جون مولينو
كونور كوستيك
ترجمة: المناضل-ة
تقديم: جاذبية الفوضوية

على الدوام، مارست الفوضوية جاذبية على الذين يتمردون ضد هذا المجتمع المتعفن. و تمارس جاذبية خاصة على الشباب، وهذا فخر لها. في كل حركة جذرية وثورية، قام الشباب بدور يفوق وزنهم، لأن الشباب، غير الخاضع و غير المحطم، هو الأكثر حيوية و يبدي أكبر مثالية.

بوجه الاستغلال، و الظلم، و جبروت الدولة الرأسمالية، والسطوة الفتاكة لأيديولوجيتها، تنتفض الفوضوية. و تعلن أن ليس علينا أن نعيش على هذا النحو، وأن التقسيم إلى فقراء و أغنياء، مستغلين و مستغلين، مسيطرين و مسيطر عليهم ليس أمرا حتميا، و أن الحروب ليست قدرا محتما، شأنها شأن العنصرية و الاضطهاد و سيطرة أقلية على الأغلبية، و لا حتى أغلبية على أقلية.

وتعارض الفوضوية الفكرة التي مؤداها أن الجماهير، بحكم طبيعتها، بليدة أو أنانية، ومن ثمة لا بد لها من سلطة عليا تملي عليها ما يجب أن يكون سلوكها، و تمارس عليها رقابة. تؤكد الفوضوية أن بوسعنا أن نعيش في ظل تعاون وتناغم.

وترفض الفوضوية، باحتقار، النفاق و الانتهازية الكلبية للأوساط السياسية السائدة، حيث يتخفى الساسة البرجوازيون و يستعرضون أنفسهم كما يعرض الغسيل، وحيث السياسة، خلو من المبادئ، تحت رحمة استطلاعات الرأي.

تمثل الفوضوية بوجه خاص ردة فعل على الدمج المتنامي لأحزاب اليسار الرئيسة في هذا العالم السياسي الرسمي الفاسد. إنها تعطي تعبيرا جذريا للشعور الشائع في الطبقات الشعبية بأن كل الساسة صفر و لا يسعون سوى إلى الاستيلاء على السلطة، و لا ينشغلون سوى بملء جيوبهم.

لذا ليس مفاجئا، في الظروف الراهنة، أن تشهد الفوضوية انتعاشا محسوسا في أوربا. لم يسبق للاشتراكية الديمقراطية، خلال 100 سنة الأخيرة، أن تخلت عن كل احتجاج على النظام. ولم تبلغ بالوضوح الراهن ما بلغت في التواطؤ مع الدولة. كما كان لتفكك الأنظمة المسماة شيوعية ( أوربا الشرقية و الاتحاد السوفياتي سابقا) أهمية أكبر. فقد كان ملايين الناس في العالم يعتبرون تلك البلدان بديلا ” قائما فعلا” عن الرأسمالية الغربية.

لكن، منذ متم العام 1989، حطمت الأحداث بشراسة تلك الأوهام، مبرهنة ليس على الإفلاس الداعي للرثاء لاقتصاد الأوامر البيروقراطية وحسب، بل أيضا على حجم ما كانت الجماهير الشعبية تكن من حقد لتلك الأنظمة. انهارت الستالينية، ذلك التقليد الذي هيمن على أغلبية اليسار منذ 60 سنة. وتجاوز فقد العزيمة الناتج عن ذلك صفوف الأحزاب الشيوعية ليصل إلى كل من كانوا يعتبرون مجتمعات الشرق متفوقة، على نحو أو آخر، على الرأسمالية الغربية. يجب إذن توقع أن يعتبر الباحثون عن بديل جذري الفوضوية الأيديولوجية الوحيدة غير الملطخة بالدماء.

كما تمارس الفوضوية جاذبية قوية بصفتها حاملا لأسلوب حياة. ففي نظر قسم من الشباب الذي يعيش في فقر، و بلا عمل في الغالب، و حتى بلا سكن أحيانا، ويقطن منازل مهترئة، ويعيش إلى هذا الحد أو ذاك في هوامش المجتمع بالأحياء الفقيرة، مضطرا في الغالب إلى اللجوء إلى الجريمة الصغيرة، في نظر هؤلاء تمثل الفوضوية رفضا للنظام الذي استبعدهم.

لكن التطلع إلى أهداف نبيلة، والجاذبية القوية والمتنوعة، لا يضمنان لأيديولوجية ما القدرة على بلوغ الأهداف التي حددت. مثلا، مارست الستالينية جاذبية قوية على معارضي الرأسمالية والامبريالية، لكنها لم تكن في آخر المطاف غير مأزق. هل تشكل الفوضوية أيديولوجية قادرة على تحقيق النصر للنضال من اجل تحرر البشرية؟

هذه الكراسة تجيب: لا. و تسعى إلى البرهنة على أن التصورات الأساسية للفوضوية مشوبة بأوجه ضعف عديدة، وأنها لا تفضي عمليا سوى غلى كبح و النضال من أجل تحرر البشرية و عرقلته. و ستقدم هذه الكراسة نقدا لنظرية الفوضوية ولممارستها من وجهة نظر ماركسية ( أي من وجهة نظر الماركسية الكلاسيكية، وجهة نظر ماركس و لينين و تروتسكي، و ليس وجهة نظر الستالينية). و ستحاول البرهنة على أن الماركسية، دون سواها، و ليس الفوضوية، هي التي تفتح الطريق نحو المجتمع اللاطبقي المستقبلي، المجتمع الذي يعتبره الماركسيون والفوضويون هدفهم الأقصى.

أفكار الفوضوية

تتجلى الفوضوية في أشكال متعددة. ثمة الشكل الفرداني المحض، الرافض لكل تنظيم. لكن ثمة أيضا منظمات فوضوية صغيرة عديدة. و يعبر بعض الفوضويين عن إيمانهم بالإنسان، باستقلال عن المعيار الطبقي. و يتوجه آخرون، مثل الفوضويين الشيوعيين، نحو الطبقة العاملة. وثمة فوضوية العصابات الفلاحية لماخنو Makhno . وهناك الفوضوية التي تستبعد النقابات كأداة نضال، وهناك بعكس ذلك النقابية الفوضوية. ثمة فوضويون ثوريون أو الإرهابيون أو دعاة السلم أو الخضر. وهناك أيضا فوضويون لا تسعهم أي من هذه الفئات أو يدمجونها بطريقة خاصة بهم.

ثمة فوضويون متأثرون ببرودون، و آخرون بباكونين، أو كروبوتكين، لكن ليس ثمة “برودونيون” ، أو “باكونينيون”، أو “كروبوتكينيون”، يدافعون عن عقيدة أو خط سياسي محدد بدقة.

وبالتالي، تظهر الفوضوية للناقد هدفا دائم الحركة. انتقدوا نظرية أو خطا سياسيا دقيقا و سيتجلى أن اغلب الفوضويين لا يتبنونها. حللوا أفكار مفكر فوضوي كلاسيكي و سيتبرأ منه فوضويون آخرون.

ثمة، رغم هذه المصاعب، بعض الأفكار العامة و المواقف مشتركة بين كلتنويعات الفوضوية،أو كلها تقريبا، ويمكن أن تفيد كنقطة انطلاق لعملية نقد. و أهمها هي:

العداء للدولة، بكافة أشكالها، حتى الدولة الثورية.

العداء للقيادة، أيا كانت، حتى قيادة ثورية.

العداء لكل الأحزاب ، حتى الأحزاب الثورية.

سنتناولها واحدة تلو الأخرى.

2- الرؤية الفوضوية للدولة

المعنى الحرفي للفوضى anarchie هو انعدام سلطة، أي الاعتراض على الدولة و الحكومة، و ليس على دولة بعينها أو حكومة من نوع خاص، بل كل الدول و كل الحكومات في كل الأزمنة، بناء على موقف مبدئي. انه التعريف المميز للفوضوية بما عي عقيدة إيمان.

تقول الفوضوية إن وجود الدولة ذاته، بما هي كيان خاص من الرجال (و النساء) يمارسون السلطة الفعلية و القانونية على المجتمع برمته، فعل اضطهاد و غير مطابق للحرية الإنسانية الحقيقية. و للقضاء على الاضطهاد، و إرساء ملكوت الحرية، يجب استبدال سلطة الدولة بالجماعة المحكومة ذاتيا، المتخلصة من كل سلطة مركزية.

يبدو هذا المنظور، من وجهة نظر الأفكار السائدة، كارثيا أو مستحيلا. وجه الكارثة فيه، حسب تلك الأفكار، أن المجتمع بلا دولة سيغرق في حرب فوضوية، “حرب الجميع ضد الجميع”، حيث ستسود “شريعة الغاب” الشهيرة. و ستكون الحياة مقيتة “مقززة، و حشية، وقصيرة” (حسب تعبير فيلسوف القرن 17 توماس هوبز). وهو منظور مستحيل، بنظر الأفكار السائدة، لأن من طبيعة الأمور أن يسمو فرد أو مجموعة أفراد فوق الآخرين و يسيطرون عليهم. و بالتالي، لا يمكن أن نأمل أكثر من دمقرطة الدولة بانتخاب حكومة و اعتماد بعض الحقوق الديمقراطية ( حق التعبير ، الخ).

بصدد هذه المسألة، “الحس المشترك” على خطأ، و الفوضوية على صواب. إذ تثبت الأنتربولوجيا أن الكائنات البشرية قادرة على العيش في مجتمع بلا دولة و لا حكومة. ولم تكن تلك المجتمعات غارقة في فوضى، بل منظمة بقدر تنظيم مجتمعاتنا أو حتى أفضل منها. وقد اكتشف علماء الانتربولوجيا مجتمعات عديدة من ذلك القبيل و درسوها: ثمة مثال ممتاز هو الكونغ Kung أو كالوان براهمان Kaluhan Brahman في أفريقيا الجنوبية. وثمة دواع عديدة لاعتبار انعدام الدولة المعيار السائد خلال عشرات آلاف السنين الممتدة من أصل البشرية حتى انقسامها إلى طبقات اجتماعية (مع ظهور الزراعة، و تربية الماشية، و الملكية الخاصة) قبل 5000 إلى 10000 سنة.

