقيين بحوالي ثلاثة آلاف قتيل فضلا عن أعداد لا حصر لها من الجرحى. كما قتل سبعون من القوات الأمريكية في الاعتداء، وذلك خلال أسبوع واحد، بما يتوافق مع معدلات أعداد القتلى أثناء حرب فيتنام، ذلك بالإضافة إلى 800 من الجرحى. وعلى الرغم من الدمار والخراب والأعداد الرهيبة من القتلى إلا أن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” في واشنطن كان ملفتا في تقييمه للاستراتيجية العسكرية الأمريكية، فقد جاء في إحدى وثائقها رأي صاحبها كالآتي:

إن ما يسوؤنا هو أن النصر العسكري الأمريكي في الفلوجة ربما لم يؤثر سوى على 10-20% من المتمردين السنة المتفرغين للقتال في العراق، بل يبدو إن كثيرا منهم قد أسرع بالفرار. وقام متمردون آخرون من السنة بشن هجمات في كافة أنحاء العراق خلال تلك المعركة ونجحوا بدرجة ما في إشعال انتفاضة في الموصل. وقد عارض كل من رئيس العراق السني وكبار رجال الدين السنة وعدد آخر من السياسيين العراقيين قرار شن الهجوم على الفلوجة. وكانت تغطية الإعلام العربي السني تكاد تكون في مجملها عدائية سواء في داخل العراق أو خارجه، وقد صاحب تلك الصور الإعلامية السلبية تغطية تلفزيونية نقلت صورة جندي مارينز أمريكي وهو يقتل سجينا جريحا أعزل أعقبتها صورة مدينة مدمرة ومهجورة.[80]

حدود المقاومة

إن وجه المقاومة العراقية يبدو بالنسبة لقوات الاحتلال ومسانديها في صورة أبو مصعب الزرقاوي الملتحي، وذلك بالغم من الأهمية العسكرية الهامشية لمجموعته. إلا أنه لا توجد حركة أو تحالف واحدة يضم كافة المجموعات المتنوعة للمقاومة على مستوى البلاد. ويمكن اعتبار ذلك مصدرا للقوة بشكل ما، باعتبار أنه حتى دون نشأة هيكل سياسي وعسكري وطني موحد فإن الآلاف من الهجمات تشن شهريا ضد قوات التحالف، مما يؤكد بشكل أكثر وضوحا مما قبل أن تلك الحركة هي حركة تمرد شعبية.

إلا أن غياب صوت سياسي وطني يمثل عقبة كما يوضح الجدل الدائر حول المشاركة في الانتخابات، فقد دفع الهجوم الاعتداء الوحشي على الفلوجة “هيئة العلماء المسلمين” إلى الدعوة لمقاطعة الانتخابات، كما دفع “الحزب الإسلامي العراقي”، وهو أحد الأحزاب السنية المعدودة المشاركة في مجلس الحكم المدعوم من قبل سلطة التحالف، إلى تلبية دعوة المقاطعة والانسحاب من الحكومة. في حين نجد أن بعض الشخصيات الشيعية البارزة والمعارضة للاحتلال اتخذت مواقف أكثر التباسا، إذ دعا آية الله على السيستاني الشيعة إلى المشاركة في الانتخابات. وقد ذكر مقتضى الصدر أنه في حالة تشكيل هيئة محايدة للإشراف على الانتخابات فلن تكون هناك ضرورة للمقاطعة، مشجعا العراقيين على “اتباع ضمائرهم” في حالة اقتناعهم بعدم أمانة العملية الانتخابية.[81] ومن جانب نجد أن مقاطعة المجموعات السنية للانتخابات ستلحق خسائر كبيرة بمصداقية الانتخابات، في حين أنها ستكشف أيضا عن ضعف التحالف السني-الشيعي في مواجهة الاحتلال، ذلك التحالف الذي ظهر خلال انتفاضة أبريل 2004.

