الصين ثورة من؟ PDF
الصين ثورة من؟ Word
1995
مقدمة

لقد كانت الثورة الصينية من أعظم أحداث هذا القرن. لقد أطاح جيش المليون فلاح بالنظام القديم الذي سيطر عليه أمراء الحرب وإرهاب البوليس والتنافس بين الإمبرياليات الغربية واليابانية. فبالنسبة لربع الجنس البشرى ظهر الطريق مفتوحا للتخلص من جذور الفقر والبؤس والمجاعة ولبناء مجتمع أفضل “لقد وقف الشعب الصيني على قدميه”،هكذا أعلن ماو تسي تونج في التأسيس الرسمي للصين الشعبية -وصدقه الملايين حول العالم.

بل وكان تأثير التجربة الصينية أقوى في انفجار أواخر الستينات السياسي، فبينما دخل الطلبة والعمال- في كل أنحاء البلدان الصناعية- المعركة ضد طبقاتهم الحاكمة نظر الكثير من الاشتراكيين نحو الصين باحثين عن الإلهام. وظهر أن معارضة ماو لكل من الإمبريالية الأمريكية والروسية وتأييده المعلن لحركات التحرر الوطني يضعانه على نفس الجانب من المتاريس. وظهرت الثورة الثقافية كدليل على أن المجتمع الاشتراكي يمكنه أن ينقذ نفسه من البيروقراطية من خلال عملية متواصلة من النضال. أما اليوم فقليل من الاشتراكيين ينظرون نحو الصين من أجل الإلهام. تحطمت أوهام “الماوية” بواسطة حلفاء ماو الذين تخلصوا بشكل منظم من كل شيء فيه استراتيجية ماو للتنمية الاقتصادية. ذهب “الاعتماد على الذات” ليحل محله “اشتراكية السوق” وتوصف الثورة الثقافية الآن -وهذا صحيح- “ككارثة كبرى”. كما أعترف حكام الصين الجدد بأن الاقتصاد يمكن تحديثه فقط بواسطة الاندماج في الاقتصاد العالمي.

لقد أصبحت الصين جزءا من الاقتصاد العالمي التي ادعت يوما ما رغبتها في التخلص منه، إلا أنه في حقيقة الأمر اشترك ماو وحلفاؤه في نفس الهدف -بناء اقتصاد قوى يستطيع أن يتنافس مع بقية العالم. لقد تم إخضاع احتياجات وآمال العمال والفلاحين الصينيين لهذا الهدف. وكانت الطبيعة “الاشتراكية” للدولة الصينية خرافة منذ اللحظة الأولى.

1949 والطريق ونحو السلطة

لقد أصبحت قصة صعود ماو للسلطة -من قائد لجيش مهلهل يضم أقل من ألف محارب في 1927 حتى انتصاره في 1949 – واحدة من أعظم أساطير القرن العشرين. يقال أنه منذ الأيام الأولى كان لدى ماو استراتيجية مميزة للقضاء على الرأسمالية والإمبريالية في الصين – بناء “قواعد حمراء” قوية بين الفلاحين يتمكن من خلالها جيش عصابات من الاستيلاء على المدن الكبيرة والصغيرة في نهاية الأمر. تضمنت هذه الاستراتيجية قطيعة واضحة مع سيطرة ستالين على الشيوعية العالمية وأدت بماو إلى أن يعيد تشكيل الماركسية بشكل جوهري ليجعلها تناسب واقع العالم الثالث.

لكن الحقيقة مختلفة كثيرا عن ذلك. إن ما ينسى في معظم الأحيان هو أن طريق ماو للسلطة بدأ بهزيمة ثورة الطبقة العاملة في 1925 – 1927، وهذه الهزيمة تسببت فيها السياسات الكارثية التي فرضها ستالين على الحزب الشيوعي الصيني الناشئ.

في هاتين السنتين كان جنوب شرق الصين يعج بحمى ثورية قوية. بدأ عشرات الملايين من العمال والفلاحين يكتشفون قوتهم عندما دخلوا في النضالات ضد السيطرة الإمبريالية على الصين وضد الرأسماليين وملاك الأراضي الصينيين. كان محور النضال في البداية وطنيا من أجل إقامة حكومة وطنية قوية تستطيع أن تطرد الإمبريالية الغربية واليابانية من مدن الموانئ – مدن المعاهدات و”الامتيازات”. وكان الكومنتانج: الحزب الوطني، هو الذي سيطر على هذا النضال. إلا أن قوة الكومنتانج كانت مؤسسة على نضالات العمال. فالإضرابات الجماهيرية والمقاطعات التي شنتها النقابات العمالية بقيادة الحزب الشيوعي -والتي أسفرت عن الإضراب العام الذي استمر 12 شهرا في هونج كونج- هي التي مكنت الكومنتانج من إقامة أول قاعدة لنفوذه في مقاطعة جواندونج. وعندما بدأ الكومنتانج في 1926 الحملة الشمالية للاستيلاء على بقية الصين كانت نضالات الفلاحين في القرى هي التي مكنت الجيش من التقدم بسرعة كبيرة بعرض الجنوب الصيني.

وبتعمق النضالات اتسع مجالها ليتخطى الحدود التي كان الكومنتانج يفرضها عليها. كانت المليشيات العمالية تؤمن شوارع كانتون وتفرض الحصار داخل هونج كونج. وانتشرت الإضرابات حول الأجور وعدد ساعات العمل وظروف العمل إلى العمال المستأجرين بواسطة الرأسماليين الصينيين. لقد كانت الثورة الوطنية تتحول إلى ثورة عمالية. وبينما كانت الثورة تنتشر شمالا في مدن ووهان وشنغهاى تكرر نفس النمط.

وفي الريف تغير محور الصراع بسرعة أكبر. فالإمبريالية بالنسبة للفلاحين كانت شيئا مجردا وكان العدو هو ملاك الأراضي. وكما صور الأمر أحد مؤرخي الثورة : ‘قال الكومنتانج: “لتسقط المعاهدات غير المتكافئة..ولكن المعاهدات غير المتكافئة الوحيدة التي كان فلاحو هونان يعرفونها هي اتفاقات الإيجار …فبالنسبة لفلاحي هونان كان “إلغاء المعاهدات غير المتكافئة” يعنى إلغاء العبودية على الأرض’.(1)

وخلال أواخر 1926 وأوائل 1927 انتشرت موجة من الانتفاضات الفلاحية بعرض مقاطعات جوان ندونج وهونان وهوباى. تم نزع ملكية ملاك الأراضي وطرد المرابين وإقامة التعاونيات لإنتاج وتوزيع الطعام للتأكد من أن أحدا لم يتعرض للجوع. وتم الهجوم على المساوئ الاجتماعية التي ظلت مقبولة لمئات الأعوام. وفى كثير من القرى تم القضاء على بيع النساء والأطفال للدعارة ، وربط أقدام النساء، وتدخين الأفيون، والطقوس الدينية.

ودافع ملاك الأراضي عن ملكيتهم بوحشية وعنف خياليين -وبتأييد كامل من الكومنتانج. لأن الكومنتانج كان يمثَّل تطلعات الرأسماليين وملاك الأراضي الصينيين لأن يصبحوا طبقة حاكمة على قدم المساواة مع بقية العالم. ولتحقيق ذلك كانوا بحاجة لنضال الجماهير، ولكن كما طرح تروتسكي: “أن البرجوازية الصينية واقعية وعلى دراية بطبيعة الإمبريالية العالمية بالقدر الكافي لتفهم أن نضالا جادا حقيقيا ضد الأخيرة يحتاج انتفاضة من الجماهير الثورية قد تصبح خطرا على البرجوازية ذاتها”.(2) وكلما أصبح الخطر أكثر وضوحا كلما تحول الكومنتانج أكثر ضد الحركة العمالية. فالحركة في المدينة هي التي ألهمت النضالات في الريف، لذا كان لابد من سحق المدن لو كان مقدرا للكومنتانج الحفاظ على تأييد رأس المال الصيني وكسب التنازلات من الإمبريالية. واحتضن تشانج كاى تشيك المهمة بحماس بالغ.

وجاءت ذروة المذابح الدموية في إبريل 1927 في شنغهاى. فبينما كانت الحملة الشمالية تقترب من المدينة دعت النقابات العمالية لإضراب عام مسلح واستولى العمال على المدينة لمدة 12 يوم. وعندما دخلت قوات الكومنتانج المدينة طلبت من العمال إلقاء أسلحتهم والترحيب بالقوات كـ”محررين”. ولم يمض كثيرا على تثبيت أقدامه في المدينة حتى هجم الكومنتانج على العمال وذبح أكثر من 50 ألف عامل وتم تحطيم كل منظمات الطبقة العاملة.

وفى يوليو هجمت حكومة الكومنتانج في ووهان على الحركتين العمالية والفلاحية هناك في إعادة لمذابح إبريل. هذه المرة بلغ عدد القتلى أكثر منه في شنغهاى حيث أن ملاك الأراضي شنوا حملة إرهابية واسعة في الريف المجاور لووهان.

كيف أمكن لحركة قوية كهذه أن تهزم بدون إطلاق طلقة واحدة؟ الإجابة تكمن في التحالف الذي تم بين الكومنتانج والحزب الشيوعي الصيني،بأوامر من موسكو، والذي أكد أن الحزب الشيوعي الصيني غير قادر على أن يكون قوة ثورية مستقلة. فلقد أعلن ستالين أن الثورة الصينية لا يمكنها أن تكون إلا ثورة وطنية وبالتالي ثورة يقودها الكومنتانج. وتبع ذلك أنه لكي يظل التحالف قائما كان لابد من وقف نضالات العمال والفلاحين ضد الرأسماليين وملاك الأراضي “الوطنيين” الصينيين.

لقد كان الحزب الشيوعي يقود النقابات العمالية ويؤثر بشكل كبير في الحركة الفلاحية. إلا أنه لم يتصرف كحزب ثوري يدفع النضال للأمام ولكن كجناح يساري للكومنتانج. كان هذا يعنى أنه بعد أن أشعل الحزب النضالات عاد -بناء على منطق “وحدة معاداة الإمبريالية”- ولجم تلك النضالات. تسبب ذلك في إحباط مؤيدي الحزب الذين تركوا الحركة عندئذ؛ وهذا بدوره سهل على الكومنتانج الهجوم على الثورة.

واستمر ارتباط الحزب الشيوعي بالكومنتانج حتى بعد مذابح شنغهاى. ورغم أن الحزب هو الذي تحمل خسائر الهجوم حول ستالين تحالفه إلى حكومة الكومنتانج البديلة في ووهان. ولم يغير طريقه إلا بعد أن قامت هذه الحكومة بمذابحها الخاصة. وكان رد فعل ستالين – والعمال قد هُزِموا تماما والحركة الفلاحية قد تم سحقها والحزب الشيوعي لا يمثل إلا كسر بسيط من قوته السابقة – أن أعلن موجة ثورية جديدة !

تم إعطاء الأوامر للحزب الشيوعي لشن مجموعة من الانتفاضات معروفة بـ “انتفاضات حصاد الخريف”، حيث ستهجم جيوش تتجمع في الريف على المدن الاستراتيجية لتأخذها كقواعد تشن منها هجوما على المستوى القومي. كان ذلك جنونا أو انتحارا أدى إلى الاستئصال التقريبي لبقايا الحزب الشيوعي. وقد نجا ماو فقط لأنه خالف الأوامر. وهو كان يقود جيشا مهمته الاستيلاء على هونانيز عاصمة مقاطعة غابخشان وبعد عدة هزائم غير طريقه وقاد جيشه الذي يبلغ أقل من 1000 محارب إلى جبال الجينجانج. وفى مايو 1928 التحق بهم جيش آخر يقوده زودى مكون من أقل من ألف محارب أيضا. كانت تلك القوة الصغيرة هي كل ما تبقى من الحزب الشيوعي الصيني فعليا.

واعترفت نشرة داخلية في نوفمبر 1928 بأن ” منظمات نقابتنا قد نزلت إلى الحد الأدنى، وحدات حزبنا في المدن قد أصبحت مسحوقة ومعزولة ولا يمكننا أن نجد في الصين خلية صناعية قوية”،(3) ولم يبن الحزب الشيوعي بعد ذلك أبدا نفوذه داخل المدن. ومن 1928 أصبح حزب عصابات يتكون في معظمه من فلاحين ويقوده مثقفي الطبقة الوسطى.

وعاشت “القاعدة الحمراء” التي أسسها ماو في 1928 حياة غريبة في السنوات الست التالية، ووسعت بالتدريج المساحة التي تتحكم فيها. أُطلِق على الحكومة اسم “السوفيت” رغم أنها كانت مختلفة تماما عن المجالس العمالية إلا من حيث الاسم؛ كانت بالأساس ديكتاتورية عسكرية رحب بها الفلاحون لأنها وضعت بعض القيود على سلطات ملاك الأراضي المحليين.

في أوائل الثلاثينات تم تأسيس “قواعد سوفيتية” مماثلة في مقاطعات أنهوى و هونان وفى شانكس وجانسو في الشمال الغربي. وكان تواجدهم ممكنا فقط بسبب الفوضى التي سادت الصين خلال الثلاثينات. ورغم أن الكومنتانج حقق هدفه في تشكيل حكومة إلا أنه كان انتصارا زائفا. لم تمتد سلطته إلا إلى المناطق المحيطة ببكين ومدن كبيرة أخرى ولكل المناطق التي كانت تحتلها قوات حكومية. أما بقية الصين فقد حكمها أمراء الحرب المتنازعون ولم تتعد أراضى الكثيرين منهم أكثر من بضعة كيلومترات. وفى المناطق التي كان أمراء الحرب فيها ضعفاء، أو منقسمين على أنفسهم، أو حيث كانت التربة فقيرة جدا بحيث لا يمكن استدرار أي ربح منها كان ممكنا أن تعيش “المناطق المحررة”. كانت تلك المناطق عبارة عن مناطق جبلية كثيرة -ويتضمن هذا جبال الجنجانج- حيث يمكن فيها الهروب من حكم المسئولين وملاك الأراضي المحليين.

