الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية

Posted: 22 ديسمبر 2010 in كتب وموسوعات, مختارات سياسية
الوسوم:, , , , , , , , ,
الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية PDF
الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الأمريكية Word
2000

إن القضية الأساسية في السياسة الدولية اليوم هي سيطرة القطب الأمريكي الأوحد. إنها أحد أهم ملامح الإدارة الأمريكية منذ قدوم جورج بوش إلى البيت الأبيض في عام 2001. وقد علقت صحيفة الفاينانشل تايمز على  انقلاب بوش على اتفاقية كيوتو لحماية البيئة قائلة: “سياسة غير منظمة على المستوى المحلي، ومنهج منفرد في التصرف على المستوى العالمي: إنها المؤشرات على أن الحكومة الأمريكية ستكون أكثر حكومة محافظة منذ الحرب العالمية الثانية.” لا شك أن هذا الميل يتزايد بشكل متسارع بعد 11 سبتمبر، خاصة بعد اتجاه بوش لضرب العراق، بالطبع بموافقة توني بلير. كان الاحتفال بالذكري الأولي للاعتداءت على واشنطن ونيويورك مناسبة لنشر الاستراتيجية الامنية الجديدة التي تبدأ بالتأكيد الأتي:” تمتلك الولايات المتحدة اليوم قوة وتأثير في العالم ليس لهما أي مثيل.” وكان ختام التقرير: “إن قواتنا كاسحة بما يكفي لإثناء المنافسين المحتملين عن بناء قوة عسكرية تتعدى أو تعادل قوة الولايات المتحدة.”

ذلك الاعتراف الفج بأن الولايات المتحد تسعى لهيمنة منفردة على العالم عن طريق تفوقها عسكريا جاء كخبر غير سار للذين ابتلعوا الفكرة التي شاعت بعد انتهاء الحرب الباردة والتي مفادها أن العولمة سوف تكون مصحوبة بإدارة عالمية لشؤون الكون، بما يتجاوز قرون من الصراعات بين القوى الكبرى على السيادة(3). ولم يدافع أحد عن هذه الفكرة كما فعل بلير، الذي صاغ نظرية “المجتمع الدولي” أثناء حرب البلقان في عام 1999 والتي أكد عليها في مؤتمر حزب العمال في سبتمبر 2001 (4) ، تلك النظرية التي لا تتسق مع ما أعلنته مستشارة الأمن القومي الأمريكي، كوندوليزا رايس، بأن سياسة الرئيس بوش ستنطلق من المصالح الوطنية الأمريكية الواقعية وليس من مصالح مجتمع دولي وهمي.(5)

تحليل الإمبريالية الأمريكية

ما يثير السخرية حقا هو كيف أصبحت تبريرات توني بلير الأخلاقية تعمل كغطاء للسياسة الفعلية لبوش وأعوانه. ولكن السؤال الأهم ينصب على دوافع اتجاه الولايات المتحدة للحرب؟ يُعرف ادوارد لوتويك الاستراتيجية الكبيرة بأنها أحد أبعاد الصراع بين الدول “الذي يدور فيه الصراع العسكري على أرضية أوسع تتكون من السياسة المحلية، الدبلوماسية الدولية والنشاط الاقتصادي”(6). إذن ما هي الاستراتيجية العظمى للولايات المتحدة تحت قيادة بوش؟

إن أحد الملامح الهامة للنظرية الماركسية للإمبريالية هو تعاملها مع الصراعات الدبلوماسية والعسكرية بين الدول باعتبارها أحد أبعاد عملية المنافسة التي تحرك الرأسمالية. وكما صاغها نيكولاي بوخارين خلال الحرب العالمية الأولى، تقول نظرية الامبريالية أن المنافسة الجغرافية بين الدول والمنافسة الاقتصادية بين رؤوس الأموال أصبحت متطابقة. فمن ناحية أدت عملية التقدم العسكري إلى عدم قدرة القوى العظمى على الصمود بدون تطوير بناها الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، أدت عملية تركز وعولمة رأس المال إلى تحول المنافسة بين الشركات إلى صراع جيوستراتيجي تلجأ بمقتضاه الشركات إلى طلب دعم دولها. لقد امتزجت المنافسة الاقتصادية بالمنافسة العسكرية في الحروب الامبريالية ما بين عامي 1914 و1945 (7). تقدم هذه النظرية أفضل إطار لفهم نزوع الولايات المتحدة نحو الحرب. ولكن قبل المضي قدما في التحليل يجب التأكيد على نقطة هامة: عادة ما يقوم أنصار وأعداء نظرية الإمبريالية باختزالها في مقولة أن الدول الإمبريالية تتحرك فقط بفعل عوامل اقتصادية. وهذا ما جعل البعض يقول أن الدافع الحقيقي وراء الاعتداء الغربي على أفغانستان هو رغبة إدارة بوش المتحالفة مع شركات النفط في إقامة خط أنابيب لنقل النفط والغاز من وسط أسيا(8). ولا شك أن احتياطات الطاقة تمثل عاملا مهما وراء اهتمام واشنطن بالمنطقة، ولكن اختزال الحرب في هذه المنطقة إلى هذا العامل الاقتصادي هو خطأ كبير. لقد اعتدت الولايات المتحدة على أفغانستان أساساً لاعتبارات سياسية من أجل تأكيد هيمنتها بعد الحادي عشر من سبتمبر. إن اقتراب الولايات المتحدة من وسط أسيا هو نتيجة للحرب وليس الدافع الأساسي ورائها. ولكن من ناحية أخرى من الخطأ أيضاً اختزال استراتيجية الولايات المتحدة في مجرد اعتبارات جيواستراتيجية. إن السيطرة على منابع النفط في الشرق الأوسط كما سنرى لاحقا هو دافع مهم وراء تخطيط إدارة بوش للحرب(9). إن القوى العظمى، على مر التاريخ، تتحرك بفعل تشكيلات معقدة من الدوافع الاقتصادية والجيواستراتيجية. ففي نهاية القرن التاسع عشر بدأت الطبقة الحاكمة في بريطانيا تنظر إلى ألمانيا على أنها تهديدا كبيرا لمصالحها. وكان ذلك في البداية بسبب قرار ألمانيا ببناء أسطولا بحريا ضخما وكان ذلك تهديدا لتفوق البحرية البريطانية وأمن البلاد نفسها, ولكن السيطرة على الإمبراطورية وعلى تدفق الأرباح الناتجة عن الاستثمار عبر البحار كان له نفس أهمية القوة البحرية البريطانية.(10)

ولنأخذ هتلر مثالا آخر. فقد كان ذلك القائد الأيديولوجي، مدفوعاً بهدف طويل الأجل للسيطرة على أوراسيا لتأسيس أمة ألمانية ذات نقاء عنصري إلا أن الاعتبارات الاقتصادية لعبت دورا فعالا في كل من الإستراتيجية العسكرية (فقرارات مثل بدء الحرب العالمية الثانية ومدها إلى الإتحاد السوفيتي ومحاولة الاستيلاء على ستالينجراد كانت كلها تحت تأثير الخوف من النقص في المواد الخام) وأيضا في رؤية هتلر لاحتلال روسيا كحل لمتناقضات اقتصادية موجودة في الرأسمالية الألمانية.(11). واليوم أيضا من المهم أن نفهم أن النظرية الماركسية للإمبريالية تحلل الأساليب إلى نسجت كل من المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية معا تحت تأثير الرأسمالية ولا تكتفي بأن تختزل أحدهما في الآخر.

الإستراتيجية الأمريكية بعد الحرب الباردة

ترجع أصول القوة غير المسبوقة التي تستند عليها إدارة بوش بالطبع إلى انتصارها في الحرب الباردة. لقد أعطت ثورات أوروبا الشرقية وسقوط الاتحاد السوفييتي للولايات المتحدة التفوق العسكري. كما أعطى أيضاً للرأسمالية الأمريكية منفذاً للمناطق التي كانت مغلقة دونها بسبب تقسيم العالم خلال الحرب الباردة، خاصة منطقة وسط أسيا التي تحتوي على احتياطات نفطية كبيرة والتي تحتل موقعاً استراتيجياً على الحدود بين مناطق النفوذ الروسية والصينية. ولكن انهيار النظام الستاليني لم يوقف التنافس بين الدول الكبرى. لقد قال بعض الماركسيين, اللذين لم يتأثروا بما قيل في زهو النصر حول نهاية العالم وبداية قرن أمريكي جديد بعد الحرب الباردة، أن انتهاء الاستقرار المبني على ثنائية القطبية سوف يؤدي إلى مرحلة جديدة من المنافسة الجيوسياسية وبالتالي إلى مخاطر وعدم استقرار أكثر من مرحلة ما قبل 1989.(12). بتحديد أكثر، واجهت الولايات المتحدة مصدرين محتملين للمخاطر: الأول أتي من داخل المعسكر الرأسمالي الغربي، أي من ألمانيا واليابان اللتان كانتا خاضعتان إلى قيادة الولايات المتحدة العسكرية والسياسية طوال الحرب الباردة. إن تدهور المكانة الاقتصادية الأمريكية في مواجهة هاتين الدولتين كان أحد العوامل المهمة وراء أزمة الاقتصاد العالمي في أواخر الستينات(13). وعندما تحررت ألمانيا واليابان من مقتضيات التوحد ضد الخطر المشترك المتمثل في الكتلة الشرقية، أصبح من المتوقع أن تحاول هاتان الدولتان تدعيم قوتهما الجيوسياسية وتهديد الهيمنة الأمريكية. لقد قامت ألمانيا الموحدة بهندسة تفكيك الاتحاد اليوغسلافي وهو ما تناقض مع جهود بوش الأب للإبقاء على الاتحاد. ولكن الخطر الأهم أتى من اليابان التي غزت سلعها واستثماراتها الاقتصاد الأمريكي حتى أن جورج فريدمان من شركة ستراتفور لاستشارات الأمن شارك في أوائل التسعينات في كتابة كتاب بعنوان “الحرب القادمة مع اليابان.

المجموعة الثانية للمنافسين المحتملين للولايات المتحدة تضم دول من خارج المعسكر الغربي. فروسيا بقيت دولة عظمى برغم إفقارها والفوضى السياسية والاجتماعية التي تحكمها، فهي تمتلك آلاف الرؤوس النووية  وتعوم فوق احتياطات نفطية كبيرة. لكن الخطر الأهم يأتي من الصين. إن النمو الاقتصادي السريع الذي حققته الصين منذ أن تبنت ستالينية السوق في الثمانينات يعده البعض دليل على نجاح رأسمالية المشروع الحر، ولكن هذا النمو أعطى للصين الموارد الكافية لصعود الصين كقوة عسكرية عظمى في أكثر مناطق العالم عرضة لعدم الاستقرار.(14). وفي الوقت الذي تراجع فيه التهديد الاقتصادي الياباني في التسعينات، تبدو الصين بوصفها التهديد الأساسي الذي يواجه الرأسمالية الأمريكية في الأجل الطويل. يقول ، جون ميرشمير، المحلل الامريكي الشهير للعلاقات الدولية:

“لتلخيص ما سوف تصبح عليه الصين القوية إذا ما استمر اقتصادها في النمو السريع، يمكننا مقارنة الصين بالولايات المتحدة. يبلغ الناتج القومي الأمريكي 7.9 ترليون دولار. إذا تساوى دخل الفرد في الصين مع مثيله في كوريا فإن الناتج القومي للصين سوف يتفوق على الناتج القومي للولايات المتحدة بحوالي 35%. أما إذا بلغ دخل الفرد في الصين نصف مثيله في اليابان فإن الناتج القومي الصيني سوف يتعدى ضعف مثيله الأمريكي. من الجدير بالذكر إن الناتج القومي للاتحاد السوفييتي كان يبلغ نصف الناتج القومي الأمريكي خلال الحرب الباردة. بإختصار، هناك امكانية أن تصبح الصين أقوى من الولايات التحدة ذاتها.(15)

وبناء على هذا الاحتمال يقدم ميرشمير سيناريو متشائم لشمال شرق أسيا بل وللعالم أيضاً:

“لن تصبح الصين أغنى بكثير من منافسيها الأسيويين، ولكن تفوقها السكاني الهائل سيقدم لها الفرصة لبناء قوة عسكرية تتفوق على روسيا واليابان. وسيكون عندها الموارد لبناء ترسانة نووية هائلة. ستصبح منطقة شمال شرق أسيا أكثر خطورة مما هي عليه الآن. ستتجه الصين لكي تصبح قوة مهيمنة، كما كان الحال مع القوى المهيمنة التي سبقتها. وستحاول كل القوى المنافسة لها, بما فيها الولايات المتحدة، أن تحتويها حتى تحول دون توسعها.(16)

ولكن البعض الأخر مثل مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس كارتر، زبيجنيف برجينسكي، يتشكك في قدرة الصين على تهديد الهيمنة الامريكية، خاصة عندما ترتكز فكرة التهديد الصيني على “توقعات إحصائية ميكانيكية”(17) كما هو الحال في تحليل ميرشمير. يعتقد برجينسكي أن التحدي الذي يواجه الطبقة الحاكمة الأمريكية هو الحفاظ على قيادتها للدول الرأسمالية الغربية بالإضافة إلى بسط مدى هذه القيادة لتشمل القوى الكبرى الأخرى. إن النجاح الجيوسياسي الأساسي لإدارة كلينتون يتمثل في بسط الهيمنة الأمريكية على أوراسيا. وكان ذلك مهيئاً بفعل المتغيرات الاقتصادية. لقد حظيت الولايات المتحدة بانتعاش كبير في عقد التسعينات(18)، في الوقت الذي ركد فيه الاقتصاد الألماني وفي الوقت أيضاً الذي عانت فيه اليابان من أسوأ أزمة كساد تواجه دولة رأسمالية كبيرة منذ الثلاثينات. لقد تأكد تفوق الولايات المتحدة الاقتصادي بفعل اللجوء إلى القوة العسكرية. إن الحملة التي قام بها حلف الأطلنطي على صربيا في عام 1995 وبشكل مكثف في عام 1999 ساعدت على تأكيد تبعية الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة واعتماد هذا الاتحاد على القوة العسكرية الأمريكية حتى في حل النزاعات التي تقع في فنائه الخلفي، في البلقان.

لقد اضطلع توسع حلف الناتو في وسط وشرق أوروبا أثناء حرب البلقان عام 1999 بثلاثة مهام: أولاً قام بتدعيم قيادة أمريكا لأوروبا الغربية ووسع مدى هذه القيادة ناحية الشرق. ثانياً قام بإضفاء المشروعية على اختراق المنطقة الهامة لوسط أسيا وأعطى لحلف الأطلنطي الرخصة للقيام بعمليات هناك. ثالثاً سمح بإستراتيجية جديدة لتطويق روسيا التي يعتقد صناع القرار في أمريكا أنها لا تستطيع التحول نحو نظام ديمقراطي واقتصاد غني وبالتالي يجب احتوائها(19). الاختبار الأول لحلف الأطلنطي ضد صربيا كان مبهماً في نتائجه، حيث أن حملة القصف الجوي (التي دمرت جانباً صغيراً من الجيش اليوغوسلافي) كانت مجرد واحدة من العوامل التي دفعت ميلوسيفيتش للانسحاب. لقد كان الرفض الروسي لدعمه والضغوط الروسية عليه للتفاهم عاملاً مهماً. ولكن حرب البلقان في عام 1999 كانت مناسبة لترويج أيديولوجية التدخل الانساني، خاصة من قبل بلير، من أجل تأكيد حق “المجتمع الدولي” (الذي هو الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين) في اختراق السيادة القومية وشن حرب لفرض العقوبات على دولة مارقة تنتهك حقوق الإنسان(20). ومن هذا المنطلق اتبعت إدارة كلينتون استراتيجية جديدة متعددة الجوانب. وقد قام برجينسكي، الذي كان المهندس الأساسي لتوسيع حلف الأطلنطي، بشرح دوافع هذه الاستراتيجية وقدمها باعتبارها أحد مكونات توجه عام لتدعيم الهيمنة الأمريكية اعتماداً على سياسة “فرق تسد”. يستخدم برجينسكي بصراحة لغة الدول الإمبريالية للدفاع عن بناء تحالفات من أجل احتواء وإخضاع المنافسين المحتملين كألمانيا، روسيا، الصين واليابان قائلا:

“من مصلحة الولايات المتحدة أن تدعم التعددية الجغرافية في أوراسيا في الأجل القصير. وهذا يؤكد على أهمية دور المناورات من أجل الحيلولة دون ظهور تحالف يتحدى بدوره السلطة الأمريكية ناهيك عن احتمال ظهور دولة تقوم بنفس التحدي.