لقد لعبت المجموعات الإسلامية دورا رياديا في المقاومة، ومن الممكن تطور حركة تحرير وطنية بزعامة إسلامية كما يتضح من التجربة اللبنانية. ولكن مسألة تكوين علاقات للمقاومة مع تجاوز الانقسامات العرقية والطائفية يظل أمرا هاما، حيث لا يمكن حاليا لأي من رجال الدين السنة أو الشيعة في العراق التحدث وحدهم باسم حركة وطنية أصيلة. وقد حققت المقاومة كبرى نجاحاتها عندما برزت كقوة للوحدة الوطنية ذات جاذبية شعبية، بدلا من كونها مجرد مشروع شيعي أو إسلامي سني. ومن اللحظات الفاصلة في انتفاضة أبريل 2004 هي اللحظة التي تمردت فيها القوات العراقية الشيعية في طريقها إلى الفلوجة ورفضت الانضمام إلى الهجمة على المدينة.

وكشفت انتفاضة أبريل عن مشاكل عويصة تواجه القوى المحتلة، فلم تتمكن القوات الأمريكية من دحر الانتفاضة السنية-الشيعية بالقوة، كما اتضح مدى عجز حلفائهم المحليين في مجلس الحكم المحلي والحكومة العراقية، في الوقت الذي انتقلت المبادرات السياسية إلى أيدي شخصيات معارضة للاحتلال، مثل مقتضى الصدر والزعماء السنة من رجال الدين في كل من مقاطعة الأنبار ومدينة بغداد. وفي محاولة للخروج بأنفسهم من تلك الأزمة عقدت القوات الأمريكية اتفاقا يتيح لها وقف هجومها على الفلوجة بينما تدعو كبار رجال الدين الشيعة إلى كبح جماح مقتضى الصدر.

وقد لعب آية الله على السيستاني تحديدا دورا محوريا في وقف التمرد الشيعي في أعقاب انتفاضة أبريل 2004، حيث أصدر قرارا يطالب كافة القوى المسلحة بالخروج من مدينة النجف الأشرف، فانسحب أتباع مقتضى الصدر آخر الأمر من المدينة. وهكذا دون تدخل السيستاني كانت القوات الأمريكية ستجد نفسها تواجه مأزق إما التفاوض المباشر مع مقتضى الصدر لإنهاء المواجهات بين الطرفين، وهي فكرة غير مقبولة بالنسبة للقادة العسكريين الذين كانوا قد تعهدوا بقتله منذ أسابيع معدودة، أو شن هجوم شامل على مدينة النجف مما كان يهدد باشتعال النيران وتفجر الأوضاع في كافة المناطق الشيعية في العراق. ومع ذلك فقد كان لا بد من دفع ثمن مقابل تدخل السيستاني، حيث انسحبت القوات الأمريكية هي الأخرى من النجف، ولم يصب مقتضى الصدر عامة ولا “جيش المهدي” نسبيا بسوء. وفي نفس الوقت تعززت صورة السيستاني على المستوى الوطني باعتباره وسيطا وحكما سياسيا، بينما اضطر مقتضى الصدر إلى الرضوخ للسلطة الدينية، وهو ما انطبق كذلك على سلطات الاحتلال.