كما أن الفوضوية على حق عندما تعتبر كل أشكال الدولة مؤدية إلى اضطهاد قسم من المجتمع من طرف قسم آخر.

و لا يغير ظهور الديمقراطية البرلمانية من هذا الأمر قيد أنملة. فالبرلمانات، أيا كانت طريقة انتخابها، لا تمسك بالسلطة الحقيقية. و تظل هذه السلطة في يد كبار موظفي الدولة ( جنرالات الجيش، قادة الشرطة، كبار القضاة،الخ) و رجال البنوك و كبار رجل الأعمال، الذين يستعملونها لخدمة مصالحهم و ليس مصالح الشعب.

لكن، إن كان مجتمع بلا طبقات ممكنا ومرغوبا فيه، فكيف يمكن التخلص من الدولة؟

عند التطرق إلى هذه السؤال الحاسم توحل الفوضوية.

لا يسعى بعض الفوضويين إلى الإجابة عليه. و يكتفون برفض فردي محض لسلطة الدولة، و لا يستشعرون بتاتا الحاجة إلى صياغة إستراتيجية متماسكة لإلغاء الدولة.

هكذا موقف يفضي إلى مأزق. إذ يترك الدولة حرة في تأبيد اضطهاد أغلبية السكان.

و هو أيضا موقف محكوم بالفشل، لأن ما من فرد، ولا مجموعة أفراد صغيرة، قادر في آخر التحليل على مقاومة قوة الدولة.

و يحاول البعض الهروب من سلطة الدولة بإقامة مجموعات صغيرة محكومة ذاتيا في القرى، وحتى قرب المطابخ. مع الأسف تواجه الكومونة الفوضوية المصاعب ذاتها التي اعترضت الكومونة الاشتراكية التي دعا إليها روبرت أوين و الاشتراكيين الطوباويين قبل أكثر من 150 سنة، ألا وهي:

انه حل غير ممكن سوى على نطاق أقلية صغيرة.

تظل هذه الأخيرة معرضة لكل ضغوط المجتمع برمته، و ينتهي بها الأمر (عاجلا أو آجلا (عاجلا في الغالب) إلى الفشل.

الجواب الأكثر جذرية، و الأكثر جدية، على هذا السؤال هو أن تحطيم الدولة سيكون بثورة، أي بعبارة أخرى، عبر انتفاضة جماهيرية تدمر خلالها الطبقة العاملة، بفعلها المباشر، مؤسسات الدولة الأساسية ( الجيش و الشرطة و المحاكم و السجون، الخ) و تفككها.

من وجهة نظر ماركسية، هذا الجواب صحيح كليا – وقد خصص لينين عمله النظري الأهم، كتاب الدولة و الثورة، للبرهنة على أن جوهر الثورة هو تدمير آلة الدولة ( على عكس المفهوم الاشتراكي-الديمقراطي و الإصلاحي حول الظفر بالدولة الحالية). فضلا على أن لهذا الجواب ميزة وصف عملية حدثت فعلا خلال التاريخ، خلال كومونة باريس في العام 1871، ثم في الثورة الروسية في العام 1917.

وكانت كل الثورات الشعبية الكبيرة، الألمانية في أعوام 1918-1923، و الإسبانية في العام 1936، و الإيرانية في العام 1979، و الرومانية في العام 1989، أبرزت سيرورات في هذا الاتجاه.

على الفور، يثير تدمير آلة الدولة القديمة سؤال البديل. بوجه عام، كانت الفوضوية ملتبسة بهذا الصدد. الجواب الوحيد المنسجم مع المبادئ الفوضوية هو وجوب استبدال فوري لجهاز الدولة القديم بجماعة تحكم نفسها بنفسها بلا دولة و لا حكومة و لا سلطة مركزية. هنا تفقد وجهة النظر الفوضوية كامل قوتها.

حسب النظرية الماركسية، عندما تتحقق الاشتراكية على نحو نهائي على نطاق عالمي، وتزول الطبقات، و يبلغ الإنتاج مستوى توافر المنتجات الضرورية للجميع، و عندما تصير عادة العمل لمصلحة الجميع طبيعة ثانية في البشر، ستفقد الدولة وظائفها و تتلاشى. هذا أمر، وإنه لأمر آخر اعتبار انه في عز الثورة، عندما يكون مصيرها قاب قوسين أو أدنى، و هذا حتمي، قد يمكن الطبقة الثورية أن تستغني فورا عن كل استعمال لسلطة ما.

سيكون موقف كهذا كارثيا لسببين أساسيين. أولهما أنه لا يأخذ بتاتا بالحسبان المقاومة الحتمية التي تبديها الطبقة السائدة القديمة. فصراع الطبقات لا يكف مع انتصار الانتفاضة. إذ يدل تاريخ كل الثورات على أن الطبقة السائدة القديمة لا يثنيها شيء، ليس فقط للحفاظ على سلطتها بل لاستعادتها عند استبعادها منها. و بما أن ثورة عالمية متزامنة غير مرجحة، يكون بوسع البرجوازيين المجردين من ملكيتهم الاعتماد على مساندة الحكومات و القوى الرجعية بالخارج.

يجب على ثورة ظافرة أن تدرك أنها ستواجه رفض البيروقراطيين التعاون، و التخريب الاقتصادي و المقاومة المسلحة، و الإرهاب، و الحرب الأهلية و التدخلات العسكرية الأجنبية. هل يمكن لشعب ثوري أن يدافع عن نفسه ضد هكذا أفعال مضادة للثورة دون الاستعانة بميليشيا أو بجيش عمالي، ودون محاكم شعبية و دون عدالة ثورية، ودون نظام ممركز لاتخاذ القرارات، ودون سلطة ممركزة، أي بعبارة أخرى دون شكل ثوري من سلطة الدولة؟ لا ، لا يمكنه ذلك.

تدل على ذلك تجارب تاريخية عديدة، لكن لنتناول مثالا مفترضا. نفترض أن على ثورة في فرنسا أن تواجه عصيانات ينظمها حزب الجبهة الوطنية [أقصى اليمين] في مدينة مرسيليا،مع تدخلات في الشمال الشرقي من قبل عصابات بيضاء مدعومة من ألمانيا. لتأمين دفاعها، سيتعين على الثورة أن تقرر أي قوات تتصدى لهجوم الشمال الشرقي، و أي قوى تواجه الجبهة الوطنية. كما يتعين عليها أن تقرر كيفية تسليح قواها و تموينها. ستكون هذه القرارات قرارات وطنية تتخذها حكومة وطنية . في هذا المجال، لن يكون أي نقص في التنسيق غير مقدمة للهزيمة.

ثاني مبرر لدولة ثورية: لا غنى لإرساء نظام اقتصادي جديد عن جهاز دولة. أمور كثيرة ستنجزها المبادرة الشعبية، مثل احتلال المصانع، و الرقابة العمالية على الصناعة، وخلق تعاونيات توزيع،الخ. لكن لا غنى عن دولة في هذا الطور.

نتناول مثالا آخر: من سيتملك الصناعات و المنشآت التي سُتنزع من الرأسماليين؟ إذا تملك هذه المصانع عمال كل مقاولة و ليس الدولة الجديدة، سيُعرقل التعاون و التخطيط. و سينبثق تنافس بين مختلف المقاولات، و بالتالي تتكاثر المشاريع الرأسمالية الصغيرة في الاقتصاد. لن يشكل نقل ملكية الصناعات إلى مجمل الجماعة حلا قابلا للتطبيق الفوري. ولن يمكن ذلك إلا في طور لاحق، عندما تظهر جماعة موحدة فعلا. لكن “الجماعة” تكون خلال ثورة مقسمة إلى طبقات و أقسام متعارضة، تحارب بعضها البعض. و من ثمة تحتاج الجماعة الثورية حاجة ماسة إلى مؤسسات تجسد مصالحها.

نتناول أيضا مثال العاطلين، و العمال غير المشتغلين بسبب المرض و غيرهم ممن يعيشون حاليا بالتعويضات الاجتماعية المختلفة. في مجتمع اشتراكي كامل التطور (أي فوضوي)، ستكون البطالة قد زالت كليا و المنتجات موزعة حسب الحاجات. لكن بعد الثورة مباشرة، ستتوقف حياة ملايين الناس على تلك التعويضات و على الدولة. وسيموتون جوعا إذا لم يحصلوا على التعويضات. و هذه ناتجة أساسا عن الاقتطاعات من أجور العاملين. و بالتالي لا بد، خلال الأشهر و السنوات التالية للثورة، من سلطة تقوم بجمع الضرائب. لا غنى، و الحالة هذه، عن دولة.

هنا يكمن ضعف الفوضوية بصدد هذه المسألة: لها في الغالب تصور رومانسي للثورة. بعد “المساء العظيم” تزول كل المصاعب بفعل قوة الإرادة الخالصة. خلال ثورة، يتعاون عشرات ملايين الأشخاص سويا من أجل تغيير المجتمع. و خلال هذه السيرورة، تتغير تلك الملايين نفسها. فنهوضها السياسي و الاجتماعي، وشعورها بالانتماء إلى جماعة، يتغيران و يتطوران بشكل كبير. و لا يمكن بدون هذا بناء مجتمع جديد. لكن سيرورة التغيير ليست، ولا يمكن أن تكون، كلية ومتجانسة لسبب بسيط متمثل في أن كل أقسام الطبقة العاملة غير منخرطة في النضال بنفس الحدة. لا بل يمكن لأقسام من هذه الطبقة أن تجانب الثورة أو حتى تعارضها. و هذا يصح أكثر بالنسبة لملايين الأشخاص الذين يشكلون الشرائح الدنيا من البرجوازية الصغيرة. و بالتالي، خلال كل المرحلة التالية للثورة، سيكون قسم من السكان متأثرا، بصدد بعض المسائل، بالأفكار القديمة، وسيتبع الطبقة السائدة القديمة. و يجب أن تُفرض عليها أحيانا، بالقوة إن اقتضى الحال، قرارات الأغلبية.