في الفترة القادمة ( السنوات العشرين القادمة أو ما شابه) علينا أن نعمل مقدما على إنشاء شركاء استراتيجيين قادرين، تحت قيادة الولايات المتحدة، على بناء نظام أمني في أوراسيا. وفي الأجل الطويل يمكن بناء نظام كوني يعتمد على الاشتراك في المسئولية.(21)

لكن يجب الإشارة على أنه بالرغم من تأكيد برجينسكي على بناء تحالفات، فإن استراتيجية إدارة كلينتون كانت بعيدة عن أن تكون متعددة الأطراف. إن توسيع حلف الأطلنطي والاتحاد الأوروبي كان وسيلة لتأكيد الهيمنة الأمريكية في أوراسيا، وليس بديلاً عن السيادة الأمريكية. وكما قال أحد الأمريكيين المحافظين، إن لجوء كلينتون ومستشاريه للمشاركة المتعددة لم يكن إلا بأغراض نفعية: إن الولايات المتحدة تفضل التحرك المشترك إذا استطاعت، لكنها قوية بما يكفي للتحرك المنفرد إذا اقتضى الأمر.(22)

لقد شنت الولايات المتحدة حرب البلقان في عام 1999 تحت غطاء حلف الأطلنطي، دون أي شرعية من مجلس الأمن. لقد تجاهلت الولايات المتحدة الأمم المتحدة حين قصفت العراق في عام 1998 بمساعدة بريطانيا والكويت. وبررت مادلين اولبرايت، وزيرة خارجية كلينتون المتواضعة القدرات والمغرورة في نفس الوقت، قصف العراق بالقول: إذا كان يجب علينا استخدام القوة، فذلك لأننا أمريكا. إن قامتنا طويلة، وبالتالي فإننا نرى المستقبل بشكل أفضل.(23). لقد كانت تلك التصريحات الدافع وراء تحذير صمويل هانتنجتون وهو الخادم الأمين للدولة الأمريكية: “الولايات المتحدة أصبحت وحيدة في العالم بفعل تصرفاتها المنفردة… في الوقت الذي تدين فيه الولايات المتحدة دائماً دولاً كثيرة باعتبارها دولا مارقة، فإن الولايات المتحدة في نظر الكثير من البلدان هي القوة العظمى المارقة.”(24)

مذهب بوش: “الثأر الوقائي”

الآن أصبحت القوة الخارقة المتمردة في حالة هياج.. مذابح الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية تمثل ما يسميه  العالم السياسي الأمريكي ـ كالمرز جونسون ـ “الانفجار العكسي”. السياسات المستفزة التي كانت تمارسها  قوة الولايات المتحدة الإمبريالية خاصة في الشرق الأوسط تجني ثمنها الآن حياة آلاف المدنيين الأمريكيين الأبرياء (25). ولكن هجمات نيويورك وواشنطون أعطت إدارة بوش الابن فرصة أوسع بكثير من تلك التي تمتعت بها من قبل لممارسة استراتيجيتها العالمية التي كانت، في أسلوب ممارستها ، أكثر أحادية من سابقيها.

وكان ترفع الإدارة الأمريكية عن بناء تحالف واضحا في تعاملها مع حلف شمال الأطلنطي. ففي 12 سبتمبر 2001 استحضر مجلس شمال الأطلنطي لأول مرة في تاريخه المادة الخامسة من اتفاقية إنشاء حلف الناتو عام 1949 وأعلن أن الهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية هو هجوم على كل الدول أعضاء الحلف. ووضع بوش هذا الإعلان عن التضامن مع قرار مجلس الأمن في جيبه إلا أن البنتاجون لم يكلف نفسه عناء استخدام الناتو في حربه ضد أفغانستان. الناتو الذي كان قبل عامين أداة واشنطون المفضلة في التدخل في البلقان يعامل الآن بنفس الأسلوب الذي اعتادت أمريكا أن تتعامل به مع الأمم المتحدة فخصصت له إستراتيجية الأمن القومي ثلاث فقرات فقط. وهذا الانحياز للفعل الأحادي يعكس في نفس الوقت مدى قسوة الكارثة الرمزية التي تعرضت لها القوة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر. فبعد الهجمات التي تعرضت لها عاصمتها المالية ومركز قيادتها العسكرية على مرأى من العالم كله كان يجب أن يرى العالم الدولة الأمريكية وهي تهاجم بنفسها وليس وهي تطلب النجدة من البوليس الدولي. لقد انتهكت القوة الأمريكية وقوة الأمريكية هي التي يجب أن تنتقم. وكان رؤساء الأركان في البنتاجون على أي حال قد أعلنوا عن نفاذ صبرهم من خطوات الناتو البطيئة أثناء حرب البلقان عام 1999. ولكن منذ سقوط كابول في نوفمبر 2001 بات من الواضح أن إدارة بوش تستغل الحرب ضد الإرهاب لتبرير استراتيجية سياسية أكثر عنفا وهي استخدام القوة العسكرية للقضاء على بعض التهديدات وتخويف الباقين كلهم. الخطوة الأولى كانت من خلال التوسع الجوهري في أهداف الحرب والذي ظهر في خطاب بوش يوم 29 يناير 2002.

مؤكدا أن “حربنا ضد الإرهاب مازالت في بدايتها” أعلن بوش أنه بالإضافة إلى الهجوم المباشر على شبكات الإرهاب “فإن هدفنا الأساسي هو منع الأنظمة التي تساعد الإرهاب عن تهديد الولايات المتحدة أو أصدقاءها أو حلفاءها بأسلحة الدمار الشامل” وحدد إيران والعراق وكوريا الشمالية “كمحاور للشر” (26). وبعد ذلك وسع جون بولتون نائب وزير الدولة الشبكة واصفا ليبيا وسوريا وكوبا بأنهم دول داعمة للإرهاب تمتلك أسلحة دمار شامل أو لديها القدرة على امتلاكها(27). لكن الأبعاد الكاملة لاستراتيجية الإدارة الأمريكية لم تتضح تماما إلا بعد أن أعلن بوش ما وصفته “الفينانشيال تايمز” بأنه مذهب جديد تماما “للتحرك الوقائي” وذلك في خطاب وست بوينت في 1 يونيو 2002 (28) الذي قال فيه:

” لفترة طويلة من القرن الماضي أعتمد الدفاع الأمريكي على مذهب الحرب الباردة .. الردع ومحاصرة القوة.. في بعض الحالات ما تزال هذه الاستراتيجيات صالحة للتنفيذ إلا أن التهديدات الجديدة تتطلب أيضا تفكيرا جديدا. الردع (وهو التوعد بثأر قاسي ضد الدول) لا يعني شيئا في التعامل مع شبكات إرهابية خفية ليست لها دولة أو مواطنين تريد حمايتهم. وحصار القوة ليس ممكنا حين نتعامل مع دكتاتوريين موتورين لديهم أسلحة دمار شامل قادرين على توصيلها بالصواريخ إلينا أو على توفيرها لحلفائهم من الإرهابيين.

لا نستطيع أن نحمي أمريكا وأصدقائها بتمني الأفضل.. لا نستطيع أن نثق في كلمات الطغاة الذين يوقعون بكل خشوع اتفاقيات واضحة ثم يخرقونها بشكل تلقائي. لو انتظرنا حتى تتجسد التهديدات أمامنا تماما سنكون قد انتظرنا أكثر من اللازم (تصفيق)

قوات الدفاع الموجودة للحفاظ على الأمن الداخلي وقوات الدفاع المضادة الصواريخ هما جزءا من أمن أقوى.. أنهما أولويات جوهرية لأمريكا لكننا لن نفوز في حربنا ضد الإرهاب بالدفاع. علينا أن نأخذ المعركة إلى أرض العدو.. أن نفسد خططه ونواجه أسوأ التهديدات قبل أن تظهر. (تصفيق).. في العالم الذي دخلناه الطريق الوحيد للأمان هو طريق الفعل والتحرك.. وهذه الأمة سوف تتحرك. (تصفيق)”

“مذهب بوش” القائم على “الثأر الوقائي” ـ كما يصفه ـ أحد مسئولي الإدارة الأمريكية ـ يظهر واضحا في خطة الأمن القومي: “في حين ستسعى الولايات المتحدة الأمريكية باستمرار للحصول على تأييد المجتمع الدولي فإننا لن نتردد في التحرك وحدنا، لو لزم الأمر، لممارسة حقنا في الدفاع عن النفس والقيام بهجمات وقائية” (30).

والعراق هو أول اختبار لهذا المذهب. فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بعد حرب الخليج عام 1991 كانت ما نستطيع أن نطلق عليه “سياسة الحصار المزدوج” وهي سياسة تهدف إلى عزل إيران والعراق. وفي حالة العراق كان الهدف من الحصار الاقتصادي والغارات الجوية هي إبقاء نظام صدام حسين البعثي ضعيفا وفي حالة دفاع عن النفس. ومع نهاية التسعينات كانت هذه السياسة قد بدأت تنهار دبلوماسيا حيث بدأ كل من أعضاء مجلس الأمن الدائمين خاصة فرنسا وروسيا وكذلك الدول العربية في إبداء رغبة متزايدة تجاه تقوية العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع العراق. ولتحقيق عزل العراق اضطرت أمريكا وبريطانيا وبشكل متزايد أن تقوما بتحركات فردية، وذلك تحديدا عن طريق زيادة حدة حملة القذف الجوي. (31)

كوندوليتزا رايس (التي كانت وقتها أستاذا في ستاندفورد وتقدم استشاراتها لحملة بوش الانتخابية) كانت حتى عام 2000 تدعو لاستمرار هذه السياسة. وقد كتب عن “الدول المتمردة” مثل العراق وكوريا الشمالية قائلة:

“هذه الأنظمة تعيش في الوقت الضائع ولهذا يجب ألا نشعر بالقلق تجاههم، بل على العكس، يجب أن يكون خط الدفاع الأول ضدها هو بيان واضح وتقليدي رادع.. لو أنهم امتلكوا أسلحة دمار شامل فإنها لن تكون قابلة للاستخدام لأنهم لو حاولوا استخدامها سيتسببون في محو بلادهم عن الوجود” (32) وعندما وجهت رايس بهذه الملاحظات قالت مازحة: “الأكاديميون يستطيعون كتابة أي شئ” ثم ذكّرت بإنذار الحادي عشر من سبتمبر المحزنة. (33).

ولكن يبقى هذا الجدل غير مقنع على الإطلاق. فأسلوب الدمج الذي يستخدمه بوش وبلير باستمرار بين أنظمة مثل نظام صدام حسين وبين تنظيم القاعدة الإرهابي يتجاهل حقيقة أنه لم يتم الإعلان عن دليل واحد جاد يربط العراق بأحداث 11 سبتمبر ولم يحدث أي شئ منذ الحادي عشر من سبتمبر ليغير حقيقة أن أي دولة تقوم بهجوم نووي أو كمائي أو بيولوجي على الولايات المتحدة إنما تقوم بالانتحار. وبالطبع فإن التركيز على أسلحة الدمار الشامل يتجاهل كل من الترسانة النووية الضخمة التي تملكها الولايات المتحدة وباقي القوى الكبرى وكذلك تطوير الأسلحة النووية في بلاد يربطها تحالف قوى مع أمريكا مثل إسرائيل وباكستان.

أننا نحتاج لكي نفهم “مذهب بوش” أن نلقي نظرة قريبة على إدارة بوش نفسها

بوش الابن: اليمين الجمهوري يسيطر عل الدفة

اتجهت إدارة بوش الإبن في البداية إلى تقديم نفسها بوصفها استمرارا لإدارة أبيه. وتعبر وجهة النظر تلك عن نفسها عبر الزعم المنتشر بأن الحرب المخططة ضد العراق هي بمثابة تسوية لأهداف عائلية قديمة. غير أن مثل هذه التأويلات تعد خاطئة بشكل جوهري (34). فبالرغم من أن الكثير من كبار الشخصيات في الإدارة الأمريكية الحالية قد خدموا في إدارة بوش الأب خلال الفترة من 1989 إلى 1993 –مثل نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الخارجية كولين باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد- إلا أنه من الناحية الأيديولوجية فأن بوش الإبن يرتد إلى حقبة الرئيس رونالد ريجان الذي تولى الحكم من1981 إلى 1989 في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة. فقد كان ريجان هو الذي وسم الاتحاد السوفيتي ب “إمبراطورية الشر”، وخول للمخابرات المركزية والبنتاجون دعم الحركات اليمينية التي تقوم بحرب عصابات ضد النظم الوطنية في العالم الثالث مثل نيكاراجوا وأنجولا وأفغانستان التي اعتبرتها الولايات المتحدة تقف على الجانب الخطأ في الحرب الباردة (35). فقد لخص هنري كسينجر بإعجاب ساخر السياسة الخارجية لريجان كما يلي:

“أن لغة ويلسون التي تحلق عاليا دعما للحرية والديمقراطية قد تخمرت بواسطة واقعية ميكيافيلية…أن مبدأ ريجان وصل إلى تبني استراتيجية مساعدة “عدو العدو” وهي استراتيجية كانت ستحظى بقبول ريشيليو” (وقد ثبت أن أحد المنتفعين من هذه الاستراتيجية كان أسامة بن لادن) (36). وقام بوش الإبن بشكل واضح بتصميم أسلوبه الشخصي على ذلك الخاص بريجان –ذلك الشعبي العظيم في قدرته على التواصل والذي ركز على فعل الصواب فيما يتعلق بالشئون الكبرى (من وجهة نظر اليمين الأمريكي). والأهم من ذلك فإن المحور المركزي لإدارته كان يعرف بسياسته الريجانية. أما بوش الأب فقد كان نتاجا لمؤسسة الساحل الشرقي: أي أن لهجة سياسته الخارجية قد وضعها وزير الخارجية جيمس بيكر، الذي أنشأ بحرص ائتلاف واسع يرتكز على سلطة مجلس الأمن لشن الحرب الأخيرة ضد العراق، والذي ضمن لإسرائيل قرض قيمته عشرة مليارات دولار لإجبار الجناح اليميني بزعامة اسحاق شامير على بالمشاركة مع منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر مدريد للسلام (37). أما تشيني، الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع في إدارة بوش الأب، فقد كان آنذاك عنصرا معزولا نسبيا. وفي مارس 1992، سربت إلى صحيفة نيويورك تايمز وثيقة دفاعية إرشادية صادرة عن البنتاجون، وكانت قوة  الدفع الأساسية فيها هي توقع استراتيجية الأمن القومي لبوش الإبن: “أن هدفنا الأول هو منع اعادة ظهور منافس جديد… أن ذلك يمثل تهديدا من نفس الخطر الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي سابقا. يجب أن تركز استراتيجيتنا الآن على منع انبثاق أي منافس كوني مستقبلي كامن” (38). وكان بول وولفويتز، نائب رامسفيلد حاليا، هو أحد كتاب هذه الوثيقة التي تبرأت منها إدارة بوش الأولى. وحسب ما  ذكرته فرانسيس فيتزجيرالد، فأن رامسفيلد نفسه كان معلم تشيني في واشنطن وصديقة لثلاثين عاما. وعندما كان رامسفيلد يشغل منصب رئيس الأركان ثم وزير الدفاع في عهد الرئيس جيرالد فورد (1974-1977)، فقد قام بسحب إدارة فورد بحدة نحو اليمين وأحبط مساعي كسينجر وزير الخارجية لاستكمال معاهدة “سولت2” بشأن تخفيض الترسانة النووية للقوتين  العظميين (39). والآن، يكون تشيني ورامسفيلد وولفويتز القلب بالنسبة لمجموعة من مثقفي اليمين الجمهوريين التي تتولى وضع أجندة إدارة بوش، وتضم كوندوليزا رايس بمجلس الأمن القومي، وجون بولتون نائب وزير  الخارجية للشئون الدولية وضبط التسلح، وريتشارد بيرل “أمير الظلام” اليميني الأسطوري في عهد ريجان والذي يشغل حاليا منصب رئيس مجلس سياسة الدفاع الاستشاري. وكما تطرح فيتزجيرالد: “ما كان في وضع الأقلية في إدارة بوش الأولى أصبح في وضع الأغلبية في إدارو بوش الثانية” (40). أن كولين باول رئيس هيئة الأركان المشتركة في إدارة بوش الأب ومهندس حرب الخليج لعام 1991، هو الذي أصبح معزولا الآن عندما يطرح إقامة تحالف.اكتسب طرح باول بعض النفوذ عقب 11 سبتمبر، إلا أنه نحي جانبا بواسطة الجناح اليميني الداعم لفكرة أحادية القوة.. فما هي أجندة هؤلاء؟ أن المنظور اليميني كما يطرحه جيمس فالوس “يعرف بالتشاؤم والتفاؤل وعدم الصبر فيما يتعلق بالإجراءات” (41). يتمثل التشاؤم في الاعتقاد بأن التفوق الأمريكي الحالي سوف يتم تحديه بسهولة عبر انبثاق منافسين أنداد. وهذا التقدير قد عبر عنه بشكل ملفت للنظر وولفويتز في مقال كتبه أثناء حكم كلينتون. وقارن في هذا المقال بالنزعة الانتصارية التالية لعام 1989 بشأن انتصار الليبرالية الرأسمالية و”نهاية التاريخ” بوجهة النظر التي تم تبنيها في نهاية القرن التاسع عشر والني كانت ترى أن النمو الاقتصادي والتكامل الدولي جعلا الحرب شيئا عقيما: أن نهاية القرن الحالي تشبه نهاية القرن الماضي في جانب مهم آخر، وهو جانب يضع علامة استفهام حول الآمال العظيمة بشأن استمرار السلام والرخاء ونحن ندخل القرن الحادي والعشرين. فإلى جانب التقدم السلمي الملحوظ الذي كان موجودا في آخر القرن الماضي، كان العالم يصارع –أو بتعبير أدق- يفشل في التعامل مع انبثاق قوى رئيسية جديدة. فلم تكن هناك فقط اليابان، القوة الجديدة في آسيا، ولكن ألمانيا، التي لم يكن لها وجود قبل نهاية القرن التاسع عشر، كانت تنبثق كقوة مهيمنة في أوروبا.