تعتبر مساندة السيستاني للانتخابات أمرا حيويا بالنسبة للقوى المحتلة، ففي حالة حدوث مشاركة كبيرة في الانتخابات وتأييد السيستاني لها، فسيمثل ذلك خطوة في إضفاء الشرعية على الحكومة التي ستتولى شئون البلاد، وإذا تحقق آمال المسئولين الأمريكيين في أن تضم تلك الحكومة عددا كافيا من حلفائهم بما يضمن تحقيق أهداف الاحتلال وعددا كافيا أيضا من خصومهم الذين سيؤدي وجودهم في الحكومة إلى تهدئة التمرد، أو تفكيكه على أقل تقدير، فسيكون لأمريكا رغم كل شيء مستقبل في العراق. إلا أن المشكلة تكمن في أن السيستاني ليس دمية أمريكية مثلما هو الحال بالنسبة للعائدين من المنفى الذين انضموا إلى مجلس الحكم. وعلى الرغم من كون السيستاني ذي أصول إيرانية، إلا أنه لا يؤيد نظرية حكم رجال الدين التي حققها الإمام الخميني في إيران، ومن الواضح أيضا انه لا يريد أن يرى تزايد سلطات رجال الدين الشيعي اجتماعيا وسياسيا.[82] وفي إطار دوره كزعيم ديني يتمتع بأتباع يبلغ عددهم الملايين في العراق وإيران ومختلف أنحاء العالم. وقد ساهمت معارضته المبدئية للمخططات الأمريكية لتأجيل الانتخابات في رفع مكانته بصورة مدهشة وذلك على حساب كل من خصمه الراديكالي مقتضى الصدر وقوى الاحتلال وأتباعهم المحليين. ولكن دون وجود حلفاء محليين آخرين ذوي مصداقية فلا بد للمسئولين الأمريكيين مواصلة الأمل في استمرار توافق مصالحهم مع مصالح السيستاني، والمخاطرة هنا كبيرة حيث يوضح “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” الآتي: “لا يجب على الولايات المتحدة أن تنسى أبدا أن فقدان العراقيين الشيعة يعني خسارة الحرب، من حيث فقدان القدرة على تشكيل حكومة نيابية من النوع الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيله.”[83]

خاتمة

إن الكفاح من أجل إنهاء الاحتلال في العراق هو حرب في سبيل التحرر الوطني وامتداد لتمرد عام 1920. إن ما بدأ في صورة عمليات هجوم عشوائية متفرقة ضد قوات الاحتلال تطور ليصبح عملية تمرد شعبي متأصلة، أهدافها الرئيسية مدعومة من قبل غالبية العراقيين. ولا يجب أن يتأثر موقف الاشتراكيين تجاه ذلك التمرد بسبب عدم وجود صوت واحد يعبر عن حركة المقاومة مثلما كان الحال بالنسبة لجبهة التحرير الوطنية في الجزائر أو مثل منظمة التحرير الفلسطينية في فلسطين، أو بسبب الصبغة الإسلامية لحركة التمرد. إننا نعارض الاحتلال ونساند العراقيين في كفاحهم من أجل التحرر الوطني. وقد تفهم الثوري الروسي فلاديمير لينين تلك النقطة منذ سنوات بعيدة عندما قامت انتفاضة قومية في إيرلندا الخاضعة للحكم البريطاني، وذلك في أوج الحرب العالمية الأولى. وقد هاجم لينين بشدة الاشتراكيين الذين كانوا أكثر اهتماما بخلافاتهم السياسية مع القيادة القومية للتمرد بدلا من الاهتمام بأثر الانتفاضة على الطبقة البريطانية الحاكمة التي خشيت من أن تنتقل الانتفاضة إلى بقية أرجاء الإمبراطورية:

إن التصور أن الثورة الاجتماعية لا يمكن حدوثها دون عمليات تمرد تقوم بها الأمم الصغيرة في المستعمرات وفي أوروبا، وبدون عمليات ثورية تقوم بها قطاعات من البورجوازية الصغيرة بما تحمله من آراء مسبقة، وبدون حركة تقوم بها الجماهير غير الواعية سياسيا من البروليتاريا وشبه البروليتاريا ضد القهر الذي يمارسه كل من ملاك الأراضي والنظام الملكي والكنيسة، وضد القهر الوطني، إلخ .. هو تصور يعني التبرؤ من الثورة الاجتماعية .. فمن يتوقع قيام ثورة اجتماعية “خالصة” فلن يراها تتحقق أبدا.[84]