ولكن كلما نمت المناطق التي سيطر عليها الحزب الشيوعي كلما تعرضت إلى هجوم منتظم من القوات الحكومية المركزية. ومن 1932 حتى 1934 تم الهجوم خمس مرات على قاعدة ماو في جيانكس ورغم فشل أول أربع هجمات إلا أنه بحلول أكتوبر 1934 كانت أهم “المناطق المحررة” تتعرض لتهديد شديد وردا على هذا التهديد تم شن “المسيرة الطويلة”.

على عكس الأساطير، لم يخطط ماو للمسيرة الطويلة -بل لم يتم إخباره بالخطط إلا بعد أن تم إعدادها.(4) لم تكن المسيرة جزءا من استراتيجية طويلة الأمد بل حلا يائسا لمشكلة يائسة. لقد كانت المنطقة الرئيسية على وشك أن يستولي عليها الكومنتانج، وكان الأمل الوحيد للبقاء هو خلق منفذ لها وإعادة الاستقرار في منطقة أكثر أمانا. ولكن كلما تعرضت المسيرة للهجوم المستمر من القوات الحكومية كلما اضطرت للتوغل أعمق فأعمق في أحراش الصين الغربية حتى أصبح الاختيار الوحيد المتبقي هو الاتجاه نحو “مناطق السوفيتات” في الشمال الغربي.

بالنسبة لمن نجوا في نهايتها كانت المسيرة ملحمة بطولية للتحمل الإنساني. بدأ ما بين 80 ألف إلى 90 ألف شخص المسيرة في أكتوبر وأكملها 4000 فقط بعد عام. تُرِكَ بعض المحاربين على الطريق ليكونوا قواعد عصابات جديدة لكن أكثر من 50 ألف ماتوا أثناء المسيرة. قطع الناجون بين 6000 و 7000 ميلا وفى حوالي منتصف الطريق أصبح ماو قائد الحزب الشيوعي بدون منازع.

ما الذي يمكن أن يكون قد ألهم البشر لتحمل مثل تلك المصاعب؟ الجواب الأساسي نجده في ظروف الريف الصيني في الثلاثينات. لقد عاش معظم الفلاحين حياة فقر بائس، ضائعين بين ملاك الأراضي والمرابين، يتوغلون أكثر فأكثر في الديون كل عام. المجاعة والجفاف كانا أمرين مألوفين –ما بين 1926 إلى 1931 مات ثلث سكان جانسو بسبب المجاعات والفيضانات وأوبئة التيفويد والحرب المحلية. وفى شانكسي مات ثلاثة ملايين شخص جوعا. وبغض النظر عن أي شئ كان ملاك الأراضي يصرون على جمع الإيجارات؛ حتى الموت كان ينقل الديون إلى الجيل التالي وبما أن ملاك الأراضي كانوا هم أيضا القضاة المحليين، كانت كلمتهم هي القانون ذاته.

لقد وعد الجيش الأحمر بإنهاء سلطة ملاك الأراضي وبإعطاء الأرض للفلاحين. فمجرد معاملتهم للفلاحين كآدميين على عكس الوحشية المألوفة من الجيوش الصينية الأخرى جعلت من الممكن أن يصدق الفلاحون الجيش الأحمر. ولا يعنى هذا أنه تم نزع ملكية الأراضي تماما في أي لحظة في “مناطق السوفيتات” ولكن حتى هناك فرض الجيش الأحمر إيجارات أدنى من المعدلات السابقة.

عندما تولى ماو القيادة في 1935 أضاف هدفا آخر للحرب من أجله، التحرر الوطني من الغزو الياباني في 1935 حيث فشلت حكومة الكومنتانج في وقف الزحف الياباني الذي استولى على الكثير من شمال الصين. جاءت المعارضة الوحيدة المسلحة التي واجهوها من”مناطق السوفيتات” في شانكس ولكن في بكين نشأت حركة وطنية قوية بين الطلاب انتشرت لساحات الجامعات في كل شرق الصين.

وبوصول المسيرة الطويلة إلى شانكس بدأ ماو تحريض قوى من أجل ‘جبهة متحدة ضد اليابان’ مع الكومنتانج طالبا إنهاء العداوة بين جيشيهما وعمليات مشتركة ضد اليابانيين. كان لذلك أثره الكبير بين الطلبة وأيضا بين الضباط الصغار في جيش الكومنتانج -فالتوحد مع صينيين آخرين في مواجهة غازي أجنبي ظهر لهم كتعريف جيد لما يجب على حزب وطني أن يفعله.

في ديسمبر 1936 اختطف تشانغ كاى تشيك -جزار عمال شنغهاى عام 1927- بواسطة ضباطه، وأُرغِم على توقيع معاهدة سلام مع الحزب الشيوعي الصيني. (لقد أراد الضباط أن يقتلوه ولم ينقذه إلا إصرار زو إنلاى -مبعوث ماو- على عدم قتله) في المقابل أعلن الحزب الشيوعي “نهاية الديكتاتورية الديمقراطية للعمال والفلاحين”.(5) (ولا يوجد دليل على أنه قد تم استشارة العمال والفلاحين في هذا الأمر). ألقى الحزب الشيوعي بنفسه في حرب المقاومة. وتم التخلي عن أي كلام عن نزع الملكية لملاك الأراضي وأصبح المحور “توحيد كل الصينيين الوطنيين لمقاومة العدو الخارجي”.

لقد حولت الحرب ضد اليابانيين الحزب الشيوعي إلى قوة قادرة على المنافسة على السلطة. في عام 1937 كان لديهم 30 ألف عضو وبلغت قوة الجيش الأحمر 40 ألف عضو. بحلول عام 1940 ارتفعت هذه الأرقام إلى 800ألف و 500 ألف على التوالي، ومعهم مئات الآلف من الفلاحين منظمين في مجموعات عصابات صغيرة، وتم تطبيق دروس حرب العصابات التي استوعبوها من المسيرة الطويلة ببراعة في سهل شمال الصين وفى الجبال. وبينما تحكم اليابانيون في المدن وخطوط السكة الحديدية تحكم الجيش الأحمر في الريف الواقع بينهم.

هكذا، على أساس الوطنية بنى الحزب الشيوعي أساس قوته، ولكنهم أيضا احتفظوا بشعبيتهم بين الفلاحين بكسرهم للسلطة المطلقة لملاك الأراضي. أينما ذهب الجيش الأحمر فرض كل من… دفع الأجور وخفضها “من أجل مصلحة الوحدة الوطنية”. بالنسبة للفلاحين كان هذا وضعا أفضل مما كانوا يحلمون به. وقف الحزب الشيوعي كقوة فوق كل الطبقات، يتصرف طبقاً لمصالحه الذاتية كطبقة حاكمة مستقبلية -ولكن في أثناء تلك العملية تعامل الحزب مع الفلاحين وملاك الأراضي كمتساويين.

وقد تطابقت سياسة الجبهة المتحدة مع الكومنتانج مع الاستراتيجية العامة التي أتخذها ستالين في أوروبا -وحدة الأحزاب الشيوعية الغربية مع البرجوازية “التقدمية” ضد الفاشية. ولكن على عكس الجبهات الشعبية في أسبانيا وفرنسا، أدت هذه السياسة في الصين إلى تقوية الحزب الشيوعي الصيني بدلا من أن تضعفه. وأحد الأسباب المهمة لذلك هو الدرس العملي الذي أستخلصه ماو من 1927 – تمسك بسلاحك، وجادل أحد مؤرخي تلك الفترة: “ربما يكون أهم شئ في هذه الحركة الثورية هو أنها لم تكن مسلحة بنظرية واستراتيجية بل إنها كانت مسلحة بسلاح”.(6) واجه الحزب الشيوعي والكومنتانج بعضهما البعض كقوتين مستقلتين مسلحتين. وبينما كان يمكن التضحية بالمنظمات الضعيفة في المدن من أجل الوحدة شدد ماو سيطرته على الجيش الأحمر في الريف.

أما الجزء الثاني من التفسير فقد كان له دلالات طويلة الأمد؛ لقد نازل الحزب الشيوعي الكومنتانج على أرضيته الوطنية وفاز. لو لم تستطع طبقة حاكمة الدفاع عن وحدة أراضي دولتها، تخسر شرعية سلطتها. لقد كان الكومنتانج بفساده العميق وتمزقه الحزبي غير قادر على الدفاع عن “المصالح القومية” للصين ضد الإمبريالية اليابانية. في حين كان الحزب الشيوعي هو الذي أثبت القدرة على أداء تلك المهمة. ولذا فقد وطدوا ادعاءهم بأحقيتهم في أن يحكموا الصين بعد الحرب.

بحلول عام 1945 كان أكثر من10% من الصين في أيدي الجيش الأحمر بينما كانت عصابات الحزب الشيوعي تقوم بالعمليات على مساحات أوسع من ذلك بكثير. جاءت الحرب الأهلية التي اندلعت فور الانتصار على اليابان مسألة غير متكافئة بتاتا. فعلى الرغم من الكميات الضخمة من الأسلحة الأمريكية توالت هزائم الكومنتانج بشكل مطرد، وهرب عشرات الآلاف من جنوده إلى الجيش الأحمر معركة بعد معركة. واستمرت الحرب ثلاث سنوات أساسا بسبب المسافات الضخمة التى كان يجب على الجيش الأحمر أن يغطيها ولكن النتيجة كان متأكد منها طوال الوقت.

في 1949 اعترف تشانغ كاى تشيك بالهزيمة وهرب إلى تايوان، وأصبح ماو سيد الصين.

المجتمع الجديد

1949 كانت ثورة حقيقية تخلص فيها جيش ملايين الفلاحين من الطبقات الحاكمة القديمة وكسر قوة الإمبريالية الغربية ووضع الأساس لنظام اجتماعي جديد. ولكنها لم تكن ثورة اشتراكية بأي شكل من الأشكال.

بالنسبة لماركس، كما بالنسبة لينين، كانت الاشتراكية بالضرورة هي التحرر الذاتي للطبقة العاملة. في 1949 لم يلعب العمال الصينيون أي دور على الإطلاق في انتصار الحزب الشيوعي الصيني؛ فبوصول الجيش الأحمر للمدن كانت المعارك الحاسمة للثورة قد تم الانتصار فيها. وبينما كان الجيش الأحمر يستولي على المدن كان العمال مجرد مشاهدين سلبيين، فلقد أتى إليهم ‘التحرير’ من الخارج.

لم يكن هذا لأن العمال الصينيين غير قادرين على النضال. فالأعوام بين 1945 و1949 شهدت صعودا متزايدا لموجات من النضالات في معظم المدن حيث حاربت الطبقة العاملة للدفاع عن مستوى معيشتها ضد التضخم الحاد. ودخلت المدن في حالة هدوء تام بناءا على توجيهات من الحزب الشيوعي الصيني. فبينما كانت الجيوش الحمراء تقترب من مدن جنوب شرق الصين في صيف 1949 أرسلت قبلها مجموعة من الأوامر “… سيستمر العمال والموظفون في كل المهن في العمل، وستعمل التجارة كالمعتاد”.(7) بل وأصروا أن يستمر كل هؤلاء المسئولين عن إدارة جهاز الدولة القديم في مواقعهم لضمان انتقال السلطة بسلاسة.

لم تكن هذه السياسة مجرد صدفة؛ ولكنها نتيجة حتمية للنضال الذي شنه الحزب الشيوعي. لأن الثورة كانت فوق كل شئ ثورة وطنية : كان الهدف بناء اقتصاد قوى قومي و مستقل. كانت الثورة المسلحة أمرا مطلوبا للتخلص من الطبقات الحاكمة القديمة (التي أثبتت عدم قدرتها على الدفاع عن المصالح القومية الصينية) ولكنها -أي الثورة- كان يجب أن تظل مُتحكَم فيها بصرامة من أعلى.

جادل ليون تروتسكي وهو يطور نظرية الثورة الدائمة أنه في البلاد الشبيهة بالصين لم يكن بإمكان البرجوازية القومية أن تقوم بالمهمات الأساسية للثورة الوطنية – كسر قوة الإمبريالية وملاك الأراضي. يرجع هذا لسببين هما العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الوطيدة بين البرجوازية القومية كطبقة وبين ملاك الأراضي. والسبب الأكثر أهمية هو أن القوة الكامنة لنضالات العمال والفلاحين كانت خطرا أكبر على البرجوازية من خطر الإمبريالية. وأكدت تجربة 1927 بحسم مقولة تروتسكي.

ويمضى تروتسكي مصراً على أن الفلاحين كطبقة غير قادرين على قيادة مثل هذا النضال رغم أنهم بالضرورة سيلعبون دورا كبيرا فيها. فظروف حياتهم تحتم عليهم أن يبحثوا عن حلول فردية بدلا من حلول جماعية. يمكن بالفعل كسب الفلاحين للثورة ولكن فقط بواسطة قوة من خارج القرى. يجب أن تأتى القيادة من طبقة مدنية –ولا يمكن أن تكون هذه إلا الطبقة العاملة.

لذا جادل تروتسكي، إن نجاح الثورة الوطنية ممكنا فقط من خلال نضال يقوده عمال المدن. وهذا يعنى أن الثورتين الاشتراكية والوطنية سيندمجان في عملية واحدة.