واليوم، فأن نفس النمو الاقتصادي الملموس الذي يؤدي إلى تقليص الفقر وخلق طبقات وسطى جديدة، يؤدي أيضا إلى خلق قوى اقتصادية جديدة وربما قوى عسكرية أيضا. ويعد ذلك صحيحا في آسيا بشكل خاص. فبروز الصين في حد ذاته يمكن أن يطرح مشكلات كبيرة، بينما يؤدي بروز الصين إلى جانب عدد من القوى الآسيوية الأخرى إلى وجود معادلة بالغة التعقيد. وفي حالة الصين، فأن وضعها الخارجي يمثل عنصرا واضحا. فبالعودة إلى بداية القرن الماضي، نجد تشابه كبيرا بين حالة الصين ووضع ألمانيا التي كانت تشعر بأنها قد حرمت من مكانها تحت الشمس، وأنها عوملت بشكل سيئ من جانب القوى العظمى الأخرى، ومن ثم فقد عزمت على الوصول إلى مكانها الصحيح عبر السعى إلى تأكيد النزعة القومية (42).

فهل هذه الرؤية التاريخية للعالم هي التي تقف وراء حرص الفريق المحيط ببوش على إثبات القوة العسكرية الأمريكية بهدف منع انبثاق قوى منافسة؟ فكما يطرح زالماي خاليزاد، أحد العاملين مع تشيني في أوائل التسعينيات والذي يعمل الآن مساعد الرئيس الأمريكي الخاص لمنطقة الشرق الأدنى وجنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا: “أنه لمن الحيوي بالنسبة للمصالح الأمريكية أن تكون هناك رغبة في استخدام القوة عند الضرورة من أجل إعاقة ظهور منافس كوني آخر لمستقبل غير منظور (43). وفي عام 2000 قامت لجنة “مشروع القرن الأمريكي الجديد” بهدف مراجعة الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية والتي شكلها اليمين وضمت وولفويتز ومجموعة من المفكرين الجمهوريين بالتحذير من أنه: “لا تواجه الولايات المتحدة منافسا كونيا في الوقت الراهن، ويجب أن تهدف الإستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة إلى الحفاظ على هذا الوضع المتميز قدر المستطاع في المستقبل لأنه توجد مع ذلك دول ذات قوة كامنة لا ترضى بالوضع الراهن وترغب في التغيير، إذا كان ذلك ممكنا، عن طريق تهديد وضع السلام والرخاء والحرية الذي يتمتع به العالم نسيبا حاليا. وحتى الآن، فقد تم ردع تلك القوى بواسطة قدرات وحضور القوة العسكرية الأمريكية. ولكن تراجع هذه القوة نسبيا وبشكل مطلق، يقوض حتما الأوضاع السعيدة الناتجة عن هذه القوة” (44).

إذن فالاندفاع لأجل الحفاظ على الهيمنة الأمريكية يمليه إحساس بوجود ضعف كامن طويل المدى. ولكن هذا مدعوم أيضا بالثقة الناتجة جزئيا من مصير الحرب الباردة. فكما يطرح فالوس: “تكمن الثقة في الاقتناع بأنه إذا جابهت الولايات المتحدة أعداء “أشرار” فأنها سوف تنتصر، والدليل على ذلك بالطبع هو سقوط الاتحاد السوفيتي. فقد جاء رونالد ريجان إلى منصبه داعيا لا إلى التوازن، ولكن إلى تحقيق النصر الكامل على “إمبراطورية الشر”. وبعد ذلك بعشر سنوات زالت هذه الإمبراطورية. واليوم فأن كل أعضاء القيادة الدفاعية تقريبا كانوا جزءا من فريق ريجان. وتقف ذكرى هذا النجاح وراء وعد جورج بوش بأن الإرهابيين لن يتم فقط احتوائهم مثل مهربي المخدرات ولكنهم سوف يضربون مثل النازيين والسوفييت (45). وتدعم هذه الثقة النجاحات التي حققتها العسكرية الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة  خاصة دور القوة الجوية في تأمين النصر على العراق عام 1991، ويوغوسلافيا في 1999، وأفغانستتان في 2001. (46). وحتى قبل 11 سبتمبر كان رامسفيلد يكافح للدفع نحو إحداث تحويل في العسكرية الأمريكية في مواجهة المقاومة التي كان يبديها البنتاجون. وقد تضمن ذلك استخدام ما يسمى “ثورة في الشئون العسكرية” التي من الممكن تحقيقها خاصة فيما يتعلق بتطور تكنولوجيا المعلومات لأجل إعادة تنظيم القوات المسلحة الأمريكية في وحدات صغيرة متخصصة تساندها أشكال متنوعة من القوات الجوية التي تستخدم ذخيرة دقيقة التصويب.  وقارن رامسفيلد في خطاب مهم له عام 2002 بين هجوم تحالف الشمال والقوات الأمريكية على مزار شريف خلال الحرب على أفغانستان وبين بليتزكريج النازي من 1939-1941 : ما كان ثوريا وغير مسبوقا بالنسبة لبليتزكريج لم يكن القدرات الجديدة التي وظفها الألمان، وإنما الطريقة غير المسبوقة والثورية التي تم بها المزج بين القدرات الجديدة وتلك القائمة آنذاك. وبنفس الطريقة كانت معركة مزار شريف معركة تحول. فقد أخذت قوات التحالف القدرات العسكرية الموجودة من الأسلحة الأكثر تقدما الموجهة بالليزر إلى بي 52 التي ترجع إلى 40 عاما إلى أكثر الوسائل بدائية (رجل على ظهر جواد). واستخدموا هذه الطرق بشكل غير مسبوق، كان له أثرا مدمرا على مواقع العدو ومعنوياته، وهذه المرة ضد سبب الشر في العالم (47).

أن نفس الأيمان ببسالة العسكرية الأمريكية ينعكس في تأكيد ريتشارد بيرل أنه سوف تكون هناك حاجة إلى 40 ألف فقط من القوات الأمريكية للإطاحة بصدام: “سوف أكون مندهشا إذا كانت احتياجاتنا لها أية صلة بال200 الف جندي الذين تتحدث عنهم الصحف. فسوف يكون كافيا استخدام قوة أصغر كثيرا، أساسا من قوات العمليات الخاصة، وقد تساندها بعض الوحدات النظامية (48). فبعد الإطاحة بطالبان أصبح فريق بوش يعتقد أنه في استطاعتهم عمل اي شئ.

أمريكا ضد أوروبا

انه ذلك المعتقد الذي يكوّن ما يسميه المنتظرون  ” بنفاد صبرهم حيال الإجراءات “. في المقام الأول، انهم أقل استعدادا من أسلافهم الجمهوريين والديمقراطيين لتملق المؤسسات الدولية. لقد قام جون بولتن بتلخيص ذلك الموقف بدقة عندما قال ” لا يوجد ما يسمى بالأمم المتحدة. يوجد مجتمع دولي بالامكان قيادته بواسطة القوة الحقيقية الوحيدة المتبقية في العالم وهذه هي الولايات المتحدة الأمريكية عندما يتلاءم ذلك مع مصالحنا وعندما نتمكن من كسب الآخرين للتقدم معنا “(49). يمثل ذلك الموقف تحول في التشديد وليس دحض للماضي. كما رأينا مسبقا، فقد كانت ادارة كلينتون على أتم الاستعداد لتجاهل الأمم المتحدة والقيام بعمل أحادي الجانب كلما رأت أن هناك ضرورة لذلك. لكن ادارة بوش الفتية تعد أكثر انفتاحا في تعبيرها عن الازدراء تجاه الدول الرأسمالية والقيادية الأخرى في غرب أوروبا وشرق آسيا. فقد دخلت بسرعة في سلسلة من النزاعات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية كيوتو، والتجارة ( وبالتحديد رفع الولايات المتحدة الأمريكية لتعريفة الصلب المستورد )، ومعارضة الولايات المتحدة الأمريكية لمحكمة الجزاء الدولية.   لقد عبر بيرل بشكل صريح عن الازدراء الذي يكنّه اليمين الجمهوري للأوروبيين فنظرا لكونه مستشارا بلا أجر للادارة يسعه الابتعاد عن الحكمة في التعبير. فعندما سئل عن مدى احتياج الولايات المتحدة لدعم الاتحاد الأوروبي للاطاحة بصدام، أجاب:

ان نفس الظاهرة التي تؤدي الى تحمل الأوروبيين لصدام – أنهم يتقبلون أيا كان في السلطة – ستجعلهم يدعمون النظام التالي لصدام. سيتغيرون بسرعة…سيفعلون ما هو في مصلحتهم الخاصة.

انني أشير الى أنهم الآن يملؤون الفنادق في بغداد لتوقيع العقود التي سيجري تنفيذها عند رفع الحصار. سوف يكونوا في نفس الفنادق وبصدد نفس العقود مع النظام التالي. (50)

في بعض الحالات، يتطور ذلك الازدراء نحو أوروبا الى عداء بائن. وقد تفجر ذلك بشكل فعال بواسطة أناتول ليفن – صحفي بريطاني لديه علاقات وثيقة باليمين الجمهوري- في الفترة التي عقبت الحادي عشر من سبتمبر مباشرة:

بعد مدة قصيرة من تولي ادارة بوش للسلطة في يناير، دعيت الى الغداء بمطعم ساحر في نيويورك من قبل مجموعة من رؤساء التحرير والكتاب من القائمة الاعلامية العريضة والمؤثرة للجناح اليميني الأمريكي. كان الطعام والنبيذ باهظي الثمن وزخرفة المكان فخمة لكن هادئة وارتدى الزبائن الملابس الجميلة بينما كان معظم الحوار جنوني بدرجة أعلى مما يمكن وصفه بالمعتدل. فيما يخص الجزء الأكبر من العالم خارج الولايات المتحدة، كان موقف المستضيفين عبارة عن خليط من الكراهية والازدراء وعدم الثقة والخوف: ليس فقط تجاه العرب والروسيين والصينيين والفرنساويين وغيرهم ولكن حيال الحكومات الاشتراكية الأوروبية، أيا كان المعنى المفترض لذلك. تماشى ذلك مع رغبة عارمة – على المستوى النظري على الأقل – للقيام بأعمال عسكرية ضد نطاق واسع من الدول حول العالم (51).

يستشهد ليفن بأحد القادة السياسيين الجمهوريين عندما سأل، ” من قال أن لدينا قيم مشتركة مع الأوروبيين؟ انهم حتى لا يذهبون الى الكنيسة”. لقد قام أحد زملاء ليفن في منح كارنيجي المحافظ للسلام الدولي، روبرت كاجان، من الوصول الى تحليل أكثر تعقيدا وتطورا الى حد ما. فبحسب تحليله يكون التفضيل الأمريكي للأحادية والتمسك الأوروبي بالتعددية نابع من ” فجوة القوة ” بين الجانبين:

ان المسألة الممتدة عبر الأطلسي اليوم…ليست مسألة خاصة بجورج بوش. انها مسألة قوة. فقد أثمرت القوة العسكرية الأمريكية عن نزعة لاستخدام تلك القوة. وقد أنتج الضعف الأوروبي بغض شديد ومفهوم تماما لممارسة القوة العسكرية. وبالطبع، أسفرت عن مصلحة أوروبية قوية في الإقامة بعالم لا تشكل فيه القوة أهمية وحيث يكون القانون الدولي والمؤسسات الدولية هي المهيمنة وحيث يعد العمل الأحادي الجانب والمستخدم للقوة محظور وحيث تتساوى جميع الأمم من حيث الحقوق والحماية بمقتضى التشريعات الدولية السائدة والمتفق عليها في التصرف بغض النظر عن القوة. ان للأوروبيين مصلحة عميقة في خفض قيمة وفي آخر الأمر استئصال القوانين الوحشية لعالم فوضوي تكون القوة هي المحدد الأعلى للأمن القومي والنجاح به (52).

ويؤكد كاجان أن تلك العواقب الناجمة عن الاختلافات في القوة المادية بين الولايات المتحدة وأوروبا قد دعمت من خلال عملية التوحيد الأوروبي وتطوير المؤسسات التعددية التي تشجع توفيق المصالح القومية. لكن اعتمد ترويض المنافسات المتبادلة بداخل أوروبا على مظلة الجيش الأمريكي:

من خلال توفير الأمن من الخارج، أزالت الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة توفير الحكومات العبرة للحدود لها…يزخر الموقف الراهن بما يثير التهكم. ان رفض أوروبا لسياسات القوة وخفضها لقيمة القوة العسكرية كأداة في العلاقات الدولية يعتمد على تواجد القوات العسكرية الأمريكية على الأراضي الأوروبية. فالنظام الكنتي الجديد لأوروبا يمكنه الازدهار فقط في ظل مظلة القوة الأمريكية التي تمارس بالقوانين الفوضوية القديمة. فقد أتاحت القوة الأمريكية الفرصة  للأوروبيين لكي يؤمنوا بزوال أهمية القوة. (53)

على أساس تلك الأطروحة، يقوم كاجان بانتقاد الرأي الذي يقدمه فرانسيس فوكياما – وبعض التابعين له من أمثال الدبلوماسي البريطاني روبرت كوبر- والذي يرى أنه ” بنهاية التاريخ ” تكون الرأسمالية المتقدمة قد دخلت الى عصر ” ما بعد الحداثة ” و ” ما بعد التاريخ ” حيث تهجر الحرب بداخل تلك المساحة على الرغم من استمرار تهديدها للأجزاء من العالم التي لاتزال في مرحلة ” الحداثة ” أو حتى ” ما قبل الحداثة ” (54).  يطرح كاجان أن أوروبا قد تكون قد خرجت عن التاريخ ولكن:

على الرغم من الدور الرئيسي الذي لعبته الولايات المتحدة في جلب أوروبا الى الجنة الكنتية وعلى الرغم من الدور الذي لا تزال تلعبه لجعل تلك الجنة ممكنة الا أنها لا تستطيع أن تدخل الى تلك الجنة بنفسها. انها تحرس الأسوار لكن لا تستطيع أن تمشي عبر البوابة. ان الولايات المتحدة، بكل ما لديها من قوة، لا تزال منغرسة في التاريخ، متروكة للتعامل مع الصدامات وآيات الله وكيم ايل سونغات ..تاركة الفوائد السعيدة للآخرين (55).

