1996

يختلف الماركسيون الثوريون عن بقية من ينادون بتحرر المرأة من ناحية هامة. نحن لا نؤمن أن اضطهاد المرأة قد وجد على الدوام سواء بسبب الاختلافات البيولوجية بين الجنسين أو بسبب شئ متأصل فى نفسية الرجل. ونرى أن اضطهاد المرأة قد ظهر فى مرحلة محددة من التاريخ، هي مرحلة بداية ظهور الطبقية فى المجتمع.

كانت المرأة مضطهدة في جميع المجتمعات الطبقية وتشير الدلائل إلى أنه – على الأقل – فى بعض مجتمعات ما قبل الطبقية لم يكن هناك مثل هذا النوع من الاضطهاد. إن سبب اقتران اضطهاد المرأة بانقسام المجتمع إلى طبقات بسيط إلى حد كبير. فقد ظهرت الانقسامات الطبقية بمجرد تمكن الإنسان من إنتاج فائض فوق الحاجة الضرورية للبقاء بالنسبة للمجتمع ككل نتيجة للتقدم فى قوى الإنتاج. لكن، لم يكن هذا الفائض يكفي الجميع للعيش فوق مستوى الكفاف، على الرغم من ضخامته بالنسبة لبعض الناس – حيث تمكنوا من العيش فوق هذا المستوى. لقد أفسح ذلك مجالاً لمزيد من التطور لقوى الإنتاج ومن ثم تطور الحضارة والفن والثقافة. ولهذا السبب صاحب نمو الفائض تباعد مستمر بين الطبقة المستغلة والطبقة المستغلة.  فقد أدى نمو الفائض إلى النمو في تقسيم العمل وتطور الذين احتلوا مواقع معينة إلى متحكمين بالفائض. وكانت هذه أول طبقة مستغلة.

منذ هذه النقطة، اكتسبت الفوارق البيولوجية بين الرجل والمرأة أهمية لم تكن عليها من قبل. وجهت المرأة – التى أثقلها حمل تربية الأطفال – إلى أدوار إنتاجية معينة وتم إبعادها عن الأدوار الأخرى، وخاصة تلك التى تمكنها من الوصول إلى الفائض. فعلى سبيل المثال، عندما تتحول المجتمعات من الحرث بالمجراف – الذى يمكن للنساء عمله على الرغم من عبء الحمل – الى استخدام المحاريث الثقيلة أو الماشية، تتم إزاحة النساء من الأدوار الرئيسية في الإنتاج وينتقل الفائض إلى سيطرة الرجال (3).

أما في المجتمعات التي ظهرت فيها طبقات حاكمة متطورة، فقد لعبت نساء هذه  الطبقة دوراً ثانوياً جعلهن يعاملن فعلياً كممتلكات للرجال الحاكمين. وقد ساد هذا الوضع بشكل كبير فى أسر الحرفيين والفلاحين والفلاحين المستقلين: يتحكم الرجل (البطريرك) فى تفاعل الأسرة مع العالم الخارجي وتكون زوجته تابعاً له كأطفاله وخدمه. الاستثناء يثبت القاعدة : فعندما تأخذ الأرملة مكان زوجها تسيطر على جميع الرجال والنساء فى الأسرة (4). وفي الحالات التى يثمر فيها الدور الإنتاجي للمرأة عن فائض قابل للتسويق، تميل المرأة إلى تحدي بعض مظاهر الأسرة البطريركية المقولبة (5). إذن فكانت نساء جميع الطبقات في مجتمعات ما قبل الرأسمالية تحت سيطرة الرجال، ولكن لم يكنّ تحت سيطرة كل الرجال. فقد كان هناك رجال مضطهدين أيضاً. فالعبيد الرجال في العصور القديمة أو الكادحون في خدمة الأسر البطريركية لم تكن لهم حرية أكبر من تلك التي عند النساء – حتى وإن تطلع بعضهم إلى التخلص من العبودية بأخذ مكان البطريرك نفسه في يوم من الأيام.

كان إضطهاد المرأة في جميع الحالات نتيجة لمتطلبات تطور قوى الإنتاج لعلاقات إنتاجية معينة. وبذلك يكون اضطهاد المرأة مبني على أساس التاريخ المادي للمجتمع. وقد تلى ذلك العثور على صيغة أيدلوجية له اعتبرت دونية المرأة وتبعيتها للرجل كجزء من النظام الطبيعي للأشياء ودعّم ذلك بأنظمة مفصّلة من المعتقدات والشعائر الدينية والتشريعات القانونية والتشويه لجسم المرأة….إلخ. ولا يمكن فهم مصدر أي من هذه الأشياء بمعزل عن جذورها في قوى وعلاقات الإنتاج.

إن الرأسمالية أكثر أنماط المجتمع الطبقي ثورية، فهي تحكم قبضتها على جميع مؤسسات المجتمعات الطبقية السابقة وتعيد تشكيلها بما يتناسب مع مفهومها دون أن تكترث لهرميتها أو تحيزاتها. كما تقوم بخلق تسلسل هرمي جديد معارض لسابقيه وتحوّل الإنحيازات القديمة تماماً لتستخدمها فى دفع عجلة التراكم. ولهذا  نجد أنها وضعت بديلاً لجميع المؤسسات التي اصطدمت بها في بدايتها: إما بتحويلها لمصلحة تراكم رأس المال أو بتحطيمها – ويشمل ذلك الأديان المنظمة والملكية والطوائف والأنظمة الزراعية والمعتقدات.

ينطبق نفس الوضع على الأسرة. فالرأسمالية تبقي على جوانب معينة في أسرة ما قبل الرأسمالية لكي تعيد صقلها بما يتماشى مع مصالحها. إنّ الرأسمالية لا تتحرك قدما بدافع الحفاظ على الأسرة (وما تتضمنه من اضطهاد للمرأة أكثر مما تتحرك لنشر الدين، الحفاظ على الملكية أو تحسين المعتقدات الظلامية). للرأسمالية قوة دفع وحيدة وهي استغلال العمال لتحقيق التراكم. وبذلك تكون العائلة كالدين والملكية مفيدة للرأسمالية طالما تخدم هذا الهدف. ولهذا لا يمكن اعتبار العائلة الرأسمالية كينونة ثابتة غير متغيرة. فكما أشار ماركس وانجلز فى البيان الشيوعي، إن النزعة نحو التراكم تعني إعادة صياغة المؤسسات التى خلقتها الرأسمالية بنفسها.

“لا يمكن ان تحافظ البرجوازية على بقائها دون إدخال تغييرات مستمرة على أدوات الإنتاج، وبالتالي على العلاقات الإنتاجية ومعها العلاقات الاجتماعية بأسرها. وفى ذلك تناقض مع أساليب الإنتاج القديمة التى كانت ترى فى الثبات الشرط الأول لبقاء جميع الطبقات الصناعية السالفة فهذا الانقلاب المتتابع في الإنتاج والتزعزع الدائم في كل العلاقات الاجتماعية والتحرك المستمر وانعدام الاطمئنان على الدوام يميز عهد البرجوازية عن جميع العهود السابقة. فتندثر جميع العلاقات الجامدة والثابتة بما يحيط بها من تحيزات وأفكار قديمة بينما يشيخ ويصلب عود ما تم تشكيله حديثاً. يطير ويتبدد كل ما هو صلب وينتهك كل ما هو مقدس…..”

الأسرة الرأسمالية:

كانت الرأسمالية الصناعية فى مراحلها المبكرة لا تكتفي بالقضاء على البطريركية في أسرة ما قبل الرأسمالية للفلاح والحرفي وتجاوزت ذلك بميلها لتدمير الروابط العائلية بالكامل بين صفوف الطبقة العاملة الجديدة. لم تعر الكثير من الاهتمام لتعارض ذلك مع المعتقدات القديمة، الأمر الذى أدى إلى إشارة ماركس وانجلز فى البيان الشيوعى الى “الغياب العملي للعائلة بين البروليتاريا”. لكن سرعان ما أدركت الطبقة الرأسمالية ككل أهمية انتاج طبقة عاملة لتعزيز التراكم. فكان لابد من ايجاد وسيلة تضمن انعاش العمال للقيام بالمزيد من العمل والاتيان بجيل آخر من العمال للقيام بالعمل المأجور وفق المتطلبات البدنية والذهنية.

لم تمتلك الرأسمالية الموارد أو التكنولجيا التي تؤهلها لاعادة انتاج الطبقة العاملة بشكل اجتماعي (الحضانات والمطاعم الجماعية ..الخ).  فرأى المحنكون من ممثلي الطبقة الرأسمالية ضرورة خلق شكل جديد لأسرة الطبقة العاملة يوفر المتطلبات المادية للعمل في الحاضر ويتحمل مسئولية تنشئة الجيل القادم.

وبذلك تكون الرأسمالية قد أخذت بعض عناصر الأسرة البطريركية القديمة وقامت بمزجها داخل أسرة الطبقة العاملة الجديدة، مستعينة- بالطبع- بالكثير من الأيديولوجيات المرتبطة بالاسرة القديمة (كالنصوص والشعائر الدينية … الخ ) لاقناع العمال و الرأسماليون الصغار بتقبل الأسرة الجديدة. لم تكن الأيديولوجية البطريركية هي حافز الطبقة الحاكمة بل المصلحة المادية التي تتطلب تأمين امدادات من القوى العاملة.

أخذت أسرة الطبقة العاملة شكل الأسرة النواة، المكونة من الرجل والمرأة وأطفالهما. كان الرجل مطالبا بالعمل طوال الوقت ليتقاضي الأجر الذي يوفر المستوى المعيشي الأدنى لجميع أفراد العائلة. وكانت المرأة مطالبة بانعاش الرجل علاوة على انجاب الاطفال وتنشئتهم. وبالطبع، نادرا ما تحققت هذه الأسرة المثالية على أرض الواقع – نتيجة لندرة الرأسماليين الأفراد المهيئين لدفع “أجر الأسرة ” للعمال الرجال. اضطرت نساء الطبقة العاملة – نظرا للضغوط الأقتصادية- الى القيام بالوظائف المتاحة (أعمال موسمية شاقة أو أعمال منزلية بالأجر  … الخ ) علاوة على تربية الأطفال والأعباء المنزلية. لكن، بقي نموذج العائلة المثالي متطابق مع احتياجات تراكم رأس المال على المدى البعيد. لقد أدت تلك الاحتياجات –  وليس المؤامرات البطريركية بين الذكور من العمال وأصحاب العمل – الى ظهور هذا النموذج للعائلة.

لقد كان لأسرة الطبقة العاملة الجديدة مميزات أيديولوجية للنظام. فعلى الرغم من اختلاف العامل الذكر عن البطريرك القديم في عدم تحكمه في أي فائض، إلا أنه يستطيع أن يتخيل نفسه كالبطريرك القديم: فهو يتحكم في المورد الذي يعول العائلة و يستطيع أن يتخيل أن مرتبه ملك له ويستطيع التصرف به كيفما يشاء. كما يستطيع ان يصدق أنه سيد على بيته برغم أنه من وجهة نظر النظام –  سيد على الوسائل التى تجعله وأطفاله عبيداً للأجور.

لقد خلقت العائلة الجديدة انشقاقاً فى الطبقة العاملة بتشجيعها للعمال الذكور على تبني قيم مستغليها. وفي نفس الوقت، أدت عزلة المرأة فى البيت إلى إبعادها عن الحركات الاجتماعية الأوسع، الأمر الذي أضعف قدرتها على النضال ضد النظام في الكثير من الأوقات. وبذلك يكون اضطهاد المرأة قد جعلها هدفاً سهلاً للآراء المحافظة في المجتمع، خاصة باستغلال مؤسسات كالكنيسة لوضعهن فى محاولاتها لمقاومة التغيير الاجتماعي. لقد طرح ماركس وانجلز أن اندماج المرأة في الإنتاج الجماعي شرط أساسي لتحررها، على الرغم من أقسى ظروف الاستغلال التي ستواجهها في ظل الانتاج الرأسمالي.

على الرغم من هذا، فإنه من الخطأ أن نتصور أن نساء أو رجال الطبقة العاملة قد أظهروا مقاومة ضخمة لفرض أسرة الطبقة العاملة الجديدة. كان هناك بعض المقاومة من قبل نساء تم استبعادهن من وظائف أجورها جيدة نسبيا. لكن كان من الطبيعي أن يجتذب نموذج العائلة – الذى تربى فيه المرأة أطفالها فى الوقت الذى يرعاها فيه زوجها – عدد كبير من النساء، خاصة وأن البدائل المطروحة كانت شديدة القتامة: الاجهاض الخطير والمتكرر والعبودية لمدة 12 ساعة في مصنع لتتوجه بعد ذلك إلى البيت للاعتناء بالاطفال، أو عدم الزواج الذي ستفرضه على نفسها.

لقد خلقت الرأسمالية نموذج العائلة الجديد لأنها أرادت أن تضمن كدح الجيل القادم لأجلها، ولكن هذا استوجب على الأقل نوعاً من العناية الصحية بجيل الأمهات من الطبقة العاملة. ليس من الغريب، أن تتجه مقاومة نساء الطبقة العاملة إلى فشل الواقع فى تقديم النموذج بدلاً من مقاومة النموذج نفسه. إن اضطهاد المرأة فى البنية الجديدة للعائلة يرجع إلى الاعتماد على زوجها والانقطاع عن العالم الخارجي. لكن عبء المعاناة فى إنجاب الأطفال وتربيتهم قد قل. وبالنسبة لرجال الطبقة العاملة فإن العائلة الجديدة قد أعطتهم ميزة المسؤولية عن صون العائلة – على الرغم من ضجرهم إزاء ذلك – كما وفرت لهم المعطيات الجسمانية الضرورية للبقاء في صحة جيدة.