إن تضامننا مع الكفاح العراقي ضد الاحتلال يكتسب أهمية أكبر لأن التاريخ يبين لنا أنه على الرغم من إمكانية نجاح حركات مقاتلة في هزيمة القوى الإمبريالية إلا أنها لن تتمكن من ذلك سوى في حالة نجاح الحملة العسكرية في خلق أزمة سياسية للقوى المحتلة. فقد حاربت جبهة التحرير الوطنية في فيتنام بشجاعة ولكنها لم تتمكن من تحقيق نصر عسكري على القوات الأمريكية الأفضل تسليحا، ولكن الجبهة نجحت بالفعل في خلق الظروف المناسبة لهزيمة الولايات المتحدة سياسيا. فقد أدت المقاومة المتواصلة والشديدة إلى حدوث حالة من التمرد بين صفوف الجيش الأمريكي، إلى درجة أنهم وصلوا آخر الأمر إلى مرحلة كانوا يفضلون فيها قتل الضباط بدلا من محاربة المقاتلين. وفي نفس الوقت أدى نمو حركة مناهضة الحرب في الولايات المتحدة إلى خلق أزمة سياسية للطبقة الحاكمة، فمع تزايد الاحتجاجات وتصاعد معدلات الإصابة في الحرب، بدأ السياسيون في البحث عن سبيل للتراجع.

ولدينا اليوم المقومات المؤدية إلى هزيمة الولايات المتحدة هزيمة تقارب تلك التي حدثت في فيتنام، بل إن حركة مناهضة الحرب على مستوى العالم هي أكبر حجما مما كانت عليه في فيتنام، فقد هزت أزمة العراق بلدانا أخرى في الشرق الأوسط، مثل مصر التي شهدت مظاهرات احتجاجا على الغزو، هي الكبرى على مدى 25 عاما من تاريخها الحالي. وفي العراق يتم مد أجل الإمكانات العسكرية الأمريكية، حيث يتم مد فترات أداء الواجب القتالي للقوات وذلك لتوفير الاحتياجات اللازمة لمواجهة التمرد. إلا أن ما هو ممكن ليس حتميا، فقد مرت عشرون عاما قبل تطور الحرب العشوائية إلى حركة تحرر وطني في فلسطين. أما الدمار الذي أصاب الفلوجة فيشهد على المدى اللاإنساني الذي يمكن لحكامنا بلوغه في سبيل القضاء على التمرد.

وعلى الرغم من ذلك، فما زالوا يعانون من نقاط ضعف، حيث يعلم توني بلير أن الحرب ستفقده أصواتا في الانتخابات القادمة حتى إذا نجح في الحصول على فترة جديدة في الحكم. كما أن استمرار الاحتلال سيزيد من استنزاف مصادر الحكومة ومن المتوقع أن يستمر في تقليل حجم الدعم الانتخابي لحزب العمل. إن المقاتلين في الفلوجة وتل عفار ومدينة الصدر يؤدون دورهم، وحان الوقت لحركتنا أن تنهض من جديد.


هوامش

يشكر كاتبا الورقة كلا من كامل مهدي ودين رينتون على قراءتهما وتعليقهما على مسودة هذه المقالة.

 

*  Anne Alexander and Simon Assaf, “Iraq: The rise of the resistance” in International Socialism, (??), pp.3-41.

[1] النص ورد بالإنجليزية في كتاب:  T. Ali, Bush in Babylon (Verso, 2003), p.50

[2] G. Bell, Letter, 2 July 1921, Gertrude Bell Archive, Robinson Library, University of Newcastle, available online at www.gerty.ncl.ac.uk/home/index.htm

[3] للحصول على تحليل أشمل لتلك الحقبة، أنظر:

A. Alexander, “Daring for Victory: Iraq in Revolution” in International Socialism 99 (Summer 2003).

[4] D. McDowell, A Modern History of the Kurds (London, 2000), pp.297-299.

[5] H. Batatu, The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq (Princeton, 1978), pp.901-902.

[6] Confidential memo from British Embassy, Baghdad, to Foreign and Commonwealth Office, 20 December 1969, National Archives, FCO 17/871.

[7] S. Ramadani, “Open Letter to Alex Gordon”, 30 October 2004, available online at www.socialistworker.co.uk/article.php4?article_id=3121

[8] الكتابان الرئيسيان لباقر الصدر هما “اقتصادنا” و”فلسفتنا”، واللذان يناقشان بدائل للماركسية النظريات السياسية والاقتصادية حول الأسواق الحرة. أنظر: F. A. Jabar, The Shi’ite Movement in Iraq (Saqi, 2003), pp.296-307

[9] F. A. Jabar, as above, p.78.