من حيث المبدأ، نفس الأمر قائم عندما يقيم العمال المضربون حاجز إضراب لمنع أقلية منهم من نسف حركتهم بالذهاب إلى العمل. ليست الدولة العمالية، في آخر التحليل، غير الشكل الأرقى لحاجز إضراب.

يعتبر بعض الفوضويين أن مجرد وجود دولة يعني تشكل نخبة ذات امتيازات مفسدَة بالسلطة، تتطور بسرعة نحو استبداد جديد. لكن هذه الحجة تجهل أن الطبقة العاملة برهنت مرارا على قدرتها على خلق أدوات سلطة ثورية مغايرة تماما، شكلا ومضمونا، للدولة الرأسمالية القديمة. أدوات قائمة على الديمقراطية و المساواة على السواء.

وضعت كومونة باريس مبادئ وجوب انتخاب كافة الموظفين، وقابلية عزلهم و اقتصار أجورهم على أجرة عامل. إن السوفييت ( أو مجلس العمال)، الذي انبثق أول مرة في سان بطرسبورغ خلال ثورة 1905 الروسية، ثم امتد إلى مجمل روسيا في العام 1917، قد تجاوز طورا جديدا بانتخاب المندوبين في أماكن العمل، لا سيما المصانع. وقد حسنت هذه البنية بشكل كبير الرقابة من أسفل، بجعل الممثلين مسؤولين أمام المتحدات حيث تمكن النقاشات الديمقراطية. ومذاك ظهرت مجالس عمالية خلال الثورة الألمانية في 1918-1919 ، و في ايطاليا في العام 1920، و في المجر عام 1956، و بشكل جنيني في الشيلي عام 1973، و في إيران عام 1979، وفي بولونيا عام 1980.

لا تقوم مجالس العمال وفق خطة مدروسة بعناية وموضوعة سلفا. إنها الشكل التنظيمي البديهي الذي تتبناه الطبقة العاملة عندما يبدأ نضالها يضع موضع سؤال النظام برمته. وتمثل نواة الدولة العمالية القادمة، التي ستحل مكان جهاز الدولة الرأسمالي و تشرع في الانتقال إلى مجتمع لاطبقي، تضمحل فيه الدولة.

السؤال الأساسي هو التالي. طبعا، ليست الدولة مؤسسة أبدية، لكنها ليست مجرد ثمرة خطأ أو أفكار غير متنورة صاغها البشر، و أبقتنا في جهل و بؤس حتى جاء الفوضويون ليشرحوا لنا أن البشرية ليست بحاجة إليها. فالدولة تنبثق من بعض الظروف الاقتصادية و الاجتماعية – أولها، قبل غيرها، انقسام المجتمع إلى طبقات متصارعة على أساس مستوى منخفض من قوى الإنتاج- و لا يمكن إلغاؤها إلا بتغيير جذري لتلك الظروف. و لا بد، لإنجاز هذه التغييرات، من شكل ثوري جديد من الدولة. برفض قبول هذا، تحكم الفوضوية على نفسها، رغم كل نواياها الحسنة، بالإفلاس. و عندما تهيمن الفوضوية في حركة ثورية فإنها تقود الثورة إلى الإفلاس.

3- الرؤية الفوضوية للقيادة

غالبا ما يعلن الفوضويون رفضهم لكل قيادة. هذا أمر قابل تماما للفهم. في مجتمع رأسمالي، تعتبر الطبقة السائدة دوما أنها ُخلقت للقيادة. وتلك إحدى “المزايا” الأولى التي تحاول ترسيخها في أذهان ذريتها بمختلف مدارس تكوين نخبها. هكذا ُتربط “القيادة” بالغطرسة و التخويف و الامتيازات. و الفوضويون على حق حينما يرفضون هذا.

و لا تعطينا القيادات السياسية “اليسارية” صورة أفضل. فعلى امتداد القرن العشرين، كانت صفة قائد “اشتراكي” أو اشتراكي-ديمقراطي مرادفا للاعتدال و للترقي الاجتماعي. كان المسار الكلاسيكي لمناضل هو التالي: الظفر بدعم من القاعدة باستعمال خطابة و سياسة ظاهرهما جذري، ثم البروز التدريجي في الحركة بالتجرد من المبادئ واحدا تلو الآخر، حتى صيرورة عضو كامل العضوية في النخبة السياسية، ببزة و ربطة عنق، و سيارة بسائق، وأجرة مرتفعة، وعلاقات متعددة مع أوساط رجال الأعمال و الموظفين، أي بعبارة أخرى الوقوع في أسر النخبة التي ادعى نية تغييرها.

وقد كان مسار القادة النقابيين على نفس المنوال. بمجرد ما يصبحون مداومين [متفرغين للنقابة]، يتخلون عن الظروف الصعبة لقاعدتهم نحو رفاهية المكتب. ويزول ارتباط أجرهم و ساعات عملهم بأجور و ساعات عمل من يمثلون. ويبدؤون مراكمة الامتيازات. وظيفتهم الوساطة بين العمال و إدارة المقاولة. و يقضون من الوقت مع الإدارة أكثر مما يقضون رفقة قاعدتهم. و يغدو الإفساد بمعناه السياسي، وحتى المالي، حتميا إلى هذا الحد أو ذاك. وبسرعة يبلغون مستوى اعتبار الإضرابات و نزاعات العمل هي المشكل. و يتضاءل، شيئا فشيئا، انشغالهم بالتكتيك الضروري لانتصار العمال. و يعتبرون أن أفضل سبل تجاوز تلك النزاعات هو الحصول على تنازلات صغيرة ستقبلها قاعدتهم.

إن قيادة من هذا الطراز كارثية من الناحية السياسية. خلال النضالات الكبرى، عندما ينخرط العمال في المعركة، و يمسكون زمام أمورهم بأيديهم، تكون غريزة قادة من هذا القبيل محاولة تهدئة الأمور و العودة إلى وضع “عادي”. و إذا كان هذا سيستتبع خيانة القضية المفترض أنهم يمثلونها فسيخونونها.

و تمدنا أحداث مايو 1968 بمثال كلاسيكي. فقد كانت حركة الطلاب و العمال العفوية على نحو استثنائي قد هددت نظام دوغول بالمواجهات الجماهيرية في أزقة باريس، و باعتصامات الطلاب، و بالإضراب العام لعشرة ملايين عامل مع اعتصامات عديدة في المصانع. قام “قادتها”، وأغلبهم مسؤولون بالحزب الشيوعي و بنقابة الاتحاد العام للعمل، بكل ما أوتوا لاحتواء تلك الحركة المنطوية على طاقة ثورية، و الاكتفاء بجملة مطالب هي بالأحرى متواضعة حول الأجور و ظروف العمل. و بذلوا المستطاع ليعيدوا الجميع إلى العمل في أقرب وقت.

يمكن بسرعة أن نستنتج من هذه التجارب، الكثيرة في تاريخ النضالات العمالية و الحركة الثورية، أن وجود قيادة يطرح بحد ذاته مشكلا. و أنه يجب الاستغناء عن القيادة. مع الأسف يطرح هذا الاستنتاج صعوبة منيعة. إن وجود ” قيادات” أمر واقع، و ليس نتيجة أفكار خاطئة، أو إرادة أفراد أو بعض الهياكل التنظيمية. انه ينبع حتما من تنوع التجارب.

حتى في أعمال العصيان الأكثر عفوية، من مظاهرات و إضرابات و انتفاضات، التي أبان التاريخ أنها لم تتزود بقيادة أو هياكل شكلية، يمكن أن نكتشف عند دراستها بدقة وجود قيادة أو هياكل لاشكلية، منها الشخص الذي يعطي إشارة الهجوم في اللحظة الحاسمة، و أولئك الذين يتقدمون الحشود، و الشخص الذي رمى أول حجر، الخ.

ولا ُتستثنى الفوضوية من هذه الظاهرة. فمهما بلغ عداء الفوضويين لفكرة القيادة، كان لحركتهم دوما قادة في الواقع. تاريخ الفوضوية- مثل تاريخ الاشتراكية و بالأحرى الحركات المحافظة- هو جزئيا تاريخ قادتها: برودون، كروبوتكين، ماخنو، غولدمان، فولين، و حتى دانيال كوهن بنديت. إن الحركات الفوضوية، إذ ترفض شكليا الاعتراف بوجود قادة، لا تسهل الأمور. فكون القادة الفوضويين غير منتخبين شكليا، يحول دون عزلهم أو إخضاعهم للرقابة الديمقراطية. لذا تكون الحركات الفوضوية مطبوعة على نحو خاص بممارسة قيادات معلنة لذاتها، و تعيد تنصيب نفسها، وحتى معينة من طرف وسائل الإعلام ( عانت الحركات الطلابية العفوية لسنوات 1960 بشكل كبير من ممارسة و سائل الإعلام عملية انتقاء “النجوم” هذه و دفعها إلى الواجهة).