أما بالنسبة لرجال ونساء الطبقة العاملة فكان للعائلة ميزة أخرى مشتركة، فقد بدت وكأنها توفر ملاذا من عالم الوحدة والاغتراب النفسي. كانت الرأسمالية قد انتزعت العمال من اصدقائهم وأقاربهم عندما اجتذبتهم الى المدن، فبدت العائلة كوسيلة لضمان الصداقة والحميمية. ومرة أخرى فشل الواقع فى أن يكون على مستوى النموذج المثالى دون يصرف الناس عن السعي وراءه.

لم تكن العائلة الجديدة نتيجة مؤامرة بين رجال الطبقة العاملة ورجال الرأسمالية، كما يدعى بعض النسويين. كان تعديلاً لصالح النظام، اعترف به رجال ونساء الطبقة العاملة بسبب عدم رؤيتهم لفرصة للتخلص من النظام. ولهذا كان شعار “الدفاع عن العائلة” أحد الشعارات المستخدمة دائماً من قبل القوى الرجعية للحصول على تأييد العمال وبما فيهم النساء العاملات.

اضطهاد المرأة فى ظل الرأسمالية:

إن الأصل المادي لاضطهاد نساء الطبقة العاملة فى ظل الرأسمالية اليوم يكمن فى الطريقة التى تتبعها الأسرة النووية لاعادة انتاج القوى العاملة. فإن عبء تربية الاطفال وشغل البيت يشكلان عائقا أمام اتصال نساء الطبقة العاملة بالعالم خارج البيت ويجعلها معتمدة على رجال الطبقة العاملة، ولهذا فإنه لا يمكن إنهاء اضطهاد نساء الطبقة العاملة بمعزل عن التغيير الاجتماعى الذي يشمل المشاركة فى أعمال المنزل وتربية الاطفال. وبالطبع ، إن الاضطهاد ليس مادياً فقط، فهو مدعم بسد متكامل من العناصر الأيدلوجية. فالاضطهاد لا يتوقف بخروج المرأة من البيت أو في حالة عدم الانجاب أو ببلوغ اطفالها. فقد تجتمع الضغوط المادية والايدلوجية، على سبيل المثال، لاقناعها بالعمل مقابل أجر أقل مما قد يقبله معظم الرجال.

عند الحديث عن أيدلوجية الاضطهاد فيجب أخذ عنصر  آخر في الاعتبار. إن هذه الأيدلوجية ليست نتاج للطبقة العاملة نفسها بل مفروضة عليها من فوق، من ممثلي البرجوازية. كما عبر ماركس فان “الأفكار السائدة في مجتمع ما هى أفكار طبقته الحاكمة”.  إن رؤية نساء ورجال الطبقة العاملة وعلاقتهم ببعضهم البعض لا تتحدد بالظروف المادية فقط بل بالأيدلوجية التى تنتجها الطبقة الحاكمة.

في ظل الرأسمالية يشمل اضطهاد المرأة نساء الطبقة البرجوازية، على الرغم من الاختلاف الواضح فى أصوله ومحتواه عن نظيره بين الطبقة العاملة. ففى الأسرة البرجوازية الكلاسيكية تخلّصت النساء من الكثير من أعباء تربية الاطفال (من خلال تعيين خدم المنزل)، لكن تم حرمانهن من الانتاج. كان للأزواج الحق فى التحكم فى الفائض واعتبار النساء كسلع للزينة فى منازلهم، الأمر الذي جعل الزواج أشبه بالتجارة بين العائلات التى يسيطر عليها الرجال. تقيد نساء الطبقة الحاكمة بالمنزل بلا جدوى وبلا تعب على عكس وضع نساء الطبقة العاملة. أما الأيدلوجية المتماشية مع هذا الوضع فقد صورت النساء كمختلفين من حيث السمات الأساسية عن الرجال. فوصفت الرجال ” بالمنجزين” و”الواثقين من أنفسهم” و”الجسورين” بينما أعطت النساء صفات ” كالسلبية” و”الرقة ” و”الاهتمام” و”العاطفة” وجميع الصفات التافهة الأنثوية.

لا تتناسب مثل هذه الرؤية مع الواقع الحقيقي الذى تعيشه نساء الطبقة العاملة من كدح في المنزل أو في منازل الآخرين أو فى المصنع. وقد توفرت مجموعة من الصور المقولبة التى يتحتم على رجال ونساء الطبقة العاملة ـ كالطبقة الحاكمة ـ أن يروا بعضهم من خلالها. كلما يسلّم العمال بالمجتمع الموجود تستمر الضغوط الجسيمة للموافقة على تعريف مستغليهم للعالم.

يحلم رجل الطبقة العاملة بما قد يقتنيه وما قد يفعله إذا نجح فى المجتمع البرجوازي – ومن بين ما يستطيع فعله هو امتلاك امرأة كالسلعة. بينما تحلم إمراة الطبقة العاملة “بالنجاح” فى تقمص الصفات المزعوم تواجدها بين نساء الطبقة العليا (على غرار قصص المجلات والمسلسلات التليفزيونية التى تظهر نساء الطبقة العاملة اللواتى استطعن الزواج من طبقة أعلى من طبقتهن).

وقد ساهم كل هذا فى جعل الحالة الحقيقية لأسرة الطبقة العاملة تقوم بوظيفة هامة للرأسمالية. عمل نموذج الأسرة كآلية للحفاظ على تماسك أسرة الطبقة العاملة وعلى مسيرة النظام. وقد عملت الأديان والأفلام الإباحية والمسلسلات ومجلات المرأة والقوانين معاً لكي تبدو العائلة ضرورية وحتمية وثابتة في عالم متغير على الدوام. لكن الحقيقة أنه لا يتم تثبيت مؤسسة للأبد في ظل الرأسمالية. ولا يوجد ما هو مقدس إلى درجة تعفيه من التغيير لصالح التقدم في قوى الانتاج.

بعد بضعة عقود من تأسيس الأسرة النموذج للطبقة العاملة بدأت تضعف نظراً للتغيرات فى الحالة المادية للمجتمع الرأسمالى. ففى منتصف القرن التاسع عشر، كانت إعادة انتاج القوى العاملة تستوجب أن تحمل المرأة فى الطبقة العاملة ثمانية أو عشرة مرات (ففى 1850 كان 60% من الأطفال يموت قبل بلوغ سن الخامسة). وبالتالى كانت المرأة تقضي وقتها ما بعد الزواج فعلياً إما فى الحمل أو تربية الاطفال. لكن التوسع – الذى سعت إليه الرأسمالية ـ فى القوى المنتجة أدى إلى ظهور عامل مكمل، ألا وهو تطور تقنيات جديدة تخفّض بشكل كبير الجهد المطلوب لاعادة انتاج القوى العاملة. أدى تحسين العناية الصحية إلى نقص عدد الوفيات من الأطفال.

وفى نفس الوقت نجد أن التكنولوجيا الجديدة بدأت تأخذ على عاتقها مهام رعاية الأطفال وخدمة العمال الذكور. فلقد كان للغسالة والمكنسة الكهربائية والثلاجة ولأنظمة التدفئة الحديثة بدلاً من موقد الفحم أثر ضخم فى تقليل كمية العمل الشاق الذى كان يتم فى البيت.

وكما اشار العديد من الكتاب، فإن هذه التطورات التكنولوجية لم تقض على ملل واغتراب المرأة المضطرة إلى البقاء فى المنزل خاصة إذا كانت مسؤولة عن أطفال صغار. لكنها أتاحت لها فرصة التفكير في العمل خارج المنزل، الأمر الذى لم يكن متاحاً لجيل أمها أو جدتها، بالأخص فى حالة بلوغ أطفالها سن خمس أو ست سنوات، فيصبح بإمكانها أن تكسب ما يكفي من خلال بيع قوة عملها لتقليل ـ وليس إلغاء ـ الملل والعمل المنزلي الشاق (استخدام مربيات الأطفال، الاكتفاء بالأطعمة الملائمة، استخدام محلات الغسيل والذهاب إلى السوبر ماركت مرة فى الأسبوع عوضاً عن الجولات اليومية إلى محلات البقالة …. الخ).

من وجهة نظر تراكم رأس المال، أصبح نمط العائلة القديم شديد التبذير نتيجة لاستهلاك النساء لمجهود أكبر بكثير مما يتطلبه اعادة انتاج قوى عاملة للنظام. عندما يكون معدل ما تنتجه العائلة الواحدة إلى ثمانية أطفال أو أكثر، يكون النظام مقتصد بتربية كل هؤلاء فى منزل واحد. لكن عندما ينخفض عدد هؤلاء الأبناء إلى اثنين، فإن الأمور تسير على عكس ما سبق. تتطلب الحضانة المتوسطة أن يعمل شخص واحد على رعاية ست اطفال. يقابل كل عامل بالأجر فى رعاية الاطفال، اتاحة المجال لاستغلال امرأتين فى سوق العمل. هذا هو الحال بالأخص إذا ما توجب على النساء أن يدفعن أجر رعاية الاطفال من دخلهن الخاص: عندئذ يستحوذ النظام على فائض القيمة دون الاكتراث بتكلفة الرعاية الجماعية للأطفال. من وجهة نظر الرأسمالية الناضجة، إن فى بقاء المرأة فى المنزل لرعاية زوجها وطفلين إهدار لفائض قيمة ممكن الحصول عليه. فالنظام لا يرى في عمل المرأة طوال النهار في المنزل تعزية كافية ما دام يمكن استبدال عملها بما هو أكثر كفاءة مع تحويلها إلى عبودية الأجور.

من هنا وعلى مدى سنوات طويلة،  أصبح هناك ميل الى زيادة عدد النساء المشتغلات فى العمل المأجور. ففى بريطانيا اليوم تعمل أكثر من نصف النساء المتزوجات بالمقارنة بالخُمس فى سنة 1950. وفى الولايات المتحدة الأمريكية ارتفعت نسبة العاملات المتزوجات في سن 20 ـ 25 سنة من 31% فى سنة 1957 إلى 43% فى 1968. لقد استمرت هذه الزيادة منذ العشرينات دون أن تتأثر بأزمة الثلاثينات أو أزمة العقد الأخير(7). صحيح أنه قد تبع تدفق النساء إلى العمل المأجور خلال الحربين العالميتين، إجراءات لاحلال الرجال محلهن عقب انتهاء الحروب. لكن هذا لم يمنع زيادة نسبة النساء المتزوجات والعاملات على المدى الطويل ولمدة تجاوزت نصف قرن. وقد اضطرت الدولة الرأسمالية فى جميع الدول المعنية بالحفاظ على الظروف المطلوبة لتراكم رأس المال، أن تستجيب لهذا التغير. توجب عليها ان تتخذ اجراءات مصممة خصيصاً لمشاركة العائلة فى مهمة إعادة انتاج القوى العاملة بشكل متزايد من خلال توفير الخدمات الاجتماعية، ورياض الاطفال … الخ (8).كانت التغيرات تراكمية، فكلما زاد دخول نساء الطبقة العاملة إلى سوق العمل ازداد طلبهن لتوفير التجهيزات اللازمة لذلك. وببداية حصولهن على موارد دخل مستقلة، بدأن بالتشكيك فى المسلمات القديمة بشأن الاعتماد التام على الأزواج. ازدادت المطالب الخاصة بوسائل منع الحمل الأكثر فعالية وعمليات الاجهاض الآمنة وتقليل عدد الأطفال وتحويل بعض المهام المنزلية إلى الرجال. كما أخذن على عاتقهن المبادرة بانهاء الزيجات الغير سعيدة بشكل متزايد.

يشهد النظام اليوم ما توقع ماركس حدوثه منذ قرن مضى، الميل إلى التقليل من شأن الأسرة، لكن هذا الميل لن يثمر بسبب العوامل المضادة:

  1. تتطلب الرعاية الاجتماعية الكاملة للأطفال مستوى من الاستثمار تنفر الرأسمالية من تحقيقه حتى في فترات التوسع.
  2. لا تزال أيديولوجية العائلة شديدة الأهمية لاستقرار النظام لما يثمره إيمان المرأة بدورها الأساسي تجاه اطفالها من قبول لأجور أدنى من الرجل. وتستطيع بعض المنظمات كالكنيسة التى تستغل عزلة المرأة وترفع شعار “الدفاع عن العائلة” أن توفر بعض التوازنات الأيديولوجية المهمة للنظام. كما نرى أنّ الحكومات تحرر قوانين ضد الإجهاض وتتباطأ فى تحرير قوانين الطلاق، على الرغم من أن مثل هذه المسائل لا تشكل فى ذاتها أهمية بالنسبة للاحتياجات الاقتصادية للنظام.
  3. وأخيراً فقد قللت الأزمة الاقتصادية الأخيرة – في منتصف السبعينات- من الضغط لزيادة امدادات القوى العاملة نتيجة لدخول المزيد من النساء إلى سوق العمل. وبالتالى، ازداد اعتماد النظام على القوى الرجعية التى ترفع شعار  “الحفاظ على العائلة”. لم يوقف هذا الزيادة المستمرة فى عدد النساء اللواتى يبحثن عن عمل ولكن منع النظام عن القيام بالاستثمارات اللازمة لمساعدتهن.
  4. إن تطور قوى الانتاج قد شكل ضغطاً على العلاقات الاجتماعية القديمة لأسرة الطبقة العاملة لكنه لم يكن كافيا لتحطيمها.
لا توجد نهاية لاضطهاد المرأة فى ظل الرأسمالية:

لن تكون هناك نهاية لاضطهاد المرأة بدون وضع نهاية لاعادة الانتاج المخصخصة  (المبنية على الملكية الخاصة). لكن هذا بدوره ليس ممكنا بدون الثورة الكاملة على العلاقات الاجتماعية. إن هذا وارد فى ظل ظرفين فقط:

  1. إذا أصبحت الرأسمالية قادرة على الدخول فعلياً فى عصر توسع جديد غير متقطع لقوى الانتاج، عندئذ يتمكن النظام من استبدال إعادة الانتاج المخصخصة بأخرى اجتماعية تستخدم الميكنة في الأعمال المنزلية وتبني المجتمع المثالي.  بمجرد استعراض بديلاً كهذا، ندرك استحالته على أرض الواقع. فالنظام لا يستطيع الدخول فى مثل هذا التوسع. إن ركود الرأسمالية يعوق تحرير المرأة من خلال ادخال اصلاحات على النظام.
  2. وفى حالة وقوع الثورة الاشتراكية سيتم تكريس بعض الموارد الضخمة والمهدرة فى ظل الرأسمالية لتوفير الأساس المادي الحقيقي للرعاية الاجتماعية للطفل والمنزل. فسيحتل ذلك المكان الأول على قائمة أولويات الطبقة العاملة المتمردة لأنها سوف تبدو كهدية ليس لنساء الطبقة العاملة فحسب بل ولرجالها أيضاً. من المؤكد أنه بقيام ثورة كهذه، لن يتوقف التراث الأيديولوجي للرأسمالية بما يتضمن من تمييز ضد المرأة. لكن ستكون مقاومته أسهل نسبياً بمجرد تدمير أساسه المادي.