[10] تتم ترجمة “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق” بطريقتين، واختصارهما إما SCIRI أو SAIRI.

[11] A Alkazaz, “The Distribution of National Income in Iraq, with Particular Reference to the Development of Policies Applied by the State” in D Hopwood (ed), Iraq: Power and Society, (Ithaca, 1993), p.198.

[12] M. Farouk-Sluglett and P. Sluglett, Iraq since 1958: From Revolution to Dictatorship, (IB Tauris, 2001), p.173.

[13] UN-World Bank, “United Nations/World Bank Joint Iraq Needs Assessment,” October 2003, p.8,

http://lnweb18.world-bank.org/mna/mena.nsf/Attachments/Iraq+Joint+Needs+Assessment/ $File/Joint+Needs+Assessment.pdf

[14] P. Ording-Beecroft and S. Ethelston, “Facts and Figures: the Impact of Sanctions on Iraq,”

Middle East Report (Spring 1998).

[15] للحصول على مناقشة أشمل لأثر العقوبات على العراق، أنظر:

A. Arnove (ed), Iraq under Siege: the Deadly Impact of Sanctions and War (Southend Press, 2002).

[16] UN/World Bank, as above, p.21.

[17] تقدم نهى الراضي عرضا لأثر الحرب على أسرة من الطبقة الوسطى تعيش في ضاحية في شمال بغداد، وذلك في كتابها:

N. al-Radi, Baghdad Diaries: 1991-2002 (Saqi, 2003).

[18] UN/World Bank, as above, p.29.

[19] من الجوانب الملفتة للانتباه في الحرب العراقية الإيرانية كانت قدرة الدولة العراقية في تعبئة الشيعة العراقيين لقتال الشيعة الإيرانيين، وذلك اعتمادا على الانتماء العربي للعراق. وقد أدت الحرب إلى اهتزاز ثقة الكثيرين من الشيعة العراقيين تجاه المجموعات الإسلامية الشيعية العراقية كالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي حارب إلى جانب إيران. وليس من الصحيح على الإطلاق أن معدلات الغنى والفقر مرتبطة بالاختلافات العرقية أو الدينية. وفي سبيل تبرير الحرب كثيرا ما أكد المسئولون الأمريكيون على سياسات صدام حسين التي حابت الأقلية السنية في وسط البلاد على حساب الشيعة والأكراد. إلا أنه لم تكن كل منطقة في الجنوب الشيعي تعاني بالضرورة من الفقر، وعلى سبيل المثال شهدت مدينتا النجف وكربلاء نهضة اقتصادية نتيجة للزيادة في تجارة موسم الحج.

[20] وعلى سبيل المفارقة، يمكن القول أن الحرب والعقوبات حققت (ربما بصورة أكثر عشوائية وشمولا) ما كانت ستحققه قوى السوق وعمليات التكيف الهيكلي. إن النمو المستمر للحركة الإسلامية السنية والشيعية في العراق إنما يعكس تجارب العديد من بلدان الشرق الأوسط حيث قامت المنظمات الخبرية الإسلامية بملء الفجوات في نظام دولة الرفاهة الاجتماعية المتهالك، كما أن الأحزاب الإسلامية حصلت على أصوات من خاب أملهم في القومية العلمانية.

[21] A Baram, “Neo-tribalism in Iraq: Saddam Hussein’s Tribal Policies 1991-96”, International Journal of Middle East Studies, no.29 (Cambridge University Press, 1997).

[22] As above, p.7.

[23] من الجدير بالذكر أن منصب “الزعيم القبلي” هو منصب سياسي في الأساس، وقد قام صدام حسين بالتلاعب بالأصول القبلية لدعم الزعماء المتحالفين مع الحكومة ولعزل خصومه أو منافسيه المحتملين.

[24] A. Baram, as above, p.18.

[25] في محافظة الأنبار على سبيل المثال قام القادة العسكريون الأمريكيون بتعيين زعماء القبائل ليرأسوا مجلس المقاطعة في مرحلة ما بعد الحرب.

[26] A. S. Hashim, “The Sunni Insurgency in Iraq,” Centre for Naval Warfare Studies, 15 August 2004.