ان تلك الصورة الذاتية للولايات المتحدة كحارس غير أناني يتحمل عبء الجيش المطلوب لكي يستمر الأوروبيون بالوثب فرحا في جنة ما بعد الحداثة تنشئ بشكل طبيعي الغيظ والامتعاض. انفجرت بعض التوترات التحتية الى السطح عندما قام المستشار جرهارد شرودر – نتيجة لمواجهته للهزيمة في الانتخابات الفدرالية في سبتمبر 2002 – بتحويل الحزب الديمقراطي الاشتراكي بقوة لمعارضة الضربة الأمريكية للعراق. بعدما قام وزير العدل الألماني بمقارنة بوش بهتلر، قالت كوندليزا رايس، ” لقد خلق جو عام …مسمم “(56). بينما احتفل شرودر بنجاحه الضيق في برلين، استغل دونالد رامسفيلد مناسبة اجتماع للناتو في وارسو لاعادة الشكوى. وقد ذهب ريتشارد بيرل الى أبعد من ذلك باعلانه أن أفضل ما يمكن أن يقدمه شرودر لاستعادة العلاقات الأمريكية- الألمانية هو استقالته (57).

إمبريالية السوق الحرة

أن المنظور التاريخي للعالم الذي يتبناه فريق بوش جعله يخلص إلى أن هناك نافذة قد فتحت وأصبحت الفرصة متاحة أمام استغلال التفوق العسكري الأمريكي الحالي لتحسين وضع الرأسمالية الأمريكية على المدى الطويل. وقدم 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب المناسبة لبذل هذا الجهد، ولكن الولايات المتحدة كانت تهدف إلى لعبة أكبر من المراوغ بن لادن وشبكة القاعدة التابعة له. ويحذر جزء مهم في خطة الأمن القومي التي وضعتها الإدارة الأمريكية: ” نحن متيقظين لإمكانية تجديد الأنماط القديمة لتنافس القوى العظمى. فهناك قوى عظمى عديدة كامنة تمر بمرحلة تحول داخلي أهمها روسيا والهند والصين.”

وبينما هناك إصرار على أن هذه القوى تشارك الولايات في مصالحها وقيمها، فأن الوثيقة تشر إلى حذر خاص جدا تجاه بكين:

“رغم مرور ربع قرن على بداية عملية تنحية الملامح الأسوأ من للإرث الشيوعي، لم يتبن قادة الصين بعد السلسلة الأخرى من الاختيارات الجوهرية بشأن طبيعة الدولة. ففي سعيها للحصول على قدرات عسكرية متطورة تستطيع  بها تهديد جيرانها في منطقة آسيا والباسيفيك، تتبع الصين طريقا عفي عليه الزمن يمكن أن يعوق مساعيها للعظمة القومية. فمع الوقت،  سوف تدرك الصين أن الحرية السياسة والاجتماعية هي المصدر الوحيد للعظمة”(58).

وبمعنى آخر، أن الوفاق الذي رغب بوش ومستشاريه في تحقيقه بين الدول العظمى يجب أن يكون بالشروط الأمريكية. وهذا صحيح فيما يتعلق بالمجال العسكري، حيث أن العم سام هو فقط المسموح له بتطوير قدرات عسكرية متقدمة. فقد أكدت لجنة اليمين الجمهوري لاستراتيجية الدفاع:

“إن ما يجب أن يحكم حجم ونوع قواتنا النووية ليس المساواة العددية مع القدرات الروسية، بل الحفاظ على التفوق الاستراتيجي الأمريكي وإلى جانب هذا التفوق القدرة على ردع التحالفات المعادية الممكنة للقوى النووية. أن التفوق النووي الأمريكي ليس شيئا يدعو للخجل، بل بالعكس، فإنه سيكون عنصرا مهما في الحفاظ على القيادة الأمريكية في عالم أكثر تعقيدا وفوضى” (59).

وليس مدهشا في ضوء هذه التصريحات أن تخشى روسيا والصين من تخلي إدارة بوش عن معاهدة أية بي إم وبناء نظام دفاعي استراتيجي قومي يهدف إلى القدرة على الضربة الأولي النووية وهو ما يحافظ على التفوق الأمريكي. ففي أكتوبر 2002، تفاخر بول وولفويتز زاعما أن تحقيق تقدم سريع على صعيد تطوير نظام الدفاع الصاروخي القومي: “أن الولايات المتحدة أصبحت حرة أخيرا في التوصل إلى دفاعات صاروخية بدون القيود المصطنعة للمعاهدة التي عمرها 30 سنة، وعفا عليها الزمن، ومع دولة لم يعد لها وجود. (60). أن تقرير الوضع النووي، الصادر عن الإدراة الأمريكية أوائل نفس العام، وضع روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران والعراق وسوريا وليبيا باعتبارهم خصوم نوويين كامنين، واقترح المزج بين القدرات التقليدية والنووية، فعلى سبيل المثال يمكن وضع رؤوس نووية فوق  الأسلحة الهادفة إلى قتل قادة الأعداء مثل صدام حسين (61). وفي نفس الوقت فقد أعطت الحرب على الإرهاب الولايات المتحدة فرصة لبناء سلسلة من القواعد العسكرية في آسيا الوسطى، وهي منطقة كانت قريبة منها خلال الحرب الباردة وبإعادة قواتها إلى الفليبين حيث أغلقت القواعد الأمريكية هناك في بداية التسعينيات. (62). وتؤكد استراتيجية الأمن القومي أن ذلك ليس تطور مؤقت: “لكي نقاوم حالات عدم التأكد ونجابه التحديات الأمنية العديدة، يجب أن تحظى الولايات المتحدة بقواعد ومحطات في داخل ووراء غرب أوروبا وشمال شرق آسيا، وأن يكون لها كذلك ترتيبات مؤقتة بشأن انتشار القوات الأمريكية بعيد المدى. (63). ولا يستطيع أحد أن يلوم حكام الصين إذا رأوا في هذه الخطوات المرحلة الأولى في استراتيجية تطويق موجهة ضدهم.

غير أنه من المهم أن نرى أن الاستراتيجية الكبرى لإدارة بوش ليست ببساطة تهدف إلى الحفاظ على التفوق  الأمريكي الجيوسياسي، وإنما تهدف إلى فرض النمط الأنجلو-أمريكيي لرأسمالية السوق الحرة على العالم. أن تقديم بوش للأمن القوي يبدأ بالتأكيد بأن : أن نضال القرن العشرين الكبير بين الحرية والشمولية انتهى بنصر حاسم لقوى الحرية ونموذج واحد ومستدام للنجاح القومي: الحرية والديمقراطية والعمل الحر”. ويذهب بوش أبعد من ذلك ليجاهر بنيته خلق توازن للقوى أفضل لحرية الإنسان: تحت ظروف تمكن الأمم والمجتمعات من اختيار عوائد وتحديات الحرية الاقتصادية والسياسية. وقد كرس أحد فصول هذه الوثيقة لتوضيح السياسة الليبرالية الجديدة التي سوف: ” توقد عهدا  جديدا من النمو العالمي عبر السوق الحر والتجارة الحرة”. وتلاحظ الوثيقة أيضا أنة “سوف ترتكز استراتيجية الأمن القومي الأمريكي على  عالمية أمريكية واضحة تعكس “اتحاد قيمنا ونجاحنا القومي”. أنه بالفعل لنوع غريب من العالمية أن تترك للشعوب حرية اختيار “النموذج المستدام الوحيد للنجاح القومى” أي نمط رأسمالية “دعه يعمل الأمريكية”. يمكن تجنب عصر جديد من تنافس القوى العظمى طالما صدق المنافسون الكامنون مثل روسيا والصين على “القيم المشتركة” التي تعني بالطبع قيم الرأسمالية الحرة الأمريكية. (64). لقد رسم الاقتصادي الليبرالي اليساري روبرت واد صورة أخاذة لدرجة تحيز بنية الاقيصاد العالمي منذ انهيار نظام بريتون وودز في أوائل السبعينيات لمصالح الإمبريالية الأمريكية:

تصور أنك إمبراطور روماني عصري، وقائد أقوى دولة في عالم الدول المستقلة والأسواق الدولية، فما هو الاقتصاد السياسي العالمي الذي ستقوم بإنشائه بحيث تدعم قوى السوق العادية التفوق الاقتصادي لدولتك وتسمح لمواطنيك باستهلاك أكثر مما ينتجون وتبقي منافسيك في وضع أدنى وذلك دون أن تضطر  لأن تلقي بكل ثقلك؟

أنك تحتاج إلى الاستقلالية لكي تتخذ القرار فيما يتعلق بسعر الصرف والسياسة النقدية الخاصة بك، بينما تجعل الدول الأخرى تعتمد على مساندتك في إدارة اقتصادياتهم. أنك تريد أن تكون قادرا على الترتيب للتذبذبات والأزمات الاقتصادية في باقي أنحاء العالم من أجل كبح نمو مراكز أخرى يمكن أن تشكل تهديدا لتفوقك، كما ستكون حريصا على أن تصعد حدة المنافسة بين المصدرين في العالم لكي تعطي لنفسك تدفقا للواردات بأسعار متدنية بثبات مقارنة بأسعار صادراتك.

وما هي السمات التي تريد أن تفرضها في الاقتصاد السياسي العالمي؟ أولا الحركة الحرة لرأس المال. ثانيا التجارة الحرة (باستثناء الواردات التي تهدد صناعاتك المحلية المهمة لتحقيق التميز بالنسبة لك) استثمارات دولية متحررة من أي مزايا للشركات الوطنية عن طريق التدابير الحمائية أو التحصيل العام أو الملكية العامة أو أية وسائل أخرى، وذلك مع التأكيد على أن تحظى حرية شركاتك  بنفس أوضاع النخب المحلية من الشركات فيما يتعلق بإدارة أصولهم المالية وتعليمهم الخاص والرعاية الصحية والمعاشات وغيرها. رابعا أن تكون عملتك هي عملة الاحتياطي الرئيسية. خامسا عدم وجود قيود على قدرتك على إصدار عملتك بالطريقة التي تشاء (مثل ارتباط الدولار بالذهب)،  ومن ثم يمكنك تمويل عجز تجاري غير محدود مع بقية أنحاء العالم. سادسا إقراض دولي بسعر فائدة متغير تسيطر عليه عملتك، وهو ما يعني أن الدول المقترضة وقت الأزمة يمكن أن تدفع لك أكثر عندما تكون قدرتك أقل. وهذا المركب يجعلك قادرا على أن تستهلك أكثر بكثير مما تنتج (ويؤدي ذلك إلى اضطراب مالي وأزمات بشكل دوري في بقية أنحاء العالم). وحتى تقوم بالإشراف على إطار العمل الدولي فإنك ترغب في وجود منظمات دولية تتخذ شكل التعاونيات بين الدول الأعضاء وتحمل شرعية التعددية، ولكنها تمول بطريقة تسمح لك بالرقابة (65).

يعد هذا وصفا لما يسميه بيتر جوان نظام “دولار وول ستريت”، الذي أرادت من خلاله الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نيكسون تنظيم الأسواق المالية الدولية خلال ال30 سنة  الماضية.(66). ويحمل هذا النظام مغالاة كبيرة من ثلاث جوانب مختلفة. الجانب الأول هو أن جوان يعطي وبشكل خاص تقييما أكثر تآمرية مما يجب حول كيفية تطور نظام دولار وول ستريت: فالصدفة (مثلا النجاج البعيد عن التوقع لبرنامج حكومة تاتشر للخصخصة) والابتكارات التي قام بها من هم أكثر فاعلية في عالم المال لعبتا دورا مهما في القصة. والأكثر من ذلك، كما أكد روبرت برينر فأن مركزية الدولار غير المقدر بالذهب بالنسبة للنظام المالي الدولي لم يكن بالفعل في مصلحة الرأسمالية الأمريكية حيث أدى اتفاق بلازا الموقع في سبتمبر عام 1985 بين الدول الرأسمالية القائدة إلى هبوط في سعر الدولار وثبت أنه كان عاملا حاسما بالنسبة لإنعاش القدرة التنافسية الدولية للولايات المتحدة. ولكن ما يسميه برينر “اتفاق بلازا المعاكس” الموقع بعد ذلك بعشرة أعوام، عندما انتقلت إدارة كلينتون إلى سياسة دولارية قوية مصممة بهدف إحياء الاقتصاد الياباني المأزوم، أدى إلى إرساء قاعدة أزمة الربحية بالنسبة للصناعة الأمريكية التي نمت في نهاية التسعينيات. (67). ثانيا فإن المؤسسات التي تهيمن عليها الولايات المتحدة والتي أدارت نظام دولار وول ستريت والتي يسميها مجمع وزارة الخزانة الأمريكية-وول ستريت-صندوق النقد الدولي، تقدم إلى حد ما سلع عامة تفيد كل الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة، وليس فقط الرأسمالية الأمريكية: وبناءا على ذلك فأن الشركات المتعددة الجنسية الأوروبية مثل “سويس” لعبت دورا قياديا في التربح في كل من الشمال والجنوب من خصخصة المياه التي طالبت بها توافق واشنطن اللبرالية الجديدة. ثالثا، يشير ذلك إلى أن الرأسمالية الأوروبية واليابانية حتى إذا كانتا لا زالا مجرد لاعبين جيوسياسيين هامشيين نسبيا، فإنهم لاعبين اقتصاديين رئيسييس لا يمكن تجاهل مصالحهم ومتطباتهم ببساطة بواسطة واشنطن ووول ستريت.

إن حالة السعادة التي تحيط برواج الاقتصاد الأمريكي في نهاية التسعينيات قد تبخرت، وعناصر التكهن والعداء المباشر أصبحت ظاهرة. إن المزاعم حول الاقتصاد “الأمريكي الجديد” الذي ذهب أداؤه إلى ما بعد التاريخ، كما يقول ألان جرين سبان، رئيس إدارة الاحتياط الفيدرالي، قد انهارت مع فقاعات وول ستريت. ويشير برينر إلى أن نمو الإنتاجية الأمريكية خلال فترة الرواج لم تكن أفضل بشكل حاسم من ذلك بالنسبة لخصومهم الأساسيين. بينما بين 1993 إلى 2000، تطورت إنتاجية العمل في الصناعة بمعدل 5،1%، وفي في ألمانيا الغربية وفرنسا نما بمعدلات سنوية متوسطة 4،8% (خلال 1998) و4،9% على التوالي (68). ويمد ريتشارد لايرد المقارنة إلى الاقتصاد ككل.

وفي خلال السنوات العشر الماضية، نما معدل إنتاج الساعة أسرع في المنطقة الأوروبية مقارنة بالولايات المتحدة، وهو في فرنسا وألمانيا الآن في نفس مستواه في الولايات المتحدة. وحتى على أساس قاعدة الإنتاج بالنسبة للفرد فإن السنوات العشر الماضية شهدت نموا متساويا في كل من الولايات المتحدة والمنطقة الأوروبية(69).

ووفقا لصندوق النقد الدولي، ففي عام 2002، لم تكن إنتاجية الساعة أعلى منها في الولايات المتحدة في ألمانيا وفرنسا فقط، بل في إيطاليا أيضا. (70). أن قيادة الولايات المتحدة العسكرية الضخمة للقوى الأخرى لا يجب أن يسمح لها بإخفاء واقع أن التنافس الاقتصادي خاصة مع الاتحاد الأوروبي قد أصبح أكثر تكافئا.(71). نتيجة ذلك أن السيادة الأمريكية الراهنة تعتمد فقط مجموعة من الظروف الانتقالية والطارئة بشكل كبير. وإنه بالتحديد بسبب ذلك على الإدارة الأمريكية أن تحارب بضراوة للحفاظ على وضع الدولة الأولى المهيمنة في الرأسمالية الغربية، الذي تحقق عل النطاق الكوني خلال الجيل الماضي. تستولي إدارة بوش على ميزة السياق الراهن من أجل دفع الأوضاع إلى أبعد في اتجاه مصالح الرأسمالية الأمريكية. ولكن باقتباس عنوان كتاب جوان فإن تلك هي مغامرة، لا سباق مؤكد النتائج.