أثبتت أحداث 1949 صحة كلام تروتسكي إلا النقطتين الأخيرتين وهما أهم أجزاء تحليله. لأن تلك الأجزاء اعتمدت على الاعتقاد بأن الطبقة العاملة هي قوة ثورية واعية في كل الأوقات. إلا أن مذابح 1927 كسرت الروح الثورية في مدن الصين. رغم ذلك فإنه في غياب الطبقة العاملة تبقى إمكانية حدوث ثورة. أثبت جزء من الانتلجنسيا المدنية قدرته على ملء فراغ القيادة بانيا حركة مسلحة جماهيرية من الفلاحين تحت سيطرته الصارمة.

أصبحت الآن “الثورة الدائمة” التي تصورها تروتسكي بقيادة الطبقة العاملة المؤدية إلى الاشتراكية منحرفة في طريق وطني صافي.

تم تحقيق رغبة الوطنية الصينية في اقتصاد وطني مستقل يستطيع أن يبدأ في منافسة الاقتصاد العالمي- ولكن الوسيلة الحاسمة للتغيير كانت الدولة الجديدة. أتى قادتها إلى السلطة كقوة في حد ذاتها، كقوة فوق كل طبقات المجتمع القديم. إلا أنهم لم يكن بإمكانهم أن يتصرفوا كما أرادوا هكذا ببساطة. فوجود اقتصاد عالمي شديد المنافسة وعدائي أملى الحاجة لاقتصاد قومي قوى، وضرورة المنافسة مع هذا الاقتصاد العالمي.

بالتالي حددت الأولويات الاقتصادية للدولة الجديدة. عنى هذا فوق كل شئ مراكمة رأس المال من موارد الصين الضعيفة لبدء مهمة تشييد أساس صناعي، وهى العملية التي خلقت طبقة حاكمة من كبار البيروقراطيين، مديري المصانع، القادة العسكريين، ومثلهم …واستقدمت الغالبية العظمى من هؤلاء من الصفوف العليا للحزب الشيوعي. وجاء ارتباطهم معاً كطبقة بسبب سيطرتهم على أولويات الاقتصاد وبسبب الحتمية التناقصية لعلاقتهم مع الطبقة العاملة والفلاحين. ولأن التراكم هو الهدف المركزي إذن كان يجب أن يخضع إشباع الحاجات الإنسانية بوضوح لهذا الهدف. هكذا ذهب 25% من الناتج القومي إلى التراكم الرأسمالي في الخمسينات وصعد هذا الرقم إلى 30% في بداية الستينات.(8) ذهبت الغالبية العظمى من هذا التراكم في الإنفاق على الصناعة الثقيلة والأسلحة في الوقت ذاته ارتفع مستوى المعيشة بنسبة 2% في أوائل الخمسينات وهبط بشدة بين 1959و 1961.

لقد أعلن ماو في يونيو 1949 بأن “سياستنا الحالية هي تنظيم الرأسمالية، وليس تحطيمها”.(9) وعندما بدأت الدولة تستولي على رأس المال الخاص بالتدريج في أوائل الخمسينات (وكثيرا ما أبقوا على الملاك القدماء كمدراء للمصانع) حلت ببساطة رأسمالية الدولة البيروقراطية محل الرأسمالية الخاصة. في البداية صيغ نمط التصنيع في الصين على النموذج الذي أتبعه ستالين في الاتحاد السوفيتي في الثلاثينات – بالذات الخطة الخمسية الشاملة التي تسيطر على كل أوجه التنمية الاقتصادية. ولكن رغم أن خطة الصين الخمسية الأولى طورت بالفعل الاقتصاد إلا أنها لم تفعل ذلك بالسرعة الكافية بالنسبة للطبقة الحاكمة. كان الانتعاش في الاقتصاد العالمي يعنى أنه رغم أن الاقتصاد الصيني نما بسرعة بالمقارنة بأعوام ما قبل 1949، فبالمقارنة بالمنافسة (على الصعيد العالمي) كان هذا الاقتصاد يتقهقر للخلف أكثر.

دفع هذا الحزب الشيوعي الصيني لتغيير مساره. كان يجب زيادة سرعة النمو الاقتصادي بحدة وفى غياب رأس المال الزائد للاستثمار كان من الممكن زيادة سرعة النمو فقط من خلال تكثيف استغلال العمال والفلاحين. كان هذا هو الحافز على “القفزة الكبرى للأمام” في أعوام 1958 – 1960. تم وضع أهداف متضخمة جدا لكل من الإنتاج الصناعي والزراعي، وتم البدء في ” حملات جماهيرية” لفرض الأهداف الجديدة والنظام والطاعة والعمل. وأرغم مديرو المصانع عمالهم بالتهديد على محاولة تحقيق هذه الأهداف، وذلك من خلال إلغاء راحات الغذاء، إدخال ورديات 18 و24 ساعة، والتخلي عن كل ممارسات الأمن الصناعي. وعندما لم تنجح كل هذه الأساليب كذب المديرون ببساطة حول أرقام الإنتاج محدثين بذلك المزيد من الدمار حيث رفعت أهداف مصانع أخرى للاستفادة من هذه الزيادات الوهمية في الإنتاج.

في المدن سرعان ما انهارت القفزة الكبرى تحت ثقل تناقضاتها الذاتية. فقد كان من الممكن إرغام العمال على عمل ورديات من 18 ساعة مرة أو مرتين -ولكن لم يكن ممكنا أن يصبح هذا هو يوم العمل العادي. أما الماكينات التي عملت بضعف سرعتها العادية فقد انتهى عمرها في نصف الوقت أيضا. وكان عدم التوازن بين القطاعات المختلفة للصناعة يعنى أن الكثير من الزيادة الحقيقية في الإنتاج ضاعت ببساطة لأنه لم يمكن استخدامها.

وإذا كانت القفزة الكبرى في المدن محض خيبة ففي الريف كانت كارثة. في عام 1952 أعاد إصلاح زراعي شامل توزيع الأراضي من الفلاحين الأغنياء وملاك الأراضي إلى الفلاحين الفقراء معطيا معظم أسر الفلاحين ما يكفى من الأرض ليعيشوا عليها. منذ ذلك الحين تحركت الدولة بحذر لتدخل أشكالا مختلفة من العمل الجماعي لزيادة الإنتاج دون زيادة الاستثمار. جاء التقدم في عمومه ضعيفا وبطيئا حيث أرادت الدولة كسب موافقة الفلاحين على كل مرحلة لتجنب توقف الإنتاج. ووصل الأمر في 1956 إلى إبطاء العملية نفسها حيث أصبح واضحا أن مقاومة الفلاحين كانت تتزايد.

ولكن في عام 1958 تم إلقاء الحذر في البحر مع تكوين “كوميونات الشعب” وهى بنيات اقتصادية جديدة للريف تغطى كل منها في المتوسط 25 ألف شخص. تم تجميع الأرض بالقوة وتنظيم الفلاحين في مجموعات عمل كبيرة لتحقيق أهداف الإنتاج التي حددتها الدولة. وأُقيمَت مطابخ وحضانات كوميونية ليس لتحرير المرأة من عبء عمل المنزل ولكن لإرغامها على العمل داخل وخارج المنزل. تم أيضا تأسيس آلاف المصانع الريفية الصغيرة مستخدمة رأس المال الذي تستطيع الكوميونة أن تراكمه وذلك لتقليل الحاجة لأن تستثمر الدولة أكثر في الريف.

كانت تلك المصانع حتما مصدر نزيف للاقتصاد، فلقد استخدمت مصانع الصلب الصغيرة (مصانع “الحديقة الخلفية”) التي أُقيمَت في آلاف القرى صلبا صناعيا أكثر مما أنتجته! ولكن أسوأ الآثار كان يمكن رؤيتها على الأرض ذاتها. جاء رد فعل الفلاحين على فقدانهم لأراضيهم بالامتناع عن العمل أو العمل بالقدر الأدنى. استخدم موظفو الكوميونات كل الوسائل المتاحة لتحقيق الأهداف المستحيلة التي حددتها الدولة وعندما فشلوا لجئوا للكذب على نطاق واسع. فمحصول الذرة في 1958 والذي قيل عنه في البداية أنه 375 مليون طن ظهر أنه لم يتجاوز في الحقيقة ال250 مليون طن.

1958 كان عاما جيدا. الأعوام الثلاثة التالية لم تكن كذلك. فبحلول 1961 عادت المجاعات إلى الظهور فى أنحاء كبيرة من شمال الصين، واشتعلت انتفاضات مسلحة في مقاطعتين على الأقل وهرب حوالي 20 ألف من مقاطعة زينجانج الغربية إلى الاتحاد السوفيتي. وكان التغلب على هذه الفوضى في المدن أسهل منه في الريف. أضاعت القفزة الكبرى حوالي عقداً من النمو الاقتصادي؛ بدلا من أن توسع وتطور الاقتصاد كما كان يأمل ماو.

شهد 1961 أيضا بداية الانقسام الصيني السوفيتي. ورغم إدعاء ماو لاحقاً أن هذا الانقسام كان جزءا من النضال العالمي بين “التحريفية” و “الماركسية الحقيقية” فإن الجذور الحقيقية له كانت في الطموحات المختلفة للطبقتين الحاكمتين الصينية والسوفيتية. فبينما زود الاتحاد السوفيتي الصين بالكثير مما كانت تحتاجه من التكنولوجيا والتقنيين للتطور الاقتصادي، كان الثمن المطلوب غاليا. أرادت البيروقراطية السوفيتية معاملة الصين كما كانت تعامل حين ذلك الدول التي كانت تدور في فلكها بأوروبا الشرقية – كمصدر لفائض القيمة التي يمتصها الاقتصاد الروسي ولم يكن أمام الطبقات الحاكمة في أوروبا الشرقية اختيارا آخر في ذلك الوقت – فلقد تم بناء سلطتهم بالدبابات السوفيتية وضَمنَ غزو المجر في 1956 عدم نسيانهم لذلك.

ماو – على العكس من ذلك – قد أتى إلى السلطة ليس فقط باستقلال عن ستالين بل ضد جهود هذا الأخير. لم يصدق ستالين أبدا أن جيوش ماو الحمراء يمكنها أن تستولي على السلطة؛ في 1944 وصفهم ستالين في محادثاته مع السفير الأمريكي في روسيا بـ “الشيوعيين الزبدة”. وطول الوقت إلى أن جاء انتصار ماو في 1949 ظل الاتحاد السوفيتي مساندا للكومنتانج. وعند نهاية الحرب العالمية الثانية نهبت الجيوش الروسية الصناعة الثقيلة لشمال شرق الصين “كتعويضات حرب” من الإمبريالية اليابانية (كان ستالين قد أعلن الحرب على اليابان قبل استسلامها بـ 9 أيام)!

انخفضت الحساسية بين الطبقتين الحاكمتين للاتحاد السوفيتي والصين في الخمسينات حيث كان الحزب الشيوعي الصيني يحتاج للتكنولوجيا والاستثمار الروسي أكثر من اهتمامه بالثمن ولكن عندما تزامن تزايد المطالب الروسية مع تخفيض في مقدار الاستثمار والمعونة للصين، كان لدى الحزب الشيوعي الصيني قاعدة قوية رئيسية تمكنه من مخالفة الروس.

ورغم أن ماو كان المحرك الأساسي وراء انقسام 1961؛ إلا أنه كان على هذا الوقت قد خسر التحكم الفعلي في الاقتصاد الصيني. لقد تم إلقاء لوم كوارث “القفزة الكبرى” في البداية على المسئولين المحليين الذين نفذوا السياسة ولكن في 1959 وفى اجتماع موسع للجنة المركزية للحزب حمل ماو نفسه اللوم وتخلى عن معظم مناصبه الرسمية. وعزلته عن الطبقة الحاكمة ربما يكون قد فعلها لتجنب الانقسام بين العامة، إلا أن حركة ماو قد عمقت عزلته.

واندفعت السياسة الاقتصادية في الاتجاه المضاد. رغم أن معظم الكوميونات بقيت كهياكل إدارية فقد عادت السيطرة على الإنتاج الزراعي إلى مستوى القرية. خُفِضَت الأهداف بحدة وشُجِعَت قطع الأرض الخاصة على زيادة الإنتاج. وبحلول 1962 جاء محصول الذرة الخاص على الأقل في ثلاث مقاطعات أكبر منه في المزارع المجمعة وعادت الفروق الكبيرة بين الفلاحين الأغنياء والفقراء للظهور.

وفى المدن حدث تحرير مماثل. أُعِيدَت المكافآت الإنتاجية والعمل بالقطعة للمصانع وأُعطي مديرو المصانع سيطرة أكبر على عملياتهم وعادت الأسواق الخاصة للظهور وتم زيادة التجارة الخارجية. لم تكن هذه استراتيجية مختلفة الجوهر عن تلك التي أتبعها ماو كما قيل بعد ذلك، بل كانت رد فعل ضروري على الخسائر التي أحدثتها “القفزة الكبرى”.

ولكن في حين خففت هذه السياسة الجديدة المشاكل المباشرة للاقتصاد فإنها لم تفعل أي شئ لحل المعضلات الأعمق التي تواجه الطبقة الحاكمة. بعيدا جدا عن اللحاق باقتصاد الدول المتقدمة كان الاقتصاد الصيني يتقهقر أكثر للوراء. في نفس الوقت كان الانقسام الصيني السوفيتي يعنى زيادة عظيمة في الخطر العسكري الخارجي. لقد نجح أعداء ماو داخل الطبقة الحاكمة في تحييده بتحويله إلى رمز؛ ولكن لم يكن لديهم آية استراتيجية بديلة للاقتصاد الصيني.