إذا كانت الفوضوية عاجزة عن حل مسألة قيادتها الخاصة، فهي أعجز عن حل مسألة قيادة الطبقة العاملة برمتها. و تاريخيا كانت الاشتراكية الديمقراطية أو الستالينية هي من قاد الطبقة العاملة، ومن ثمة كثرة الخيانات و الهزائم و الاستسلامات من لدن الأممية الثانية بوجه النزعة الوطنية في العام 1914 و بوجه هتلر في العام 1933 و صولا إلى تواطؤ الحزب الاشتراكي الفرنسي اليوم مع العنصرية.

بوجودها ذاته، تشكل الفوضوية تحديا وبديلا ممكنين لهيمنة تلك القوى. إن مجرد إنتاج كتب، وكراسات، و جرائد، و مناشير، وحتى إلقاء خطابات، يشكل بالنسبة للفوضويين معركة من أجل التأثير على يسار الطبقة العاملة. لكن رفضهم لفكرة القيادة، ومن ثمة امتناعهم عن النضال سياسيا و تنظيميا للظفر بقيادة الطبقة العاملة، يجعلهم يساهمون ليس في تحررها ، بل في تأبيد هيمنة القادة الخونة، الاشتراكيين الديمقراطيين أو الستالينيين.

لا يمكن التخلص من المسألة بقول:” ليس القيادة ما يهم بل الجماهير”. إن التصور البرجوازي للتاريخ، بنزعته النخبوية و الفردانية المنهجيتين، يبالغ طبعا أهمية القيادة، لدرجة اختزال التاريخ في تعاقب الملوك، و الأباطرة، و الجنرالات، والرؤساء. و هذا ما لا يمكن أن ينساه ماركسي، أكثر من سواه. لكن فعل القادة له دور. ليس بوسع القادة تدبر الثورات، أو بالعكس، إطلاق حركات جماهيرية بمحض إرادتهم. و أكثر من ذلك، ليس بمقدورهم القيام بثورات. وحدها الجماهير قادرة على ذلك. لكن عندما توجد حركة جماهيرية ووضع ثوري، قد يؤثر دور القيادة، بشكل ملموس، على النتيجة، وأحيانا، قد يشكل عاملا محددا للنصر أو الهزيمة.

كانت الحركة العمالية الجماهيرية في ألمانيا، أثناء صعود هتلر إلى السلطة (1929-1933)، موزعة بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي و الشيوعيين. لو وحدت قواها لنجحت من وقف النازيين. تعرقلت الوحدة من جهة بفعل إرادة القادة الاشتراكيين الديمقراطيين، كالمعتاد، تفادي كل مواجهة، ومن جهة أخرى بفعل القادة الشيوعيين الذين كانوا يتبعون أوامر ستالين القاضية بتركيز نيرانهم على الاشتراكيين الديمقراطيين و ليس على النازيين. كلاهما سهل بشكل كبير صعود هتلر إلى السلطة.

لذا، و بالنظر إلى استحالة تجاهل مسألة القيادة بكل بساطة، يبقى البديل الوحيد لدى من يريدون تغيير المجتمع جذريا هو العمل لبناء قيادة ثورية فعلا:

تكون تحت الرقابة الديمقراطية لأنصارها،

تقاوم المفعول المفسد للنظام،

تكون قادرة على تبصر طريق النضال الواجب انتهاجه

إن البلبلة النظرية للفوضوية حول هذا الأمر، و صنميتها المناهضة للقيادة، يجعلانها عاجزة عن الاضطلاع بهذه المهمة.

4- الفوضوية و الحزب الثوري

تثير مسألة القيادة الثورية مباشرة مسألة الحزب الثوري. و إن معارضة الفوضوية لفكرة حزب أقوى من عدائها للدولة و لكل قيادة.

مرة أخرى، هذا أمر قابل للفهم كليا. فقد كانت أحزاب تدعي أنها ماركسية، و لينينية ، وعمالية، الأدوات الرئيسية لاضطهاد و استغلال ملايين العمال في البلدان الشيوعية المزعومة. أثار هذا ردود فعل على نمط واحد في عدائها للحزب. عندما ندرك الطبيعة المحافظة، و البيروقراطية، و الانتهازية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية و الإصلاحية، و نعرف العصبوية الخانقة المميزة لبعض منظمات اليسار الراديكالي، يصبح الارتياب من فكرة حزب حتميا على الأرجح.

مع ذلك، يمثل بناء حزب ثوري أمرا حاسما سواء لقيادة النضال الطبقي يوما بيوم، أو لتأمين نجاح الثورة القادمة.

يعود هذا إلى سببين لا محيد عنهما. أولهما أن الطبقة العاملة ستضطر إلى مواجهة عدو بالغ المركزية و فائق التنظيم. يتطلب هزم الطبقة العاملة لهكذا عدو أن تنظم قواها الخاصة. وهذا صحيح بالنسبة لكل مكان عمل، و في كل صناعة. هنا يواجه العمال سلطة الرأسمال الممركزة. إن التنظيم ووحدة عمل الأجراء هما الشرطان الأوليان لكل مقاومة فعالة. فالعمال الذين يحاولون مواجهة رب العمل فرديا، بلا تنظيم جماعي لدعمهم، يتعرضون للطرد بكل بساطة. ضرورة التنظيم هذه يدركها كل عامل له حد أدنى من الوعي الطبقي و السياسي. لذا فإن الفوضويين الذين يرفضون فكرة التنظيم يحكمون على أنفسهم بالانعزال عن الطبقة العاملة.

المبرر الثاني الأساسي لضرورة حزب ثوري هو كون وعي الطبقة العاملة السياسي يتطور دوما على نحو متفاوت. فوسائل الإعلام الواقعة تحت تحكم الرأسماليين، و نظام التعليم، و الكنيسة، ومؤسسات أخرى عديدة، تضمن للأيديولوجية الرأسمالية أن تمارس، في ظروف “عادية” ، أي خارج فترات النضالات الثورية الجماهيرية، تأثيرا قويا على وعي أغلبية العمال. طبعا ليست رؤوس هؤلاء خاوية، إذ أن تجربتهم في الاستغلال، و الاضطهاد، و الفقر و البطالة تجعلهم أيضا يعترضون على ما يقوله لهم قادة النظام.

بوجه عام، يمثل وعي العمال الطبقي مزيجا من الخلاصات التي يستنتجون من تجربتهم و أفكار رجعية تم ترسيخها في أذهانهم. مثلا، يكره عمال عديدون رب عملهم، و يدركون أن ثمة قانونا للأغنياء و آخر للفقراء. لكنهم قد يقبلون في الآن ذاته أحكاما مسبقة عنصرية ، جنسوية، و غيرها. وقد يكون عمال آخرون معادين للعنصرية، و للميز الجنسي، و يقبلون مع ذلك تعذر اشتغال الصناعة بلا محرك الربح. في الظروف العادية، وحدها أقلية من العمال تعارض منهجيا و بتماسك الرأسمالية و ترفض أفكارها.

هذا ما يجعل وجود منظمة سياسية قائمة على هذه الأقلية العمالية الواعية سياسيا أمر جوهريا، بغاية قيادة النضال من أجل الأفكار الثورية داخل الحركة بمجملها، و قيادة نضالات الطبقة العاملة و المضطهدين.

لذا ليست الإستراتيجية المتبعة من قبل فوضويين عديدين، يقبلون ضرورة منظمة للطبقة العاملة- أي إستراتيجية النقابية الفوضوية- مواتية. تعارض النقابية الفوضوية فكرة حزب سياسي ماركسي بفكرة نقابية ثورية. يمثل هذا التيار خطوة إلى أمام قياسا بالفوضوية الفردانية، لأنه يتوجه نحو الطبقة العاملة. لكنه تقدم غير كاف.

النقابات منظمات جماهيرية مشكلة من العمال بقصد التفاوض و النضال حول الأجور و ظروف العمل في إطار علاقات الإنتاج الرأسمالية. و يتعين عليها، كي تقوم بهذه الوظيفة بفعالية، أن توسع إلى أقصى حد صفوف أعضائها. و الحالة الأمثل هي أن تضم النقابة كل عمال المقاولة، و فرع الإنتاج و الصناعة، ما عدا كاسري الإضرابات المعروفين، و الفاشيين، الخ. لهذا تنظم النقابة حتما، وعن حق، عددا كبيرا من العمال مشوشي الأفكار، وحتى الرجعيين بصدد بعض المسائل.

لا بد إذن من نمط آخر من التنظيم العمالي، أي الحزب السياسي، الذي يخوض المعركة حول الأفكار، و الإستراتيجية و القيادة الثورية داخل النقابات، كما في باقي شرائح المجتمع غير المنظمة في النقابات أو في أماكن العمل (العاطلون، الطلاب، النساء بالبيوت، الخ).

الفوضويون الذين لا يدركون ضرورة نضال منسق من أجل الأفكارالثورية، و يشكلون بالتالي منظماتهم النقابية المتميزة عن الاتحادات العمالية الكبرى، إنما يبنون في الواقع أحزاب فوضوية لا تريد أن تسمي نفسها. يرفضون الاعتراف صراحة بذلك، لكنهم لا يتفادون المشاكل التي تشهدها باقي المنظمات. انه بالأحرى مكمن ضعف بوجه هذه المصاعب، لأن بلبلتهم بصدد المسألة، مثل بلبلتهم بصدد الدولة و القيادة، تمنعهم من تطوير إستراتيجية متماسكة أو صياغة فكرة ما واضحة عن بنيات منظمتهم الخاصة و دورها.

إن ضرورة منظمة عمالية طبقية، و تفاوت تطور وعي العمال واقعان قائمان. لا جدوى من إنكارهما، سوى الظن أن إضفاء المثالية على الطبقة العاملة أمر ثوري. الاعتراض الفوضوي الأكثر شيوعا مؤداه:” دلت التجربة أن الأحزاب التي تعلن نفسها ثورية تنحط حتما، و تتبقرط، و تشجع النخبوية و التحكمية و عيوب أخرى. و يتسائل الفوضوي قائلا : ما ضمانة ألا يتبع الحزب الذي تقترح نفس الطريق؟”

طبعا، ما من ضمانة مطلقة ألا يتبع هذا المسار، مثلما لا توجد ضمانة مطلقة لانتصار الثورة، أو نجاح مظاهرة أو إضراب، وبالتالي أيضا انتصار الفوضوية. الطريق الواقعي الوحيد هو أولا تحديد أسباب انحطاط كل تلك المنظمات و الأحزاب العمالية، ثم تحديد ما العمل لاتقائه.