التغير في النظام وسياسات النفط

إن الأولوية الأولى لفريق بوش ليست مواجهة أيا من المنافسين الرئيسيين للولايات المتحدة الأمريكية بل الإطاحة القسرية بصدام حسين. يلعب ذلك المشروع وظيفتين رئيسيتين. أولا، ستعمل حرب أمريكية ناجحة على العراق كإنذار للآخرين: فاذا تمكنت القوة الأمريكية الساحقة من إزالة حاكم متمرد لقوة شرق أوسطية هامشية، إذن يتعين على المنافسين النظراء والمحتملين لواشنطن مراقبة خطواتهم. ثانيا، الإطاحة بصدام ستلعب دورا أكثر تحديدا في البرنامج الطموح الذي يلجأ إليه البعض على الأقل في اليمين الجمهوري لإعادة تنظيم الشرق الأوسط ككل.

” إن ما لا تفهمه الناس هنا بشكل كافي هو أن لديهم قائمة طويلة من الدول التي يتعين عليهم القضاء عليها بعد العراق “. ويقول مستشار الدفاع جون بايك عن ريتشارد بيرل وأمثاله أن ” العراق ليست الفصل الأخير بل مجرد بداية “(72). المملكة العربية السعودية على رأس قائمة أهدافهم. في يوليو 2002 تسبب بيرل في حالة اضطراب عندما قدم لورينت مورويك، محلل لشركة RAND وأحد أتباع ليندون لاروش سابقا – واضع نظرية المؤامرة الردئ السمعة والشخص الذي تحول ببساطة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار فيما يخص سياسات الولايات المتحدة الأمريكية – ليقدم ملخص خطة سياسة الدفاع .  استمع ذلك الكيان النخبوي والاستشاري في ذهول بينما شرح مورويك أن المملكة العربية السعودية هي ” نواة الشر ” ويتعين اعتبارها ضمن ” أعدائنا “، وأنه يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تهدد أقدس مدينتين في الاسلام – مكة والمدينة – والموجودتان في السعودية اذا لزم الأمر(73). في الضجة المصاحبة أسرع كلا من بيرل ورمسفيلد لفصل أنفسهم عن ذلك الهذيان. لكن آخرون في اليمين الجمهوري يشاركون مورويك في آرائه. فوفقا لمايكل ليدن من مؤسسة المشروع الأمريكي ” ان شبكة الارهاب – من القاعدة الى حزب الله ومن الجهاد الاسلامي الى حماس ومنظمات التحرير الفلسطينية المختلفة – تتمتع بما لديها من فاعلية وقدرة نتيجة للدعم الذي تقدمه لهم أربعة أنظمة استبدادية، أطلق عليهم مصطلح ” سادة الارهاب “: ايران والعراق وسوريا والمملكة العربية السعودية. في الواقع، ليدن لا يقترح دخول الولايات المتحدة في حرب ضد المملكة السعودية. انه يطرح أن يكون الهدف الأول للولايات المتحدة هو إيران التي ” قامت بخلق وتدريب وحماية وتمويل ودعم أكثر المجموعات الارهابية استماتة في العالم – حزب الله “: من المفترض أن يكون قتل عساكر اسرائيليين جريمة أبشع من اقامة مذبحة للمدنيين الأمريكيين (74). وبالرغم من ذلك، فأن وضع حليف أساسي للولايات المتحدة في المنطقة العربية منذ الأربعينات وبشكل مفاجئ مع ثلاثة من أكثر الدول تمردا وأقلها شعبية لدى أمريكا يعتبر تحولا مذهلا

ويرجع هذا التحول إلى ثلاث عناصر. أولا،11 سبتمبر. لقد سعت ادارة بوش نفسها الى الاشارة بشكل حذر الى جذور بن لادن التى تربطه بالطبقة السعودية الحاكمة والى الأصل السعودي لمعظم مختطفي الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر، إلا أن الكثيرين من اليمين الجمهوري كانوا أكثر انفتاحا في محاسبة المملكة العربية السعودية ويقول مورويك للجنة سياسة الدفاع: ” للسعوديين وجودا واضحا على كافة المستويات المتعلقة بالإرهاب.. من التخطيط الى التمويل.. من الكوادر الى المنفذين.. من المرشدين إلى المشجعين والمتعاطفين”هذا ما قاله (75).

وقد قام أقرباء ضحايا 11 سبتمبر برفع دعوى قضائية تطالب بتعويض يقدر بترليون دولار ضد العديد من المؤسسات السعودية وثلاث أشخاص من العائلة الملكية السعودية لتمويلهم للارهاب. ولكن اذا ما تمت المحاسبة بمصداقية أكبر لتوجه اصبع الاتهام الى حكومة الولايات المتحدة الأمريكية – وبالتحديد الى ادارة ريجان – لأنها قامت من خلال تحالفها الحميم مع المملكة السعودية بتمويل وتدريب وتسليح المقاتلين الاسلاميين للحرب في أفغانستان أثناء المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة. لكن وفقا لوجهة النظر المشوهة التي يحاول اليمين الجمهوري نشرها عالميا  فان الحادي عشر من سبتمبر قد ساهم  في تحويل المملكة العربية السعودية الى محور الشر. ثانيا، يسابد الكثير من المعاصرين في الجناح اليميني دولة اسرائيل بلا قيد أو شرط وبشكل أكثر بكثير مما فعلت الأجيال المحافظة السابقة. على سبيل المثال، فان بيرل هو مدير الجوروزاليم بوست وسعى الى استخدام نفوذه في اسرائيل في محاولة خرقاء لتخريب مفاوضات كامب ديفيد 2000. ان دعم اسرائيل يضيف سببا جديدا لحرص اليمين الجمهوري على ضرب العراق التى تعتبرها اسرائيل تهديدا كبيرا لها. وكما أشار بيرل في 1996، فإن إزالة صدام تعد  “هدفا استراتيجيا وجوهريا بالنسبة لاسرائيل ” (76).

ويميل الجناح اليميني الجمهوري ( الذي يشمل المسيحيون المتزمتون الذين يرون أن فلسطين هي أرض الله التي أعطاها لليهود وفقا للعهد القديم ) الى معاداة عملية السلام في الشرق الأوسط والتي يشاركهم فيها زعماء حزب الليكود من أمثال آريل شارون وبنيامين نتنياهو. وبالتالي، فانهم يمقتون الدول العربية المحافظة مثل المملكة العربية السعودية ومصر نتيجة للضغوط التي يضعوها على واشنطن لارغام اسرائيل على العودة الى طاولة المفاوضات. ويقول أناتول ليفن أن ” مورويك أيد فكرة ارسال انذار الى السعوديين لا يكتفي بالمطالبة بالتعاون الكامل لقوات الشرطة السعودية مع المسؤولين الأمريكيين فقط بل ويطالب أيضا بقمع الانتقادات العامة للولايات المتحدة وإسرائيل داخل المملكة السعودية – الأمر الذي يعد مستحيلا في أي بلد عربي ” (77). ان البديل لعقد مفاوضات مع الفلسطينيين بالنسبة لليمين هو إعادة تشكيل العالم العربي بالقوة. وقد أكد كلا من ويليام كريستول وروبرت كاجان في ذروة تصاعد أزمة جنين في ربيع 2002 أنه يتعين على بوش ألا يسمح لنفسه ” بالتورط في تفعيل عملية السلام ” الى درجة قد تنسيه ” الطريق الذي يؤدي الى السلام والأمن الحقيقيين – الطريق الذي يمر ببغداد “(78).

ستكون الإطاحة بصدام هي بداية عملية ” الرد ” تماما مثل الثورات المضادة والمصنوعة في الولايات المتحدة التي ظهرت في وسط أمريكا وانهيار الستالينية في أوروبا الشرقية في الثمانينات وهذه العملية سينشر الديمقراطية اللبرالية في جميع أرجاء العالم العربي. وفقا لوول ستريت جورنال، “ان تحرير العراق من صدام ورعاية الديمقراطية لن يخلص المنطقة من تهديد عسكري رئيسي فقط ولكنه سوف يبعث كذلك رسالة الى العالم العربي بأن حق تقرير المصير – كجزء من العالم الحديث – ممكن “. واذا ما أسفرت الثورة الديمقراطية في السعودية عن استبدال حكم عائلة سعود بحكومة معادية لأمريكا، ” سيدفع ذلك الى التفكير في قرار فرض السيطرة  (الأمريكية) على آبار النفط، الأمر الذي سيضع حدا لأوبك ” (79).  ولقد عبرت كوندليزا رايس عن وجهة نظر مشابهة عندما اشارت الى امكانية استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية من أجل توسيع حدود الرأسمالية اللبيرالية قائلة:

إذا كان انهيار الاتحاد السوفييتي و11 سبتمبر قد أحدثا تغيرا جوهريا في السياسة الخارجية، فان هذه الفترة لا تشير فقط الى وجود خطر رهيب ولكن تشير كذلك الى وجود فرصة ضخمة… وهو ما يجعل هذه الفترة مشابهة للفترة من 1945 الى 1947، حين وسعت القيادة الأمريكية عدد الدول الديموقراطية – بما في ذلك اليابان وألمانيا ضمن القوى العظمى – بغرض خلق توازن جديد للقوى يميل الى الحرية (80). ان المحرك الفعال والحقيقي وراء الأحلام بالنجاح في فرض الديمقراطية اللبيرالية على الشرق الأوسط هو العامل الثالث والفاصل في تفكير اليمين الجمهوري فيما يخص منطقة النفط. انه واقع ارتباط الولايات المتحدة بالطبقات الحاكمة السعودية منذ الحرب العالمية الثانية نظرا لاحتواء المملكة السعودية على أكبر احتياطات النفط في العالم. ان ادارة بوش، ذات العلاقات الوثيقة بشركات استخراج الوقود – والتي وصفها مايك دايفس ب ” اللجنة التنفيذية لمؤسسة البترول الأمريكية ” – تهتم تحديدا بامكانية وصول الولايات المتحدة الى امدادات البترول على المدى البعيد (81). ففي مايو 2001 سمحت واشنطن بنشر خطة الطاقة القومية التي قامت باعدادها مجموعة يترأسها ديك شيني ( بمساعدة أنرون ).والتي يكتب عنها مايكل كلير قائلا:

في الحقيقة، ان تقرير شيني يضع ثلاث نقاط رئيسية:

1-                     يتعين على الولايات المتحدة أن تزيد نسبة ما تستورده من النفط مع زيادة استهلاكها له( في الوقت الراهن تستورد الولايات المتحدة 10 مليون برميل نفط يوميا أي ما يمثل 53% من اجمالي الاستهلاك، وبحلول عام 2020 سيصل اجمالي استيراد النفط يوميا الى 17 مليون برميل، أي الى 65 % من اجمالي الاستهلاك ).

2-                     لا تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد بشكل قصري على المصادر التقليدية مثل السعودية وفنزويلا وكندا لتوفير ذلك النفط الإضافي. يتعين عليها أيضا الحصول على إمدادات إضافية من مصادر جديدة، مثل دول منطقة بحر قزوين وروسيا وأفريقيا.

3-                     لا يسع الولايات المتحدة الاعتماد فقط على قوى السوق من أجل الوصول الى تلك الامدادات المضافة، بل سيتطلب ذلك جهودا هامة من قبل موظفي الحكومة لتجاوز مقاومة المد الخارجي لشركات الطاقة الأمريكية.

على ضوء تلك المبادئ الثلاث، تدعو خطة شيني ادارة بوش الى القيام بمبادرات واسعة النطاق بهدف زيادة واردات النفط من مصادر التزويد الخارجية. وبالتحديد، تطلب من الرئيس ووزراء الخارجية والطاقة والتجارة العمل مع قادة دول وسط آسيا وأذربيجان لتعزيز الإنتاج في منطقة بحر قزوين ولإنشاء خطوط أنابيب جديدة في الغرب. كما أنها تطالب موظفون في الولايات المتحدة باقناع نظرائهم بأفريقيا والخليج العربي وأمريكا اللاتينية بفتح أبواب صناعاتهم النفطية للشركات الأمريكية الكبيرة وتصدير المزيد من البترول الى الولايات المتحدة.

في سياق دعمهم لتلك الاجراءات، يدرك فريق تشيني تماما أن الجهود الأمريكية للحصول على كميات متزايدة من البترول الأجنبي ستواجه بالمقاومة في بعض الأقاليم المنتجة للنفط. ويشير التقرير الى أن الولايات المتحدة بحلول عام 2020 ” سوف تستورد برميلين من النفط تقريبا من كل ثلاث براميل (استهلاكية) – الأمر الذي يؤدي زيادة الإعتماد على القوى الأجنبية التي لا تتفق مصالحها – في الواقع – بإستمرار مع مصالح الولايات المتحدة (82).

ان ما يسميه كلير ب ” استراتيجية اكتساب النفط العالمي ” يساعد على تفسير الكثير من أعمال ادارة بوش – خطط الزيادة الضخمة في استيراد النفط من روسيا وتطوير القواعد العسكرية الأمريكية بمنطقة بحر قزوين ودعم موظفوا الدولة للانقلاب غير الناجح للجناح اليميني في فنزويلا في ابريل الماضي وتأييد الولايات المتحدة للهجوم العسكري للحكومة في كولومبيا. لكنها أيضا تؤكد الأهمية الاستراتيجية لدول النفط في الشرق الأوسط. فكما رأينا، فان العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية تسوء – من الجهتين. في أغسطس 2002، نقلت جريدة فاينانشل تايمز أن ” السعوديين الساخطون ” قد قاموا بسحب ما يعادل 200 بليون دولار من الولايات المتحدة في الشهور القليلة الماضية، الأمر الذي ساهم في خفض قيمة الدولار. كان الغضب تجاه دعم الولايات المتحدة لاسرائيل وتجاه دعوة المعلقين من الجناح اليميني الى تجميد الأرصدة السعودية ضمن الأسباب المشار اليها:

تكثر النداءات الآتية من الرياض، وبما في ذلك تلك التى يتبناها الإعلام القريب من الحكومة، حول ضرورة اعادة النظر في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. يجري جدال أقل شعبية بين النخبة السعودية حول معاقبة الولايات المتحدة من خلال تسعير النفط باليورو بدلا من الدولار (83).

لعبت المملكة العربية السعودية دورا جوهريا في الأوبك عن طريق استخدام نفوذها الضخم في اقناع أعضاء المنظمة بجعل الانتاج والأسعار على المستوى الذي يسمح باستمرار الربح دون أن يؤثر ذلك كثيرا على مكاسب الشركات الغربية حتى لا تقوم هذه الشركات بالاستثمار في مناطق أخرى لا تخضع لسيطرة الأوبك. لكن حتى في حالة استمرار العائلة المالكة السعودية في سلك نفس المنهج، لن يكفي النفط لديهم لتزويد الرأسمالية الأمريكية بالوقود.

في أحسن الأحوال، ستكون حكومة ما بعد صدام – المنصبة والمعززة بالسلاح الأمريكي – كائن ضعيف تماما كالنظام قرضاي المشابه للدمية. وتوجد إشارات إلى أن الإدارة الأمريكية تخطط لتنصيب حكومة عسكرية لادارة العراق أثناء الفترة الطويلة ل ” التحول الديمقراطي ” على غرار احتلال ما بعد الحرب لألمانيا واليابان (84). ويعتقد بعض خبراء النفط أن العراق الواقع تحت الهيمنة الأمريكية سينسحب من أوبك أو على الأقل سيرفع الانتاج بشكل كبير- بعدما استمر في الركود منذ 1991 نظرا لغياب الاستثمار في صناعة النفط وحظر الأمم المتحدة الأمر الذي أدى الى هبوط أسعار النفط. وتعلق مجلة اكونومست على تلك السيناريوهات قائلة: “هل سيحدث فيضان النفط العراقي؟ محتمل. أي حكومة مستقبلية في العراق، في احتياجها لكميات ضخمة من المال لتقوم بإعادة إعمار الدولة، ستحاول توسيع قطاع النفط بأسرع صورة ممكنة. على الأقل يرى بعض المديرين في شركات النفط أن ذلك المنجم سيقوم باجتذاب الكثير من رؤوس الأموال الأجنبية الى صناعة النفط العراقي. حتى في حالة عدم قطع الحكومة الجديدة لصلاتها بأوبك – كما تريد الولايات المتحدة – ففي الغالب ستجادل من أجل اعفاء طويل المدى من الالتزام بحصتها آخذة في الاعتبار السنوات التي راقبت فيها الأمم المتحدة تصديرها للبترول. هل يتمزق الأوبك؟

وبناء على ما سبق فأنه بتوجيه ضربة للرئيس صدام حسين ستصيب أمريكا عصفورين بحجر واحد: سيرحل ديكتاتور خطير ومعه المنظمة التى قامت لسنوات بالتحكم في الأسعار وتنظيم الحظر وأضرت بالمستهلكين(85).