من الممكن عقد مقارنة بين البنية الاجتماعية التى تولد اضهاد المرأة في ظل الرأسمالية وبنيات اجتماعية أخرى اضطهادية تم القاؤها جانباً فى سياق تطور الرأسمالية – مثل قواعد جيم كرو بجنوب الولايات المتحدة الأمريكية  و”البرتقاليون” بايرلندا الشمالية. في هذه البنيات كان هناك تمييز ضد قسم من الأهالي على أساس ديني أو عرقي. حكم المناصرون للنظام على هذه البنيات بالقدم فى فترة التوسع الاقتصادي الطويلة بالخمسينيات والستينيات. فقد بدا أن تراكم رأس المال يعتمد على توفير القوة العاملة بغض النظر عن العرق والدين. كان هناك انتشار عام لأيديولوجيات تعيد صياغة المبادىء الليبرالية القديمة التى توفر للجميع فرص متساوية في السوق ونمت حركات تضغط للحصول على حقوق مدنية برجوازية. بدا أن النظام قادر على احتمال هذه الحركات على الرغم من اثارتها لأكثر الفئات اضطهادا للقيام بعمل سياسي. لكن مع أول علامات الأزمة الاقتصادية فى أواخر الستينيات، عدل النظام عن إتاحة ما هو أكثر من المساواة الرمزية للفئات المضطهدة.

كانت حركة تحرر المرأة الأولى نتيجة للاحتجاج العام لأجل المساواة الرسمية التى وعد بها النظام كل من يعيش فى ظله. كانت مدفوعة فى الأصل بمطالب نساء الطبقة المتوسطة اللواتى أردن حرية سلك دروب رجال الطبقة المتوسطة.  لقد دخلن في اطار المسلك المتغير لنساء الطبقة العاملة اللواتى تعاملن – ولأول مرة – كأعضاء فى قوى العمل المأجور للرأسمالية مدى الحياة.  فى هذه المرحلة كانت المطالب متوافقة مع حاجة النظام إلى إعادة تشكيل الأسرة بحيث يتمكن من الحصول على عمل المرأة.

كانت عوائق المساواة الحقيقية بالنسبة لنساء الطبقة العاملة أضخم من تلك التي تواجه السود الأمريكيين أو الأيرلندين الكاثوليك. لم يستطع النظام مواجهة التكلفة الكاملة لاعادة الانتاج الاجتماعي حتى فى الستينيات وبالتالي لم يتمكن من ذلك فى سنوات الأزمة ما بعد السبعينيات. كانت التغييرات المحدودة التي تسمح للمرأة بالانضمام إلى عبودية الأجر ممكنة وضرورية، بينما صُرف النظر عن وضع نهاية لاضطهادهن الناتج عن الاعتماد المستمر على الأسرة النووية في اعادة الانتاج المخصخصة (المبنية على الملكية الخاصة).

الرأسمالية وأزمة الحركة النسائية

إن الحقيقة المريرة والمتمثلة في استحالة انهاء اضطهاد المرأة في ظل ظروف الأزمة الرأسمالية، واجهت حركات المرأة بثلاث بدائل:

  1. هجر هدف التحرر لصالح مواصلة الإصلاحات المحدودة والممكنة فى النظام الحالي، مما يحصر القضية فعلياً في بعض النساء المتميزات، بينما تترك ظروف عامة النساء دون مساس لصالح التعزيز الفردي. هذا هو الطريق الذى احتذته النساء البرجوازيات المشتركات فى الحركة، وكذلك قطاع كبير من النسويين فى الطبقة الوسطى.
  2. محاولة عزل المرأة عن المجتمع الراهن وذلك بتكوين مؤسسات إنفصالية مضادة.
  3. الارتباط بتحديات الطبقة العاملة فى مواجهة المجتمع القائم كالسبيل لتحطيم البنيات المسؤولة عن اضطهاد المرأة.

وقد قررت الظروف الملموسة أي من هذه التيارات الثلاثة كانت له الكلمة العليا في السيطرة على الحركات النسائية. ففى حالة تزايد صراع العمال فى أواخر الستينات وأوائل السبعينات  (فرنسا، ايطاليا، اسبانيا، بريطانيا …. الخ ) توجهت معظم قطاعات الحركة النسائية تقريباً إلى الطبقة العاملة ولو بشكل جزئى. وكانت مطالبها تميل نحو تلك التى لها صدى بالنسبة لجمهور نساء الطبقة العاملة (المساواة فى الأجور، حضانات أطفال 24 ساعة، حقوق الاجهاض … الخ). أما فى الأماكن التى كانت فيها حركة الطبقة العاملة ضعيفة (مثل الولايات المتحدة) أو عند انتكاسها (مثل بقية الأماكن)،  سيطرت النسوية من ناحية والانفصالية من ناحية أخرى على حركات المرأة.

على أرض الواقع، تعزز الاصلاحية والانفصالية بعضها البعض. لقد أدت تحيزات النسوية البرجوازية ضد الطبقة العاملة إلى خلق ” شعور عام” بين  صفوف الحركة بأن الحديث عن تحرر المرأة من خلال ثورة الطبقة العاملة عبارة عن  “عمّالوية فجة” و”لينينية من الطراز القديم”. كان اعتراض الاستراتيجية الانفصالية على التعاون مع الرجال يعني فعلياً البعد عن النضالات العمالية والدخول فى نضالات لا تحقق سوى أغراض هامشية.

لقد وجد تقسيم العمل بين الانفصالية والاصلاحية تعبيره النهائي في المناداة إلى تحالف بين البرجوازيين أو السياسيين الاصلاحيين وبين البيروقراطية النقابية العمالية وبين “النساء” “والسود” “والحلف الديمقراطى العريض” الذى يتبع الشيوعية الأوروبية أو “ائتلاف قوس قزح” فى أمريكا والاستراتيجية الانتخابية لاشخاص من أمثال توني بن وكين ليفنجستون فى بريطانيا.

إن الميل نحو الاصلاحية ليس شيئاً عارضاً. ففى ظل الرأسمالية هنالك قوة واحدة فقط تستطيع فرض التغيير وهى الطبقة العاملة. وإذا كنت لا تضع نفسك مع صراع الطبقة العاملة، فأنت حتماً منقاد نحو التسوية مع النظام. إن أولئك الذين يروجون للانفصالية يرفضون الصراع الفعال للطبقة العاملة. وحتى في حالة ارتباطهم بالنساء العاملات، يكون هذا من منطلق أن جزء من الطبقة العاملة يستطيع الانتصار دون الجزء الآخر (يقصدون الرجال). إنهم يتحاشون تحرك القوى الكلي الذى وحده يضمن النصر.

فعلى غرار حركات الحقوق المدنية فى الولايات المتحدة الامريكية وشمال أيرلندا، بدأت الحركة النسوية فى أواخر الستينات وأوائل السبعينات بتحريض الجماهير ضد الاضطهاد الذى خلقه النظام. قامت تلك الحركة بتشجيع النضال ضد النظام في البداية، ولكن شأنها شأن الحركات الأخرى ظهرت عدم قدرتها على دفع عجلة النضال إلى أبعد من نقطة معينة. ومن هنا برز الاختيار بين تبني حركة مختلفة جذرياً أو مجرد تحسين أوضاع بعض الأفراد المتميزين بينما تظل الغالبية العظمى مضطهدة – كما كانوا دائما (9). ولهذا السبب لا يمكننا الحديث عن إعادة تشكيل مثل هذا النوع من حركات النساء، فهى تنتمي إلى الماضي.

بالطبع، من الممكن أن تقود أزمة النظام إلى هجمات على حقوق المرأة مما قد يولد احتجاجات تصعيدية من قبل النساء. لقد رأينا مثل هذه التصعيدات في بريطانيا مع كل محاولة لتقييد حقوق الاجهاض فى السنوات الأخيرة.  يتحتم دعم مثل هذه النضالات بإخلاص. وجدير بالملاحظة أنه سرعان ما يتم استقطاب المشتركين فيها إلى مناصرة الاصلاحية والانفصالية من ناحية أو يتم كسبهم إلى منظور الطبقة العاملة الثوري من ناحية أخرى.

نظريات خاطئة عن اضطهاد المرأة:

خلقت الحركة النسوية للستينات والسبعينات نظريات خاصة بها عن اضطهاد المرأة. ولكي نفهم بوضوح المنظور الماركسى الثوري علينا أن نستوعب أخطاء تلك النظريات. إن المنظور السائد والمتبقي من حركة المرأة فى بريطانيا هو النظرية البطريركية.

تعتبر هذه النظرية أن اضطهاد المرأة نتيجة لسيطرة الرجل، وهذا بشكل منفصل إلى حد كبير عن تقسيم المجتمع إلى طبقات اقتصادية. وترى “الرجال” كمنتفعين من اضطهاد المرأة فى كافة المجتمعات (10)، وكساعين لإبقاء ذلك الاضطهاد حتى فى حالة قيام الثورة الاشتراكية، وتتّهم محاولات تفسير اضطهاد المرأة على أساس ديناميكية المجتمعات الطبقية بأنها  “منتقصة”. ومن هنا تستنتج أن الصراع من أجل تحرر المرأة منفصل إلى حد بعيد – وإن كان موازياً – عن صراع الطبقة العاملة والاشتراكية.

هذه النظرية سائدة بدرجة تجعل القليل من النسويات يعارضنها، وقد تم تبنيها فى المجمل من قبل قطاعات من اليسار الاصلاحي خارج الحركة النسوية. وعلى الرغم من اعتراض بعض الشخصيات فى الحركة النسائية (مثل شيلا روبوثام) على استخدام مصطلح “البطريركية” (11)، إلا أنه يتم التعامل معه اليوم وكأنه غير قابل للنقاش. تفسر ليندساى جيرمان التأييد الكبير الذى تحظى به النظرية قائلة: “إن مصدر جاذبية النظرية البطريركية يكمن فى إمكانية أن تكون كل شىء لكل الناس، فهى تتميز وتزدهر على المشاعر الغامضة المقربة لقطاعات من الحركة النسائية، بدلاً من التحليل المادى” (12). إن الأساس النظري للنظرية البطريركية ضعيف جدا. فلو كانت المرأة مضطهدة من قبل الرجل على الدوام، فالسؤال الذى يطرح نفسه هو: لماذا؟ كيف تمكن الرجل من اخضاع جنس الأنثى بهذه الطريقة؟ لا يستطيع المنظرون البطريركيون تفسير اضطهاد المرأة دون الاجابة على هذه الأسئلة، وبالتالي لن يتمكنوا من إيجاد طريقة لتجاوز الاضطهاد. ينتهى بهم الأمر ليس بنظرية لتحرير المرأة بل برؤية تستبعد أي تحرر حقيقي. وتنسب احدى المحاولات لتفسير الاضطهاد الواقع على المرأة هذا الاضطهاد إلى عوامل أيديولوجية. من المؤكد أن رؤية الأيديولوجية السائدة للمرأة كخاضعة للرجل تعزز هذا الخضوع: يكبر الرجال ليجدوا أنفسهم جنساً أعلى، وتجبر الكثيرمن النساء على قبول ذلك. لكن، ما هو مصدر الأيدلوجية نفسها؟ لا يستطيع الموالين لهذه النظرية تفسير هذا وعادة ما ينتهون إلى هجر أي تفسير مادي قائلين ـ على سبيل المثال – أن المادية التاريخية خاطئة، وأن الأيدلوجيات تتواجد ” كأشكال مختلفة للخطاب”.

يجري البعض الآخر من المنظرين البطريركيين محاولات لشرح اضطهاد المرأة على أساس مادي لكنهم يلجأون إلى مادية تتجرد من المجتمع الطبقي. وبالتالى، لا يبقى أساس لاضطهاد المرأة سوى الاختلافات البيولوجية بينها وبين الرجل – هذا هو على ما يبدو ما يجعل الرجال يتآمرون بنجاح لاخضاع المرأة! وفقاً لما تقوله احدى المنظرات – هيدي هارتمان – “يتحكم  [الرجال] في عمل المرأة ويقيّدون حريتها الجنسية”. تذهب هيدي إلى المدى الذى يجعلها تحاول توظيف إنجلز لاثبات موقفها (13). تقتبس هيدي فقرة شهيرة من كتاب أصل العائلة حيث يقول إنجلز “ان العامل المحدد للتاريخ هو … انتاج واعادة انتاج الحياة على المدى القصير … فمن ناحية هناك انتاج وسائل البقاء من غذاء وملبس ومأوى والأدوات اللازمة لذلك الانتاج، ومن ناحية أخرى هناك انتاج الانسان نفسه أي تناسل الجنس البشري. يتحدد التنظيم الاجتماعي الذي يعيشه أناس من عصر تاريخي معين بواسطة هذين النوعين من الانتاج”. فهى ترى أن لهذين “النمطين” من الانتاج نفس الأهمية. كما تطرح أنه ليس بالضرورة أن يكون هنالك رابط بين التغيرات فى “نمط” والتغيرات التي  تحدث فى “النمط” الأخر.