غالبا ما يفسر الفوضويون الأمر بتعطش خاص لدى القادة إلى السلطة، أو التحكمية المميزة لبعض الأشكال التنظيمية مثل المركزية الديمقراطية. التفسير الأول متهافت، لأن الانحطاط البيروقراطي لم يقتصر على الأحزاب اللينينية بل شمل كل أشكال التنظيم العمالية، من أحزاب إصلاحية جماهيرية و نقابات، وحتى منظمات فوضوية.

و على العكس، يفسر الماركسيون هذا الميل إلى التبقرط بالضغوط التي يمارسها على المنظمات العمالية المجتمع الرأسمالي ذاته حيث تولد تلك المنظمات. تمارس تلك الضغوط على صعيدين. فمن جهة، يؤدي الاستغلال و الاضطهاد و العمل المستلب الذي تمارسه الرأسمالية على العمال إلى كبح تطور ثقتهم في الذات و تطور الوعي الضروري لمراقبة قادتهم. ومن جانب آخر، تمارس الرأسمالية، بحكم طبيعتها بالذات، تأثيرا مفسدا مستمرا على القادة، يميل مباشرة أو مداورة إلى عزلهم عن قاعدتهم.

هذه العناصر حاسمة لتفسير المثال الأكثر مأساوية عن انحطاط حركة ثورية، مثال تحول البلشفية إلى الستالينية.

أدت ضغوط الرأسمالية العالمية على الثورة الروسية بالتدخل العسكري، و الحرب الأهلية الداخلية المدعومة من خارج، إلى تفكيك الطبقة العاملة التي حققت ثورة 1917. تلك الطبقة التي بلغت آنذاك مستوى عاليا من الوعي و الثقة بالذات أهلكتها الحرب و المجاعة و الأوبئة و الانهيار الاقتصادي. وكانت عاجزة عن الاستمرار في ممارسة سلطتها الديمقراطية على المجتمع برمته. وكان تبقرط القيادة نتيجة ذلك المحتمة.

ومن جهة أخرى،كان ضغط الرأسمالية على تلك القيادة البيروقراطية (المجسدة بستالين) قد دفعها إلى التخلي عن الثورة العالمية ( القادرة، دون سواها، على إنقاذ روسيا العمالية). و سارت في تنافس مع الرأسمالية على أرضيتها الخاصة بإرساء استغلال رأسمالي دولاني بقصد تحقيق تراكم رأسمالي. [*]

وفي ظروف مغايرة، أدت نفس الضغوط إلى سيطرة شريحة من الموظفين النقابيين على النقابات و الممثلين البرلمانيين على الأحزاب الإصلاحية.

كيف يمكن لحزب ثوري، و الحالة هذه، الاحتماء من تلك الضغوط التي سيتعرض لها دوما داخل المجتمع الرأسمالي؟ ثمة أربع إجراءات أساسية:

يجب على الحزب أن ينخرط في النضالات العمالية اليومية. إذ تمارس العلاقة الناتجة عن ذلك ثقلا موازنا لضغوط الرأسمالية. و بالعكس تستند الأحزاب الإصلاحية أساسا على سلبية العمال، فيما لا تنسج العصب السياسية أي علاقة مع الطبقة العاملة.

يجب أن يتبنى الحزب مبادئ ثورية. فهذا يبعد من صفوفه العناصر الانتفاعية أو المتخلفة التي يسهل التلاعب بها.

و يجب، لأسباب جلية، ألا تستتبع مناصب القيادة في الحزب أي امتياز مادي.

يجب أن تُقرن بنية الحزب الديمقراطية ( النقاش الحر لسياسته، وانتخاب القادة ومراقبتهم) بالمركزية (وحدة الفعل لتطبيق قرارات الأغلبية). غالبا ما يعتبر الفوضويون المركزية و الانضباط آلية تحكم من فوق. و في الواقع هي تشكل في حزب ثوري أداة للديمقراطية لأنها تتيح تطبيق سياسة الحزب من قبل القادة. انه وضع مناقض لوضع المنظمات الممركزة حيث القادة “أحرار” في تجاهل سياسة الحزب أو رسمها هم أنفسهم بلا رقابة.

في نهاية التحليل، العلاقة الحية بين الحزب و النضال الطبقي هي التي ستكون حاسمة. و لا يمكن تأمين هذه العلاقة مسبقا حتى بأفضل الأنظمة الداخلية. ومع ذلك لا غنى لانتصار الثورة عن حزب. إن المركزية الديمقراطية اللينينية هي التي تمنح الوسائل المناسبة لمقاومة الضغوط التي يمارسها المحيط الرأسمالي على الأحزاب العمالية.

لا تقوم الفوضوية، إذ ترفض كل حزب، و الحزب اللينيني بوجه خاص، سوى بالإسهام في نزع السلاح السياسي و التنظيمي للطبقة العاملة. إن الطريق الذي تقترح هو طريق هزيمة الثورة.

5- الجذور الاجتماعية للفوضوية

إن الرؤية الرأسمالية للعالم، السائدة في وسائل الإعلام ونظام التعليم، تعتبر مختلف الأيديولوجيات صنائع مفكرين استثنائيين، يحللون العالم من وجهة نظرهم الخاصة، بواسطة القيم و حدة الذهن و المسبقات الخاصة بهم، الخ. وهذه الأيديولوجيات المتباينة- المحافظة و الليبرالية و الاشتراكية و الفوضوية متنافسة في سوق الأفكار من أجل أفضل تمثيل للمصلحة العامة و الوطنية.

لا يتصور الماركسيون الأيديولوجيات على هذا النحو. صحيح أن الأيديولوجيات غالبا ما يضعها أو يعبر عنها لأول مرة فرد (ماركس مثلا فيما يخص الماركسية). لكن فكر الأفراد مكيف بعمق بموقعهم الاجتماعي و تجربتهم. و الأيديولوجيات غالبا ما يطورها و يعيد صياغتها عدد كبير من الناس. و إذا كسبت إحداها قاعدة اجتماعية هامة، فلأنها تطابق الظروف و المصالح و التطلعات الخاصة بمجموعة اجتماعية محددة وتعبر عنها على نحو متماسك.

ليست هذه السيرورة بسيطة و لا هي آلية. فما من إيديولوجية تعبر بجلاء و بالضبط عن المصالح الحقيقية لمجموعة اجتماعية خاصة، ويتبناها كل أعضائها. على العكس، غالبا ما تكون العلاقات بين الأيديولوجيات و جذورها الاجتماعية معقدة و مشوهة.

إن المجموعات الاجتماعية متراكبة ومتفاعلة و متبادلة التأثير. بيد أن لرؤى العالم تلك جذور اجتماعية. المجموعات الأساسية للمجتمع هي الطبقات الاجتماعية ( المحددة بموقعها في عملية الإنتاج)، ومن ثمة فإن للأيديولوجيات جذورا طبقية و قاعدة طبقية.

إن الرؤية المحافظة ( بكل تنويعاتها، التورية torysme في بريطانيا، و الديمقراطية المسيحية بأغلب بلدان أوربا) تمثل جيدا الأيديولوجيا السائدة للطبقة الرأسمالية اليوم.

وقد كانت ليبرالية القرن التاسع عشر أيديولوجيا البرجوازية الصناعية الصاعدة. وفقدت، منذئذ، تفوقها لتصبح انعكاسا لخليط من مصالح قسم من الطبقة الرأسمالية وقسم من الطبقة المتوسطة، أو البرجوازية الصغيرة. وكانت الاشتراكية نظرية الطبقة العاملة، لكن الاشتراكية-الديمقراطية و الإصلاحية أعادت صياغتها لتخدم مصالح بيروقراطية الأحزاب العمالية و الحركة النقابية. وكانت الستالينية في الاتحاد السوفييتي إفسادا للاشتراكية بقصد خدمة مصالح بيروقراطية رأسمالية الدولة السائدة [*].

تسعى الماركسية الكلاسيكية ( أو الاشتراكية الثورية) إلى التعبير عن مصالح الطبقة العاملة. إنها تحليل عام للتاريخ، و المجتمع و السياسة من وجهة نظر الطبقة العاملة، وقائم على تجربتها.

وبالتالي، لا تكب الأيديولوجيات المتنافسة على سعي مترفع إلى المصلحة العامة، بل هي جزء لا يجزأ من مشاريع مختلف الطبقات و الفئات الاجتماعية لتغليب إرادتها داخل المجتمع. فالاعتراض الأساسي بوجه النزعة المحافظة، على سبيل المثال، ليس طابعها المتجاوز تاريخيا أو الطابع الخاطئ لبعض أطروحاتها، بل كونها تمثل ( بنجاح مع الأسف) مصالح الطبقة المستغلة [ بكسر الغين].

ما هي، و الحالة هذه، الجذور الاجتماعية للفوضوية؟ وعن تجربة أي فئات اجتماعية تعبر؟ هذه الأسئلة حاسمة لتقييم إجمالي للفوضوية بما هي أيديولوجيا.

كما سبق أن أكدنا، تكتسي الفوضوية أشكالا متعددة. و بالتالي يتعذر إعطاء جواب بسيط لهذه الأسئلة. سنتناول الأمر بمنهجية استبعاد الحالات.