تستدرك مجلة ايكونومست طرحة وجود العديد من العوائق في الطريق الى تلك النتيجة – فقد ترفض المملكة السعودية أن تلعب دورها المعتاد ولا ترفع الإنتاج لمنع الارتفاع الباهظ للأسعار في حالة حرب شرق أوسطية، فالبنية التحتية لنفط العراق آيلة للسقوط بدرجة تتطلب سنوات وضخ كبير للاستثمار الأجنبي لاحراز زيادة حقيقية في الإنتاج والى آخره. لكن حتى بأخذ تلك الشروط بالاعتبار يتضح أن أحد الدوافع الرئيسية للحرب مع العراق هو ما ستحققه الولايات المتحدة من تحكم في ثاني أكبر احتياطي نفط في العالم. لن يخفف ذلك من عبء الحصول على النفط على المدى الطويل فحسب، بل سيزيد أيضا من قوة واشنطن مقارنة بحلفائها ومنافسيها مثل ألمانيا واليابان والذين يعتمدون بصورة أكبر من الولايات المتحدة على النفط المستورد. مرة أخرى نرى كيفية الامتزاج المعقد للاقتصاد والسياسة في الاستراتيجية الضخمة للامبريالية الأمريكية.

بوش الأكبر ضد بوش الأصغر
الجدل داخل الدوائر الحاكمة في أمريكا

لقد أثار إعلان بوش وخطط الإدارة الأمريكية لضرب العراق، جدلا واسعاً وساخناً داخل أروقة الطبقة الحاكمة على أعلى المستويات. والشيء المفاجئ في هذا الصدد هو الفجوة الواسعة التي حدثت ما بين إدارة بوش الأب وبوش الابن.

ففي أغسطس 2002، عارض علي الملأ كلا من جيمس بيكر ولورانس ايجلبرجر- المسؤولان البارزان في عهد بوش الأكبر – عارض القيام بعمل منفرد ضد العراق متضامنين في ذلك مع برنت سكوكرفت – مستشار الأمن القومي لبوش الأب – الذي لخص الحالة الحرجة قائلا:

كانت النقطة الجوهرية هي أن أي حملة علي العراق، بغض النظر عن الأهمية الاستراتيجية والتكلفة والمخاطر ، من المؤكد أنها سوف تبعدنا لأجل غير مسمي عن حربنا ضد الإرهاب. والأسوأ من ذلك ، فهناك إجماع فعلي في العالم ضد الهجوم علي العراق في الوقت الراهن . ولطالما استمر هذا الشعور فان مواصلة الولايات المتحدة الأمريكية لسياسة التهور بالنسبة لخططها المنفردة سيجعل أي عمليات عسكرية اكثر صعوبة وباهظة التكاليف ومن المحتمل أن اكثر التداعيات خطورة قد يتمثل في الأثر المترتب علي المنطقة كلها. فالنظرة المشتركة في المنطقة هي أن العراق، بشكل أساسي، يمثل هاجسا مقلقا للولايات المتحدة، في حين أن الهاجس المقلق للمنطقة هو الصراع العربي الإسرائيلي. وإذا بدى للعيان أننا ندير ظهورنا لهذا الصراع المرير – حيث تدرك المنطقة، عن صواب أو خطأ، أن في مقدرونا حله- من اجل مطاردة العراق ، فقد ينفجر الغضب ضدنا – سوف تبدو كمن يتجاهل أهم قضية بالنسبة للعالم الإسلامي من اجل إرضاء شغف أمريكي ضيق الأفق. وحتى بدون توسط إسرائيل في الضربة، فان النتائج المترتبة عليها سوف تثير قلاقل لا يستهان بها للأنظمة العربية في المنطقة ومن قبيل السخرية فان ذلك سوف يسهل تحقيق أحد أهداف نظام صدام حسين.

وفي اقل التقديرات، فان ذلك قد يعوق أي تعاون ضد الإرهاب، بل حتى قد يعلي من قدر الإرهابيين.”(86)

وقد دعمت هذه الانتقادات بآراء أعضاء بارزين في إدارة الرئيس كلينتون مثل مادلين اولبرايت وريتشارد هيلبروك ، وأيضا من ساسة محنكين من عهود سياسية اسبق مثل هنري كيسنجر وزيجنيو بريجينسكي. فلقد انتقد كيسنجر إعلان بوش قائلا أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: “لا يمكن للمصلحة القومية الأمريكية والمصلحة العالمية أن تطور مبادئ تعطي لكل أمة حق مواجهة احتمالات العدوان حسب تعريفها الخاص للمخاطر التي تواجه أمنها القومي”(87). وفي أثناء فترة عمله لم يكن القائم بالحروب القديمة يخشى القيام بعمل وقائي، وذلك مثلما تم عندما قامت الولايات المتحدة بغزو كمبوديا في مايو 1970. أما ما يقلقه الآن فهو خطورة تبني إعلان عام عن الحرب الوقائية مما يشجع الدول النظيرة الخائفة من تهديد ما باتباع نفس النهج.

ومع ذلك فان الجدال بين إدارة بوش ومنتقديه يميل اكثر حول التكتيكات وليس الأهداف. فهلبروك علي سبيل المثال اقر هدف تغيير النظام في العراق ولكن اعتراضه كان كالآتي :

أن الطريق إلى بغداد يمر عبر مجلس الأمن، فهذه الحقيقة البسيطة يجب أن توضع في الاعتبار إذا أرادت إدارة بوش أن تحصل علي التأييد الدولي الضروري لنجاح مخططاها بالنسبة للعراق. ولبناء هذا التحالف الدولي فإن من الضروري استصدار قرار جديد من مجلس الأمن. قرار يبيح استخدام القوة إذا ما رفض صدام حسين السماح لنظام التفتيش بدون قيد علي خلوه من الأسلحة في أي مكان وأي وقت. مثل هذا الحل قد يعطي للدول التي تريد تدعيم الجهود للإطاحة بصدام حسين (مثل تركيا وبريطانيا) غطاء قانوني حيوي للمشاركة في هذا العمل، كما انه يمثل ضغطا علي الدول المترددة أو المعارضة ( مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة السعودية). (88)

يذكرنا ذلك باستراتيجية بوش الأب في قيادة التحالف في حرب الخليج 1991، مستخدماً سلطه الأمم المتحدة ليقنن ممارسة أمريكا للقوة العسكرية وقد عبر عن ذلك روبرت كاجان بقولة : ” الضرب بقبضة حديدية أحادية من خلال قفاز دولي ناعم “(89) . وقد حاول كل من سكوكروفت وبريجينسكي التدليل علي ذلك بأقوال مشابهة.(90) وعلي أي حال فقد خطت الإدارة الأمريكية بعض الخطى في هذا الاتجاه عندما ألقى بوش خطابة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد الذكرى الأولى لهجمات 11 سبتمبر. لكن بوش ومستشاريه أوضحوا انهم يرون أن قرار جديدا من مجلس الأمن هو مجرد تمهيد لعمل عسكري ضد صدام حسين اكثر منه حلا بديلا كما تأمل فرنسا وروسيا. لقد وبخ بوش الأمم المتحدة ساخراً ومنبأ إياها بمصير عصبة الأمم التي فشلت في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية وحذر قائلا: “أننا سوف نعمل مع مجلس الأمن من اجل الحلول الضرورية، ولكن لا يجب أن لا يشك أحد في تصميم الولايات المتحدة، أن قرارات مجلس الأمن سوف يتم فرضها بالقوة وإلا سيكون هناك عمل معين لا مفر من أن نقوم به. وسيفقد النظام الدولي قوته بعد أن فقد شرعيته” .

يمكن إذن للأمم المتحدة أما أن تصادق على حرب واشنطن أو تتنحى جانبا وتشاهد الولايات المتحدة وبريطانيا تهاجمان العراق في كل الأحوال.(91) وفيما وراء الطبقة الحاكمة، فإن المناقشات رسخت وضع حقائق القوة في الشرق الأوسط وعلى النطاق الكوني. أن استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تعتمد علي سلسلة من التحالفات مع إسرائيل من جهة والأنظمة العربية المحافظة من جهة أخرى ، وأهمها علي الإطلاق مصر والمملكة العربية السعودية. فإسرائيل حليف ذو قيمة ووجودها كعازل في المنطقة وتملكها للأسلحة الدمار التي تأخذها من الولايات المتحدة، يجعلها موضع ثقة كقوة معادية لأي نظام محلي يهدد مصالح أمريكا. ولكن- وكما أشارت الانتقادات السابقة-   فان الاعتماد الكامل علي إسرائيل قد يعرض مصالح الولايات المتحدة لخطر التحركات العدائية لجموع الجماهير بالمنطقة . لقد بذلت إدارة بوش الأكبر جهودا جبارة لابعاد إسرائيل عن التورط في حرب الخليج 1991 (في مواجهة معارضة عنيفة من ارييل شارون) حيث ادركت تلك الإدارة أن تورط إسرائيل قد يضعف موقف حلفائها العرب في التحالف ضد صدام حسين.(92) هذا الفهم الاستراتيجي يعزز أحيانا بالمصالح المادية النابعة من الروابط الاقتصادية الوثيقة التي مازالت تربط الولايات المتحدة بالطبقات العربية الحاكمة. فبوش الاب وبيكر كلاهما عضو في “مجموعة كارليل  Carlyle Group” ، وهي شركة استثمار خاصة مبهمة لها ارتباطات خاصة مع المملكة العربية السعودية. ولسخرية القدر فإن مجموعة كارليل” كان لديها اجتماع في منهاتن في 11 سبتمبر 2001 وكان المشهد كالتالي : وقف أعضاء المؤسسة الأمريكية التجارية جنبا إلى جنب مع أبناء عمومة اسامة بن لادن يشاهدون انهيار برجي مركز التجارة العالمي وسط النيران والغبار. أن الامبرايالية الأمريكية لا تستطيع العمل علي نطاق كوني بدون حلفاء، فبرغم كل عضلاتها الاقتصادية والعسكرية فان موقعها الجغرافي بعيد عن مجال القارة الاورواسيوية، حيث يتركز الحجم الأعظم للثروة والسكان. وحتى تضع خطط لقوتها العسكرية فهي تحتاج لحلفاء ووكلاء مستعدين لامدادها بالقواعد في أوروبا واسيا. كذلك فالطبقات الرأسمالية الاورواسيوية- الأضعف والتي لها أيضا مصالحها وثرواتها الخاصة- لايمكن الحصول علي تعاونها قسراًً ، بل يجب أن تستمال عن طريق الرشاوي والإقناع. فكما يؤكد بريجينسكي : ” أن بناء التحالف الدولي لا مفر منه لضمان استمرار الهيمنة الأمريكية علي القارة الاورواسيوسية”.

أن فريق بوش لا يصبر عن انتهاج حلول وسط والتأني المطلوب للحفاظ علي هذا الائتلاف الضروري. بل هم يعتقدون أن التفوق الحالي للولايات المتحدة يقدم لهم فرصة نادرة لردع المنافسين المحتملين. ولكن حتى لو كانت الإدارة الحالية تركز بشكل اكبر علي العمل المنفرد والقسري اكثر من الإدارات السابقة، فلن تستطيع التخلص من القيود التي تحد من قوة الولايات المتحدة . وهكذا ، فعندما حذر شارون من أن إسرائيل لن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية بألا ترد علي أي هجمات عراقية كما حدث في حرب الخليج،  1991 أسرع رامس فيلد بطلب كبح جماح إسرائيل في أي حرب مقبلة ضد العراق وقال: ” قد يكون من الأفضل مطلقا للمصالح العليا الإسرائيلية ألا تتورط في أي ضربة توجه إلى العراق”(93). وهكذا فحتى اليمين الجمهوري مضطر أن يثمن المخاطر السياسية التي يكتنفها العداء للعالم العربي.

خاتمة

من الواضح الآن أنه من قبيل التبسيط المخل اعتبار أن خطط الإدارة الأمريكية الحالية هي محض جنون وتهور، مثلما فعل الباحث الاجتماعي التاريخي ايمانويل وولرستاين عندما ندد ببوش واصفا إياه ’سياسي مبتدئ وغير كفء، حيث سمح بحفنة من الصقور بدفعه لتبني غزو العراق وهو موقف يصعب على بوش انتشال نفسه منه ولن يكون له سوى آثار سلبية على الولايات المتحدة وعلى العالم بأسره‘ (94)

وكما حاولت أن أوضح فإن خطة فريق بوش تقوم على قراءة دقيقة للمخاطر الطويلة الأمد-لاقتصادية والجيو-سياسية-  التي تهدد الرأسمالية الأمريكية، وهي تتضمن القرار باستغلال أحداث 11 سبتمبر والتفوق العسكري الحالي للولايات المتحدة بغرض تغيير التوازن الكوني للقوة السياسية والاقتصادية لصالحها بدرجة أكبر. ولو كانت تلك الاستراتيجية تحتوي على عناصر لاعقلانية ومتهورة – بالذات تلك الناتجة عن تعاظم الصلة بين الولايات المتحدة وبين اليمين الإسرائيلي- فهذا لا يعني مباشرة أن التوجه بكامله جنوني ومغامر (مثل د. سترانجلوف في فيلم سيدني بولاك الشهير). ورغم بعض المعارضة التي تواجهها مثل هذه الاستراتيجية في أوساط الطبقة الحاكمة الأمريكية، إلا أنها تمثل توجها عمليا لدفع المصالح العالمية للرأسمالية الأمريكية.

وبنفس الدرجة، فإن مخاطر الحرب القادمة مع العراق عالية بدرجة كبيرة. فبالمعايير السياسية الضيقة، فالفشل في تلك الحرب- أو ربما حتى التراجع عنها- سوف يخسف  ببوش سياسيا ويحوله لقمة سائغة لخصومه. وكذلك بلير، الذي خرج عن طريقه لتأييد الحرب حتى أن أي انهيار عسكري يمكن أن يسقطه وحكومته. وبالمعايير الأوسع يكتب أناتول ليفين ’إن الحرب مع العراق هي .. جزء من استراتيجية تهدف في الأساس لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية لضمان استمرار تحميل باقي العالم التكاليف البيئية للاقتصاد الأمريكي- دون الحاجة لأي تضحيات قصيرة الأمد تقع على عاتق الرأسمالية الأمريكية أو النخب السياسية الأمريكية أو الناخب الأمريكي‘.(95)

إن استراتيجية إدارة بوش تلخص بدرجة كبيرة الأسباب التي دفعت بالملايين إلى حركة مناهضة الرأسمالية منذ بداياته في مظاهرات سياتل في نوفمبر 1999- وبالدرجة الأولى، التوسع الإمبريالي للنظام الرأسمالية بدرجة تهدد بدمار الكوكب عبر الحرب وتدمير البيئة. ولكن، وكما رأينا، فإن الاندفاع للحرب قد شق صف الطبقة الحاكمة الأمريكية وعزل الولايات المتحدة عن باقي القوى الكبرى في العالم. وهذا انقلاب مذهل عن الوضع الذي ساد في أعقاب سبتمبر والهجمات على نيويورك وواشنطن، عندما خرجت جريدة لوموند الفرنسية، صاحبة التاريخ الطويل في انتقاد السياسة الخارجية الأمريكية، معلنة “كلنا أمريكيون”. وعلى المستوى الشعبي، فمعاداة أمريكا اليوم أقوى بدرجة كبيرة مما كانت عليه قبل 11 سبتمبر – ونقصد بمعاداة أمريكا هنا ليست الكراهية ضد المواطنين الأمريكيين أو ضد الثقافة الأمريكية، بل مناهضة السياسات الأمريكية الكونية القائم على دفعها وتنفيذها الدولة الأمريكية والشركات الكبرى الأمريكية.