كان فكر انجلز مغايرا لذلك تماماً. فقد قال أن التعايش بين هذين “النمطين” من الانتاج يقل شيئاً فشيئاً نتيجة لتطور المجتمع الطبقي ويظهر مجتمع ” تكون فيه العلاقات العائلية خاضعة تماماً لعلاقات الملكية”. وفي الحقيقة، إن الحديث عن نمطين يسبب الكثير من التشوش. إن نمط الانتاج لأي مجتمع ما هو إلا مزيج من قوى الأنتاج وعلاقات الأنتاج، ودائماً ما يمارس الشق الأول من المزيج الضغط لتغيير الشق الثاني. تولد كل زيادة لقدرة الانسان فى التحكم فى الطبيعة، علاقات جديدة بين البشر، وبالتالى تتحول علاقات الانتاج السابقة. فإما أن يتغير المجتمع أو يتم هجر الطرق الجديدة فى التحكم بالطبيعة. إن التوتر هو سمة ديناميكية لنمط الانتاج الذى يحدد التاريخ الأنسانى.

لا يوجد مثل هذا التوتر فى داخل “نمط اعادة الانتاج”. فالأنسان لا يجد طرقاً جديدة لأعادة انتاج نفسه بشكل مستمر (الانقسام البيولوجى فى عصر، وضع البيض فى أخر، والولادة فى عصر ثالث). إن الطرق الجديدة لاعادة الانتاج لا تواجه باستمرار عائق العلاقات الموجودة بين الناس لأن الطريقة التى يعيد بها الناس انتاج أنفسهم ثابتة نسبيا (14).  لو تم النظر إليها على أساس تشكيلها للتاريخ الانساني، فلن يكون هناك تغيير أو تطوير. إذا افترضنا أن “علاقات اعادة الانتاج” قد تحددت من قبل “قوى اعادة الانتاج”، سيكون اضطهاد المرأة موجوداً على الدوام سواء فى الماضي أو المستقبل.

لكن “علاقات اعادة الإنتاج” – بتعبير أخر العائلة ـ تتغير بدون شك شأنها كشأن بقية العلاقات الانسانية كنتيجة لما يحدث على صعيد الانتاج المادي. فكما أشرنا مسبقاً، حينما تولت النساء فى مجتمعات ما قبل الراسمالية أهم مصادر الانتاج المادي على الرغم من عبء حمل وتربية الاطفال، تمتعن بمكانة مساوية أو أعلى من الرجل. إذن تنشأ علاقات إعادة الانتاج ـ العائلة ـ من الظروف المادية للانتاج وليس من “نمط معين لاعادة الانتاج”.

بمجرد استيعاب ما سبق، يتضح ما توفره الرأسمالية من إمكانية للقضاء على اضطهاد المرأة. فهي من جهة تحقق تطوراً ضخماً فى القوى الانتاجية بحيث يتمكن أى شخص من القيام بمهام الانتاج – على الرغم من العائق الذى يشكله “الواقع البيولوجى”. ومن جهة أخرى هي تخلق – ولأول مرة ـ التكنولوجيا اللازمة لاحداث نقلة في بيولوجيا الانسان (تحديد النسل … الخ). لكن الرأسمالية نفسها تحول بين التحقق الكامل لما تتضمنه هذه التطورات.

ترفض النظرية البطريركية الاعتراف بهذا، بل وتعطينا صورة للمجتمع المعاصر توحي بأنه قد تشكل لغرضين: الأول هو النزعة لتراكم رأس المال عن طريق الاستغلال، والأخر هو مؤامرة الرجال من كل الطبقات لاخضاع نساء جميع الطبقات. إن منطق النظرية البطريركية يرى أن الدور الذى يلعبه الصراع الطبقي ليس له أي علاقة باضطهاد المرأة. كما ترى هذه النظرية أن هنالك صراع أخر وهو صراع كل النساء ضد كل الرجال، الأمر الذى يستوجب على من يسعى لانهاء اضطهاد المرأة فعلياً أن يدير ظهره للصراع الطبقي.

تتوافق هذه النظرية بشكل متقن مع موقف شرائح الانفصاليين والاصلاحيين فى الحركة النسائية.  يستطيع الاتجاه الانفصالي أن يرى نفسه كمطبق متسق للنظرية نتيجة لرؤيته للتاريخ كصراع على القوة بين الجنسين. قد يستند هذا الموقف على ادانة الرجال على الجرائم الجنسية، معارضة “مؤسسات الرجال” مثل النقابات العمالية، محاولة لانشاء مساحات للتحرر الجنسي للنساء أو مقارنة “المبادىء الأنثوية” بالذكورية العنيفة والمتسببة – على حد قولهم – فى الحروب النووية. على أساس كل ما سبق ذكره، يقوم الانفصاليون بالتصدي للنسويات اللواتي يرون في التعاون مع الرجال ضرورة.

يستطيع الاصلاحيون استخدام النظرية أيضاً. ففى حالة وجود طرفين متناقضين فى نزاع، باستطاعتك محاربة أحدهم ومهادنة الآخر. إذ نرى استخدام الحديث عن “محاربة القيم البطريركية”  لتبرير التنسيق بين أعمال النقابات وحكومة حزب العمال المستقبلية لابقاء الأجور منخفضة في إطار “سياسة الدخل النسوي”. وكذلك، تقبّل النساء فى بيروقراطية النقابات العمالية لفكرة تعيين زعماء النقابات من أعلى وتقاضيهم لأضعاف الأجور المعتادة بدون أى مساءلة في مقابل “بنية معقولة لمستقبل المرأة” داخل البيروقراطية.

نظريات منتصف الطريق:

لقد رأت بعض النسويات الاشتراكيات مخاطر وعدم اتساق مضمون النظرية البطريركية وحاولن التصدى لها. لكن انتهى بهن الأمر فى الأغلب للتسليم جزئياً ببعض أطروحاتها. فعلى الرغم من رفض شيلا روبوثام للنظرية البطريركية إلا أنها تفسر استمرار العائلة باستخدام أطروحة “نمطي الانتاج”. وتطرح فى عملها “وعي المرأة وعالم الرجال”  أن العائلة موجودة كنمط انتاجي ما قبل رأسمالي فى سياق نظام رأسمالي أشمل (15). يماثل هذا الموقف منطق النظرية البطريركية فى انفصال الصراعين وعدم ارتباطهما بالظروف الزمانية والمكانية.

وحتى الاشتراكيين الثوريين الذين يعارضون الكثير من أطروحات حركة نساء الطبقة المتوسطة قد ارتكبوا خطأ قبول الكثير من الصيغ النظرية للبطريركية. من الأمثلة الجيدة على ذلك هو نقاش حدث منذ سنتين بين جوان سميث وأرين بروجيل. وقد بدأت جوان النقاش بسرد سياسة ونمط الحياة الذى أصبح متفشياً في الحركة النسائية وأصرّت على أن استمرار اضطهاد المرأة نتيجة مباشرة لأهمية دور العائلة بالنسبة للرأسمالية(16). لكنها دعمت موقفها بنظرية “نمطي الأنتاج” الموضّحة من قبل شيلا روبوثام وشولاميث فايرستون وهايدي هارتمان واستخدمت نفس النص المقتبس من انجلز. كانت النتيجة أطروحة مشوشة تماماً. كان رأي جوان هو أن العائلة الحالية هى سمة من سمات الرأسمالية شأنها كشأن استغلال العمال للانتاج، وأنها “جزء من البنية التحتية” وليست جزء من البنية الفوقية. وبررت موقفها بتوضيح اعتماد الرأسمالية على  “العمالة الحرة” التى يستحيل الحصول عليها بدون اعادة الانتاج فى بيوت خاصة. كانت الأطروحة ملتوية إلى أبعد الحدود. حيث كان تعريف ماركس “للعمالة الحرة” يعنى:

  1. أن لا يكون للعامل أي سلطة على وسائل الانتاج.
  2. عدم انتماء العامل للفرد الرأسمالي لكي يتم الاستغناء عنه بمجرد انتهاء الاحتياج لعمله أو عملها.

إنه لمن السهل أن نتخيل مجتمعاً تتم فيه اعادة انتاج العمالة في مؤسسات تديرها الدولة ليتم ارسالها للعالم الواسع اما لتبيع نفسها أو تموت جوعا. لا يوجد مجتمع كهذا فى الوقت الحاضر ـ كما أشرنا مسبقا – لأنه لا يتناسب مع المتطلبات الاقتصادية لتراكم رأس المال. القاعدة الاقتصادية ليست في حاجة – بعد – إلى مثل هذه النقلة لمؤسسات البنية الفوقية. أشارت كاث أنيس في مقال لها منذ عشر سنوات: “تستطيع الرأسمالية الاستغناء عن العائلة نظرياً … لكن عملياً سوف يتطلب ذلك تغييرات أساسية فى المجتمع يصعب تخيل حدوثها”.

أخذت ايرين بروجيل رؤية كاث انيس وطورتها فى ردها على جوان(17). فقد بينت مصلحة الرأسمالية الاقتصادية فى جعل أجزاء معينة من عمل المنزل اجتماعية لكي تصبح المرأة متاحة للاستغلال فى سوق العمل. كانت اطروحتها الاقتصادية غير قابلة للانكار وقطعت الطريق على كل من يزعم أن العائلة ضرورية بالنسبة للرأسمالية كالاستغلال والتراكم. وبمجرد ادراك منطقية هذا الطرح يتحتم النظر إلى العائلة كجزء من البنية الفوقية ـ كاستحداث خلقته متطلبات التراكم فى مرحلة معينة من تطور الرأسمالية. وبالتالي، تقلل الرأسمالية من شـأنها اليوم، لكن تمنع الغاؤها نتيجة لطبيعتها المنبطحة حيال الأزمات.

أسرعت ايرين نفسها إلى تبني اتجاه تحليل اضطهاد المرأة الذى قدمته آن فورمان. هذا الطرح لا يبدأ من اقتصاديات الانتاج الرأسمالي بل من الاحتياجات السيكولوجية لرجال الطبقة العاملة. يرجع وجود العائلة بالنسبة لآن فورمان إلى “السلوى التى تحققها للرجال في ظل مجتمع الاغتراب الذي يعيشون فيه. وهي سلوى لا تتمتع بها النساء”. تتقبل ايرين هذا الرأي برمته وينتهى الأمر بالأثنتين –  بشكل قطعي ـ بعيداً عن الصراع الاشتراكي الثوري وفي اتجاه اتباع سياسة نمط الحياة التي تتبناها نسويات الطبقة المتوسطة. وتنتقد جوان بجدارة هذا الاستخلاص قائلة:

إذا اتبعنا أسلوب آن فورمان في التحليل، تصبح الصفات الجنسية الأنثوية والتناقض الكامل بين المذكر والمؤنث هي الأسباب وراء اضطهاد المرأة بدلاً من المظاهر الأيديولوجية للاضطهاد الواقع. إن هذا في الأساس تحليل مثالي لأنه يجعل الأشكال الأيديولوجية التي تضطهد المرأة وليدة علاقات النساء بالرجال الذين يعيشون معهن.

لكن جوان ليست أكثر قدرة من ايرين على استخلاص النتيجة المنطقية من انهيار الرأي الذي يزعم أن الأسرة ضرورة اقتصادية للرأسمالية في كل الأوقات. إنها تتخلى عن نظرية “نمطي الانتاج” (عن طريق استخدام عبارات مثل “نظام الأسرة لإعادة انتاج قوة العمل”)، لكنها تحتفظ برؤية أن العائلة ـ واضطهاد المرأة ـ هم على نفس درجة أهمية الاستغلال والتراكم. إذن فهي تتشبث، وبشكل ركيك للغاية، بالرأى القائل أن الأسرة وحدها هى التي تستطيع انتاج “العمالة الحرة”. وتذهب إلى أبعد من ذلك بزعم أن هذا حقيقى بالنسبة لكل المجتمعات الطبقية: “إن العنصر الأساسي للعائلة يبقى بدون تغيير فى كل المجتمعات الطبقية لأن العائلة هي الوسيلة الوحيدة لإعادة انتاج المجتمع التى تسمح بوجود اختلافات أساسية في إعادة الإنتاج من طبقة لأخرى والتى تلقي هذا العبء على عاتق الأفراد أو المجموعات بدلاً من المجتمع ككل(19)”. وبذلك نجد أن جوان ـ التى كانت تنتقد الرؤية البطريركية للأسرة كغير متغيرة ـ تنساق إلى طرح منظور قريب جداً من النظرية البطريركية. فهي – بلا شك – تنحو إلى استخدام عبارات النظرية البطريركية بزعمها أن “التاريخ الأساسى للبطريركية واضطهاد المرأة هو تاريخ نظام الأسرة فى إعادة الأنتاج”.