الثورة الثقافية

“الثورة الثقافية” مسئولة عن معظم الانتكاسات الحادة والخسائر الثقيلة التي عانى منها الحزب والدولة والشعب منذ تأسيس الجمهورية الشعبية’.(10)

هذا التقييم الذي تبناه ورثة ماو كان سيعتبر كُفراً بالنسبة لمعظم اليساريين في الستينات.

لقد كان ينظر للـ”ثورة الثقافية البروليتارية العظيمة” كجزء أصيل من موجة الاحتجاجات والتمردات التي اكتسحت العالم في نهاية الستينات. لقد كان الطلبة في بكين وشنغهاى مثل أقرانهم في لندن وباريس وروما وبرلين وأماكن أخرى يتقدمون ضد محافظية وبيروقراطية النظام القديم. وكان يُنظَر لثورتهم كدليل واضح على أنه يمكن للصين تجنب انحطاط الثورة الذي حدث في روسيا تحت حكم ستالين.

في الحقيقة كانت الثورة الثقافية صراعاً على السلطة عنيف ودموي داخل الطبقة الحاكمة؛ اُعتقل وسُجِنَ فيه الملايين ومات مئات الآلاف. نقل ماو الصراع للشوارع لسبب واحد بسيط : لو تم قصر النزاع على الطبقة الحاكمة لكان خسر المعركة لقد كان المظهر ‘الثقافي’ الوحيد للثورة الثقافية هو ذريعتها.

في عامي 1959 و 1961 كتب نائب عمدة بكين مسرحيتين عن قاضي صادق وشجاع من القرن السادس عشر كان يهاجم الإمبراطور لظلمه وعدم اكتراثه بفقر الفلاحين. كان الإيحاء لماو واضحاً، فقرر ماو في أواخر 1965 أن يرد بهجوم مضاد ولكنه لم يجد أي جريدة في بكين توافق على نشر مقاله. وتم نشر المقالة في النهاية في دورية مغمورة في شنغهاى، وعلى هذا الأساس المهلهل بدأ ماو حملة جديدة.

لم يكن بإمكان أعدائه تجاهل ذلك، ولذا تحركوا لقيادة الحملة حتى يحولوا دون ضربها لهم. وبفعلهم ذلك سقطوا في الحفرة التي حفرها ماو لهم، ففي مايو 1966 حقر ماو أعمالهم ودعا إلى انتفاضة بعرض الصين ضد “هؤلاء الأشخاص في السلطة المتخذين الطريق الرأسمالي”. وفى شعار دوى في كل أنحاء الصين أعلن ماو : “إنه حق أن نثور” (ولم يلحظ معظم الناس في ذلك الوقت مدى سخافة أن تكون الثورة مبررة متى سمح الحاكم بها).

في الحقيقة كان الخلاف يدور حول تقسيم السلطة داخل الطبقة الحاكمة، وهل سيكون ماو ديكتاتوراً فوق الطبقة الحاكمة بأكملها أم مجرد عضو في قيادتها العليا؟ لقد كان أعداء ماو يحاولون تقليل سلطته منذ القفزة الكبرى لتحويله لمجرد رمز بدون سيطرة حقيقية على الإدارة اليومية لشئون المجتمع. ولكن بفعلهم ذلك فقد قووا السلطة الأخلاقية لماو كقائد للثورة، تلك التي استطاع بها إثارة الناس ضدهم.

حصل ماو في بكين على ما أراد -إزالة أعداءه من السلطة- في الحال. ولكن لكي يتكرر ذلك في المقاطعات كان ضروريا أن تنقل المعركة إلى الشوارع. كان هذا هو الدور الحقيقي “للحرس الأحمر” الشهير:

ومنذ أغسطس 1966 تم تكوين مجموعات الحرس الأحمر بين طلبة الجامعات وتلاميذ المدارس بعرض الصين. لقد لمست دعوة ماو للطلبة بالتمرد وترا حساسا عندهم خصوصا وأنهم متورطين في نظام تعليم مذل وخانق. تحرك الطلبة بسرعة من مهاجمة مدرسيهم ومسئولي مدارسهم إلى مهاجمة البيروقراطية المحلية. فتم جّر المسئولون المكروهون (في المدن كان معظم المسئولين مكروهين) من داخل مكاتبهم وعُرِضُوا في مواكب في الشوارع يرتدون برانيط للأغبياء أو يافطات معلقة حول رقابهم وأرغموا على الاعتراف “بجرائمهم” في محاكمات شعبية.

امتد الإرهاب ليشمل أهدافا أوسع و أوسع. تم تحطيم كل شئ يمكن اعتباره “برجوازيا” أو “إقطاعيا”، وتم حرق المكتبات ونهبت المعابد والمتاحف التي كانت تحتوى على أعمال لا تقدر بثمن وأصبح أي شخص تعلم في الغرب أو عاش جزءا من حياته في الغرب “هدفا للنضال”

وأخذت عبادة ماو تمتد إلى درجات قصوى لم تشهدها حتى روسيا ستالين. لقد كان ماو يوصف بأنه “الشمس الحمراء الحمراء في قلوبنا” واعتبرت عدم القدرة على تسميع مختارات من كتاب ماو “الكتاب الأحمر الصغير” دليل على عدم الولاء. وكان ينتظر من كل أسرة أن تبدأ يومها بالانحناء أمام صورة ماو، بالضبط كما كانوا ينحنون أمام آلهة الأسرة. ولما قيل أنه عام في نهر اليانجستى (في ربع وقت الرقم العالمي لهذه المنافسة) مات المئات من الحرس الأحمر في محاولات لتقليده.

وتوقف النظام التعليمي تماما حين أتجه الملايين من الطلبة إلى بكين على أمل مجرد أن يلمحوا ماو وأن يبدءوا “مسيرات طويلة” (شبيهة بمسيرة ماو) بعرض الصين ليصلوا إلى “المزارات الثورية”. كل هذا وصفه المراقبون بـ “هلوسة جماعية”، إلا أن الأمر كان له منطقه الخاص به. لقد كان ماو وأتباعه يحتاجون أن يضربوا بسياط الحماس على الطلبة والآخرين لدرجة الحمى حتى يضمنوا طاعتهم العمياء وكما ذكر أحد مسئولي البحرية، “لابد أن ننفذ تعليمات الرئيس ماو حتى عندما لا نفهمها”.

إلا أنه بحلول أواخر 1966 وصلت الفوضى لدرجة أضطر ماو معها إلى تهدئة الحركة. واتضح أن هذا مستحيل -لقد خرج الموقف تماما عن سيطرته.

لم يتلق البيروقراطيون المحليون الضربات وهم مستلقون أرضاً. قليل منهم كان يمكنه مخالفة ماو علانية. على سبيل المثال، تعامل حاكم مقاطعة زينجانج الغربية البعيدة مع الطلبة المتظاهرين ضده بإطلاق النار عليهم قاتلا إياهم في الشوارع. (وبعد عامين تم تعيينه رئيسا للجنة الثورية” التي أسست لتعلن نهاية الثورة الثقافية)!

إلا أن معظم المسئولين المحليين أعلنوا تأييدهم الأبدي لماو منظمين مجموعاتهم من الحرس الأحمر ومتهمين هؤلاء الذين هاجموهم بأنهم أنفسهم ” أعداء الثورة “. وبدأت العصابات المتحاربة التي تتكون من المئات وأحيانا الآلاف في التضاعف العددي. كان يوجد في مدينة ووهان في وسط الصين على الأقل 54 من تلك العصابات؛ وأسفرت إحدى المعارك عن مقتل 250 شخص وإصابة 1500 على الأقل.

وفى حرم جامعة قنجهوا العريقة ببكين، وقعت المعارك واستخدمت فيها قذائف الهاون والقنابل المصنعة منزليا. وفى مدينة تشانجشا لجأت مجموعة فشلت في إخراج أعدائها من مبنى بوسط المدينة إلى استخدام الصواريخ المضادة للطائرات لإخراجهم! لم ينسفوا أعدائهم فقط بل نسفوا المبنى كله.

وبحلول صيف 1967 كانت أجزاء كبيرة من الصين تتجه بسرعة نحو حرب أهلية شاملة. وقد وصف شخص كان ضمن الحرس الأحمر تشانجشا في ذلك الوقت بأنها “….مرعبة للغاية. لقد كانت الطلقات تصفر في الشوارع، حيث كان أزيز موتوسيكل أو صوت سرينة يعنى العنف والمأساة. ورسمت خطوط بيضاء عريضة حول بوابات الكثير من الوحدات (المصانع) حيث كان الحرس المسلحون ينتظرون على الجانب الآخر ليطلقوا النار على أي شخص يتعدى الحدود بدون تصريح. كان هناك حظر تجول من التاسعة مساء ولم يكن أحد يرغب في الخروج أثناء النهار إلا إذا كان مضطرا؛ كان هناك تقارير كثيرة عن مصرع بائعي خضراوات أبرياء بطلقات عشوائية، بينما ثبت الناس نوافذهم من الداخل بالملصقات ليحولوا دون تحطيمها لأن المدينة كانت تهتز بالانفجارات وبإطلاق النار. وفى أثناء الليل كانت الدنيا تضاء تماما ثم تظلم مع سقوط الصواريخ”.(11)

ولكن ظهر للطبقة الحاكمة خطرا أعمق من مجرد الحرب الأهلية: ظهور الطبقة العاملة الصينية كقوة مستقلة في السياسة الصينية. فلقد أسس البيروقراطيون المحليون الكثير من مجموعات الحرس الأحمر من عمال المصانع، ومنذ نهاية 1966 بدأ هؤلاء العمال يقومون بإضرابات ومظاهرات من أجل مطالبهم الخاصة حول الأجور، وظروف وساعات العمل، وضد امتيازات الإدارات.

بدأت موجة الإضرابات بشنغهاى في ديسمبر 1966 حيث استمرت لمدة شهر. وفى ربيع وصيف عام 1967 انتشرت لتشمل العمال الصناعيين في كل الصين، وجاء الانتشار في بعض الأحيان من خلال عمال السكة الحديد (الذين كانوا في طليعة موجة الإضرابات منذ البداية)، ويأتي هذا في الغالب كردود أفعال مستقلة على الظروف المفزعة التي واجهوها في كل مكان. استمر كل إضراب لمدة قصيرة يعود بعدها العمال للعمل بعد الفوز بمطالبهم الأساسية ولم يكن هناك إلا القليل من التقارير عن التنسيق بين العمال في المدن المختلفة (والاستثناء الملحوظ هنا هو عمال السكة الحديد) ولكن كلما عاد فريق من العمال للعمل خرج فريق آخر في إضراب.

في وضع كان فيه الحزب وجهاز الدولة مشلولين كانت القوة الوحيدة التي يمكن لماو الاعتماد عليها لإعادة النظام هي الجيش. ولكن رغم أنه كان من الممكن الاعتماد على القوات المسلحة في كسر الإضرابات، وإطلاق النار على المظاهرات، إلا أنه كان من الصعب الاعتماد عليها في تلقي الأوامر من ماو. فلقد كان الكثير من القادة العسكريين على صلة وثيقة بالمسئولين المحليين الذين هاجمهم الحرس الأحمر، وكانوا كارهين لأخذ أوامر من الأشخاص الذين اعتبروهم مسئولين عن فوضى الشهور الـ 18 السابقة.

وظهرت حدة هذه المشكلة بشدة من خلال عصيان قيادة جيش ووهان في يوليو 1966. وتم إرسال اثنين من كبار مسئولي الثورة الثقافية من بكين لمحاولة التوسط في ما كان قد أصبح ثأرا دمويا عنيفا بين مجموعات مختلفة من الحرس الأحمر. وعندما وصلوا تم اختطافهم من قِبَل قادة الجيش المحليين. أمر ماو بمحاصرة المدينة بالقوات الخاصة وبالكاد تم تجنب حرب ضخمة. ولكن جاء عقاب المتمردين أقل شدة من عقاب ضحاياهم.

المنطق وراء ذلك كان بسيطا. لقد كانت الحاجة لإعادة النظام أهم بكثير من الحاجة للتخلص من خصوم ماو داخل الطبقة الحاكمة. فلإعادة النظام كان ماو يحتاج للقوات المسلحة التي كان قوادها على مستوى المقاطعات على صلة وثيقة بخصومه. لذا فبدءا من صيف 1967 بدأ الجيش يسيطر على الحكومات المحلية والجامعات والمصانع ويفرض نهاية للقتال بين مجموعات الحرس الأحمر. ومع تعزيز الجيش لسلطته في كل مقاطعة تم تكوين ” لجان ثورية ” محلية لتعلن نهاية الثورة الثقافية في المنطقة. سيطرت القوات المسلحة على تلك اللجان لكنها أيضا اعتمدت كثيرا على المسئولين المحليين الذين كانوا يُسحَلون قبل عام واحد في الشوارع كـ ” أعداء للثورة”. وجاءت مشاركة الحرس الأحمر إما رمزية أو معدومة على الإطلاق.

أما رد فعل الكثير من المجموعات المكونة للحرس الأحمر فلقد كان استخلاص أن “الأشخاص في السلطة الذين يتخذون الطريق الرأسمالي” كانوا أكثر انتشارا مما كان يُعتقد، وأنه تجب محاربة السلطة الجديدة.