حتى في داخل الولايات المتحدة نفسها نجد أن منهج بوش العسكري الفردي يتمتع بتأييد ضعيف، ففي مسح للرأي العام الأمريكي مؤخرا وجد أن 65% يؤيدون الحرب ضد العراق بشرط أن يكون ذلك بموافقة الأمم المتحدة وحلفاء أمريكا، كما أيد 77% تقوية وتدعيم دور الأمم المتحدة. 17% فقط أيدوا مقولة أن  ’الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة عليها أن تلعب الدور الأساسي كزعيمة للعالم في حل المشاكل الدولية.(96)

وقد يدفع هذا الانقسام لنوعين من ردود الأفعال الخاطئة. رد الفعل الأول نجده عند والدين بيلو – وهو أحد أهم منتقدي العولمة الرأسمالية- حيث يرحب بالانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا بوصفه:

خطوة إيجابية للعالم بأسره. فهو يفتح إمكانية أن الأوربيين سيبدءون في التعامل الإيجابي مع مشاكل الظلم الاجتماعي والفقر في الدول النامية عبر التفاعل مع بنى () الهيمنة الغربية المسؤولة عن تلك المشاكل بدرجة كبيرة. الأمر الذي سيمهد الطريق لتحالفات دولية خلاقة من الممكن أن تكون مفيدة لمعظم دول العالم، وصولا في النهاية لنشأة تحالف أوروبا-أفريقيا-أمريكا اللاتينية-أسيا في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

هذا لا ينفي حقيقة أن أوروبا لها سياساتها الظالمة الخاصة بها- مثل السياسية الزراعية المشتركة، والتي تعد السبب الأساسي وراء تعثر السياسات الزراعية في العالم النامي. ولا تقل الشركات الأوربية الكبرى استغلالا عن  مثيلتها الأمريكية، كما أن القيود التي تفرضها أوروبا ضد المهاجرين أكثر وحشية من تلك الأمريكية. لكن الحاجة لإيجاد حلفاء في مواجهة الهيمنة الأمريكية يمكن أن تلعب دور الحافز (الذي يدفع المناضلين) للبدء في إصلاح تلك المؤسسات (الأوروبية). (97)

إن اعتقاد بيلو أن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يصير حليفا ضد الإمبريالية الأمريكية يجد صدى واسعا في ذلك الجناح في حركة مناهضة الرأسمالية – ذلك الجناح المتمثل بدرجة رئيسية في قيادة أتاك فرنسا- والذي يريد إعادة بناء الدولة القومية كمركز ثقل مضاد لعملية العولمة الرأسمالية.

إلا أن مثل هذه الاستراتيجية تقبل في الأساس العالم على أنه عالم منقسم إلى دولة قومية متنازعة ومتنافسة. وسواء قصد أصحاب هذه التوجه ذلك أم لم يقصدوا، فهذه الاستراتيجية تفترض أن منطق التنازع الإمبريالي هو أمر لا يمكن الفكاك منه، وبالتالي تسعى لبناء قطب آخر في مواجهة القطب المهيمن الحالي، وحسب تعبير بيلو: ’تحالف أوروبا-أفريقيا-أمريكا اللاتينية -أسيا في مواجهة الهيمنة الأمريكية‘

ولكن مشكلة عالمنا المعاصر ليست في أن الولايات المتحدة تسيطر عليه. ولو نجح الاتحاد الأوروبي في تحدي التفوق الأمريكي فلن يحسن ذلك من الوضع العالمي، بل أن تحويل جزء أكبر من المصادر والإمكانيات المتاحة  لصالح الإنفاق العسكري والبدء في سباق تسلح جديد، كفيل بأن يجعل العالم أكثر ظلما وخطورة مما هو عليه الآن.

الاتجاه الثاني نجده عند بيري أندرسون، حيث يصل عبر تحليله للفكر الاستراتيجي الأمريكي -تحليل شبيه بدرجة كبيرة بذلك الذي طرحناه هنا- إلى أن الانقسام داخل الطبقات الحاكمة الغربية، وتصاعد المعارضة للعسكرية الأمريكية هو أمر قليل الأهمية ولا يزيد عن فوران للغضب من جانب الانتلجنسيا الأطلسية (الأمريكية والأوربية). وهو يؤكد على أن هناك استمرارية لسياسة  التدخل العسكري بدعاوى المجتمع الدولي وحقوق الإنسان الذي سار عليها جورج بوش الأب، وكلينتون وبلير من بعده، وبين الحرب التي يعد لها بوش الابن وفقا لمنهجه الجديد:

يريدون من أن نقبل بأن حرب الخليج والبلقان وأفغانستان كانت أمرا، والحرب الحالية أمر آخر. فتلك كانت حملات قوبلت بتأييد نسبي من الانتلجنسيا الغربية.. والآن نفس الأصوات تصرخ بأن الحرب ضد العراق أمر مختلف تماما، فهي لا تمتع بنفس مستوى التأييد من المجتمع الدولي، كما أنها تقدم منطق جديد غير مقبول وهو منطق الردع. إلا أن هذا الاعتراض يسهل على الجمهوريين (في الولايات المتحدة) الرد عليه بأن الحرب ضد العراق هي فقط خطوة أبعد ولكنها ضرورية. فإذا قبلنا بأن التدخل العسكري في كوسوفو ورغم مخالفته للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة كان مقبولا لدرء خطر التطهير العرقي وفقا لرؤية حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، فإن التدخل العسكري في العراق- بموافقة الأمم المتحدة أو بدونها- هو أمر مقبول لدرء خطر أسلحة الدمار الشامل في العراق.

إن المبدأ واحد، فمن حق الدول المتحضرة -لوفقا لهذا المنطق-، بل من الواجب عليها استئصال أسوأ أنواع الشر والبربرية أينما وجود دون اعتبار أو احترام للحدود والسيادة القومية وذلك حتى يكون العالم أكثر سلاما وأمانا. (98)

ويستمر أندرسون في السجال مع أصحاب منطق الاعتماد على الأمم المتحدة:

إن شهر أو اثنين من التلاعب الإعلامي بالرأي العام على جانبي الأطلسي سيكون له فعل السحر (في تدعيم التأييد للحرب). فرغم المظاهرات الحاشدة ضد الحرب في لندن هذا الخريف (2002) فإن ثلاثة أرباع الشعب البريطاني سوف يؤيد الهجوم على العراق بشرط أن يكون ذلك تحت الغطاء الواهي للأمم المتحدة. وساعتها لن يتوانى الضبع الفرنسي على الاشتراك في الصيد ليكون له نصيبه في الفريسة. في الواقع فإن التواطؤ الأوروبي مع الحرب المنتظرة هو أمر مضمون للإدارة الأمريكية. (99)

وهذا المنهج نهائي ومطلق بدرجة لا تتناسب مع مثقف عميق مثل أندرسون. بالفعل منطق الحروب الإمبريالية في الخليج والبلقان الذي يرى أن السيادة القومية يمكن إهدارها من أجل قيم أكثر سموا لليبرالية الرأسمالية هو نفس منطق بوش وبلير في حملتهم ضد العراق. لكن الحركات السياسية لا تخضع ببساطة لقواعد المنطق البحت، فالتناقض بين تأييد الحروب السابقة ومعارضة الحرب ضد العراق يمكن حسمه بأكثر من طريق، فيمكن أن يتراجع أصحابه ليتبنوا موقفا مؤيد للحرب. ولكن هناك الاتجاه الآخر، حيث يمكن أن تؤدي الحرب على العراق أن تؤدي لتعميم سياسي في اتجاه معاد للإمبريالية. مئات الآلاف الذي هتفوا ’النصر لفيتنام‘ في 1968 لم يكونوا طوال عمرهم ثوريين معادين للإمبريالية. فقد بدءوا من مواقف متعددة ومتباينة، كانوا ليبراليين، معادين للعنف، بل ومحافظين. والاتجاه الذي ينتهي إليه معظم الناس يعتمد بالدرجة الأول على تأثير القوى السياسية المختلفة وأداءها.

الواقع الذي ينبغي التعامل معه الآن هو أن الحرب على أفغانستان والحرب الوشيكة ضد العراق قد فجرت حركة من الاحتجاجات في أمريكا وأوروبا أوسع من تلك التي واجهت حملة القصف ضد يوغوسلافيا في 1999، وهذا في حد ذاته يعكس تغيرا في المناخ السياسي تعجز تشاؤمية أندرسون التاريخية عن إدراكه(100). أن يكون بعض المعارضين البارزين للمغامرة الأنجلو أمريكية الحالية قد عجزوا عن معارضة الحروب السابقة أو مازال لديهم بعض الأوهام حول الأمم المتحدة وحدود دورها، لا ينفي أن موقفهم الحالي يساعد على تقوية حشد بوش للحرب الجديد. فهذه الأوهام غير ذات أهمية الآن مقارنة بما كانت عليه وقت حرب الخليج في 1991 عندما أيد معارضين بارزين للإمبريالية مثل نعوم شومسكي وتوني بن استخدام العقوبات ضد العراق. فلا أحد الآن يتحدث عن العقوبات كوسيلة بعد النتائج الفظيعة التي أدت إليها عشر سنوات من العقوبات وآثارها الوحشية على الشعب العراقي.

إن الخبرات المتراكمة من الحروب الإمبريالية المتتالية التي تم شنها تحت اسم حقوق الإنسان ولكن كانت في الحقيقة دفاعا عن المصالح الأمريكية، قد ساهمت في إنضاج وزيادة التماسك الفكري لحركة مناهضة الحرب الحالية. إضافة إلى ذلك فإن التجذير المعادي للإمبريالية الذي نشهده ليوم كان غائبا في أوائل التسعينات، مما يعكس اختلافا كبيرا في الظرف السياسي- من الانتصارية الرأسمالية في أعقاب انهيار الستالينية وقتها، إلى حركة النضال المعادية للرأسمالية والتي أنتجتها الاحتجاجات العظيمة في سياتل وجنوا وكذلك المنتديات الاجتماعية العالمية في بورتو اليجري.

ومعروف للجميع أن حركة مناهضة الحرب على العراق (في بريطانيا) بها الكثير من التعددية والتنوع الفكري، ففيها سياسيون من حزب العمال البريطاني، ورجال الدين المسلمين، ونقابيين يساريين، وشباب معادين للرأسمالية. إن بيري أندرسون هو نفسه الذي كتب يوما ’إن الجبهة المتحدة -نصيحة لينين الأخيرة قبل وفاته للطبقات العاملة الغربية، واهتمام جرامشي الأول في سنوات السجن- مازالت مطروحة اليوم بنفس الدرجة ولم يتجاوزها التاريخ أبدا‘. (101)

فالجبهة المتحدة هي جزئيا توحيد القوى السياسية المتباينة في عمل موحد حول أهداف مشتركة محدودة. ومهمة الاشتراكيين الثوريين داخل الجبهة المتحدة هو دفع النضال لأشكاله الأكثر تجذيرا وقتالية، وفي الوقت نفسه مواجهة الأوهام التي تربط بعض أعضاء الجبهة بالوضع الراهن والنظم الحاكمة. وفي اللحظة الراهنة فإن حركة معارضة الحرب واسعة جدا، إلا أن الجناح المناهض للإمبريالية هو الذي يحقق المكاسب والتقدم يوما بعد آخر.

لقد ساهمت ’الحرب على الإرهاب‘ في تجذير حركة مناهضة الرأسمالية بإعطائها جانب معاد للإمبريالية والإمكانية موجودة لبناء أكبر حركة مناهضة للحرب منذ سنوات فيتنام. الأمر الجوهري هو بناء حركة لا تستهدف مواجهة بوش وإدارته وحربه بل النظام الإمبريالي بكامله، ذلك النظام الذي يستمد منطقه وجذوره من المنطق الرأسمالي القائم على الاستغلال والتراكم.

ملاحظات

أنا مدين بالعرفان لسام آشمان وجون ريس لتعليقاتهم على هذا المقال في مسودته الأولى، وسباستيان بودجين وكريس هارمان لمساعدتهما في توفير المادة.