[27] M. Gordon, “The Conflict in Iraq: Road to War; the Strategy to Secure Iraq did not Foresee a Second War,” New York Times, 19 October 2004.

[28] As above.

[29] As above.

[30] H. Zangana, “What’s Happening to Women in Occupied Iraq?”, talk given on 15 March 2004 at London School of Economics.

[31] United States General Accounting Office, “Rebuilding Iraq,” GAO, June 2004, http://www.gao.gov/new.items/d04902r.pdf

[32] M. O’Hanlon and A. Lins de Albuquerque, Iraq Index, Brookings Institution, 12 November 2004, p.24, www.brookings.edu/iraqindex

[33] H. al-Amin, “The Republic of Muqtada al-Sadr and the New Iraq – Part 3,” Al-Hayat, 12 July 2003, p.16, http://www.daralhayat.com/special/features/07-2003/20032711-12p16-01.txt/story.html

[34] T. Kafala, “Iraq’s Media Free-For-All,” BBC News Online, 27 June 2003, http://news.bbc.co.uk/1/hi/world/middle_east/3023752.stm

[35] A Sennitt, “Mosul TV Fights for Independence,” Radio Netherlands Wereldomreop website, 14 July 2003, http://www.enw.nl/realradio/features/html/mosul030714.html

[36] M Gordon, as above.

[37] Abt Associates website, “Project Brief: Iraq Health System Strengthening,” no date.

http://www.abtassociates.com/Page.efm?CSB=1&OWID=2109766860&PageID=8800

[38] منحت “اتفاقية لاهاي” لعام 1907 القوى المحتلة حق “الانتفاع” بممتلكات الدولة. ويقدم Bouvier’s Law Dictionary (قاموس بوفيير للقانون) تعريفا لمفهوم الانتفاع “usufruct” (ولعلها أقبح كلمة في اللغة الإنجليزية) بأنه ترتيبات تضمن لطرف حق استخدام الاستفادة من ممتلكات طرف آخر “دون إحداث تغيير في طبيعة الشيء”. وببساطة، إذا كنت تقوم برعاية منزل في غياب أصحابه يصبح من حقك التهام الطعام الموجود في الثلاجة، ولكن لا يحق لك بيع المنزل والتصرف فيه. إلا أن هذا هو بالضبط ما يفعله بريمر، فترى أي تغيير في “طبيعة” المنافع العامة يفوق تحويلها إلى منافع خاصة؟

N. Klein, “Bring Halliburton Home,” The Nation, 6 November 2003,

http://www.thenation.com/doc.mhtml%3Fi=20031124&s=klein

[39] طبقا لمسئولي برنامج المساعدة الأمريكية USAID في أبريل 2003، يبدو أن نشاط المقاولين من الباطن كان قاصرا على بلدان “العالم الحر” (أي كافة أنحاء العالم فيما عدا العراق وإيران وكوبا وسوريا وليبيا وكوريا الشمالية). وقد تغيرت تلك السياسة بعد رفع العقوبات، ولكن قبل أن يتم ذلك بوقت طويل كان قد تم اختيار المقاولين.

“Video: Electric and Water Systems Sectoral Conference,” USAID website, 29 April 2003, http://usaid.gov/iraq/vid_live042903.html

[40] “الزمان”، بغداد، 23 أكتوبر 2003.

[41] “كان علاوي يرى، وقد كان على حق في حالات كثيرة، أنه لم يكن في حاجة لجماهير مساندة له في العراق طالما كان له جمهوره في واشنطن.”

Danielle Pletka, of the American Enterprise Institute, to USA Today reporter J. Drinkard, in “Allawi’s Ascent Follows Extensive PR Campaign,” USA Today, 2 June 2004,

http://usatoday.com/news/world/iraq/2004-06-02-allawi-rise_x.htm

[42] M. Hirsch, “Grim Numbers,” Newsweek, 16 June 2004.