لذا لم يشهد 1968 نهاية للقتال بل تكثيفا له. بالنسبة للكثير من تلك المجموعات كان تصعيد نضالاتهم يعنى ببساطة المزيد من السقوط في العصاباتية. ولكن آخرين اتجهوا بحدة نحو اليسار، ومجموعة أخرى على الأقل طورت تحليلا اشتراكيا ثوريا للصين، طارحةً أن المشكلة لم تكن مشكلة أفراد بل مشكلة “طبقة رأسمالية حمراء”.

حققت “تشينجوليان” -كما سميت المجموعة-(12) شهرة قومية في مارس 1968 بنشر البيان البرنامجي الخاص بها، و”إلى أين تمضى الصين”، كتبت المجموعة “…إن المتناقضات الاجتماعية الأساسية التي أنتجت الثورة الثقافية البروليتارية العظيمة هي التناقضات بين حكم البرجوازية البيروقراطية الجديدة وجماهير الشعب. إن تطور وتكثيف هذه التناقضات يقرر أن المجتمع بحاجة إلى تغير أكثر عمقا- التخلص من البرجوازية البيروقراطية، التحطيم الكامل لجهاز الدولة القديم، تحقيق الثورة الاجتماعية، إعادة توزيع الثروات والسلطة وإقامة مجتمع جديد -كوميونة الشعب الصينية”.(13) ومضت المجموعة تجادل بأن ” اللجان الثورية” الجديدة ما هى إلا مسخة، وأن الجيش أصبح قوة مضادة للثورة وأن المهمة المباشرة هي تسليح العمال.

كان رد فعل الدولة زيادة القمع. مع نهاية 1968 بدأت ترحيلات جماعية للشباب إلى الريف في محاولة لكسر الحرس الأحمر. أعطت هذه الأوامر، التي أصدرها ماو شخصيا، المسئولين المحليين -العائدين الآن إلى مراكزهم بعد أن أُهِينوا- الفرصة للانتقام من معذبيهم. بحلول منتصف السبعينات ثم ترحيل ما يقرب من 17 مليون شخص (أي حوالي 10% من تعداد سكان المدن) إلى الريف.

كان هناك ما هو أسوأ من الترحيل. في مقاطعة جوانكس الجنوبية أدى القمع إلى موت حوالي 100 ألف وتحطم معظم المدينة التي تدعى ووزهو. ووقعت مذابح مماثلة في عدد من المقاطعات الأخرى خاصة في جواندونج ووسط منغوليا.

تم إنهاء الثورة الثقافية رسميا في المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني 1969، ويبدو أن تبادل إطلاق النار مع القوات الروسية في الشهر الذي سبق المؤتمر كان هو العنصر النهائي الذي دعي الفرق المختلفة للدعوة للتوقف. ولكن استمرت اضطرابات خطيرة لفترة من الوقت في المقاطعات المذكورة ولم تعيد الطبقة الحاكمة سيطرتها الكاملة إلا في 1971.

ويمكن رؤية هذه الاضطرابات من أمر أرسل من بكين إلى مقاطعة شانكس في يوليو 1969. حرم هذا الأمر صراحة إخفاء أو بيع أو نقل الأسلحة، حرم استخدام مصانع الدولة لصناعة الأسلحة للاستخدام الشخصي؛ تخريب الطرق أو السكك الحديدية؛ نهب البنوك؛ وتنظيم الإضرابات. وأُعطي المضربون ضمانات بأنهم لن يُعاقبوا إذا عادوا للعمل خلال شهر. (14) وضح جلياً عجز البيروقراطية عن قمع الإضرابات بالعنف فقط.

ووضح أيضا أن المعارضة العنيفة للطبقة الحاكمة لم تكن مجرد عمل “حفنة من العناصر السيئة” بل نشاطا جماهيريا. ورغم توحيد كل الفرق داخل الطبقة الحاكمة مؤقتا بسبب تخوفهم من المعارضة من أسفل، إلا أن الدمار الذي أحدثته الثورة الثقافية وحقيقة أنها لم تحل أيا من الانقسامات كان يعنى أنه تم فقط تأجيل نزاعات الفرق إلى وقت لاحق.

في أعقاب الثورة الثقافية واجهت الطبقة الحاكمة مشكلتين جوهريتين. كلاهما مثل تحديا كبيرا لاستراتيجية ماو لتطوير الاقتصاد الصيني.

الأولى: كانت مهمة إعادة بناء الحزب وأجهزة الدولة. فإعادة الثقة المبعزقة للمسئولين الصغار الذين كانوا يديرون تلك الأجهزة كانت مهمة شديدة الصعوبة. وهنا أصبحت استراتيجية ماو في إبقائهم على أطراف أصابعهم، من خلال برنامج من الحملات المستمرة -والمتناقضة- منذرة بالخطر المباشر، فالذي كان يريده المسئولون العائدون الآن لمراكزهم هو السلام والهدوء وقيادة في بكين تعرف ماذا ستفعل قبل سنتين من فعله.

الثانية: كانت الاقتصاد. كان واضحا أن فترة طويلة من السياسات الاقتصادية الليبرالية كانت ضرورية ببساطة لإصلاح الخراب الذي حدث خلال الأعوام القليلة التي انقضت، بالضبط كما كانت الضرورة بعد “القفزة الكبرى”. ولكن بالنسبة لجزء من الطبقة الحاكمة – التي مثّلها في البدء زاو إن لاى ثم دينج زياوبنج- كان من اللازم وجود تحدي عميق للأرثوذكسية.

كان العلم والتكنولوجيا الصينيين أكبر ضحايا الثورة الثقافية. ففي خلال أربعة سنوات لم يتخرج طالب واحد بينما قضى معظم العلماء الصينيين تلك الأعوام ينظفون الشوارع ويزرعون الأرز. وغدي واضحا عندئذ أن استراتيجية ماو في اللحاق ببقية الاقتصاد العالمي من خلال تطوير ” اقتصاد تحت الحصار” غير صالحة مطلقا.

إلا أنه مع حلول الأزمة الاقتصادية العالمية في السبعينات والخطر الحقيقي للحرب مع الاتحاد السوفيتي – حيث كانت التوترات على الحدود الشمالية تتصاعد بثبات منذ صدامات مارس 1969 – أصبح الضغط من أجل المنافسة أكبر من أي وقت مضى. آنذاك كان زاو إن لاى يجادل بأن الحل الوحيد يمكن في فتح الاقتصاد للرأسمالية الغربية –وبالذات الولايات المتحدة واليابان- للحصول على التكنولوجيا والمصانع المتقدمة. مثل تلك الاستراتيجية كانت حتما ستثير معارضة هؤلاء الذين وصلوا للسلطة أثناء الثورة الثقافية.

وفوق كل الفرق وقفت شخصية ماو الغامضة التي تقل مقدرتها العقلية مع كبر سنه، ولكنه كان مازال يستطيع أن يضرب فرقة بأخرى لتعظيم سلطته. كان من الواضح لمعارضيه أنه لم يكن لديه استراتيجية متماسكة للسبعينات ولكن من الواضح بنفس الدرجة أنه لم يكن بمقدور أي فرقة أن تفرض رغبتها على الطبقة الحاكمة ككل إلى أن يموت ماو.

وشهدت الأعوام الستة التالية سلسلة من النزاعات المعقدة والعنيفة بين الفرق؛ حيث كانت كل مجموعة تسابق من أجل الحصول على ميزة مؤقتة ضد الأخريات. تم قتل لين بياو، الخليفة الذي أختاره ماو مع أفراد من أسرته، صعد دينج زياو بينج للسلطة، تم خلعه، ثم عاد مرة أخرى. إلا أنه لم يأت المخرج الحاسم من هذه الحلقة من داخل الطبقة الحاكمة بل من انتفاضة في الشوارع كانت أهم تحدي للنظام منذ تأسيسه –”انتفاضة ميدان السلام السماوي” إبريل 1976 عندما شارك في بكين وحدها أكثر من 100 ألف شخص في معارك نزالية مع البوليس وقوات المليشيات والجيش.

جاءت شرارة الانتفاضة عندما تم إزالة أكاليل تخلد ذكرى زو إن لاي -الذي مات في العام السابق، والذي كان يحترم جدا كالرجل الوحيد القادر على مواجهة مبالغات ماو- من تمثال بوسط بكين. عندما تحرك البوليس لتفريق المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بعودة الأكاليل اندلعت المعارك، وسرعان ما انتشرت لكل الميدان مجتذبة أعدادا متزايدة كلما زاد عدد البوليس والميليشيا التي هرعت للميدان للسيطرة على المعارك. استمر الشغب طوال اليوم، وحرقت فيه سيارات وأقسام البوليس، وأُرغِم الجنود على التراجع تحت وابل الحجارة وتحطيم متاريس ثكنات الميليشيات. تم إنهاء الشغب فقط أثناء الليل عندما ضرب البوليس المئات المتبقية في الميدان حتى الموت عندئذ “أعاد البوليس النظام” تماما. وسُمِع عن انتفاضات مماثلة في مدن هانجزاو، نانجبيغ، زنجزاو، كمنج وجويانج وفى مقاطعات أنهوى وجوانكسى.(15)

ويمكننا فقط تخمين مقدار الرعب داخل صفوف الطبقة الحاكمة في تلك اللحظات. لقد وقعت أحداث بكين على بعد أقل من ميل من الحي المغلق في المدينة حيث كان كبار الحكام يعيشون – وحيث كان ماو يرقد على سرير الموت. وأسرع هؤلاء الحكام بإحكام الطريق أمام هذا الخطر القادم من الشوارع. حُمِّل دينج زياو بينج مسئولية الشغب وتم خلعه في الحال. وبدأ قمع واسع النطاق قُبِضَ فيه على أكثر من 100 ألف شخص من بكين وحدها.

ولكن محاولة خلع زينج زياو بنج كانت ذات أثر قصير جدا. فبغض النظر عن احتمال أن يكون هو الذي نظم الشغب أم لا، كان من الواضح أن الأمر هو تظاهرات جماهيرية لتأييده؛ وضد أقرب معاوني ماو، المجموعة المعروفة بـ” عصابة الأربعة”.(16) الاستنتاج الذي استخلصته معظم البيروقراطية هو ضرورة رحيل هذه “العصابة”. ورغم عدم شعبيتهم على الإطلاق حتى بين أكثر مؤيدي ماو تشددا (ممن كانوا يعرفون أن السفينة تغرق عندما يحدث ذلك) تشبثت “العصابة” بالسلطة فقط من خلال مساندة ماو. وفى سبتمبر 1976 مات ماو.

بعد ذلك بشهر تم القبض على “العصابة” بالقوة وأعقب ذلك طقوس الإدانة: لقد كانوا عملاء للرأسمالية الغربية منذ أعوام، معارضين متشددين لماو وكل ما كان يمثله، بل ومسئولين عن كل جرائم الثورة الثقافية. وعندئذ تحولت آلة الدعاية – التي بنوها أثناء الثورة الثقافية واستخدموها بعنف ضد أعدائهم- إلى سلاح ضدهم، إذ وُجه إليهم وابلاً من الأكاذيب والافتراءات.

وقد اعترف أحد الماويين الكنديين مدافعاً عن الاعتقال: “…لقد استخدمت صحيفة الشعب اليومية الرسمية نفس اللغة لوصف الأربعة وجرائمهم كما فعلت لإدانة دينج زياو بنج قبل ذلك بأشهر قليلة، ويمكن أن يُعذَر الشخص الذي يعتقد أن المقالات كانت أحيانا مجرد إعادة كاملة مع التغيير المناسب في الأسماء لمراعاة التغير في الظروف”.(17)

وبموت ماو واعتقال أقرب مؤيديه، أصبح المسرح خاليا أمام فرقة ” التحديث” بقيادة دينج زياو بنج لفرض سيطرتهم على الطبقة الحاكمة ككل. وبحلول عام 1978 كان دينج قد أزال المعارضة الفعالة المتبقية وبدأ بطريقة منظمة في هدم استراتيجية ماو الاقتصادية. تم التخلي عن اقتصاد الحصار في مصلحة الانفتاح على الرأسمالية الغربية واليابانية وتطوير “اشتراكية السوق” كالطريق الوحيد لجذب الصين خارج الركود والفقر الذين خلفهما ماو.

الصين منذ ماو

وصل ” المحدثون” إلى السلطة في أواخر 1978 أساسا لأنه لم يكن لدى أي فريق آخر استراتيجية متماسكة يطرحها. ولكن كان توقيت انتصارهم ذا علاقة وثيقة بحركة معارضة أخرى في الشوارع – حركة حائط الديمقراطية”.

أسس هذه الحركة مجموعة صغيرة من المعارضين بعد انتفاضة 1976، وكان بعضهم على علاقة بمجموعات قديمة من الحرس الأحمر. كانوا يهدفون إلى إيجاد قاعدة جماهيرية لدى الشباب الذين كانوا قد أرسلوا للريف بين 69- 1974 والذين بدءوا يعودون في سرية إلى المدن. وبحلول أواخر 1978 كان هناك حوالي 10 الآلاف شخص من هؤلاء في بكين وحدها ينامون في الشوارع ويعيشون من خلال التسول والسرقة والدعارة.

لم يكن لدى النشطين تحليل سياسي منظور وكانت الاختلافات بينهم كبيرة رغم أنه نادرا ما عبر عنها بصراحة، بنوا الحركة حول مجموعة من المطالب العامة: المزيد من الديمقراطية، إطلاق سراح وإعادة حقوق كل من سُجنوا أثناء الثورة الثقافية، طرد كل المسئولين عن قمع انتفاضة 1976 وإنهاء الرقابة. وبالتالي أيدوا دون تحفظ دينج زياو بنج في حربه ضد بقايا الماويين المتشددين، ولكن بينما ساند النشطون دينج لم يكونوا مستعدين للجلوس ساكنين وتركه يفعل الموضوع بدلا منهم. فمنذ بداية 1978 ظهرت الآلاف من الملصقات في بكين ومدن أخرى ترفع مطالبها – مطالب توافقت مع الهجوم الذي كان المحدثون يشنونه. وبدا واضحا أن الحركة لاقت تأييدا ضمنيا من بعض أعضاء الطبقة الحاكمة، ولكن بدا واضحا أيضا أن الكثير من النشطين اعتبروا مطالبهم كخطوات أولى فقط في عملية تحويل أوسع للمجتمع الصيني.