أولا، جلي أن الفوضوية ليست أيديولوجيا الطبقة الرأسمالية، فهذه وفية كليا لحماية دولتها و نظامها الاجتماعي. و هي ليست أيديولوجيا ذلك القسم من البرجوازية الصغيرة، أرباب عمل المقاولات و التجارة.. الخ ، الذي يقبل وهو تحت سلطة الطبقة الرأسمالية أيديولوجيتها المحافظة، لكنه قد يترجح نحو الفاشية في زمن الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية القصوى، عندما يكون وضعه و مدخراته مهددين. كما أن الفوضوية ليست أيديولوجيا تلك الفئة المتميزة من البرجوازية الصغيرة في الرأسمالية الحديثة، فئة مسيري و مدراء المؤسسات المحلية و الشؤون الاجتماعية، الذين يتبنون، عندما ينتفضون ضد النزعة المحافظة، الليبرالية أو الإصلاحية الاشتراكية الديمقراطية، مع تعاطف مع ” الرأسمالية ذات الوجه الإنساني”.

لكن هل بوسع الفوضوية ادعاء تمثيل نظرية للطبقة العاملة؟ باستثناء النقابية الفوضوية، التي سنعود إليها لاحقا، الجواب بالنفي بكل جلاء.

أولا، لأن مفكرين فوضويين ُكثر يرفضون الطبقة العاملة أو ينكرون قدرتها على أن تصير عامل التغيير الاجتماعي. وثانيا، لأن الموضوعات السائدة في الفكر الفوضوي – الفردانية و العداء للتنظيم (أو في أفضل الحالات اللبس بهذا الشأن)، ورفض الدولة بوجه عام – هي غريبة عن تجربة العمال و حاجات النضال العمالي.

الطبقة العاملة طبقة ميالة إلى التشريك بحكم موقعها الاجتماعي و الاقتصادي في المجتمع الرأسمالي. تجمع الصناعة الرأسمالية العمال في متحدات في المصانع و باقي أماكن العمل. والعامل بصفته منتجا عنصر من قسمة عمل معقدة تتطلب تعاونا و انضباطا. هذا الانضباط مفروض في ظل الرأسمالية من فوق من طرف رب العمل و المسير و رئيس العمل. وبعد الثورة سيسود التنظيم الذاتي للجماعة، لكن سيبقى ثمة عنصر انضباط لأنه لا غنى لكل إنتاج صناعي عنه. لا يمكن للعمال، ضحايا الاستغلال، أن يقاوموه، و لا أن يحسنوا ظروفهم إلا بواسطة التنظيم و النضال الجماعيين. و لحماية عناصرها الأكثر هشاشة – المرضى و المتقاعدين و المسنين و العاطلين و الأطفال- لا بد للطبقة العاملة من النضال من أجل حلول جماعية من قبيل التعويضات، و نظام صحة وطني،الخ.

وأخيرا، لا يمكن للطبقة العاملة أن تتملك وسائل الإنتاج إلا بصفتها جسما جماعيا بواسطة دولتها الخاصة.

إن روح الفوضوية غريبة كليا عن مستلزمات الطبقة العاملة هذه. هذا ما جعل الفوضوية تخفق دوما في كسب دعم أقسام هامة من الطبقة العاملة في أي بلد رأسمالي مصنع. و بالتالي، لا تمثل الفوضوية أيديولوجيا للطبقة العاملة، و لا أي من الطبقات الكبرى للرأسمالية الحديثة. يستدعي إبراز جذورها الاجتماعية اعتبار أقسام أكثر هامشية من المجتمع الرأسمالي.

لقد مثل التاجر الصغير و الحرفي في القرن 19، الكُـثر بوجه خاص في فرنسا، إحدى المصادر الأصلية للفوضوية. كان الحرفيون، مثل عمال المهن المؤهلين، فقراء و مضطهدين، لكنهم كانوا يعملون بمفردهم و يملكون وسائل إنتاجهم المتواضعة. و بهذا المعنى، كانوا يرتبطون بالبرجوازية الصغيرة. كانوا يمقتون الدولة و الرأسماليين الذي يضطهدونهم و يستغلونهم، وكذا النظام الرأسمالي الذي يدوسهم. لكن تعوزهم القوة الجماعية للطبقة العاملة. وكانت الفوضوية تمثل، بالنسبة لهذه الشريحة الاجتماعية، حلم جماعة متساوية من صغار المنتجين المستقلين.

وكانت إحدى مصادر بدايات الفوضوية متمثلة في الفلاحين. وقد كان الفلاحون، بوجه عام، أفقر طبقات المجتمع الرأسمالي و أكثرها عرضة للاضطهاد. لكنهم، مثل الحرفيين، ينتجون على نحو فردي و يملكون قطعة أرضهم الخاصة أو يتطلعون إلى ملكيتها. إنهم جزء من البرجوازية الصغيرة. هذه الطبقة المتمردة تكره الدولة، قابضة الضرائب و المدافع عن كبار ملاكي الأراضي، تلك الدولة التي يرون فيها أيضا قوة احتلال سيتيح طردها العودة إلى حياة “عادية”. و تبعية الاقتصاد القروي إزاء الصناعة و المدينة، مثل حاجاته إلى أدوات و آلات زراعية، لا تظهر مباشرة، وبالضرورة، للفلاح الذي يمكن إيجاز موقفه من الدولة كالتالي:” انصرف، اتركني اشتغل في أرضي بسلام”. إن حلم جمهورية منتجين صغار هذا شبيه جدا بحلم الحرفي وقد يجد تعبيرا له في الفوضوية.

و لسوء حظ هذه العقيدة، يمثل الحرفي و الفلاح فئات اجتماعية آفلة في المجتمع الرأسمالي. فالتقدم المحتوم للصناعة الحديثة نسف موقع الحرفي العاجز عن منافسة الإنتاج الكثيف، و دفعه إلى تضخيم صفوف العمل المأجور. و انتشل التطور الاقتصادي ذاته ملايين الفلاحين من الأرض، و جرهم بفرص عمل و ظروف عمل أفضل بالمدن الكبرى. و نتج عن ذلك تمدين وبلترة كثيفين.

هذه الظاهرة هي التي ولدت النقابية الفوضوية. وهذا الاتجاه هو الشكل الذي تتخذ الفوضوية الأكثر تطابقا مع الوضع الطبقي للبروليتاريا، و يمثل تحولا للمبادئ الفوضوية “المحض” في اتجاه اشتراكي. إنها أيديولوجيا مساومة، تتخلى عن ارتياب الفوضوية إزاء التنظيم الجماعي و الانضباط و ضرورة قيادة، أي ما يكفي لقبول النقابة العمالية، لكن ليس ما يكفي لقبول ضرورة حزب ثوري و النضال من أجل السلطة السياسية. هذه المساومة مطابقة للوضع الانتقالي للفلاحين المبلترين حديثا، و الذين لم يقطعوا بعد مع التقاليد قبل الصناعية و كل الروابط التي تشدهم إليها.

لم نتحدث، حتى الآن، سوى عن الفوضوية و النقابية الفوضوية للقرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، الممثلين ببرودون و باكونين وكروبوتكين و ماخنو وفولين و غولدمان و بركمان. ازدهرت هذه الحركات في لحظات مختلفة و بأشكال متباينة في فرنسا، و ايطاليا، و روسيا، و الولايات المتحدة الأمريكية، و المكسيك، و اسبانيا خلال الأطوار الأولى للتصنيع و التمدين بتلك البلدان. و بلغت الذروة خلال مأساة الحرب الأهلية الإسبانية.

لكننا لم ندرس بعدُ القاعدة الاجتماعية للفوضوية في الرأسمالية المتقدمة المعاصرة حيث لم يعد الفلاحون و الحرفيون المبلترون يمثلون قوة اجتماعية ذات وزن.

أورد المؤرخ الفوضوي جورج وودكوك George Woodcock في الطبعة الأولى من دراسته الكلاسيكية حول الفوضوية ( الفوضوية، تاريخ الأفكار و الحركات التحررية، الصادر في 1960-1961) أنه اعتبر هذه الحركة ظاهرة منتمية إلى الماضي، و أنه شهد نهايتها مع سقوط برشلونة بيد فرانكو في العام 1939. لكن، يضيف وودكوك ، أنه أعلن بالكاد وافتها فشهد ميلادها من جديد.

أعادت سنوات 1960 الحياة للفوضوية. استفادت هذه من التجذر العام الذي طبع ذلك العقد، و بالمقام الأول من التمردات الطلابية بالولايات المتحدة الأمريكية، و ألمانيا الاتحادية، و ايطاليا، و بريطانيا، وبوجه خاص فرنسا. كان الطلاب، خلال تلك السنوات، منجذبين إلى جملة عريضة من الأفكار- الماوية، و الغيفارية، و التروتسكية، و السلمية، و التحررية،الخ. ليس طارئا أن الحركة الطلابية بمجملها ذات حساسية فوضوية.

كان طلاب سنوات 1960 مختلفين جدا عن سابقيهم قبل الحرب. فقد تضخمت صفوفهم في سياق توسع التعليم الجامعي المطالـَب بالاستجابة لحاجات الازدهار الاقتصادي لما بعد الحرب. ورغم أن أغلبيتهم متحدرة من البرجوازية الصغيرة، فقد باتوا قادمين من فئات اجتماعية أخرى. و كان التغير واضحا قياسا بالوضع السابق. ولم تعد الشهادة الجامعية ضامنة لفرصة عمل قارة في الشرائح الحاكمة أو المتوسطة في المجتمع. ولم تواكب الإمكانات المخصصة للتعليم ارتفاع أعداد الطلاب. وكانت قاعات الدراسة مكتظة. ونتج عن ذلك كله غضب الطلاب، حيث تكون لديهم انطباع بأنهم وضعوا في سلسلة إنتاج من أجل حاجات الصناعة الرأسمالية. و في الآن ذاته، ظلوا من الناحية الاجتماعية و الثقافية مفصولين عن الطبقة العاملة.