  1. ج.بيكر، موقف بوش العسير، الفاينانشيال تايمز، 31 مارس 2001.
  2. استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، سبتمبر 2002،www.whitehouse.gov ، ص ا-30.
  3. أ.لايفن، الدفع للحرب، لندن ريفيو أوف بوكس، 3 أكتوبر 2002، ص8.
  4. ت.بلير، مذهب المجتمع الدولي، خطبة في نادي شيكاغو الاقتصادي، 22 أبريل 1999، http://www.fco.gov.uk . لرؤية نقدية، أنظر أ. كالينيكوس، ضد الطريق الثالث (كيمبريدج،2001)، الفصل الثالث.
  5. سي. رايس، حملة2000ـ تعزيز المصلحة القومية، فورين أفيرز، يناير/فبراير 2000. على الانترنت : http://www.foreignpolicy2000.org
  6. إي.لوتواك، الاستراتيجية، (رسالة ماجستير بكيمبريدج، 2001)، ص89.  لوتواك وهو واحد من المحافظين الأمريكيين اللامعين والخاصين، هو أول من طور نسخة من المفهوم في “الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الرومانية” (بالتيمور، 1976).
  7. ن.بوخارين، الإمبريالية والاقتصاد العالمي (لندن، 1972). بالطبع تسبق العداوات الاقتصادية بين الدول مرحلة الإمبريالية: حرية الوصول إلى غنائم الإمبراطورية كان له نصيب هام في الصراعات بين القوى الأوربية من القرن السادس عشر وصاعد. لكن فقط في حالة هولندا ولاحقا إنجلترا ان عمل المتنافسون من أرضية اقتصادية رأسماليةـ وهو شئ أعطاهم ميزة هامة على خصومهم المطلقين. بمعنى ما، ما حدث في القرن التاسع عشر كان أن النموذج الهولندي الإنجليزي تم تعميمه في سياق التصنيع و التنظيم المتزايد لرأس المال. أنظر أ. كالينيكوس “الثورة البرجوازية والمادية التاريخية”، في ب. ماكجار و أ. كالينيكوس، الماركسية والثورة الفرنسية الكبرى (لندن، 1993). استكشاف أهم للأهمية المعاصرة للنظرية الماركسية في الإمبريالية قدمه كالينيكوس في “الماركسية و الحكومة العالمية”، في د.هيلد و ماكجريو (محررون)، “حكم العولمة” (كيمبريدج، 2002)؛ و أ. كالينيكوس، “مانفستو ضد الرأسمالية” (كيمبريدج، 2003)، ص50-65.
  8. أنظر رؤية أحمد رشيد للصراعات الاقتصادية والجيوسياسية الحديثة على أفغانستان، “طالبان:الاسلام والبترول و اللعبة الكبرى الجديدة في وسط آسيا” (لندن، 2000). قدم الناقد الكبير لإمبريالية الأمريكية جور فيدال مؤخرا نسخة حذرة من نظرية المؤامرة تركز على عدم ملائمة واشنطن في 11 سبتمبر نفسه: “العدو من الداخل”، الاوبسرفر، 27 أكتوبر 2002.
  9. لتحليل منظم أنظر جي. ريس، “الإمبريالية: العولمة والدولة والحرب”، الاشتراكية الأممية 93 (شتاء 2001).
  10. ب. كينيدي، صعود العداء الإنجليزي الألماني 1860-1914 (لندن، 1980).
  11. أنظر على سبيل المثال آي. كيرشاو، هتلر 1936-1945 نيمسيس المنتقم (لندن، 2000)، الفصل الخامس و صفحات 400-407، 517، 528-530.
  12. أنظر على وجه الخصوص أ. كالينيكوس وآخرون، الماركسية والإمبريالية الجديدة (لندن، 1994)؛ و جي. أشكار، “الثلاثي الاستراتيجي”، المعاد طبعه في ط. علي (محرر)، أسياد الكون؟، (لندن، 2000).
  13. أنظر سي. هارمان، شرح الأزمة (لندن، 1984)، الفصل الثالث و ر. برينر، اقتصاديات الاضطراب الدولي، نيو ليفت ريفيو(1)229 (مايو/يونية 1998).
  14. أنظر على سبيل المثال كي.إي. كالدر، مثلث آسيا المميت (لندن، 1997).
  15. جي. جي. ميرشايمر، تراجيديا سياسة القوى الكبرى (نيويورك، 2001)، ص398.
  16. المرجع السابق، يدافع ميرشايمر عن أن الهيمنة يمكن الحصول عليها فقط على مستوى إقليمي وليس على المستوى العالمي: الولايات المتحدة مثل بريطانيا من قبلها عامل توازن آت من الشاطئ ومحمي بالبحر، يسعى لمنع أي مهيمنين إقليميين من الظهور في أوربا وآسيا، أنظر المرجع السابق، الفصول 2و4و7. هذا المفهوم المقيد بشدة للهيمنة ينبع جزئيا من حقيقة أن ميرشايمر يساوي الهيمنة بالسيطرة السياسية المطلقة: ” المهيمن هو دولة قوية للدرجة التي تسيطر بها على كل الدول الأخرى في النظام” -المرجع السابق، ص40. وبغض النظر عن كل شيء آخر، هذا التعريف يتجاهل البعد الاقتصادي للقوة (فيما عدا كونه مصدر القوة العسكرية-السياسية- أنظر المرجع السابق، الفصل الثالث). لكن الدول الرأسمالية لا تسعى فقط من أجل أهداف جيوسياسية، لكنها أيضا تميل لتقديم مصالح رءوس الأموال المتمركزة على أراضيها. أنا استخدم المصطلح “هيمنة” لإشارة إلى قدرة الدولة الأقوى في النظام، دائما نسبية للمنافس، على جذب الدول الأخرى لتأييد أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية. ومن أجل تقييم نقدي لتحليل ميرشايمر، أنظر بي جوان، “حساب للقوة”، نيوليفت ريفيو(2) 16 (يولية/أغسطس 2002).
  17. ز.بريجنسكي، رقعة الشطرنج الكبرى (نيويورك، 1997)، ص 159. أنظر على وجه العموم إلى المرجع السابق، الفصل السادس. على العكس، رغم أن هنري كيسنجر يشترك في تقدير كلي مشابه لبريجنسكيجذريا لموقع أمريكا الجيوسياسي إلا أنه يؤمن أن “الصين على الطريق لتكون قوى عظمى”. هنري كيسنجر، الدبلوماسية (نيويورك، 1994)، ص826.
  18. سي. هارمان، ماوراء الانتعاش، الاشتراكية الأممية 90(ربيع 2001) و ر. برينر، الانتعاش والفقاعة (لندن، 2002).
  19. جي. ريس، الناتو والإمبريالية الجديدة، السوشياليست ريفيو، يونية 1999؛ و جي أشكار، راسبوتين يلعب الشطرنج، وبي. جوان، الأصول اليوروأطلانطية لهجمات الناتو على يوغوسلافيا، كل منهما في ط.علي (محرر)، مرجع سبق ذكره.
  20. كالينيكوس، أيديولوجية التدخل لأغراض إنسانية، في ط. على (محرر)، مرجع سبق ذكره.
  21. ز. بريجنسكي، مرجع سبق ذكره، ص10، 198. الجيوسارتيجي التي يقدمها بريجنسكي للسيطرة الأوروآسيوية متأثرة بشدة بهالفورد ماكيندر، الجغرافي الأكاديمي وعضو البرلمان الذي طور في مطلع القرن العشرين مفهوم لأوروآسيا على أنها “جزيرة العالم” المركزية للصراع بين القوى الكبرى. أنظر جي. ماكيندر، المثل الديمقراطية والواقع، (لندن، 1919).
  22. آر. كاجان، التعددية القطبية على النمط الأمريكي، الواشنطن بوست، 13 سبتمبر 2002.
  23. مقتبس في سي. جونسون، رد الضربة (نيويورك، 2000)، ص217.
  24. ص. هانتينجتون، القوى الكبرى الوحيدة، فورين أفيرز، مارس/أبريل 1999. على الانترنت : http://www.foreignpolicy2000.org
  25. أنظر نقد جونسون النبوئي بشكل مدهش في سي. جونسون، مرجع سبق ذكره.
  26. خطاب حال الأمة للرئيس الأمريكي، 29 يناير 2002،  http://www.whitehouse.gov
  27. جي. بولتون، ما وراء محور الشر، 6 مايو 2002، http://www.state.gov
  28. آر. وولف، مذهب بوش، الفاينانشيال تايمز، 21 يونية 2002.
  29. ملاحظات للرئيس في الاحتفال بخريجي الأكاديمية العسكرية الأمريكية، ويستبوينت، نيويورك، 1 يونية 2002،  http://www.whitehouse.gov
  30. استراتيجية الأمن القومي، مرجع سبق ذكره، ص6.
  31. لمعالجة صحفية مليئة بالمعلومات أنظر أ. و ب. كوكبيرن، صدام حسين: هاجس أمريكي (لندن، 2002).
  32. سي. رايس، حملة 2000- تعزيز المصلحة القومية، مرجع سبق ذكره.
  33. حوار في الفاينانشيال تايمز، 23 سبتمبر 2002.
  34. يمكن الحصول على عروض عامة مفيدة لمنظور الإدارة في ن. ليمان، النظام العالمي القادم، النيويوركر، 1 أبريل 2002، على الإنترنت: http://www.newyorker.com ، و “جورج بوش والعالم”، نيويورك ريفيو أو بوكس، 26 سبتمبر 2002؛ و أ. لايفن، الدفع للحرب، مرجع سبق ذكره.
  35. أنظر معالجة فريد هاليداي للمواقف الهجومية الأمريكية المعادية للثورات خلال الثمانينات في ف. هاليداي، الحرب الباردة والعالم الثالث (لندن، 1989).
  36. ه. كيسنجر، مرجع سبق ذكره، ص774.
  37. شلايم، الحائط الحديدي (لندن، 2001)، ص487.
  38. مقتبس في ميرشايمر، مرجع سبق ذكره، ص386.
  39. ف. فيتزجيرالد، جورج بوش، ص81.
  40. المرجع السابق، ص84.
  41. جي. فالوس، أحادي القطبية: حوار مع بول ولفويتز، أتلانتيك مونثلي، مارس 2002، على الإنترنت: http://www.theatlantic.com .
  42. بي. ولفويتز، بناء الجسور بين القرون: نهاية القرن مرة أخرى، المصلحة القومية 47 (1997). على الإنترنت: http://www.nationalinterest.org .
  43. مقتبس في ليمان، مرجع سبق ذكره.
  44. مشروع القرن الأمريكي الجديد: إعادة بناء دفاعات أمريكا (سبتمبر 2000)، http://www.americancentury.org ، ص1.
  45. جي. فالوس، مرجع سبق ذكره.
  46. لتقييمين مختلفين للغاية للكفائة العسكرية لقوة الطيران الاستراتيجية، قارن إي لوتاك، مرجع سبق ذكره، الفصل 12 و جي. ميرشماير، مرجع سبق ذكره.
  47. مقتبس في آر. وولف، التكنولوجيا تجلب القوة بقيود محددة، الفاينانشيال تايمز، 18 فبراير 2002.
  48. “حل صدام النهائي”، حوار مع ريتشارد بيرل، 11 يولية 2002، http://www.pbs.org . أما رقم ال 40 ألف فهو مذكور في إي. بويلرت، جنرال الكرسي المتحرك، سالون دوت كوم نيوز، 5 سبتمبر 2002 http://www.salon.com  .
  49. مقتبس في فيتزجيرالد، جرج بوش، مرجع سبق ذكره، ص84.
  50. “حل صدام النهائي”، حوار مع ريتشارد بيرل، مرجع سبق ذكره.
  51. لايفن، بعد الهجمات: حرب أمريكا الباردة الجديدة، الجارديان، 28 سبتمبر 2001.
  52. ر. كاجان، القوة والضعف (2002)، http://www.ceip.org .
  53. المرجع السابق، فيلسوف القرن الثمان عشر العظيم إيمانويل كانط، حاول تعريف الظروف التي يمكن في ظلها لأوربا الممزقة بالحرب تحقيق السلام الدائم.
  54. أنظر على سبيل المثل، آر. كوبر، إعادة تنظيم العالم، (2002) http://www.fpc.org.uk.
  55. ر. كاجان، القوة والضعف، مرجع سبق ذكره. بالطبع ليس حقيقيا أن الاتحاد الأوربي قد تجاوز العداوات القومية: أنظر على وجه الخصوص كلاسيكية آلان ميلوارد “الانقاذ الأوربي للدولة القومية” (لندن، 1994).
  56. الفاينانشيال تايمز، 21 سبتمبر 2002.
  57. “على شرودر أن يستقيل لتلتئم العلاقات”، مستشار أمريكي، رويترز، 1 أكتوبر 2002، http://www.alertnet.org .
  58. استراتيجية الأمن القومي، مرجع سبق ذكره، ص27 و27.
  59. مشروع القرن الأمريكي، مرجع سبق ذكره، ص8.
  60. الفاينانشيال تايمز، 25 أكتوبر 2002.
  61. و.م. آركين، “خطة سرية تحدد ما هو غير قابل للتفكير فيه”، لوس آنجلس تايمز، 10 مارس 2002.
  62. أنظر على سبيل المثال الموضوع الرئيسي، “من السويس إلى الباسيفيكي: الولايات المتحدة توسع وجودها عبر العالم”، الجارديان، 8 مارس 2002.
  63. استراتيجة الأمن القومي، مرجع سبق ذكره، ص29.
  64. المرجع السابق، ص1-17.
  65. ر. ويد، الإمبراطورية الأمريكية، الجارديان، 5 يناير 2002.
  66. ب. جوان، المقامرة العالمية(لندن، 1999).
  67. ر. برينر، الانتعاش والفقاعة، الفصل الثاني والرابع، انتفعت أيضا من سمع كلمة لبوب برينر في  مكتبة بوكماركس: لندن في 29 أكتوبر 2002.
  68. المرجع السابق، ص222.
  69. ر. لايارد، بريطانيا ستدفع ثمن الاستبعاد، الفاينانشيال تايمز، 15 أكتوبر 2002. الفارق بين المقياسين هام لأن العمال في الولايات المتحدة وبريطانيا يعملون ساعات أكثر بكثير من نظرائهم في القارة، لذلك فان الإنتاجية المقاسة بانتاج الفرد تجعل الأداء الاقتصادي لبعض البلدان يبدو أفضل بينما المقاسة في الساعة تجعل البعض الآخر يبدو أفضل.
  70. م. وولف، دور برلين لتعاني فخا من صنعها، الفاينانشيال تايمز، 23 أكتوبر 2002.
  71. التوترات الاقتصادية بين الولايات المتحدة واليابان حقيقية للغاية أيضا، لكن تم احتواؤها إلى الآن، قبل كل شيء عن طريق الرابطة التاريخية من الاعتماد المالي المتبادل الذي عن طريقه تمتلك الشركات اليابانية أصولا ضخمة بالدولار الأمريكي، في الوقت نفسه محتفظة بالين (ومعه أسعار الصادرات اليابانية) منخفضا نسبيا ومساعدة الولايات المتحدة في إدارة العجز الضخم في ميزان المدفوعات مع باقي العالم. أنظر ر.ت. ميرفي، الأزمة الاقتصادية في اليابان، نيوليفت ريفيو (2) 1 (يناير/فبراير 2000).
  72. لإي. بويليرت، مرجع سبق ذكره.
  73. الفاينانشيال تايمز، 21 أغسطس 2002، و إي بويليرت، مرجع سبق ذكره.
  74. م. ليدن، العدو الحقيقي هو الاستبداد في الشرق الأوسط، الفاينانشيال تايمز، 24 سبتمبر 2002. يدافع كونراد بيرنز وهو عضو كونجرس جمهوري عن شراكة مع روسيا كمصدر بديل للبترول: “أمريكا يجب أن تفطم نفسها من البترول السعودي”، المرجع السابق، 11 أكتوبر 2002.:
  75. الفاينانشيال تايمز، 22 أغسطس 2002.
  76. مقتبس في بويليرت، مرجع سبق ذكره.
  77. لايفن، الدفع للحرب، مرجع سبق ذكره، ص8.
  78. و. كريستول و ر. كاجان، تذكر مذهب بوش، ويكلي ستاندارد، 15 أبريل 2002.
  79. مقتبس في ج.لوب، مخطط يميني للشرق الأوسط، 4 أبريل2002، http://www.alternet.org.
  80. ملاحظات لمستشارة الأمن القومي كوندوليتزا رايس عن الارهاب والسياسة الخارجية، 29 أبريل 2002،   http://www.whitehouse.gov
  81. م. دافيس، كلمة في مؤتمر ماركسيزم 2002، لندن، يولية 2002.
  82. م.ت. كلير، خطة النفط الرئيسية لبوش، 23 أبريل 2002، http://www.alternet.org.
  83. ر. خلف، صداقة مأزومة، الفاينانشيال تايمز، 22 أغسطس 2002.
  84. د.إي. سانجر و إ]. شميت، الولايات المتحدة تمتلك خطة لغزو العراق، المسئولون يؤكدون، النيويورك تايمز، 11 أكتوبر 2002.
  85. “لا تذكر كلمة نفط العراق”، الأيكونوميست، 14 سبتمبر 2002.
  86. ب. سكاوكروفت، لا تهاجموا صدام، وول ستريت جورنال، 15 أغسطس 2002.
  87. الفاينانشيال تايمز، 27 سبتمبر 2002. الأكاديميون الواقعيون الأساسيون، الذين يرون النظام الدولي على أنه فوضى مدفوعة بالصراع من أجل القوة بين الدول، مترددون أيضا بخصوص الاستراتيجية الأمريكية. كتب جون ميرشايمر على سبيل المثال أن “أفضل طريقة لسحق القاعدة ليست بناء امبراطورية مبنية بالأساس على القوة العسكرية وانما  التقليل من الصورة العسكرية للولايات المتحدة حول العالم في الوقت الذي يتم فيه تحسين صورتها في العالم الاسلامي”، في ك.بوث و ت.دان، عوالم متصادمة (لندن، 2002).
  88. ر.هولبروك، الطريق السريع إلى بغداد، الجارديان، 29 أغسطس 2002.
  89. ر. كاجان، التعددية القطبية على النمط الأمريكي، مرجع سبق ذكره.
  90. من أجل آراء بريجنسكي، أنظر على سبيل المثال: الطرق الصحيحة والخطأ لشن حرب، الهيرالد تريبيون الدولية، 19 أغسطس 2002.
  91. ملاحظات للرئيس في خطابه للجمعية العامة للأمم المتحدة، نيويورك، 12 سبتمبر 2002. http://www.whitehouse.gov . أنظر منظور أناتول لايفن وتحليله في أمريكا وضعت الأمم المتحدة في موقف الخاسر، الجارديان، 13 سبتمبر 2002.
  92. أز شلايم، مرجع سبق ذكره، ص472-484.
  93. الفاينانشيال تايمز، 21 سبتمبر 2002.
  94. فالرشتاين، حرب العراق: الكارثة القادمة، لوس آنجليس تايمز، 14 أبريل 2002.
  95. لايفن، الدفع للحرب، مرجع سبق ذكره، ص8.
  96. مسح الرأي العام الأمريكي والأوربي 2002، 2 أكتوبر 2002، http://www.worldviews.org .
  97. و. بيلو، حل التحالف الأطلسي؟، 25 سبتمبر 2002، http://www.focusweb.org .
  98. أندرسون، القوة والاتفاق، نيو ليفت ريفيو (2)17 (سبتمبر/أكتوبر 2002)، ص28.
  99. المرجع السابق، ص19.
  100. أنظرب. أندرسون، التجديد، نيو ليفت ريفيو (2)1 (يناير/فبراير2000)؛ ج. أشكار، تشاؤوم بيري أندرسون التاريخي، الاشتراكية الأممية 88 (خريف 2000).
  101. أندرسون، قوانين أنطونيو جرامشي المتناقضة، نيو ليفت ريفيو(1) 100(1976-1977)، ص 78. من أجل بعض المعالجات المعاصرة عن الجبهة المتحدة أنظرأ. كالينيكوس، الوحدة في التنوع، السوشياليست ريفيو، أبريل 2002.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s