أثناء اجتماع القيادة العليا التي وافقت على صعود المحدثين للسلطة تم الإعلان عن تغيير الموقف من انتفاضة 1976. الآن اعتبرت الانتفاضة دليلا إيجابيا على الكره الشعبي لـ “عصابة الأربعة”. وبشكل طبيعي تضاعف عدد الملصقات عدة مرات أثناء الاجتماع. وبعد إعلان القيادة بدأت الحركة علنا في التنظيم بغرب وسط بكين. وأصبح “حائط الديمقراطية” في منتصف هذه المنطقة ساحة لنقاشات لا تتوقف في السياسة والفن والثقافة.

وسرعان ما تعدت حرية الحديث دون الخوف من الاعتقال والتعطش للأفكار والحاجة لسماع الحقيقة عن الأعوام العشرة السابقة مجال ملصقات الحائط. وبحلول ربيع 1979 كانت العشرات من المجلات المطبوعة يدويا تتداول في كل المدن الكبيرة. ومع زيادة التحريض تحرك النشطون من النقاش إلى الفعل ونظمت المظاهرات لمطالبة الدولة بالتحرك خاصة في مسألة هؤلاء الذين رُحِّلوا للريف. وكلما تجاهلت السلطات المطالب كبرت المظاهرات وأصبحت أكثر راديكالية وانتشرت من بكين للمدن الأخرى.

كان رد فعل دينج زياو بنج هو المطالبة بأن تتوقف الحركة عن ” خلق الاضطرابات” وتحدد نفسها لمناقشة الموضوعات الآنية. وردا على ذلك كتب وى جينجشينج، محرر أحد أهم المجلات في الحركة: “هل يريد دينج زياو بنج الديمقراطية؟ لا، إنه لا يريدها. إنه غير قادر على فهم بؤس عامة الشعب. إنه يصف النضال من أجل الديمقراطية… كأفعال مثيري الشغب الذين يجب قمعهم. فاللجوء لمثل تلك الأساليب للتعامل مع من ينتقدون السياسات الاجتماعية ويطالبون بالتطور الاجتماعي يرينا أن الحكومة خائفة جدا من هذه الحركة الشعبية”.(18)

وبعد أسبوعين أثبتت الحكومة صحة كلام وى باعتقاله ثم اعتقال أعضاء آخرين في الحركة ذهبوا يطالبون بالإفراج عنه. زاد القمع خلال 1979؛ وأعلنت الحكومة أنها ستحتمل الحركة طالما بقيت ضمن الحدود التي رسمتها الدولة. بالنسبة لدينج زياو بنج كانت الحركة قد أدت مهمتها، ولكنه كان غير راغب في تشويه صورته أمام العالم كليبرالي بالتحول إلى سياسة القبضة الحديدية بسرعة.

إلا أن الحركة رفضت أن تختفي أو أن تفعل كما قيل لها. وفي بداية 1980 تم منع كل ملصقات الحائط ونشر المجلات غير الرسمية؛ ولم يعرف فقط النشطون كيف يبقون في النشاط السري، بل استطاعوا أن يوسعوا من تنظيمهم وتأثيرهم. وفي سبتمبر 1980 عقد اجتماع لممثلي أكثر من 50 مجلة غير رسمية في حوانجزو. وشهد الشهر التالي مظاهرتين طلابيتين مهمتين. وبعد صعود منظمة التضامن في بولندا تحولت أجزاء من الحركة لتنظيم عمال المصانع. بحلول 1981 بدأت تظهر تقارير عن نقابات عمالية غير رسمية في مدن شنغهاي و ووهان و زيان. ولم يطل بهم العمر كثيرا فلقد بدأت حملة تصفية ضخمة دمرت الحركة في 1983.

وأعلن عن حملة التصفية على أنها حملة ضد “الشغب” وهو تعبير عام يغطى كل شئ من المعارضة السياسية إلى جرائم عادية. فزادت الإعدامات العلنية والترحيل الجماعي لشباب العمال – وبحلول أغسطس 1983- أصبح معدل الإعدامات هو عملية إعدام يومية في بكين وحدها. ولم تعط أرقام عن الوفيات بالإعدام ولكن الواضح أن الرقم قد دخل في عداد عشرات الآلاف.

كان حكام الصين الجدد يستطيعون تدمير الحركة، ولكنهم لم يستطيعوا محو ظروف الفقر واليأس التي أملت قيامها. كما لم يستطيعوا التخلي عن التقسيمات الموجودة في أوساط الحزب الحاكم مما فتح مجالا للمعارضين لكي يتحركوا. استطاعت حركة “حائط الديمقراطية” أن تنمو بسبب الانقسامات في داخل الطبقة الحاكمة في 1978 بين المحدثين وبين مؤيدي ماو. وبحلول 1981 بدأت انقسامات أخرى تظهر بين المحدثين أنفسهم حينما ظهرت التناقضات في السياسات الاقتصادية إلى الساحة.

في عام 1978 بدأ “المحدثون” برنامجا طموحا لتحويل الاقتصاد الصيني، وهدف البرنامج إلى مضاعفة الإنتاج الزراعي والصناعي بحلول عام 2000. وكان هناك مكونين رئيسيين لهذه الاستراتيجية؛ الأول كان الاستيراد الكامل للصناعة والتكنولوجيا وذلك للتغلب السريع على التخلف التكنولوجي الصيني. الثاني كان إعادة بناء الاقتصاد الداخلي بالتدريج وذلك لتقليل سيطرة الدولة على الإنتاج والاستثمار، واستبدالها بتأثير “قوى السوق” لجعل الاقتصاد تنافسيا في مجمله.

ومنذ أوائل الثمانينات قلت أهمية المكون الأول – الاستيراد الصناعي-. وكان السبب الرئيسي في ذلك هو اكتشاف الطبقة الحاكمة في العديد من المناسبات أنها غير قادرة على تغطية تكاليف الآلات الجديدة التي تعاقدت على شرائها. كانت هناك تخفيضات كبيرة في المشتريات من الخارج في 1979-1980 و 1983 و 1985. وتركت كل جولة من التخفيضات عددا من المشروعات نصف مبنى ونصف مهجور وكل من هذه الحالات كانت تعنى أن الرأسماليين الغربيين واليابانيين يزداد قلقهم إزاء تلك المشروعات.

كان محور الاهتمام هو تطوير ما يسمى بـ”اشتراكية السوق”. أدت هذه السياسات بدون شك إلى زيادات كبيرة في الإنتاج وأعلى معدلات للنمو الاقتصادي منذ 1949. ولكن كلما مضت الطبقة الحاكمة في هذه الاستراتيجية أصبح واضحا أنها قد استبدلت مجموعة من المشاكل التي لا حل لها بمجموعة أخرى.

في البداية سُجل أهم تقدم في الزراعة بسياسة “مسئولية المنزل” والذي بدأت في 1978 وغطت كل البلاد. وتم إلغاء الأشكال الجماعية القديمة. في محل ذلك حصلت كل أسرة على قطعة أرض يزرعون عليها ما يشاءون. ويتعاقدون مع الدولة ليوردوا كمية محدودة في شكل ضرائب والباقي هو ملكهم يستهلكونه أو يبيعونه في السوق الحرة.

وكانت النتيجة زيادة ضخمة في كل من الإنتاج والإنتاجية. فبين 1978 و 1983 زاد الناتج بأكثر من 60% بينما تضاعف – أو أكثر- متوسط الدخول. ومعظم هذا الدخل الزائد ذهب إلى تطوير الصناعات الريفية التي استخدمت كل من ترك بدون أرض.

ولكن دفع الفلاحون الثمن غالياً من أجل تلك المكاسب. كانت نية الدولة أن تستثمر الدخول الزائدة في الماكينات الزراعية، ومشروعات الري والسماد، وما شابه ذلك، وبالتالي ينخفض المقدار الذي تستثمره الدولة في الزراعة. ولكن صغر حجم معظم القطع الزراعية يجعل مثل هذا الاستثمار أمرا غير اقتصادي بالمرة. والآن أصبحت الأرض التي تُحرث أو تجنى بالماكينات أقل من تلك في 1978، وانخفض أيضا استخدام الري والأسمدة الكيماوية.

أي جاءت الزيادة في الناتج بالكامل من فلاحين المثقلين بعمل أكثر بكثير مما اعتادوا، مما عنى أن معدلات نمو أوائل الثمانينات كان لا يمكن الحفاظ عليها. وعنى الاستخدام المتزايد للأرض في الصناعة والإسكان بدلا من الزراعة؛ أنه لو ركدت معدلات النمو سيهبط الناتج سريعا.

أما التكلفة الاجتماعية فهي أسوأ. فليس لدى معظم القرى الآن أي نظام تأمين صحي – فلقد ذهب الأطباء للعمل في المدن، وهبط مستوى التعليم لحد مفزع حيث يخرج الأهالي أطفالهم من المدارس ليعملوا الأرض. و هبطت بين عامي 1978 و1983 معدلات قيد المدارس الثانوية من 46% إلى 30%،(19) وبالطبع فإن أرقام القيد أعلى من عدد الذين يواظبون بالفعل.

وتعرض وضع النساء في الريف لتدهور مماثل. فتحت نظام زراعة الأرض جماعيا ورغم أن أجور النساء كانت 80- 90 % فقط من أجور الرجال كان لدى النساء على الأقل نظريا دخلا مستقلا (رغم أنه في الواقع كان يدفع للزوج أو للابن الأكبر). الآن حتى هذا الاستقلال المحدود قد انتهى، وكما كتب أحد المتخصصين في شئون المرأة عن الصين: ” …… إن النظام الاقتصادي الجديد في الريف يعيد النساء إلى وضع ما قبل تحررهم في مواجهة وسائل الإنتاج. الآن بدلا من أن تذهب المرأة لقائد فريق العمل لتحصل على جدولها تكون المرأة تحت إشراف الذكر الأساسي لبيتها. سيقرر هو متى تعمل وكيف تعمل وإذا ما كان يمكنها أخذ بعض الوقت للراحة”.(20)

أخيرا، شهد النظام الجديد زيادة كبيرة في الفجوة بين الأغنياء والفقراء في القرى. ولأن النمو قد اعتمد بالكامل تقريبا على العمل الأشد بدلا من الزيادة في الاستثمار فإن المناطق التي اغتنت هي التي بدأت بظروف طبيعية جيدة ومستوى عال نسبيا من الاستثمار. وتعد أجزاء من مقاطعات زيانج و جيانجس من أغنى المناطق في الصين حاليا – حيث توجد مستويات معيشية أعلى بكثير من المدن. ولكن في المناطق الأفقر والأكثر تخلفا لم يحدث تغير يذكر. ورغم أنه يمكن القول بأن الكل عموما في المناطق الفقيرة فقير إلا أن العكس ليس صحيحا. فحتى في أكثر المناطق نجاحا مازالت هناك جيوب كبيرة للفقر.

مثل تلك الفروق هي التي تقلق الدولة لأنها واضحة جدا للأشخاص الذين يعانون منها ومع ذلك فإن رد فعل الطبقة الحاكمة هو رد ممثليها وكما قال أحد المسئولين الكبار :” إن تحقيق الثراء العام لا يعنى أن الكل سيصبح مرتاحا ماديا في نفس الوقت أو سيتمتع بنفس درجة النفوذ فالدروس التاريخية تخبرنا أن السعي وراء الغنى المتساوي للكل في نفس الوقت يؤدى إلى تهديد المساواة، والفقر العام”.(21)

إلا أن نجاح ” نظام المسئولية” هو بالضبط الذي أرغم الطبقة الحاكمة على إعادة النظر بشكل متكرر في هذه السياسات. فبالتحديد لأن “قوى السوق” قد فعلت فعلها كانت أسعار الغذاء ترتفع بثبات منذ 1978 (بمعدل وصل 20% سنويا) مؤدية إلى ضغوط ضخمة على الأجور. واضطرت الطبقة الحاكمة إلى إعطاء زيادات كبيرة في الأجور وبطريقة جنونية لتوازى سرعة زيادة التضخم. ولأن معظم أنواع الطعام تباع الآن في الأسواق الحرة فإن الطبقة الحاكمة لا تستطيع أن تفعل شئ لتتحكم في زيادة أسعار الطعام.

وأكثر من ذلك فإن المنتج من الذرة (التي ما تزال الطعام الأساسي في الصين) قد هبط ذروة إنتاجه في 1984، مرة أخرى بالتحديد بسبب الاستراتيجية المتبعة. فالفلاحين تحولوا عن إنتاج الذرة لأن أسعار المحاصيل الأخرى (خاصة المحاصيل “الصناعية”” مثل القطن والتبغ والجوت) كانت وما تزال أعلى من أسعار الذرة. في 1985 اضطرت الدولة لتقديم دعم كبير لزارعي الذرة ففي العام التالي هبطت كمية الأرض المخصصة لزراعة الذرة في عشرة مقاطعات. لا يمكن أن تحل المشكلة إلا على حساب فائض الدولة وبالتالي تخفيض الاستثمار الصناعي – وهو بالضبط عكس ما كان المفروض أن تحققه الإصلاحات الزراعية.