و مستلهمين لنضال السود بالولايات المتحدة الأمريكية، و للثورات المناهضة للامبريالية بالعالم الثالث ( و التي كانوا يضفون عليها مثالية)، وتحت وقع ما مثلت حرب الولايات المتحدة الأمريكية على فيتنام من إهانة، تمرد الطلاب ضد البنية الاستبدادية داخل الجامعات، و مجتمع الاستهلاك، و القيم الإمتثالية لسنوات 1950، و اعتدال اليسار التقليدي و دمجه في هذا المجتمع. وعبر مزيج غريب من الاشتراكية التحررية و الفوضوية عن التطرف الجذري لتمرد الطلاب و كذا عن عدم استقراره الناتج عن انعزاله عن الطبقة العاملة.

منذ سنوات 1960، خلقت الرأسمالية شريحة اجتماعية جديدة مدت الفوضوية بقاعدة جديدة.

أدى تعمق أزمة النظام الاقتصادية، المتجلية في ثلاث انحسارات اقتصادية عالمية (1974-1980-1990) إلى انبعاث بطالة جماهيرية. بوجه عام لم تبلغ مستويات البطالة نظيرها في سنوات 1930، لكنها تمثل أضعاف مستويات سنوات 1950 و1960. وكان ثمة بوجه خاص نمو سريع جدا و عنيف لبطالة الشباب. و ظهرت ضمن الشباب العاطل شريحة اجتماعية ليست لها، أو تكاد، أي تجربة عمل قار، ومنفصلة أكثر فأكثر عن أغلبية الطبقة العاملة. و غطس هؤلاء الشباب في ثقافة فرعية حيث تقوم المخدرات و السرقة بالمتاجر و التسول بدورها، و باتوا عرضة لاضطهاد من الملاكين العقاريين و الشرطة و السلطات، و محاطين بالتخيلات الشعبية الواهمة حول الوفرة و واقع الانحطاط المديني. و جعلت منهم ظروف حياتهم أعداء لكل سلطة و لكل انضباط و في الآن ذاتها مصدرا طبيعيا لفوضوية عفوية و غضوبة على نحو مبهم.

قمنا، لحد الآن، بتشخيص أربع مجموعات اجتماعية تشكل جذورا اجتماعية للفوضوية:

الحرفيون، و الفلاحون، و الطلاب، و الشباب العاطل. و القاسم المشترك بين هذه المجموعات هو موقعها الهامشي إزاء قلب الرأسمالية المنتج. هذه الهامشية تنتج الفقر، و الاضطهاد، و الإستيلاب و ميلا إلى التمرد بأشكال قصوى و عنيفة. لكنها تنزع عنها القدرة الكامنة، الاقتصادية كما السياسية، على تحطيم الدولة البرجوازية، و إطاحة علاقات الإنتاج الرأسمالية، و كذا القدرة على خلق نظام اقتصادي و اجتماعي جديد. إن مكامن ضعف و قوة الفوضوية بما هي أيديولوجيا تعكس على وجه الدقة مكامن قوة وضعف قاعدتها الاجتماعية.

6- الحصيلة التاريخية للفوضوية – باكونين

يمكن أن نعثر على عناصر فكر فوضوية في فجر تاريخ الإنسانية، لأن الكائنات البشرية حلمت دوما بمجتمع الحرية و المساواة. لكن الفوضوية كأيديولوجيا و حركة محددين تعود، مثل الماركسية، إلى القرن التاسع عشر.

و لا شك أن الفوضوية أعطت، خلال 150 سنة من وجودها، حصتها، و ربما أكثر، من الأبطال /ة – أفراد مشهورين ومغمورين، كرسوا حياتهم، وحتى وهبوها، للقضية الثورية. لكن ما من شك أن أوجه الضعف التي شخصنا في هذه الحركة انبعثت بشكل متواتر في الممارسة الفوضوية.

من الجلي، في حدود كراسة كهذه، تعذر استعراض مجمل تاريخ الفوضوية، باعتبار تنويعاتها المتعددة و كل تعقيدها. و لن نسعى إلى ذلك. بل سنحاول بالأحرى إيضاح، ومن ثمة تعزيز، الحجة التي قدمنا بالرجوع إلى ثلاث فصول من تاريخها: نشاط باكونين في سنوات 1970، و الفوضوية خلال الثورة الروسية، ودور الفوضوية في الحرب الأهلية الاسبانية.

ليست الغاية وضع حصيلة للفوضوية بجرد فضائح وخيانات و حماقات – وهذا لا فائدة منه و ومن اليسير إتيان نظيره في تاريخ الماركسية أيضا. المقصود فحص اللحظات الأساسية لتاريخ النضال الثوري بقصد دراسة الحقب الحاسمة في الممارسة الفوضوية. إذن، سيحاكم هذا النقد الفوضوية في مجال قوتها كما في مجال ضعفها.

باكونين

يمثل باكونين (1814-1876) على الأرجح الشخصية الأشهر في تاريخ الفوضوية. فلا شك أنه كان، بمظهره و أسلوب حياته و شغفه بالفعل، نموذج البطل الفوضوي الرومانسي.

شارك شخصيا في انتفاضات مجهضة عديدة. و ُسجن مرارا عديدة، و تعرض لحبس انفرادي طيلة خمس سنوات في قلعة بيار و بول سيئة الذكر في روسيا القيصرية، وكان أكثر من غيره مؤسس الفوضوية بما هي اتجاه منظم و متميز في الحركة الاشتراكية.

لكنه جسد بحدة خاصة التناقضات الملازمة للأيديولوجيا الفوضوية.

وكان في هجماته على الماركسية، التي يصفها بـ”الدولانية” و “السلطوية”، وفي مختلف تصريحاته الغوغائية، يعتبر نفسه المعارض الأشد جذرية لكل سلطة، ولكل قيادة و لكل خضوع. هكذا، يصرح برنامج الحركة التي أسس، تحالف الديمقراطية الاشتراكية، بما يلي:

” إننا، بصرخة السلام للعمال، و الحرية لكافة المضطهدين، و الموت للمسيطرين و المستغلين و المحافظين من كل نوع، نريد تدمير كل الدول و كل الكنائس وكذا كل مؤسساتهم و قوانينهم الدينية و السياسية و المالية و البوليسية و الجامعية و الاقتصادية و الاجتماعية، كي تتمكن أخيرا ملايين البشر المخدوعة، و المستعبدة، و المضطهدة و المستغلة، من التحرر من كل قادتها و من المحسنين الرسمين و شبه الرسميين الأفراد و الجماعات، و التنفس أخيرا بحرية”.

وصرح في العام 1871 قائلا:

” بعبارة واحدة، نحن نرفض كل تشريع، وكل سلطة، و كلا السلطات الرسمية و الشرعية، ذات الامتيازات، التي ُ تمارَس علينا، حتى لو نتجت عن الاقتراع العام.”

و أضاف في العام 1872:

” إننا نرفض، حتى لحاجات الانتقال الثوري، الاتفاقات الوطنية و المجالس التأسيسية، و الحكومات المؤقتة و الديكتاتوريات الثورية المزعومة”.

ومع ذلك، تعاطى باكونين في ممارسته السياسية الخاصة إلى التنظيم و إلى المؤامرات السرية و القائمة على التراتب و مبدأ الطاعة التامة لشخصه. و قد وصف مناهجه في رسالة شهيرة إلى المتآمر الروسي الشهير نيتشاييف قائلا:

” يجب إرغام الجمعيات ذات الأهداف القريبة من أهدافنا على الاندماج مع جمعيتنا، أو يجب بالأقل أن تخضع لها بلا علمها، فيما يجب استبعاد العناصر الضارة. ويجب حل الجمعيات المناهضة لنا أو الضارة، و أخيرا يجب إطاحة الحكومة. لا يمكن أن نحقق هذا كله بنشر الحقيقة ، فالمكر و الدبلوماسية و الخداع أمور ضرورية… “.

استعمل باكونين هذه التكتيكات للسعي إلى التحكم في جمعية العمال الأممية، الأممية الأولى. فقد انضم إليها باكونين مع أنصاره في العام 1869، و أعلنوا حل منظمتهم الخاصة، تحالف الديمقراطية الاشتراكية. و في الواقع، حافظوا على منظمتهم في شكل شبكة سرية. و كتب باكونين في العام 1872 إلى أحد أنصاره الايطاليين:

” اعتقد انك ستدرك، آجلا أو عاجلا، ضرورة تأسيس نوى [داخل فروع الأممية] من الأعضاء الأشد إخلاصا، وذكاء، و قدرة، أي باختصار الأقرب إلينا. سيكون لهذه النوى، المترابطة بقوة فيما بينها ومع نوى أخرى شبيهة بمناطق أخرى بايطاليا أو بلدان أخرى، مهمة مزدوجة. فمن جهة، ستشكل الروح الملهمة و المنعشة لهذا الجسم الكبير المتمثل في جمعية العمال الأممية، لكنها ستمارس تـأثيرها خارجها. و ستكرس نفسها لمسائل يتعذر عرضها ومعالجتها أمام الملأ… و اعتقد أنى قلت ما يكفي لأشخاص لهم ما لأصدقائكم من ذكاء… و طبعا لن يضم هذا التحالف السري في صفوفه غير أفراد قليلين جدا “.

ليس هذا التناقض بين المبادئ المعلنة و الفعل نابعا من مجرد ميل لدى باكونين إلى السيطرة. إنه في الواقع تجسيد حي للتناقض الملازم لرفض الفوضوية كل قيادة: بعبارة أخرى، بدل قيادة منتخبة ديمقراطية و قابلة للعزل، ليس ثمة لدى الفوضويين غياب القيادة بل قادة غير ديمقراطيين، غير منتخبين و لا قابلين للعزل.