تذهب جوان فى نفس الوقت إلى أبعد من الموقف المبدئي الذى اتخذته، وذلك بتحديدها لمصدر اضطهاد المرأة فى الدولة. انها تستخدم ـ مرة أخرى ـ مصطلحات التحليل النسوي للطبقة المتوسطة عندما تكتب: ” إن السيطرة البطريركية على النساء تنتقل من الأسرة البطريركية إلى الدولة الرأسمالية بمخزونها اللامتناهي من القوانين التي تسيطر على المرأة والسوق الرأسمالية حيث يتم دفع أجر للمرأة أقل من الرجل …”. وتتخطى ذلك بحديثها عن  “دولة الذكر”. إن بعض الأسباب التى أشارت إليها لتعزيز دور الدولة تعتبر جيدة بالفعل، هذا بالإضافة إلى استمرارها فى مهاجمة الأفكار التي تحدد  إضطهاد النساء فى العلاقات الفردية بين الرجال والنساء. ومع ذلك ، فإن الصيغة غامضة ومضللة. فليست الدولة هى التي تزود النظام بقوته المحركة، ولكنها النزعة نحو التراكم. الدولة ليست سوى إحدى الآليات التى يستخدمها النظام فى نزعته للتراكم ـ كجزء من البنية الفوقية. إن الأسرة جزء وآلية للبنية الفوقية. ببساطة، إنه من غير الصحيح أن الدولة هي مصدر اضهاد المرأة أو أن الدولة تضطهد النساء بحفاظها على الأسرة الحالية. إن أضطهاد المرأة ينتج ـ بشكل أساسي ـ من النزعة نحو التراكم. الدولة تساعد في إبقاء هذه النزعة، ولذلك تقوم بدعم العائلة. لكنها تتدخل لاستبدال بعض وظائف الأسرة (وإن حدث هذا على نطاق ضيق) من خلال توفير الحضانات والمدارس والخدمات الاجتماعية ووسائل منع الحمل بالمجان وتشريع الأجر المتساوي (على الرغم من ترك فجوات ضخمة فى التشريعات … الخ). إن النظام هو الذى يضطهد المرأة وليست الدولة فحسب وكثيراً ما يأخذ الاضطهاد طرق متناقضة.

إن هذه النقاط مهمة. فجوان مشوشة. وقد ساهم تشوشها فى صرف انتباه الجماهير عن التحليل الماركسي الثوري لاضطهاد المرأة إلى تحليل أولئك الذين يرفضون الماركسية. وقد كتبت هي عن عملها ” لقد حاولت فى مقالاتي فى العددين 100 و 104 من مجلة  الاشتراكية العالمية  أن اربط النقاش حول طبيعة البطريركية بمهام مدرسة العمل المنزلي فيما يخص اضطهاد المرأة بالرأسمالي. كانت محاولة لنقاش العلاقة بين سيطرة الرجل (البطريركية) وبين بنمط الانتاج الرأسمالي”. وكما رأينا فإن البطريركية هى التعبير النظري للتيارين الإصلاحي والانفصالي في الحركة النسائية. حاولت جوان “ربط النقاش” بينهم وبين الماركسية. وكان من المؤكد أن تؤدي تلك المحاولة إلى الخلط التام.

كان هناك خلط عملي وحتمي على جميع مستويات اطروحة جوان. لقد حاولت اثبات أن اضطهاد المرأة شأنه كشأن استغلال العمال ـ يؤدي إلى بداية رفض عفوي للرأسمالية.  يحدث هذا ـ على حد قولها ـ لأن النظام الرأسمالي يعوّل على بندين متساويين فى الأهمية ـ استغلال العمال واضطهاد المرأة. تناقش هذا مرة أخرى حين تنتقل إلى القاء لوم اضطهاد المرأة بالكامل على الدولة مباشرة. وفى الحالتين، تدخل نضالات النساء المنفصلة فى صراع تلقائي مع الدولة ورأس المال. كما يصبح النضال ضد البطريركية – عند جوان ـ حليفاً تلقائياً لصراع عمالي منفصل ضد الرأسمالية. إن الأساس هو التحالف بين نضالات مختلفة وليست منفصلة. بالنسبة لجوان، يتكون حلف المرأة من جميع النساء على الرغم من قيادته الثورية. وهي تعبر عن هذا قائلة: “نستطيع أن نناقش ونجند النساء للسياسة الثورية على أساس اضطهادهن واستغلالهن. انفصل الكثير من النساء عن خلفيات الطبقة المتوسطة وخلفيات الطبقة العاملة. فكما هو الحال مع الطلبة، بالإمكان تنظيم هؤلاء النساء فى الحزب الثوري. لكن لكي نفعل ذلك فإننا بحاجة إلى تنظيم نسائي أوسع من الحزب الثوري ليقوم بمهمة طرح قضايا اضهاد المرأة واستغلالها … من الضرورى بناء الحركة النسائية بجريدتها الخاصة التي تستطيع توحيد كل النساء ـ نساء القطاع العام، عاملات المصانع والنساء في البيت. ولما كانت الرأسمالية تضطهد كل النساء فإن القاعدة المادية لمثل هذا التنظيم متوافرة “(20).

لاحظ أن جوان تتعامل مع “كل النساء” كقاعدة لمثل تلك الحركة وليس فقط مع نساء الطبقة العاملة. ففي كل مرحلة من مراحل تحليلها الثلاثة، تفرض النضال على كل النساء بموجب ما تسميه “البطريركية” أو “دولة الذكر”. إن هذا هو ما يمكنّها من الحديث عن تنظيم “كل النساء” بدون الرجوع إلى موقعهن الطبقي  (إنهن يتخلين عن خلفيات الطبقة العاملة وكذلك خلفيات الطبقة المتوسطة!). وبرغم هذا ستظل الحركة ملتزمة ـ بشكل أو آخر ـ “بأرضية اشتراكية” و”نضال الطبقة العاملة من أجل الحرية”0.

إن في حجة جوان تلخيص للمتاهة الحتمية التي تنتج عن محاولة ربط منظورين متناقضين عن جذور إضطهاد المرأة – منظور النسويين من الطبقة المتوسطة ومنظور الاشتراكية الثوري. ينتهي الأمر إلى الانتقال من رأي إلى آخر، دون الوصول إلى الأرضية الصلبة والأساسية للنضال من أجل تحرر المرأة.

حجج ضد الموقف الماركسي الثوري:

يتم استخدام العديد من الحجج من قبل المعارضين المباشرين للنظرية الماركسية لاضطهاد المرأة، ومن قبل أولئك الذين يريدون مزجها بنظريةأخرى. ولنلقي علي تلك الحجج نظرة دفعة واحدة.

“إنّ الرأي الماركسي يرفض تماما حقيقة اضطهاد المرأة، من خلال تبسيط كل شىء الى مسألة طبقة”.

إن هذه الحجة غير صحيح ببساطة. وسيتضح ذلك اذا ما قرأت الجزء الأول من هذا المقال. نحن لا “نبسط” الأمر الى مسألة طبقة. ان اضطهاد النساء يشمل جميع الطبقات تماما كأي أقلية عرقية تكون مضطهدة في جميع طبقات مجتمع معين. انّ ما نقوله – على أية حال – هو أنه لا يمكن التخلص من هذا الاضطهاد بدون محاربة جذوره في المجتمع الطبقي. فلا يوجد صراعين – أحدهما ضد المجتمع الطبقي والآخر ضد البطريركية. يوجد صراع واحد ضد جميع أسباب الاستغلال والاضطهاد.

ان الفروق ضخمة في أشكال الاضطهاد الذى يواجه النساء فى الطبقات المختلفة. ان زوجة من يمتلك عبيدا قد تكون مضطهدة، لكن اضطهادها يختلف تماما عن اضطهاد العبد (حتى وان كان ذكرا). فمن الممكن ان تحتج امرأة الطبقة الحاكمة على اضطهادها، لكن الغالبية العظمى من نساء هذه الطبقة سيأخذن صف النظام ـ الذي يحافظ على ذلك الاضطهاد ـ ضد أي مواجهة حقيقية وثورية له. فعند الاستعداد للمواجهة، سيساندن ليس الاستغلال فحسب بل واضطهاد النساء الأخريات. تصر نساء الطبقة الحاكمة – على الدوام ـ على أن الحركة النسائية منفصلة ومعارضة لحركة الطبقة العاملة. ومن ناحية أخرى، فان نساء الطبقة العاملة بحاجة الى النظر الى مسألة الفصل بالكامل وبشكل مختلف.

كثيرا ما أدت تحيزات الرجال العاملين الى دفع النساء العاملات الى خيار وحيد وهو التنظيم بشكل منفضل ـ هذا عندما ينظمون نفسهم أساسا. وقد توجب عليهن النضال ضد هذا الانفصال المفروض لما فيه من اضعاف للطبقة العاملة ككل وتسهيل لحفاظ الطبقة الحاكمة على اضطهادهن. فعلى مدى التاريخ، أيدت مجموعات العمال الأقوى من الناحية الاقتصادية والأقل اضطهادا أشكال التنظيم المجزأ والمنفصل. وقد انصاعت النساء والمجموعات العرقية المضطهدة للتنظيم بشكل منفصل (مع نقابات العمال النسائية … الخ) كوسيلة للحصول على القوة التي تتمكن من تحطيم جدران التجزيئية.

“انّ الرأي الماركسي يعني أن الموقع  الدوني الذى تُرغم المرأة على قبوله في الوقت الحاضر سوف يستمر بقيادة الرجال للنساء. فلا ينظر الى النشاط الذاتي للنساء كالسبيل لانهاء الاضطهاد الواقع عليهن بل ما يفعله الرجال لأجلهن”.

تجد الجماهير المضطهدة الثقة اللازمة للنهوض ومواجهة اضطهادهم من خلال النضال. لكن هذا لايعني أن يقتصر النضال الذي يمنحهم تلك الثقة على نضال المجموعة المضطهدة التي ينتمون اليها. يمكن أن يكون للنضالات ضد جميع أشكال المجتمع الطبقي نفس التأثير. فعلى سبيل المثال، لقد كان لتجربة النضال من خلال الثقابة العمالية الفضل فى منح الكثير من النساء الثقة اللازمة لتحدي الدور التقليدي والمتوقع منهن في العائلة. وبالطبع، يحول التقسيم في القطاعات المختلفة للطبقة العاملة –  رجل/امرأة، أسود/أبيض  ماهر/غير ماهر، مضطهد/اقل اضطهادا – دون قيام النضال البسيط والموحد والمتجانس لجميع العمال. وبالتالي، تنشأ نضالات تقتصر على عمال ذكور فى أغلبها أو عاملات أو عمال بيض أو سود أو مهرة. وعموما، فان نضال أي مجموعة من العمال يؤثر ضمنيا على نضال مجموعات العمال الأخرى. ولاتستطيع أي مجموعة مضطهدة أن تفصل نضالها عن بقية الطبقة، وتؤدي أي محاولة لفعل ذلك الى مأساة .

عندما تتمكن مجموعة قوية نسبيا من العمال ـ مثل عمال المناجم ببريطانيا أو عمال مصانع السيارات في الولايات المتحدة – من احراز نجاح، يكون ذلك حافزا لجميع المجموعات الأخرى (حتى وان كانت المجموعات الأقوى في الغالب من الرجال والأضعف أغلبها من النساء). ومن منظور آخر، فقد يكون لمقاومة مجموعة ضعيفة أغلبها من النساء أثر في اثارة غضب صاحب العمل وهذا بالتالي يحرض المجموعات الأخرى القوية (مجموعات الرجال بشكل رئيسي) على النضال.

وفى الواقع، كانت أعظم النضالات ضد اضطهاد المرأة دائما ما تتم أثناء النضال الأعم والأوسع – خلال الثورة الفرنسية العظمى 1789- 1794، قبل وعقب الحرب العالمية الاولى وفى أواخر الستينات وأوائل السبعينات. ودائما ما اعتمد نجاح هذه النضالات على مدى نجاح النضال الأوسع. وقد أدت هزيمة هذه النضالات الأوسع الى هزيمة نضال تحرر المراة أيضا ـ سواء كان ذلك فى التسعينات من القرن الثامن عشر، في فترة الحرب الستالينية والنازية أو في مرحلة الانجراف نحو اليمين في أواخر السبعينات. لا يمكن أن يكون الموضوع غير ذلك. فإن الاضطهاد نتاج المجتمع الطبقي. وان النضال المتحد للطبقة العاملة هو الطريق الفعال والوحيد لتحدي المجتمع الطبقي وليس النضال المنفصل والمنعزل لهذه المجموعة المضطهدة أو تلك. هذا لا يعني اطلاقا أن “تتبع النساء الرجال”. ان  مجموعة العمال التي تكون فى طليعة النضال قد تكون فى بعض الأحيان من النساء واحيانا أخرى من الرجال وقد تكون خليط كامل من الاثنين.

من الضروري في أي من الحالتين أن تدرك المجموعة القائدة من العمال ان نضالها يمثل كل العمال – برغم مجهودات الطبقة الحاكمة فى جعل العمال يصدقون غير ذلك – وأن يدور حوار مع جميع مجموعات العمال لدعم النضال. لن يحدث هذا بدون معركة حامية من قبل الاشتراكيين لمواجهة ميل العمال الأقل اضطهادا فى التحرك على أساس مميزاتهم بالمقارنة بيقية العمال. يكون من واجبهم توضيح ماهية العدو للعمال المضطهدين – فالعدو ليس العمال الأقل اضطهادا بل الطبقة الحاكمة التي تستغل جميع العمال. يجب أن يتم توضيح أهمية دعم النساء العاملات لمجموعات العمال الذكور المشتركين في النضال وأن هذا لن يحدث طالما استمروا في التفكير الذكوري – الذى يرى النساء كأدوات للجنس مكانهن البيت .. الخ. كما يجب التأكيد على أن النساء المرغمات على أن يكن سلبيات ومعتمدات على الرجال، لن يستطعن القيام بدورهن كمقاتلات حقيقيات في نضال طبقتهن ضد النظام.

إن الاضطهاد يمكّن الطبقة الحاكمة من تقسيم وحكم الطبقة العاملة بأكملها – بأقسامها الأكثر وكذلك الأقل اضطهادا. انّ اشتراك الجماهير يؤدي بهم الى النضال – مع العلم بأن في مواجهة الاضطهاد الطريق الوحيد للنجاح طويل الامد. وبعبارة اخرى: إن فى الأخذ بجدية بالزعم القائل أنه يتوجب على النساء أن يتبعن قيادة نساء أخريات، الغاء لدور النساء فى المعارك الأساسية للصراع الطبقي. وفى الواقع، ان بعض أهم الأمثلة لنضالات نساء الطبقة العاملة كانت تلك التى تدعم فيها الرجال – على سبيل المثال، فرقة الطوارئ النسائية في اعتصام فلينت 1937.