فإذا كانت مشاكل الزراعة هي الركود، فإن مشاكل الصناعة هي النمو السريع جدا. منذ أوائل الثمانينات أعطى الكثير من مديري المصانع حق الاحتفاظ بأرباحهم وإعادة استثمارها كما يرونه مناسبا. كانت النتيجة هي معدل نمو صناعي قوى ومتصاعد بثبات. ففي عامي 1983 و 1985 جاءت الزيادة في المنتج مساوية للمنتج الكلى لكوريا الجنوبية في تلك الأعوام.

ولكن تقدم معدل النمو أعلى بكثير من الذي كانت تسمح به خطة الدولة، وأدى ذلك إلى نقوصات في الطاقة، النقل والمواد الخام (وبالتالي إلى فاقد ضخم). وتضخم العجز في ميزان المدفوعات لأن الواردات كانت تنمو أسرع بكثير من الصادرات. وبحلول 1985 وصل معدل النمو الصناعي 18% بينما لم تكن تسمح ميزانية الخطة الخمسية إلا بـ 8% وتراجعت الطبقة الحاكمة معيدة الكثير من القيود على مديري المصانع –تلك القيود التي كانت قد أزالها قبل قليل- وطالبت بمعدلات نمو واقعية. ورغم أن هذا التدبير نجح لعدة شهور إلا أن أرقام 1986 أظهرت أن كلا من النمو والاستثمار ظلا أعلى بكثير من المستويات المخطط لها ومازالت المشكلة كما هي حتى وقتنا الحاضر.

السبب الأساسي لذلك هو أن الدولة المركزية فقدت السيطرة على جيش صغار المسئولين الذين يديرون الاقتصاد على أساس يومي. ويعد استثمار الدولة من ميزانيتها أقل من نصف إجمالي الاستثمارات. يصنع المديرون والمسئولون المحليون الذين يسيطرون على معظم الاستثمار القرارات على أساس مصالحهم الخاصة (والمتعارضة)، وليس على أساس مصالح الطبقة الحاكمة ككل. ويجد هذا التناقض أحد التعبيرات عنه في المجال المعروف بـ “الجريمة الاقتصادية” أي الممارسات التجارية غير القانونية. أقلية من تلك هي حالات جشع شخصي محض مثل مدير شركة الكهرباء الذي قطع الكهرباء من المسرح المحلي لرفض إعطائه تذاكر مجانية؛ أو مدير الغاز الذي كان يدير خطا لحسابه الخاص من خطوط الشركة. الغالبية العظمى، على عكس ذلك، هي حالات تطبيق مبدع لاستراتيجية “اشتراكية السوق”- أولوية حافز الربح ممتدا إلى نهايته المنطقية. فإذا كان معدل الربح من استيراد التليفزيونات الملونة المهربة أعلى من إنتاج الراديوهات (وهذه هي الحقيقة) فسيفعل ذلك المديرون الذين يعتقدون أنه يمكنهم تأمين العملية بغض النظر عن التقنيات مثل القانون (أو المصلحة القومية). المنطق هنا متسق، لكنه منطق يجب أن تحاربه الدولة المركزية إذا كانت تريد الاحتفاظ بالسيطرة على الاقتصاد.

وعندما وصلت المشكلة إلى مستوى وبائي في أوائل الثمانينات هجمت عليها الطبقة الحاكمة بسلسلة من الاعدامات التي روج عنها دعائيا بشكل كبير. ودب الرعب في قلوب مديري المصانع وابتعدوا أيضا عن أية ابتكارات يتضح أنها ” جرائم اقتصادية”. ومع هدوء الحملة سرعان ما عادت المشكلة وتبع ذلك المزيد من الأزمات بين الوقت والآخر. إلا أنها لا تستطيع أن تزيل المشكلة بل ستبقى الغطاء عليها لفترة ما. ولأن الطبقة الحاكمة لا يمكنها أن تثق بعد الآن بالبيروقراطية المحلية لا يمكنها أكثر أن تتحمل اغترابها. فلا يمكن تنفيذ التغيرات المطلوبة لجعل الصناعة الصينية منافسة في الاقتصاد العالمي-وخاصة زيادة الإنتاجية وتخفيض تكاليف قوة العمل- إلا بواسطة هؤلاء المسئولين.

عملية التغيير تلك ستكون مكلفة للغاية. بالنسبة للطبقة العاملة الصينية. ففي الوقت الحالي تعمل حوالي 20% من المصانع بخسارة. وبسبب البطالة المقنعة تعتبر كل المصانع “مزدحمة للغاية” مقارنة بالمستويات العالمية. فلرفع الإنتاجية والربح للمستويات المطلوبة يجب طرد العمال على نطاق واسع وطبقا لتقدير أعطاه وزير العمل في 1986 قال :” سيصبح 15 مليون شخص عمالة زائدة في الشركات التي تملكها الدولة خلال الأعوام الخمسة القادمة”.(22) وهذا يشكل سدس الطبقة العاملة المدنية تقريبا.

ومع ذلك سيتخطى هجوم الطبقة الحاكمة الطرد الواسع النطاق بكثير. فهم يهدفون لتغيير ظروف العمل جوهريا بإلغاء حق العمل للأبد وإدخال “عقود المسئولين”، حيث سيرتبط الأجر مباشرة بالإنتاج وسيطرد العمال المنخفضو الإنتاجية. أما كل الخدمات المعيشية التي تدفعها المصانع للعمال (والتي تفوق متوسط الأجر السنوي) فستلغى كما سيلغى كل دعم من الدولة لأسعار الطعام وتكاليف الإنتاج. إنه الوقوف على قدميهم بالغرامات”

ولكن الفجوة بين النظرية والتطبيق كبيرة. فبرغم أن تلك الأفكار متداولة منذ أوائل الثمانينات فلقد تحركت الطبقة الحاكمة بحذر شديد فقط لمعرفتها الجيدة جدا بالمخاطر المتضمنة. ولكنهم أيضا واعون بمخاطر اللعب بالوقت – فالمناخ في الاقتصاد العالمي، حيث يجب أن ينافسوا، يزداد خشونة. وكلما أجلوا هجومهم كلما تخلفوا أكثر في المنافسة وبالتالي ستزيد الحاجة لشمولية الهجوم على الطبقة العاملة.

ظهر انشقاق عميق في صفوف “المحدثين” منذ 1981 بسبب كل نتائج استراتيجية “التحديث” تلك والتي لم تكن في النية. فالخلاف الجوهري هنا حول طبيعة وسرعة واتجاه الاستثمارات كلها إلا أن هذا ليس انشقاقا بين مجموعتين من المبادئ المتعارضة والواضحة والمعرفة بشكل جيد؛ بل هو انعكاس للمعضلة الأساسية التي تواجه الطبقة الحاكمة.

ويدى الأمر بالنسبة “للمحافظين” –كما أصبح يطلق على معارضي دينج زياو بنج- أنه يجب أن تعكس سرعة النمو الاقتصادي تخلف الصين حيث تركز الدولة على تطوير مناطق رئيسية. ويجب أن تضمن سرعة النمو احتفاظ الطبقة الحاكمة بوجهة وتطوير الاقتصاد. فسلطتهم ترتكز فوق كل شئ على تلك السيطرة التي لو خسروها، فما الذي سيتبقى من سلطتهم؟

إنه سؤال جيد ولا يوجد لمعارضيهم إجابة بسيطة عليه، إنهم يشيرون بدلا من ذلك إلى الحاجة للمنافسة في السوق العالمي. فلقد تركت سنوات سيطرة الدولة في عهد ماو الصين متخلفة عن باقي الدول، ويمكن فقط بدرجة أكبر من اللامركزية و “اشتراكية السوق” إعطاء الاقتصاد الحركية التي يحتاجها للمنافسة، وخسارة قدر من السيطرة على سرعة النمو الاقتصادي – هو أثر جانبي مؤسف ولكن البديل أسوأ بكثير.

المجموعة الأولى تقول أنه في الحقيقة يجب أن يتعلم الاقتصاد الصيني المشي قبل أن يستطيع الجري حتى يحافظ على توازنه. وترد المجموعة الثانية بأن متطلبات المنافسة العالمية تملى أنه يجب أن يتعلم الاقتصاد الجري قبل أن يستطيع المشي حتى ولو كان يعنى ذلك السقوط كثيراً. ولا يمكن حسم الجدل بإحدى الطريقتين لأن المجموعتين مصيبتين في الإشارة للقيود المادية على أفعالهم. إن التناقض بين قدرات الاقتصاد الصيني والمتطلبات التي تفرضها المنافسة العالمية لا يمكن حلها.

بالتالي شهدت الأعوام منذ 1982 انتقال التركيز في السياسة الاقتصادية من اللامركزية للتخطيط وثم اللامركزية مرة أخرى وهكذا حسب كون الأولوية في استعادة السيطرة أو النمو وتشجيعه. أضاف هذا التنقل أو التغيير المزيد إلى عدم استقرار الاقتصاد والضعف الذي أصاب سيطرة الطبقة الحاكمة على معدل النمو، ومع ازدياد صعوبة تقرير الاختيارات أصبحت الانشقاقات داخل الطبقة أعمق بكثير.

في 1985 طفت الانشقاقات على السطح. فلقد هوجم دينج زياو بنج من قبل الاقتصادي الشهير تشين يول بسبب طريقة إدارته للاقتصاد، وبسبب الفساد المتفشي بين المسئولين الصغار، والسخط المنتشر بين شباب العمال، وسلطة اليابان الاقتصادية المتزايدة على الصين.

وكما حدث كثيرا من قبل، أتاح الظهور العلني للانقسامات داخل الطبقة الحاكمة مجالا أمام المعارضة من أسفل. فشهد شهر سبتمبر 1985 نزول آلاف الطلبة لشوارع بكين، و ووهان، وتشنجدو ضد السيطرة اليابانية على الاقتصاد، وبعد ذلك بأربعة شهور نظم الطلبة في تشينجيانج أول احتجاج من نوعه ضد اختبارات الصين في مجال الأسلحة النووية. فلقد كان الحرم الجامعي في حالة تحريض منذ صيف 1984 تخللها عدة احتجاجات في مدن كبيرة ضد ظروف المعيشة إلا أنه في مسيرات 1985 فتحت طريقا جديدة في مخاطبة المسائل السياسية مباشرة.

وتم رأب الانشقاق داخل الطبقة الحاكمة بسرعة، واختفت المساحة التي كانت أمام الاحتجاجات. ولكن مع فشل الاقتصاد في الاستجابة لمجهودات إخضاعه لسلطة الدولة اشتعل الخلاف مرة أخرى في العام الذي تلاه. هذه المرة جاءت حركة الاحتجاجات التي صعدت كنتيجة للانقسامات أكبر بكثير وموجهة أكثر صراحة ضد الطبقة الحاكمة وتوسعت لتتجاوز قاعدتها الطلابية الأصلية.

في البدء كانت المسيرات أمرا مروضا تبدو كأنها هدفت لتأييد دينج زياو بينج ضد ” المحافظين” وتدعو ببساطة لتغيير أسلوب الانتخابات المحلية. ولكن في ظل الظروف في الصين في ذلك الوقت فإن أي دعوة للديمقراطية هي قنبلة موقوتة. وبوصول الاحتجاجات إلى شنغهاى في منتصف ديسمبر 1986 كانت قد كبرت بشدة في أفقها. انضم العمال للاحتجاجات بأعداد كبيرة – أخبر أحد العمال مراسل الفيننشال تايمز أنه شارك لأن ” رؤساءه يحصلون على كل الفائدة من الإصلاح الاقتصادي بينما هو لا يحصل على شئ”. ولمدة خمسة أيام ظل وسط مدينة شنغهاى مغلقا بحشود وصلت إلى 70 ألف شخص.

ووقعت احتجاجات مماثلة في 15 مدينة أخرى رغم أنها لم تكن على نفس نطاق شنغهاى في أي منها. وفى بكين لم يخالف أسبوع كامل من المسيرات حظر الحكومة للتظاهر فقط، بل أرغمها على إطلاق سراح 25 طالب اعتقلوا لاشتراكهم في المسيرات.

اهتزت الطبقة الحاكمة بشدة ولعدة أسابيع كان واضحا للعيان انقسامهم حول الطريقة التي يجب أن يتبعوها في التعامل مع الحركة. ولكن مع انحسار الاحتجاجات بدا أن الجناح ” المحافظ ” قد أحرز نصرا وأرغموا السكرتير العام للحزب الشيوعي الصيني الذي كان يعتبر اليد اليمنى لدينج زياو بنج منذ 1978 على الاستقالة، وشنوا حملة ضد “الاتجاه لليبرالية البرجوازية” هجمت أيضا على الانفتاح المحدود في الحرية الثقافية و الأكاديمية للعامين اللذين سبقا. وتم للدولة استعادة هيمنتها ضد أي تحدى لاحتكار الطبقة الحاكمة للأفكار.

الأهم من ذلك أن الاحتجاجات كانت تعنى تأجيل عدد من الهجمات على مستوى معيشة العمال والتي كان مقررا لها في 1987 أن تحدث خوفا من أن يقلد العمال الطلبة فيما فعلوه. ولكن البندول ارتد نحو سيطرة أكبر للطلبة على كل من المجتمع والاقتصاد. وحتى وقوع انتفاضة التبت في أكتوبر 1987 بدا أن المحافظين كانوا في موقع يسمح لهم بعرقلة المزيد من التغير الاجتماعي.