النتائج الكاملة للاستطلاع موجودة على الموقع التالي: http://msnbc.msn.com/id/5217741/site/newsweek

[43] P. Cockburn, “Exiled Allawi was Responsible for 45-minute WMD Claim,” Independent, 29 May 2004.

[44] “The Imminent Transfer of Sovereignty in Iraq,” US State Department website, 13 May 2004, http://www.state.gov/p/32467.htm

and Office of Management and Budget, Quarterly Update to Congress 2207 report, July 2004,

http://www.white-house.gov/omb/legislative/2207_exec_summary_final.pdf

[46] مقابلة مع آن ألكسندر وسيمون عساف، بيروت، سبتمبر 2004.

[47] المصدر السابق.

[48] S. Ritter, “Defining the Resistance – It’s Not Foreign and it’s Well Prepared,” Christian Science Monitor,

10 November 2003.

[49] A. S. Hashim, “The Sunni Insurgency in Iraq,” Centre for Naval Warfare Studies, 15 August 2004.

[50] M. Prothero, “Inside the Iraqi Resistance,” United Press International, 5 December 2003.

[51] As above.

[52] P-M de la Gorce, “The United States Caught in a Trap: the Post-war War in Occupied Iraq,”

Le Monde Diplomatique, 15 March 2004.

[53] للحصول على مناقشة أشمل للحركة الإسلامية، أنظر:

C. Harman, “The Prophet and the Proletariat,” International Socialism 64 (Autumn 1994).

[54] Z. Chehab, “Inside the Resistance,” Guardian, 13 October 2003.

[55] مقابلة مع ساسين كوازلي، دمشق، نوفمبر 2004.

[56] Z. Chehab, “Inside the Resistance,” Guardian, 13 October 2003.

[57] A. Panketh, “Poll Reveals Hostility to US and Support for Rebel Clerics,” Independent, 17 June 2004.

[58] “Iraqi District Advisory Council Chgairman Dies From Gunshot Wound,” Defend America website,

10 November 2003,

http://www.defendamerica.mil/iraq/update/nov2003/iu111103.html

[59] E. Sanders, “Sadr City’s ‘Daily Massacre’ Rages as Death Toll Soars,” Los Angeles Times, 8 June 2004.

[60] طبقا لما يرد في الموقع الإلكتروني لمكتب السيستاني، فإن المكتب الإيراني قد قام ببناء ويقوم بإدارة مجمعات سكنية لطلاب العلوم الدينية والحجاج في مدينة قم ومدينة مشهد. وتضم مجمعات مدينة قم 750 وحدة سكنية بمساحة واسعة تبلغ 14800 مترا. وتضم المجمعات فضلا عن المساكن مكتبات عامة ومساجد ووسائل الترفيه والأسواق والبازارات، وفي بعض الأماكن تضم أماكن تقدم خدمة الإنترنت. كما يقدم مكتب السيستاني المساعدات للعراقيين المقيمين في معسكرات اللاجئين غرب إيران، مع توفير الخدمات الصحية لعدد 7000 مريض، والدعم المالي لعدد 4000 أسرة عراقية تعاني الحاجة في مختلف أنحاء إيران. وعلى مستوى العالم الشيعي نجد أن آلاف الطلاب يحصلون على دعم شهري من مكتب السيستاني, ويرد في الموقع الإلكتروني أنه يتم توجيه أكثر من 500000 دولار شهريا إلى الطلاب في كل من الهند وباكستان. وإضافة إلى إدارة شئون العمل الخيري لمكتبه، فإن ممثلي السيستاني يتحملون مسئولية الإنفاق على شبكة من الوعاظ الدينيين على مستوى العراق وإيران وإدارة شئون عملهم. www.sistani.org

[61] “Key Findings: Nationwide Survey of 3500 Iraqis,” USA Today, 28 April 2004, http://www.usatoday.com/news/world/iraq/2004-04-28-gallup-iraq-findings.htm

[63] M. Hirsch, “Grim Numbers,” Newsweek, 16 June 2004.

النتائج الكاملة للاستطلاع موجودة على الموقع التالي: http://msnbc.msn.com/id/5217741/site/newsweek

[64] R. Chandrasekaran, “Anti-US Uprising Widens in Iraq; Marines Push Deeper into Fallujah,”

Washington Post, 8 April 2004.