نظرا لهذا الفهم، لم تر أي من النساء العظيمات الاشتراكيات الثوريات ان عملها يقتصر على تنظيم النساء. لقد كانت كلا من اليانور ماركس و روزا لوكسمبرج والأم جونز واليزابيث جرلي مقاتلات كرسن طاقتهن للاشتراك في نضال العمال الرجال والنساء العاملات. وكذلك، على الرغم من تركيز الثوريات من أمثال كلارا زيتكن أو الكسندرا كولونتاي على تنظيم النساء لم يكن ذلك أبدا عملهن الوحيد. لعبت الكسندرا كولونتاي دورا نشطا في العمل العام للحزبين البلشفي والمنشفي بينما أدت كلارا زيتكن دورا رئيسيا في جميع مناظرات الحزب الشيوعي الألماني ما بين 1919-1923. أما سلفيا بانكهورست فقد تبنت الموقف الاشتراكي الثوري تماما خلال خلا ل الحرب العالمية الأولى وانتهت الى: أنّ الحاجة لا تقتضي جريدة نسائية – المدرعة النسائية ـ أو منظمة نسائية ـ اتحاد شرق لندن المنادي بحق المرأة فى الاقتراع. لقد خلصت الى أنّ الحاجة تقتضي تواجد جريدة عمالية ـ المدرعة العمالية ـ ومنظمة مختلطة ـ اتحاد العمال الاشتراكي. لكن هذا لم يوقف مزاعم بعض النسويين المشوشة التي جعلت من كولونتاي وزيتكن وسليفيا بانكهورست انفصاليين .

يتلخص سبب تبني جميع الثوريات العظيمات لهذا الموقف في معرفتهن استحالة تحرير المرأة بشكل منفصل وتحت ظل أي تسمية (النسوية الاشتراكية أو النسوية الثورية… الخ) فيما عدا الماركسية الثورية. فلا يوجد تراثان منفصلان يتوجب التحامهما، حيث يحارب الأول ضد الاضطهاد والثاني من أجل سيطرة العمال. انه تراث وحيد يهدف الى بناء حركة الطبقة العاملة “كدفاع عن جميع المضطهدين والمستغلين”. في مثل هذه الحركة المتحدة يكون أقصى طموح للمرأة الثورية هو أن تقود الرجال وللرجل الثوري أن يقود النساء بحسب ما تقتضيه الحركة.

“يشترك رجال الطبقة العاملة فى الحفاظ على اضطهاد المراة والاستفادة منه لذا لا يمكنهم الاشتراك فى النضال لانهائه”.

لقد أوضحنا مسبقا أن السبب الحقيقي لاضطهاد المرأة لا يكمن في الرجال الأفراد بل فى الحاجة لتراكم رأس المال. لكن من الصحيح انه لا يمكن انجاز هذا الاحتياج بدون المؤسسات التي تفرض أشكال الاضطهاد ـ اضطهاد بعض الناس للبعض الآخر. يشترك الكثير من الرجال – بلا شك –  في اضطهاد النساء. يبدو تعليق كلا من آن باتشوسكا ولين جيمس صحيح حينما قالتا: “ليست الرأسمالية هي التى تضرب الزوجات، تغتصب النساء، تستأجر العاهرات وتقلل من شأن النساء فى الأفلام الاباحية ـ انّهم الرجال”.  ان هذا الرأي صائب الى حد ما فقط. أولا، لا يمارس جميع الرجال الأفعال التي وردت، الا اذا قبلنا الزعم الانفصالي الراديكالي الذي يقول أن “جميع الرجال مغتصبون”. ان القائمة التي وضعوها لتحوي مكونات اضطهاد المرأة ناقصة. فاذا أضفنا منع حق الاجهاض والأجور الغير متساوية وغير ذلك من عناصر الاضطهاد فسنجد أن الدولة أو صاحب العمل هم المسؤولون وليس رجال الطبقة العاملة.

وعندما يتعلق الأمر بفرض الدور الأنثوي والدوني على الفتيات في الحياة الاجتماعية، فغالبا ما تكون الأم – وليس الأب – القوة الدافعة لذلك. كما تتزعم النساء العديد من أكبر الحملات ضد الإجهاض. حتى في المجتمعات البطريركية الأصيلة كثيرا ما نجد أن إضطهاد النساء الصغيرات لا يتم من قبل البطريرك نفسه فقط وأن النساء المسنات يشتركن معه في ذلك! تضطر نساء الطبقة العاملة الى مواجهة الكثير من النساء ـ بالاضافة الى الرجال – عند قيامهن بتحد للإضطهاد الواقع عليهن. لقد أوجدت الرأسمالية في نزعتها للتراكم العديد من المؤسسات للتحكم في المرأة امّا بالقهر أو بالإقناع الأيديولوجي. لا يقتصر الأمر على من يضرب زوجته أو يغتصب. قد يطرح رأي يقول أن الرجال ينتفعون من إضطهاد المرأة بشكل لا تنتفع به النساء الأخريات. في الواقع، إن الإستفادة التى يجنيها رجال الطبقة العاملة من إضطهاد المرأة هامشية بالفعل. إنهم لا ينتفعون من تقاضي النساء للأجورالمنخفضة نظرا لما يترتب على ذلك من ضغط لتخفيض أجورهم. كما أنه ليس بالإمكان مناقشة انتفاع الرجال من معاملة أجساد النساء كسلع ـ فالرجال المستفيدون على هذا النحو هم أصحاب الثروة التي تمكنهم من بيع وشراء السلع!

في الواقع، انّ مسألة المنفعة تصب في الأعمال المنزلية. انّ السؤال هو مدى استفادة رجال الطبقة العاملة من عمل النساء غير مدفوع الأجر، لكن يستحيل قياس ذلك في العائلة الرأسمالية المقولبة. تعبّر لندسي جيرمان عن هذا قائلة:

إن تقسيم العمل- قبل كل شئ – هو تقسيم للعمل بحيث يقوم الرجال بأعمال مختلفة فى المصنع والبيت. ولكن القول بأن القيام بأعمال مصنعية ثقيلة أفضل أو أسوأ من عمل المنزل هو بمثابة النظر إلى الأمر بشكل غير موضوعي وغير قياسي. تتسم أوقات الفراغ بالنسبة للرجال بالتحديد والوضوح وتقضى ـ في الغالب ـ بشكل اجتماعي (الحانة، كرة القدم). لكن لا يمكن القول أن أوقات فراغهم أكثر. انها ـ في الحقيقة ـ مختلفة.

ان شغل المنزل في الأساس لا يخضع لما تفرضه الرأسمالية من استغلال في المصانع أوالمكاتب. انه لا يستوجب مجهود مكثف لعدد محدد من الساعات تتبعه فترة راحة لاتاحة المجال فى تلك الأثناء للجرعة التالية من المجهود المكثف. من هنا فإنه لا يمكن المقارنة بأي شكل من الأشكال بين كمية العمل التي تضخ في المنزل وبين كمية العمل التي تضخ في المصنع…..

إن الضرر الفادح الذي تعاني منه ربات المنزل في الطبقة العاملة ليس الاستغلال الواقع عليهن من قبل الرجال بل التفتيت وحرمانهن من المشاركة فى العمل الجماعي الذى يمنح الثقة الازمة للنضال ضد النظام…..

في الواقع، إن مشكلة “المنافع” تظهر فقط في حالات الانحراف عن تقسيم العمل التقليدي والقديم بين “العامل الرجل”و “ربة المنزل” المرأة. عند اجتذاب النساء المتزوجات بشكل متزايد الى قوة العمل، تجد الكثير من النساء انه من المفترض أن يقمن بالأعمال المنزلية على الرغم من قيامهن بالعمل المأجور بشكل متفرغ. ومن هنا فإن الوقت اللازم لاستعادة قوة عملهن يكون أقل من أزواجهن لأن عليهن الجمع بين العمل وعمل المنزل. وحتى فى هذه الحالات فإنه من المشكوك فيه أن يكون انتفاع الأزواج أكثر من هامشي” (24).

يمكن قياس ما يجنيه رجال الطبقة العاملة مباشرة من عمل المرأة بشكل تقريبي، من خلال قياس كمية العمل الذي كان سيضطر الرجل الى بذلها في الطبخ والتنظيف بنفسه. لم يكن ليتعدى ذلك الساعة أوالساعتين يوميا – عبء بالنسبة للمرأة التي يجب عليها أن تعمل من أجل شخصين بعد عمل يوم مدفوع الأجر, لكنه ليس مكسباً ضخماً للعامل الرجل. يصبح العبء غير محتمل بالنسبة للمرأة والمكسب هائل بالنسبة للرجل عندما يتعلق الأمر باعادة انتاج الجيل القادم من العمال ـ تربية الأطفال. لكن لا يمكن التعامل مع العمل المكرس لرعاية الأطفال على أنه شئ تعطيه الزوجة للزوج. ففي الحقيقة، انّ رعايتها للأطفال توفر شيئا للنظام وتشبع احتياجه لتجديد قوى العمل. تقول آن روجرز “إن نساء الطبقة العاملة مقيّدات بخدمة الأطفال وليس بخدمة الرجال” (25).

ان النقطة الرئيسية ـ على أي حال ـ هي أن مفتاح التحرر الحقيقي لنساء الطبقة العاملة يكمن في القيام بعنصري عمل المنزل وتربية الأطفال بشكل اجتماعي. ولا يمكن أن يعد ذلك خسارة لرجال الطبقة العاملة. ان العامل لا يخسر اذا وفرت له الكافيتريات المدارة بشكل جماعي الوجبات الجيدة. كما أنه لن يعاني إذا تحمّل نظام الحضانات – الذي يعمل 24 ساعة – العبء المستمر الذي تتكبده زوجته في رعاية الأطفال. وطالما أن هذه التغييرات تحرر النساء والرجال من العيش في ظل علاقات مقيدة ـ أو مريرة كما هو الحال في الكثير من الأحيان –  فإنه مكسب للرجال وللنساء على حد سواء. من الؤكد أنه عند رؤية الأمور بهذا المنظور، لا يمكن القول بأن لرجال الطبقة العاملة أي مصلحة مادية من اضطهاد النساء. فعلى الرغم من  المميزات التي قد يتمتع بها في ظل النظام الحالي بالمقارنة بزوجته، الا أنها لا تشكل شيئا مقارنة بالمنافع التي ستعود اليه في حالة احداث ثورة بالنظام.

والآن، ماذا عن ما قد يقال بشأن المكسب الآخر الذي يحصل عليه الرجل: “المصلحة الأيديولوجية”- الشعور بأنه بشكل أو آخر يسيطر على العائلة وأنه على الرغم من ضآلته بالنسبة للعالم، سيد في بيته؟  قد يشكل هذا أهمية كبيرة في الأوقات التي لا يواجه فيها العمال النظام. فعدئذ تمتلىء عقولهم بالأيديولوجيات الزائفة والمتاحة. لكن بمجرد انخراطهم في النضال ضد النظام يظهر لهم وجود البديل ـ البديل الذي يتيح لهم ممارسة السيطرة على حياتهم عموما. وبهذا لن تكون هناك حاجة إلى ذلك الشعور الزائف بالسيطرة الذي يأتي من الهيمنة داخل الأسرة.

إن منظري البطريركية والنسويات الاشتراكيات اللواتي يتبعنهن لا يرون ذلك نظرا للقصور في مفهومهن عن كيفية تحول الأفكار من خلال النضال. ويقمن بالتعميم على أساس فترات التراجع في النضال مستنتجات أن الأفكار السائدة اليوم هي السائدة على الدوام. وعلى غرار بعض الأشخاص الذين يستنتجون انتهاء الطبقة العاملة من المرحلة الحالية، تستنتج النسويات الاشتراكيات استحالة تحدي العمال لإعادة الإنتاج المخصخصة ولاضطهاد النساء.

“تثبت التجربة أنه من الممكن أن تقوم ثورة عمالية تبقي على اضطهاد المرأة”.

هذه النقطة محورية فى جميع النظريات البطريركية. تُبنى هذه الفكرة  بالاستشهاد بالدول التي تدعي أنها اشتراكية مثل روسيا وكوبا وفيتنام والصين. يستمر اضطهاد النساء في هذه المجتمعات، فيقال أنه يمكن للاشتراكية أن تتعايش مع اضطهاد النساء. لا تستطيع النسويات الاشتراكيات من أمثال شيلا روبوثام مجابهة هذا الموقف نتيجة لايمانهن بأن تلك المجتمعات هي بالفعل اشتراكية (انّ أحد الأسباب التى أدت الى انسحاب شيلا من الاشتراكيين العالميين منذ 13 عاماً هو أننا تجرأنا وقلنا أن فيتنام الشمالية ليست إشتراكية). لكن ادراك بعضنا لأن صعود الستالينية قد أنشأ رأسمالية الدولة فى روسيا، يمنعنا من الوصول إلى هذه الاستنتاجات.

لقد تمت الثورة الروسية في أصعب الظروف. حدثت الثورة في دولة تمثل الطبقة العاملة فيها أقلية صغيرة بينما كان الغالبية العظمى من السكان من الفلاحين المنظمين على أسس بطريركية صرف. ويعيشون حياة أشبه بالحياة في العصور الوسطى كما كانوا عرضة لأعمق التحيزات والخرافات. وعلى الرغم من قيام عدد لا بأس به من النساء العاملات – في صناعات معينة – بجزء مهم من ثورة فبراير، الا أن الغالبية العظمى من الثوريين الواعين كانت من العمال الرجال ـ شكّل النساء حوالي 10% فقط من البلاشفة.