ولكن أيا كان الجناح الذي سينتصر في هذا الصراع فإن الهجوم على الطبقة العاملة سيأتي عاجلا أم آجلا على رأس أجندتهم. ولا يمكن أن يكون هناك ضمان بأنه عندما يقع الهجوم فإن العمال سيقاومون- ولكن كلما تم تأخير الهجوم كلما كبرت احتمالية هذه المقاومة.

لقد أوضح تاريخ حركات المعارضة السابقة أنه رغم أن الدولة نجحت في احتوائها وسحقها فإن أفكارها وآمالها بقيت في الذاكرة لتلهم الجولة التالية في النضال. يوجد الآن في الصين تراث خطير في معارك الشوارع والاحتجاجات ضد الدولة وضد الثورة الثقافية والعمال كانوا دائما جزءا من هذه المعارك لو أنتشر هذا التقليد إلى الطبقة العاملة ككل فستواجه الطبقة الحاكمة عندئذ حربا أعنف بكثير من أي شئ واجهوه من قبل.

الخـاتمة

شهدت الأعوام التي تلت موت ماو تخلى خلفاؤه عن كل شئ مميز في “الماوية”. مازال ماو ذاته مقدسا كمؤسس الدولة ولكن تم إلغاء كل قرار هام أتخذه خلال العشرين عاما الأخيرة من عمره. هكذا لخص أحد أتباع دينج زياو بنج في 1981 المركز الخالي لماو : ” إن أخطاء ماو مختلفة عن الفكر العلمي لماو تسى تونج، وبالتالي لا يجب الخلط بين تفكير ماو في أعوامه الأخيرة وفكر ماو، وهو نظرية علمية لا تضم أخطاء الرفيق ماو تسي تونج”.(23) أي بعبارة أخرى ‘فكر ماو تسى تونج العلمي هو أي شئ يريدونه أن يكون.’

في الستينات نظر عشرات الآلاف من الثوريين في مختلف أنحاء العالم إلى الصين كالنموذج الملهم للاشتراكيين وكمصدر للعون المادي لحركات التحرر. حطم صعود دينج زياو بنج للسلطة هذين الأمرين. اليوم لا ينظر إلى الصين كنموذج إلا اليمنيون الذين يريدون إثبات التفوق الحتمي لـ “قوى السوق”. وأدى ذلك لكثير من اليساريين للحديث عن صعود “التحريفية” وعن “طبقة رأسمالية جديدة”.

إلا أنه لا يوجد شئ جديد عن هذه الطبقة الرأسمالية. فكثير من عناصر استراتيجية ” التحديث” اُستخدِمَت في أيام ماو عندما كانت تخدم أغراضه. والأكثر جوهرية هو أن ماو و دينج كان لديهما نفس الهدف الجوهري – تكوين اقتصاد قومي قادر على المنافسة مع بقية العالم فكان الخلاف بينهما دائما خلاف حول الوسائل وليس الغايات.

منذ 1949 كانت هذه الحاجة للمنافسة وليست احتياجات العمال والفلاحين الصينيين هي التي حددت معدل- ووجهة تطور الاقتصاد الصيني.

وفى الخمسينات والستينات أخذت هذه المنافسة شكلا عسكريا وتركزت الاستراتيجية الاقتصادية على الحاجة لبناء قدرة عسكرية مساوية للأخطار الخارجية ومن هنا جاء اقتصاد الحصار، الأولوية المطلقة للصناعات الثقيلة، إهدار موارد ضخمة لتصنيع قنبلة ذرية صينية، و”الحملات الجماهيرية” المستمرة لاعتصار المزيد من الإنتاج من العمال والفلاحين. ولكن الفقر المدقع للصين أفشل هذه الاستراتيجية. كان رد ماو هو التغلب على القيود المادية بمجرد قوة الإرادة والعمل الشاق لتعويض رأس المال والتكنولوجيا غير الموجودين.

وبدلا من أن ينجح هذا الأسلوب أُدخِلَ الاقتصاد في أزمة تلو أزمة، فلقد تطورت الصين صناعيا ولكن استمر الاقتصاد في السقوط خارج المنافسة.

لقد تخلص الحكام الجدد من أسلوب ماو لأنه أثبت فشله. فمن وجهة نظرهم أن واقع المنافسة العالمية يملى أن تندمج الصين في الاقتصاد العالمي إذا كان مقدرا لها أن تتقدم. فلو كان من الممكن تحسين ربحية وإنتاجية الصناعة الصينية فلا بد أيضا أن تنتهي قيادة البيروقراطية للاقتصاد من أعلى، فــ “الاشتراكية في بلد واحد” قد ماتت.

هذا لا يعنى أنهم يتخلون عن رأسمالية الدولة في صالح الرأسمالية الفردية. فقد عادت الرأسمالية الفردية للصين – بوضوح في الصناعات الريفية الجديدة، ولكنها لا تمثل إلا كسرا صغيرا جدا من الاقتصاد ككل. والشيء الذي تقوم به الطبقة الحاكمة فعلا هو نقل السيطرة على إدارة الاقتصاد من بضعة مئات من الأيدي في بكين إلى جماهير المسئولين والمديرين الصغار، وتبقى الدولة في القيادة ولكن يصبح لدى أعضاء الطبقة الحاكمة في أعلى الهرم – أي مديري المصانع- السلطة ليحددوا بالضبط كيف يتم تحسين الإنتاجية في كل مصنع أو منجم. ويوجد شرط مسبق لكي يصبح الاقتصاد ككل أكثر قدرة على المنافسة… أن تصبح كل وحدة في الاقتصاد قادرة على المنافسة.

ولكن رغم أن الاقتصاد نما أسرع بكثير من منذ عام 1987 عن قبل ذلك فلقد فقدت الطبقة الحاكمة ككل سيطرتها على هذا النمو أكثر فأكثر. ففي نقلهم للسلطة إلى المسئولين المحليين خلقوا عشرات الآلاف من مراكز صناعة القرار المحلية التي لا يمكن الاعتماد على التزامها برغبات الطبقة الحاكمة ككل. هذا التطور له حركيته الذاتية التي تؤدى للمزيد من الانقسام وعدم التكافؤ وبالتالي الاستقلالية.

وكلما نجحوا في إدماج الصين في الاقتصاد العالمي كلما أصبحت آليات تطور أزمة الاستغلال العالمي تسيطر على الاقتصاد الصيني. فلا يمكن للطبقة الحاكمة أن تخطط مسبقا أي الأسواق ستنجح فيها الصادرات الصينية ولا يمكنها أن تخطط الأسعار التي سيتلقونها مقابل صادراتهم سيجب تعديل الخطط بشكل مستمر حتى تتوافق مع الواقع.

إلا أن سلطة الطبقة الحاكمة تكمن بالضبط في مقدرتها على التحكم في وتوجيه الاقتصاد وتتطلب استراتيجية “التحديث” هذه القدرة بنفس قدر إستراتيجية ماو. ولو كان مقدرا لأي جزء من الصناعة الصينية أن تصبح قادرة بالفعل على التنافس على المستوى العالمي ستكون كمية رأس المال المتطلبة ضخمة لدرجة سيستحيل معها على أي شركة أو مجموعة من الشركات مراكمتها: يجب أن تأتى الأموال من الدولة المركزية. إلا أن سيطرة الدولة على القطاعات المحورية للاقتصاد ستتضاءل باستمرار بسبب غياب سيطرة الدولة على بقية الاقتصاد.

إن التناقض بين التخطيط و “قوى السوق” يعنى أنه يجب على الدولة أن تتدخل باستمرار للحد من سلطة قوى السوق ولاستعادة سلطة الطبقة الحاكمة. ورغم ذلك ففي كل مرة يحدث هذا يجعل معدل النمو الاقتصادي أكثر اهتزازاً. إنها دائرة مفرغة لا يوجد هروب منها في نطاق الدولة- الأمة حتى دولة بحجم الصين.

ولا تعتبر المشاكل الجوهرية التي تواجه الطبقة الحاكمة خصوصية للصين. إنها المشاكل التي تواجه كل طبقة رأسمالية حاكمة تحاول أن توجه اقتصادا قوميا، وفى إطار اقتصادي عالمي لا يمكن التحكم فيه. المشاكل في الصين أسوأ بسبب تخلف الاقتصاد ومحاولات ماو الكارثية للتغلب عليها. إلا أن الاستراتيجية الجديدة ليست أقدر على حل هذه المشاكل من الاستراتيجية القديمة. ولا تقع جذور هذه المشاكل في أخطاء أو عدم كفاءة الطبقة الحاكمة الصينية بل في طبيعة الرأسمالية كنظام إنتاج عالمي أصبحت فيه الدولة – الأمة عقبة أمام التطور الاقتصادي الحقيقي.

بالفعل كلما زاد تأثير حركة النظام العالمي المتأزم على الصين فمن المتوقع جدا أن تكون استراتيجية “التحديث” أسوأ بكثير بالنسبة لجماهير الشعب من الماوية.

في دراسة هامة عن الاقتصاد الصيني في أوائل الثمانينات استنتج البنك الدولي: “رغم أن دورا أكبر للسوق والمنافسة بالتأكيد سيحسن الكفاءة ويسرع التقدم التكنولوجي فإنه قد يسفر أيضا عن عواقب اجتماعية واقتصادية غير مرغوب فيها ويتضمن ذلك البطالة، أجورا منخفضة (ومرتفعة) غير مقبولة وترك الفقراء ليسقطون أكثر من عملية التنمية ….. قليل جدا من الدول مزج بين تحكم السوق والدولة بطريقة تحقق نموا سريعا وذا كفاءة، وعددا أقل نجح في تفادى الفقر غير المحتمل بين قطاعات ولسعة من السكان. وعلى العكس، فهناك عدد أكبر بكثير من الدول لم ينتج فيها المزج بين التخطيط والسوق والمؤسسات الاجتماعية لا النمو السريع و لا الكفاءة و لا تخفيض الفقر.” (24)

هناك بديل لكل ذلك، كما أتضح لفترة في الثورة الأولى 1925 – 1927 جوهره هو: ليس من الضروري أن تظل الطبقة العاملة سلبية في مواجهة بيروقراطية الدولة أو قوى السوق؛ لدى الطبقة العاملة القوة الكافية لمواجهة الطبقة الحاكمة، وجذب الفلاحين خلفهم في النضال. إن سحق هذا البديل هو الذي جعل في التحليل الأخير انتصار ماو ممكنا.

إن إمكانية سلطة العمال الآن أكبر بكثير من 1927. حينذاك لم يكن هناك إلا 3 ملايين عامل صناعي في الصين بأكملها متمركزين بشكل أساسي في الجنوب الشرقي. الآن يوجد أكثر من 150 مليون عامل. وانتشار الصناعة في المناطق الريفية منها وحد نضالات العمال والفلاحين، لدى الطبقة العاملة القوة للتغلب مرة وللأبد على كل الفقر والبؤس الذي كان من نصيب العمال والفلاحين هذا القرن، الشرط المسبق لذلك هو تحطيم الدولة التي أسسها هؤلاء الذين ادعوا أنهم محررو العمال.

مراجع
  1. هارولد إسحاق، مأساة الثورة الصينية، ستانفورد 1961.
  2. ليون تروتسكي، الصين، نيويورك 1976، ص297.
  3. بنيامين شوارتس، الشيوعية الصينية وصعود ماو، كامبريدج ماساتشوسيتس 1979، ص128.
  4. أنظر هاريسون ساليسبوري، المسيرة الطويلة، لندن 1986، ص10-12.
  5. ماو زيدونج، الأعمال المختارة، المجلد الثاني، بيجنج 1967، ص41.
  6. لوسيانو بيانكو، أصول الثورة الصينية، ستانفورد 1971، ص203.
  7. أنظر توني كليف، الثورة الدائمة، لندن 1983، ص9.
  8. ماتن كينج وايت ووليام باريش، الحياة الحضرية في الصين المعاصرة، شيكاغو 1984، ص35-36.
  9. ماو، الأعمال المختارة، المجلد الرابع، ص421.
  10. قرارات حول تاريخ الحزب الشيوعي الصيني 1949-1981، بيجنج 1981، ص32.
  11. ليانج هنج وجوديث شابيرو، إبن الثورة، لندن 1984، ص133.
  12. يعد هذا اختصاراً لاسمهم. ترجمته الحرفية: لجنة التحالف البروليتاري الثوري الأعظم لمنطقة هونان. تشينجوليان تعني حرفياُ تحالف المنطقة البروليتاري.
  13. النص الكامل موجود في: الثورة قد ماتت، تحيا الثورة، مونتريال 1977، ص153-170.
  14. أنظر سيمون ليس، ملابس القائد الجديدة، لندن 1977، ص205.
  15. نقلا عن تقرير في التحليل الإخباري الصيني، هونج كونج، 4 يونيو 1976
  16. كانت عصابة الأربعة قد أصبحت ذات أهمية قومية بسبب كونهم أقرب المؤيدين لماو خلال الثورة الثقافية.
  17. نيل بارتون وشارل بتلهايم، الصين بعد ماو، نيو يورك 1978، ص11.
  18. مذكور في جريجور بنتون، الزهور البرية والأعشاب السامة، لندن 1982، ص47.
  19. البنك الدولي، الصين وإشكاليات التنمية طويلة المدى، بالتيمور 1985، ص30.
  20. مارجري وولف، الثورة مؤجلة، لندن 1987، ص268-269.
  21. مجلة بيجينج، 10 فبراير 1986، ص11
  22. وكالة أنباء جزينهاو، بيجينج، 7 مايو 1986.
  23. مجلة بيجينج، 15 يونيو 1981، ص17.
  24. البنك الدولي، الصين وإشكاليات التنمية طويلة المدى، ص181-182.
Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s