[65] T. Ricks, “Iraqi Battalion Refuses to Fight Iraqis,” Washington Post, 11 April 2003.

[66] مقابلة مع آن ألكسندر وسيمون عساف، بيروت، سبتمبر 2004.

[67] “Troubled Province Tries Democracy,” IWPR Iraqi Crisis Report 49, part 1, 23 February 2004.

[68] نشأت “هيئة العلماء المسلمين” من اللجان التي تمت إقامتها لحماية وإدارة المساجد والمباني الدينية السنية في أعقاب الغزو. وتتمتع هذه المنظمة بعدد كبير من الأتباع في بغداد وفي مقاطعة الأنبار. وعلى النقيض من “الحزب الإسلامي العراقي” فإن “هيئة العلماء المسلمين” لم تنضم إلى الحكومات المحلية أو الوطنية التي أقامتها قوات الاحتلال.

[70] “US to ‘Capture or Kill’ Muqtada al-Sadr,” Aljazeera.net, 12 April 2004,

http://english.aljazeera.net/NR/exeres/4206FF30-F162-471A-A3DC-0FFA68953C08.htm

[71] “Signs that Shiites and Sunnis are Joining to Battle Americans,” New York Times, 9 April 2004.

[72] H. Heidawi, “Disarmament is a ‘Mirage’” Associated Press, 13 October 2004.

[73] كان مؤيدو مقتضى الصدر قد استولوا على مباني المجلس مرتين من قبل، وفي كل مرة كانوا يجبرون على الخروج منها بأيدي القوات الأمريكية.

C. Hauser, “Self-rule is Test of Nerves for Local Iraq Councils,” New York Times, 30 May 2004.

[74] M. Scwatrz, “America’s New Strategy in Iraq,” Asia Times, 29 September 2004.

[75] B Graham and W. Pictus, “US Hopes To Divide Insurgency,” SOURCE, 31 October 2004.

[76] J. Newsinger, British Counter-insurgency: From Palestine to Northern Ireland (Palgrave, 2002).

وقد كان هنالك بعد عرقي بارز آخر بالنسبة للاستراتيجية البريطانية التي وجد المسئولون الأمريكيون صعوبة في تطبيقها في العراق. ومن أوجه الضعف الكبيرة للحزب الشيوعي هو سعيه للحصول على الدعم الأكبر من الأقلية الصينية الكبيرة العدد في ماليزيا، ولم ينضم إليه سوى قلة محدودة من الغالبية العرقية المكونة من السكان المالاي.

[77] M. Schwartz, as above.

[78] “Final Stand for Fallujah Rebels,” The Mercury, 15 November 2004.

[79] مقابلة مع ساسين كوازلي، دمشق، نوفمبر 2004.

[80] Center for Strategic and International Studies, “Playing the Course: A Strategy for Reshaping US Policy in Iraq and the Middle East,” p.20.

[81] قناة “المنار” التلفزيونية، بيروت، 6 نوفمبر 2004.

[82] كانت نظرية “ولاية الفقيه” التي أتى بها آية الله روح الله الخوميني نظرية خلافية وجديدة على التعاليم الشيعية، ومن هنا لم يقبلها معظم الشيعة العراقيين. كان الفقه الشيعي قد أنتج فكرا يبرر فصل السلطة الروحية عن السلطة الآنية، بما يتيح منح سلطة إدارة الدولة لغير الشيعة (تاريخيا هم الحكام السنيون)، مع بقاء رجال الدين الشيعة أصحاب السيادة على مستوى المجتمع الشيعي. وجاءت نظرية الخوميني لترفض ذلك الفصل في السلطات، معارضة بالتالي إيمان الفقهاء بأن توحد السلطتين الآنية والروحية لن يتم إلا بعودة الإمام المهدي قبل نهاية العالم.

[83] Center for Strategic and International Studies, as above, p.21.

[84] V.I. Lenin, “The Discussion of Self-Determination Summed Up,” Collected Works (Moscow, 1965).

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s