ومع ذلك، طبقت الثورة برنامجاً لتحرير النساء لم يطبق مثله في أى مكان آخر- التحرر الكامل لقوانين الاجهاض والطلاق والأجور المتساوية والتوفيرالجماهيري لخدمات رعاية الأطفال والمطاعم العامة. بدأت النساء العاملات بمواجهة التقاليد التى تخضعنهن للرجال في محاربتهن لتحرير طبقتهن ـ ورأى أكثر العمال الرجال ثورية ضرورة مساندة وتشجيع هذه المواجهة. وهذا لأن الثورة كانت ثورة بالفعل ـ إنقلاب جماهيري من أسفل قام به الفقراء ليتحكمون بمصيرهم. ولم يمكنهم فعل ذلك إلا بتحدي كل شكل من أشكال الطبقية وعناصر الإضطهاد التي تقسم الطبقة وتحول دون نهوضها. وبالطبع، ظهرت مقاومة الكثير من الرجال العاملين مرة بعد مرة لتغيير موقعهم التقليدي والسيادي في العائلة. لكن المبهر في الأمر هو مدى اقتناع  العمال القدماء ـ في التنظيم بالحزب البلشفي – بضرورة التخلص من هذا التقسيم ومن السلوك المتحيز وقدرتهم على كسب أغلبية الطبقة لوجهة نظرهم. ومن هنا كان تأسيس الحزب لقسم خاص يهدف الى اشراك عدد أكبر من نساء الطبقة العاملة فى العملية الثورية بعد الإستيلاء على السلطة. تولت أنيسا أرمان مسئولية هذا العمل ثم الكسندرا كولونتاي – بعد موت أنيسا. وكان من المتوقع أن يشترك الرجال الثوريون فى هذا العمل بحضور المؤتمرات .. الخ.

كانت تجربة الثورة الروسية في مرحلتها الأولى مختلفة تماما عما آلت اليه بعد صعود الستالينية – حيث تم إعادة فرض شكل العائلة المقولب، والقوانين التي تمنع الاجهاض وتقيد الطلاق، إلى آخره. وقد اختلفت ـ أيضا- عما حدث عند تأسيس رأسمالية الدولة في أماكن أخرى، سواء كان ذلك بواسطة الجيش الروسي أو بواسطة حرب العصابات. لقد أوضحت روسيا ماذا يحدث في ظل ثورة الطبقة العاملة. أما التجارب الأخرى فتوضح ماذا يحدث بدونها!

الحزب والطبقة وتحرر المرأة:

ينطلق الإشتراكيون الثوريون مما يمكن تعلمه من لحظات المد في تاريخ نضال الطبقة العاملة – أنه من الممكن أن تنضم القطاعات الأقل اضطهادا من العمال الى القطاعات الأكثر اضطهادا في نضال مشترك ضد كل أشكال الإستغلال والقهر. فمن الممكن كسب العمال البيض الى تأييد نضال العمال السود وبالمثل من الممكن كسب  العمال الرجال لتأييد نضال العاملات النساء. وكذلك ممكن كسب العمال المهرة لتأييد نضال العمال غير المهرة.

بنبع طرحنا الرئيسي – أن الطبقة العاملة تستطيع أن تحرر نفسها بنفسها وبذلك تحرر المجتمع ككل – من أحداث فترات المد العالية في النضال وليس مما يحدث من طفح لكل الروث الأيديولوجي في فترات الانكماش والتراجع. ولكننا لا نقف عند هذا الحد. فنحن ندرك أهمية الكفاح بين صفوف الطبقة العاملة أثناء أكثر فترات التراجع قتامة من أجل مبادئ الطبقة العاملة التي تسود في فترات الصعود ـ  من أجل التضامن ووحدة العمال البيض مع السود، والعمال الرجال مع العاملات النساء. هذه هي الوسيلة الوحيدة لتجهيز أقلية من الطبقة لمواجهة المهام المطروحة على الطبقة ككل وللتأكد من تواجد قيادة بين صفوف الطبقة تستطيع – عند التصاعد –  أن تدفع بالنضال الى الأمام حتى النصر.

بإختصار، نحن نستهدف بناء بدايات حزب ثوري فى فترات التراجع. لن نتمكن من ذلك إذا وقعنا في براثن المعتقد الخاطىء بأن هناك بديل سهل بترك الكفاح ضد العنصرية والشوفينية والذكورية في منظمات المضطهدين. يتوجب على الحزب ذاته أن يحارب الاضطهاد المبني على أساس العرق أو الجنس أو الدين. هذا جزء من مهمة الحزب في النضال من أجل توحيد الطبقة ككل. يجب أن يظهر أعضاء الحزب كأشخاص يناقشون العمال البيض والعمال الرجال لدعم مصالح العمال السود والعاملات النساء. وعليهم أن يدركوا أن هذا سيجعل منهم أقلية صغيرة في فترات التراجع. لكن الموقف سيتغير ببداية فترة النضال الحقيقي. يجب أن يتعلموا كيفية العمل كمشاركين نشطاء في نضالات العمال وكأقلية معروفة بتأييدها المعلن لمصالح القطاعات الأكثر اضطهادا من الطبقة.

من ناحية أخرى، لا تقتصر أهمية الطرح حول وحدة الطبقة على وضعه نصب عين العمال البيض والعمال الرجال، ويجب أن يطرح على القطاعات الأكثر اضطهادا من الطبقة. فعلى سبيل المثال، يجب أن يتم الجدال بين العاملات البيض لدعم مصالح الرجال السود وبين العمال الرجال السود لدعم مصالح العاملات. وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون هناك كفاح بداخل جميع القطاعات المضطهدة من العمال ضد تأثيرات البرجوازية والبرجوازيةالصغيرة التي قد تقنعهم بإستحالة الوحدة مع الفئات الأقل اضطهادا من العمال البيض والرجال. وبالتالي، يجب أن يفهم كل عضو في المنظمة الثورية حقيقة كفاح فئات من  العمال البيض والرجال من أجل مصالح العمال السود والنساء في الفترات المتأججة للصراع الطبقي.

الهدف هو بناء حزب يجسد هذه التجربة. إن بناء مثل هذا الحزب ضروري بالنسبة للقطاعات المضطهدة أكثر من غيرهم. فلا يمكن أن تتحطم الرأسمالية بدون حزب كهذا، ولا يمكن إنهاء الاضطهاد بدون تحطيم الرأسمالية.

إن الذين يرفضون منظور بناء مثل هذا الحزب على أساس أن هذا يعني “قيادة الرجال للنساء” و “قيادة البيض للسود” أو لأن هذا المنهج  “يقوم على اخضاع النضال ضد الاضطهاد الى النضال ضد الإستغلال”، هم – فى الواقع ـ يقلعون عن أي رؤية لتحطيم جذور الاضطهاد. وفي أحسن الأحوال، يتحدثون عن حركات الاحتجاج ضد الاضطهاد التي لا يمكن أن تنهيه.

الإصلاحية والستالينية والحزب:

فى كل مرة تطرح فيها مسألة الحزب، يواجه الإشتراكيون الثوريون مشكلة. من السهل أن يصل الأشخاص الذين خاضوا تجارب في أحزاب غير ثورية الى نتيجة مفادها أن جميع الأحزاب خاطئة.

وهكذا نجد ازدهار الفوضوية في ظل بيروقراطية الإشتراكية الديمقراطية في العقدين الأولين من القرن الحالي. وكثيرا ما كان رد الفعل السائد لأولئك الذين تلاعبت بهم الستالينية هو الانقلاب ضد جميع أشكال السياسة الاشتراكية في  الأربعينات والخمسينات. أما في السبعينات فقد أعطت التجربة الستالينية الماوية دفعة قوية للكثير من التيارات “الاستقلالية” والإنعزالية. لكن رد فعلنا تجاه هذه التجارب لا يمكن ولا يجب أن يكون التخلي عن كفاحنا من أجل حزب ثوري. بل، يجب أن يكون توضيح أن هذه التجارب ما هي الاّ نتيجة لغياب منظمة ماركسية ثورية وحقيقية تقوم بمحاربة التأثير الناجم عن الإشتراكية الديمقراطية والستالينية.

كلما يطرح الإشتراكيون الثوريون مسألة الحزب، دائما ما يرد المعارضون بالقول: “ولكنكم تنسون أن الفعل الذاتي هو الشرط المسبق للإشتراكية”.  كانت تلك هي حجة النشطاء بالنقابات (الإقتصاديين) الذين عارضوا بناء حزب مركزي فى روسيا منذ ثمانين عاما. أما اليوم فكثيرا ما تستخدم هذه المقولة من قبل المناضلين السود أو النسويات في معارضة بناء منظمة ثورية موحدة. لقد رد لينين على “الإقتصاديين”  قائلا: ” قللوا من ملاحظاتكم التافهة حول تطور النشاط المستقل للعمال ـ يقوم العمال بنشاطات ثورية مستقلة لا تنتهي ولا تلاحظونها ـ لكن راعوا ألا تحبطوا العمال المتأخرين بتذيلكم هذا”. يجب أن يكون هذا هو موقفنا اليوم. المسألة ليست ما إذا كان هناك فعل ذاتي أم لا، لكنها ما إذا كنا سنحاول تطوير فعل ذاتي واعي ونجعل الناس يدركون أهمية تعميم نضالهم إذا ما أرادوا النصر. إن هذا لا يعني إقناع العمال السود والنساء فى صراعهم بضرورة مواجهتهم للاضطهاد الواقع عليهم فقط ـ فهم يدركون ذلك بمجرد دخولهم في النضال ـ ولكن بكيفية المواجهة والنضال حتى النصر. ولا تستطيع ذلك بدون دفع الحجة حول الوحدة مع العمال الرجال أو العمال البيض.

تبرز أشكال مختلفة من النضال بشكل “مستقل” عن المنظمة الثورية. لن تستفيد تلك النضالات على الاطلاق بقول الثوريين بأن “هذه النضالات مستقلة عنا، ولذا لا يجب أن نتناقش مع المشتركين فيها في كيفية النصر”. إن من واجبنا أن نطرح هذه النقاشات في كل الأوقات، فاذا لم تتأثر تلك النضالات بأفكارنا ستتأثر بالأفكار السائدة في المجتمع ـ أفكار الطبقة الحاكمة. تظهرالنضالات المستقلة على الدوام، لكن لا ينطبق هذا الوضع على الأفكار ـ فلا يوجد ما يسمى بالأفكار “المستقلة”. توجد أفكار لمساندة المجتمع القائم وأفكار من أجل التحطيم الثوري للمجتمع القائم. أما الأفكار التي تقع بين هذين القطبين فليست “مستقلة” لكنها ـ ببساطة – تشوشات.

التراجع وخطورة الحركية:

لقد ذكرنا مسبقاً أن التراجع في الصراع الطبقي منذ منتصف السبعينات قد أدى الى انصراف الكثير من مناضلات الحركة النسوية عن التوجه العمالي إلى الاصلاحية والإنفصالية. وقد أثّر التراجع أيضا على مواقف المناضلين داخل المنظمات الثورية في الكثير من الدول.

لقد رأوا التصاعدات الفجائية في الحركات ذات القضية الواحدة في الوقت الذي ظلّت فيه جماهير العمال تتراجع في مواجهة هجمات رأس المال. على سبيل المثال، مظاهرات “المهمشين” في إيطاليا في 1977، نمو الحركة ضد  الحرب النووية في فرنسا والمانيا في نهاية السبعينات، الصراع ضد العنصرية في بريطانيا في 1977 و1978 وحركة السلام في بداية الثمانينات. كان من السهل اهمال دور عن الطبقة العاملة والتركيز على تلك الحركات.

لقد اجتذبت تلك الحركات شرائح جديدة من الناس إلى النشاط السياسي. ولكن نظرا لغياب الطبقة العاملة ككل عن النضال كان من الصعب كسبهم إلى الموقف الماركسي الثوري. وكثيرا ما كسبت تلك الحركات عناصر من اليسار الثوري لتوجّهها بعيداً عن الطبقة العاملة، بدلا من كسب اليسار الثوري لناس جديدة من تلك الحركات. بدأ الثوريون بتقديم التنازلات أمام امكانية تحقيق تلك الحركات لأهدافها بدون حركة الطبقة العاملة.

أصبح الوضع أكثر تعقيدا نظرا للنموذج الذي يتحتم على تلك الحركات احتذاؤه. يمكن أن يبادر المشاركون في تلك الحركات بسرعة شديدة نتيجة لعدم انغماسهم في عملية الانتاج، لكن عدم انغماسهم في حد ذاته يعني افتقارهم للقوة الحقيقية. بالتالي، تبدأ الحركة بالهبوط الختامي في اللحظة التي تصل فيها الى قمة التصاعد. وإذ بالاشتراكيين الثوريين الذين أخذهم الحماس مع تصاعد الحركة، يجدون أنفسهم مواجهين بالاحباط المرير والناجم عن الإنحدار. كثرت الضغوط على نشطاء الحركة للإتجاه يمينا بحيث أصبحوا يقدمون التنازلات للمجتمع القائم – لأنهم وجدوا أنهم لن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم بمحاربته. فينجذب الثوريون الذين قدموا التنازلات لصالح أطروحات الحركة الى التيار اليميني.

إنّ في التخلي عن رؤيتك السياسية لأجل حركة نشطة وحماسية ومتنامية ما يكفي من الفساد. لكن الأسوأ هو أن تفعل ذلك في حركة منهكة ومحبطة ومنطوية على ذاتها بشكل متزايد. إنّ هذا يفسر العلاقة بين “الحركية” وما نسميه نحن “بالمستنقع” ـ الوسط الذي ينتمي إليه اليساريون السابقون الذين انزلقوا إلى اليمين من خلال تبنيهم للإصلاحية وبيروقراطية النقابات والإنفصالية النسوية اللاعقلانية. لا يمكنك مقاومة الضغوط التي تدفع بالمناضلين السابقين الى اليمين إلا إذا بدأت بفهم واضح للحدود القصوى للحركات ذات القضية أو المطلب الواحد – مهما كانت درجة الحيوية التي تتمتع بها تلك القضية. يجب أن تؤكد على أنهم لن يستطيعوا نيل مطالبهم إلا إذا ارتبطوا بصراعات جميع العمال. وهذا يعني أن تطرح بشكل واضح ومسموع أهمية  المنظمة الاشتراكية الثورية التي تصنع تلك الصلات على المستوى النظري والعملي. إن النظريات التي تفصل أي صراع –  سواء كان من أجل السلام، أو ضد اضطهاد المرأة أو ضد العنصرية – عن الصراع الطبقي الأعم تمنع خلق تلك الصلات. ولذلك، تقوم أفكار بعض الأشخاص مثل تومسون بعرقلة النضال ضد الحرب النووية. وتقوم النظرية البطريركية ومنظرو النسوية الاشتراكية باعاقة الصراع من أجل تحرر المرأة. وكذلك، فإن أفكار السود القومية والإنفصالية تعوق الصراع من أجل تحرر السود. يجدر بالداعين لتلك الأفكار أن يلعبوا دوراً مهماً حقاً ـ ولو لفترة – في تشجيع الجماهير على محاربة بعض سمات النظام. فاذا لم تتم محاربة أفكارهم ستؤدي بالصراع – عاجلاًَ أو آجلاً – إلى طريق مسدود. لذلك يجب أن يكون الاشتراكيون الثوريون على درجة عالية من الثبات السياسي لكي يتمكنوا من منع النشطاء من الانقياد ـ معصوبي الأعين – إلى “المستنقع”.

لا يوجد مجال للشك في كوننا مع حركة السلام ضد المؤسسة العسكرية، لكن هذا لا يعني أن نلقي جانباً بنقدنا اللاذع لأفكار تومسون. وبنفس الطريقة، نحن نقف إلى جانب جميع النساء في نضالهن ضد اضطهادهن بدون أن نتوقف عن صراعنا الدؤوب ضد الأفكار الخاطئة لنسوية الطبقة الوسطى.

لا يوجد ما هو أكثر خطورة من تقديم الصيغ التي تخفي الفرق بين الماركسيين الثوريين وهؤلاء الناس. نحن نختلف تماماً مع الثوريين الذين يضعون صيغاً تنظيمية تحاول، من وجهة نظرنا، أن تصل مالا  يمكن وصله ـ فكرة حزب ثوري من جانب والأفكار الانفصالية لدى الكثير من عناصر الحركة النسائية من جانب آخر. إنهم يتحدثون عن “حركة نسائية مستقلة” تكون “جزءاً من حركة الطبقة العاملة ككل”. يتحدثون عن حركة تكون “متميزة ولكن غير منفصلة” عن الحزب الثوري، بحيث ” ننظم أنفسنا بشكل مستقل ولكن كجزء من الحركة الاشتراكية الأوسع”. تتميز تلك الصيغ بالغموض الشديد. فهل المقصود بالاستقلال هو الاستقلال عن المجتمع الرأسمالي، عن الإصلاحية أم عن أفكار الماركسية الثورية؟

إن لم يكن الاستقلال المقصود عن الأفكار الماركسية فهل يسمح إذن للحزب الثوري أن يتدخل في “الحركة المستقلة”؟ وإن لم يكن، فكيف ستحارب تأثير الأفكار البرجوازية والإصلاحية على نضالات المرأة؟ هل تعني هذه الصيغة أنه يتوجب على الاشتراكيين الثوريين أن ينظموا العمال النساء بشكل منفصل عن العمال الرجال؟ الأمر هنا شديد الخطورة. فهذا يعني التنظيم بشكل منفصل عن الصراعات الأساسية للطبقة العاملة ـ تلك الصراعات التي يشترك فيها الرجال والنساء في الأغلب (وإن كان بنسب مختلفة في الصناعات المختلفة). وينتهي الأمر بتنظيم نساء الطبقة العاملة فى الأماكن التى يصعب عليهن فيها خوض تجربة النضال الجماعي وكسب الثقة لمواجهة النظام وأفكاره ـ بما في ذلك الأفكار التي تؤكد تبعيتهن للرجال. انهم يركزون على البيت أو المجتمعات التي تكون فيها النساء أكثر انعزالا بدلا من المصنع أو المكتب حيث  يبدأن بادراك القوة الجماعية للطبقة.

وفي أحسن الأحوال، أنتن تشتركن في حركة صاعدة، لكن بمجرد تراجع الحركة تكتشفن انغماسكن داخلها بدون أي ساحة أخرى للصراع. انكن تنزلقن إلى الاعتقاد بأن هذه هي “الحركة النسائية المستقلة” التي يجب المحافظة عليها كمسالة مبدأ، بصرف النظر عن العدد الذي يمكنكن تحريكه. وبذلك تصيبن أنفسكن والنساء الأخريات بالاحباط.

بالكاد يستطيع الثوريون الذين يحاولون العمل من خلال هذا الإطار تفادي التقاط العدوى من الاتجاهات السائدة فيما تبقى من الحركة النسائية – الإتجاهات التي ترى امكانية تغييرالأفكار من خلال تنمية الوعي – وليس من خلال النضال – الذي يستبدل محاربة النظام بالسياسات الفردية ويؤدي الى قدر أكبر من السلبية.

يتحدد الوعي بدرجة التواجد الاجتماعي. فعندما تقطعن صلاتكن بالساحات الرئيسية للصراع الطبقي من خلال الاصرار على منظمة المرأة “المنفصلة”، تبتعدن ـ بلا شك ـ عن الأفكار التي تنتج من الصراع الطبقي. على الرغم من أنفسكن، ينتهي بكن الأمر منتشرات حول “المستنقع”. من غير الصحيح أن وجود المنظمات “المنفصلة” يؤدي الى تطور الثقة لدى الاشتراكيات الثوريات لخوض النضال. فعلى العكس من ذلك، هذا التواجد يعني التخلي عن قيادة ـ الغالبية العظمى ـ من تلك النضالات التي يشترك فيها الرجال والنساء على حد سواء.

تجربتنا:

بالنسبة لـ(حزب العمال الاشتراكي) لم تبن تلك الأفكار على النقاش النظري – على الرغم من الأهمية الكبيرة لذلك – فهي تتفق مع خبرتنا في المنظمة. لمدة تتجاوز العشر سنوات ونحن نحاول اصدار جريدة نسائية منفصلة، صوت النساء، ولفترة حاولنا ـ أيضا ـ بناء منظمة منفصلة، منظمة صوت النساء. وقد رأت الغالبية العظمى من النساء المشتركات في المحاولة خطأ الفكرة.

فقد توجب عليهن التركيز ـ في كل الأوقات ـ على الموضوعات التي تؤكد نقاط ضعف النساء بدلا من القوة التي تكتشفها نساء الطبقة العاملة أثناء الصراع الطبقي لجميع العمال. بمجرد تحرك نساء الطبقة العاملة كعاملات، اتضح لنا عدم ملاءمة تدخل منظمة نسائية بحتة. إذ تعد الوحدة والصلابة ضرورة في أي احتجاج، وبالتالي لن يمكن الالتحام على أساس مسألة خاصة بالنساء. ولذلك دائما ما اقتصر التنظيم في منظمة صوت النساء حول الموضوعات الاجتماعية (اغلاق المستشفيات ، الاجهاض …الخ).

وبالطبع، أحيانا ما تكون هذه المنظمات مهمة في بناء منظمة ثورية في حالة ارتباطها بنضال العمال المنظم. ولكن في الواقع، تجعل المنظمات المنفصلة مثل هذا الارتباط مستحيل. لقد قررت الرفيقات ان تجربة صوت النساء أبعدتهن عن القيادة وجعلت منهن متذيلات للمسلك الرئيسي للنضال. كما رأت أفضل عضواتنا أنهن يرغمن على الانضمام الى الجيتو الخاص بالسياسات الاجتماعية للنساء فقط وأن في ذلك اضرار شديد بالحزب. فقد عزلت تلك المنظمات، النضال لتحرير المرأة عن بقية عملنا السياسي.

قليلا ما ناقش الحزب ككل أو عمل حول الموضوعات التي تحرّكت النساء من أجلها. فقد ترك هذا الأمر لمجموعات صوت النساء. ولم يتم تدريب أو تشجيع الرفيقات على تقلد الأدوار القيادية في الحزب، وقد تم ارسالهن لبناء صوت المرأة بدلا من ذلك. وبذلك نكون قد أنتجنا جيلا كاملا من النساء اللواتي لم يتمكن من طرح منظور سياسي اشتراكي متكامل ولم يتمرن على ادارة الأفرع والتدخل في الجدالات ـ باختصار، لم يتمرن على القيادة. ساهمت تجربة صوت المرأة في انتاج حزب اشتراكي عمالي يسيطر فيه الذكور.

البناء أثناء التراجع:

تظهر خطورة أخرى مع أي شكل من أشكال الحركية (النشاطوية). تتمثل هذه الخطورة في الانصراف عن رؤية الحركات ذات الموضوع الواحد كعامل مساهم في النضال الطبقي الأشمل ورؤيتها كغاية في حد ذاتها. يؤدي  الاصرار على أهمية وجود حركات “منفصلة” للنساء أو للسود الى نظرية شبه مرحلية بسهولة ـ نظرية ترى أنه من الممكن تأجيل الحديث عن نضال الطبقة العاملة الى أجل غير مسمى – بينما يتم بناء أشكال أخرى من النضال. ففي الولايات المتحدة الأمريكية ـ على وجه التحديد ـ تنقاد الجماهير الى القول بأنه نظرا لكون الغالبية العظمى من العمال من السود، النساء أو من المتحدثين بالأسبانية، يجب أن تسبق حركات فئات أولئك المضطهدين على احياء نضال الطبقة العاملة الأشمل. لكن في ذلك تحويل للسيناريو المحتمل من أجل انهاء التراجع الى ضرورة.

قد يبدأ احياء الصراع في أمريكا بعيدا عن مركز الطبقة العاملة بالمصانع والمكاتب ـ كما حدث في الستينات. لكن من الوارد أيضا أن يحدث ذلك كنتيجة للنضالات المشتركة للعمال البيض والسود، وللعمال الذكور والاناث على حد سواء ـ كما حدث قبل الحرب العالمية الأولى وأثناء الحرب الأهلية. وبالاضافة الى ذلك، حيثما يبدأ الصراع، فلن يستمر الى أبعد من نقطة معينة ما لم تتوفر ـ على الأقل ـ نواة المنظمة الثورية التي تشير الى ضرورة اشتراك الطبقة ككل في الصراع بما فيها من البيض والسود والذكور والاناث….الخ.

علينا أن نحاول خلق هذه النواة الآن ـ أثناء التراجع. لن يمكننا القيام بذلك اذا قمنا بعملنا على أساس أن فترة التصاعد قد بدأت وأخذت شكل أو آخر. فهنا والآن، توجد أقلية صغيرة من الناس مستعدة للاستماع الى الأفكار الثورية. ان المخاوف الناجمة عن الأزمة العالمية تؤهل عدة أفراد في كل حي، وفي كل مقر عمل، وفي كل جامعة لتقبل الطرح الاشتراكي الثوري.

يكمن مفتاح بناء منظمة ثورية في العثور على الفرد أو الفردين المتاحين ومناقشتهم في السياسة بشكل عام. يتم العثور على هؤلاء الأفراد ـ جزئيا ـ من خلال النشاط الدعائي العام للمنظمة كبيع الجريدة وتنظيم الاجتماعات المفتوحة…الخ. وأحيانا ما يتم العثور عليهم أثناء قيام الحركات الحقيقية التي يشارك فيها الشباب في النشاط لأول مرة (يتحتم التمييز بين مثل تلك الحركات والأخرى التي تقف عند حد اعادة تنظيم “الأحياء الموتى”، المرهقين والمتبقين من جيل الستينات). كما يتم العثور عليهم في الاحتجاجات التي لازالت تحدث على الرغم من التراجع. يقف العمال السود والبيض و النساء والرجال الى جانب بعضهم البعض في تلك الاحتجاجات ليبدأوا برؤية وميض خافت جدا للاحتمالات التي يفتحها النضال الطبقي الموحد.

تعوق الحركية (أو النشاطوية) بناء الثوريين بأي من هذه الطرق. فالحركية تعني أن تعطي لصلاتك الانطباع بأن المستقبل يكمن في “الحركات” وليس في بناء منظمة ترتبط بنضال الطبقة العاملة. انها تعني الهروب من الطرح الذي يتوجب تقديمه في فترة كالراهنة. ان أسوأ ما فيها هو احباطها الحتمي للجماهير. انهن يضيعن مجهودهن بالكامل في محاولة البناء من خلال مخطط مبالغ فيه ولا يتلاءم مع الفترة الراهنة على الاطلاق ـ لينتهي بهن الأمر مصابين بأعمق أنواع التشاؤم. ان أي فشل في فهم العلاقة بين النضال ضد الاضطهاد ونظيره ضد الاستغلال أو بين بناء الحركة وبناء الحزب يؤدي الى دفع ثمنا باهظا. تكمن العلاقة في اهمالك للفرص الموجودة من أجل بناء منظمة ثورية.

يمكننا كسب عدد من الأشخاص في كل بلدة أو مدينة أو جامعة لمهمة بناء مثل تلك المنظمة فقط عندما نكون على درجة عالية من الوضوح فيما يخص احتمالات قوة العمال وعندما لا نقدم التنازلات للذين فقدوا ايمانهم بها.

ـــــــــــــــــــــــــ

نُشر هذا المقال سنة 1984 في العدد رقم 23 من مجلة “الاشتراكية العالمية”، وهي دورية اشتراكية يصدرها “حزب العمال الاشتراكي البريطاني”.

Advertisements
تعليقات

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s