كان تآمر باكونين السري ينتهك مبادئ الفوضوية ذاتها، و لم يكن بوسع منهجها في قيادة الثورة العمالية أن يفضي سوى إلى الكارثة. لا يمكن لمجموعة أشخاص منتقاة بدقة متناهية أن تفهم و عي الطبقة العاملة و لا أن تؤثر فيه. و بالتالي أدى التآمر إلى النزعة الانقلابية، أي محاولة أقليات صغيرة إطلاق انتفاضات بمعزل عن فعل أغلبية العمال و تطلعاتهم.

شارك باكونين في العديد من تلك المغامرات، إحداها في ليون، مفضية كلها إلى إخفاقات مثيرة للرثاء. في ليون، عام 1870، فيما تهب ريح تمرد شعبي، احتل باكونين وأنصاره مقر البلدية و أعلنوا لجنة خلاص وطني و إلغاء الدولة. و للأسف رفضت الدولة قبول إلغائها، و قامت، عبر إرسال فرق الحرس الوطني، بإلغاء انقلاب باكونين. واضطر هذا الأخير إلى الفرار إلى جينوة. و انعزل عن كل إمكانية للمشاركة في الثورة العمالية، كومونة باريس، التي انفجرت في السنة اللاحقة.

ومن الوقائع الجديرة بالاهتمام، أن باكونين لم يطبق مفهومه عن السلطة الخفية على تنظيم الحركة الثورية وحسب، بل حتى على تنظيم مجتمع ما بعد الثورة. ففقد شرح في رسالة إلى صديقه و نصيره، البير ريشار، كيف سيشكل هو و أنصاره، فور إلغاء الدولة “ديكتاتورية خفية” قائلا: إذ نرفض كل شيء، ما السلطة، أو بالأحرى ما القوة التي سنقود بها الثورة الشعبية؟” و يجيب باكونين:” بواسطة قوة خفية لا يعترف بها أحد، و لا تفرض نفسها على أحد، بواسطة الديكتاتورية الجماعية لمنظمتنا التي ستكون قوية بقدر ما ستظل خفية و غير معروفة و بلا أي حق أو موقف رسميين”.

هذا التصور لسلطة خفية وهمي، يجب رفضه. لأن تطبيقه سيولد عمليا أسوأ سلطة غير ديمقراطية يمكن تصورها.

أخيرا، يجسد باكونين، بدوره التحريضي، مختلف الجذور الاجتماعية لفوضوية القرن التاسع عشر التي وصفناها في الفصل السابق. استمد إلهامه الأول من غيظ التمردات الفلاحية و عنفها، لا سيما تلك التي قادها ستينكا رازين و بوغاتشيف في مسقط رأسه روسيا. و أضفى مثالية على صعاليك القرى معتبرا إياهم ” منصفي الشعب و الأعداء الألداء للنظام و الدولة، والثوريين الحقيقيين الوحيدين- الثوريين الذين لا يصنعون جملا و خطابة كتب”

في العام 1867 وجه باكونين اهتمامه، و اهتمام أنصاره، نحو رابطة السلم و الحرية، وهي منظمة برجوازية بقيادة جون ستيورات ميل [**]. وبسرعة خاب أمله من عداء البرجوازيين لأفكاره ، فاتجه صوب الأممية الأولى و “تبنى” خلال فترة البروليتاريا. و حصل داخل الأممية الأولى على مسانديه الرئيسيين من الحرفيين القرويين في فيدرالية جورا بسويسرا و جنوب ايطاليا، وهي منطقة بأغلبية فلاحية. كما اهتم كثيرا بالطلاب و المثقفين المتمردين” الشباب المفعمين بالنشاط و الحماس، و المنفصلين طبقيا كليا، لا مهنة لهم و لا منفذ”. و بعد طرده من الأممية في العام 1872، ندد باكونين بمفهوم الطبقة العاملة الماركسي، معتبرا انه” سيطرة أرستقراطية لعمال المصانع و المدن على ملايين الناس الذين يشكلون البروليتاريا القروية”.

قد ينكر بعض الفوضويين باكونين. لكن، كما سنرى، ستطفو العيوب الأساسية للباكونينية في فوضوية القرن العشرين، حتى في لحظات مجدها.

7- الفوضويون خلال الثورة الروسية

كما هو متوقع في بلد ذي أغلبية فلاحية مثل روسيا، جاء التقليد الفوضوي قبل الماركسية. لكن اللافت للنظر أنه لم يكن للفوضوية غير دور ضئيل في ثورة 1917 الروسية.

كانت تلك الثورة أهم الثورات و أعمقها. لم تبلغ قط طبقة عاملة مستوى ما بلغ عمال روسيا 1917 وجنودها من نضال ووعي سياسي. ومع ذلك كان تأثير الفوضوية في هذه الحركة العظيمة ضعيفا.

عندما عاد فولين، أهم المثقفين الفوضويين آنذاك، إلى روسيا في يوليو 1917، لم يجد حتى جريدة ولا ملصقا، و لا خطيبا فوضويا واحد في بيتروغراد، قلب الثورة. ولم يكن الفوضويون ممثلين في مجالس العمال (السوفييتات). وكانت مقرراتهم المقترحة في لجان المصانع تُمنى بالهزيمة منهجيا من قبل المقررات البلشفية المدعومة من أغلبيات عريضة.

ثمة سببان يفسران ضعف الفوضويين. أولهما، دور البلاشفة. فبوجه عام، تطورت ذهنية فوضوية في أقسام من الطبقة العاملة عندما كانت قيادة الحركة العمالية خائنة و العمال خائبي الأمل. و في العام 1917 أعطى البلاشفة قيادة ثورية واضحة و كسبوا دعم كل العمال المناضلين تقريبا.

ثانيا، كانت فترة فبراير إلى أكتوبر 1917 فترة ازدواجية سلطة، أي صراع بين دوليتين متنافستين. من جانب، ثمة بقايا الدولة القيصرية القديمة، بجيشها، و بيروقراطيتها، بقيادة الحكومة المؤقتة. ومن جانب آخر، تنتصب مجالس العمال و الجنود. وكانت تظفر كل يوم بقوة و سلطة متزايدتين. و كانت المسألة الحاسمة (و المسألة الوحيدة في آخر المطاف) هي أي دولة ممثلة لأي طبقة ستتغلب؟ هل سيتمكن جهاز الدولة القيصري/ الرأسمالي القديم من سحق مجالس العمال و الطبقة العاملة؟ أو على العكس، ستتمكن هذه الأخيرة من تحطيم آلة الدولة القديمة لنقل كامل السلطة إلى مجالس العمال؟ انتهت كل القوى التي تذبذبت بصدد هذه المسألة (حكومة كيرينسكي، المناشفة، الخ) حتما إلى العجز. و تهمش الاتجاه الفوضوي الذي كان يرفض، من حيث المبدأ، كل دولة. تنكرت أغلبية أنصاره لأيديولوجيتهم ليصبحوا أنصار فاترين للسوفييتات، أو قطعوا مع تيارهم الأصلي و انضموا إلى البلاشفة. رفض البعض السوفييتات، مثل المحارب القديم كروبوتكين ( الذي سبق أن فقد الاعتبار بسبب مساندته للامبرياليات الروسية و الانجليزية و الفرنسية إبان الحرب العالمية الأولى). و تماثلوا أكثر فأكثر مع الحكومة المؤقتة الممقوتة. فقط بعد الثورة، خلال الحرب الأهلية التالية، تمكنت الفوضوية من القيام بدور مستقل في الأحداث.

لقد مثلت الحرب الأهلية حقبة مصاعب حادة للثورة و معاناة مهولة للشعب الروسي. إذ كان محاصرا من كل جانب. و استفادت الجيوش البيضاء، بقيادة الجنرالات الأشد رجعية ، من أموال و أسلحة و تعزيزات كل قوى الرأسمالية العالمية ، و كانت على وشك أن تسيطر على مدينة بتروغراد و القضاء على الدولة العمالية الفتية. و فضلا عن الخراب الناتج عن الحرب العالمية الأولى، و الأزمة الاقتصادية لعام 1917، و الاختلال المترتب حتما عن الثورة، و الخسائر الهائلة التي تكبدتها روسيا بفعل اتفاق بريست ليتوفسك، أضافت الحرب الأهلية حصتها من الفوضى، مبتلعة العديد من قوى الثورة الحية. كما سببت انهيارا تاما للاقتصاد السوفييتي. و كفت الصناعة عمليا عن كل اشتغال. و انهار نظام النقل. ونفذ ت محروقات نظام التدفئة بالمدن. و اضطر العمال إلى الهروب إلى القرى بحثا عن أغذية. و أنجزت أوبئة الكوليرا و التيفوس دمارها.

أفلح البلاشفة، رغم كل شيء، في الصمود و الظفر في هذه المعركة. و يدل هذا على مخزون المساندة الكبير الذي حازوا داخل الطبقة العاملة. لكن الفوضوية قد تحظى، في هكذا ظروف، بصدى في بعض أقسام الطبقة العاملة، و أكثر من ذلك داخل الفلاحين، فاقدي الوجهة بفعل ما قاسوا من حرمان متعدد.

وكان الاستياء قويا على نحو خاص بين الفلاحين. في العام 1917 كان الفلاحون انتزعوا الأرض من مضطهديهم منذ قرون، الملاكين العقاريين. وكان البلاشقة قد ساندوهم، موحدين تمرد الفلاحين في القرى و الثورة العمالية بالمدن. لكن ، خلال الحرب الأهلية، كانت الدولة العمالية مضطرة إلى مصادرة قمح الفلاحين بقوة السلاح. ولم يكن أمامهم خيار آخر – ما عدا خيار ترك المجاعة تجتاح المدن و تسهيل هزم الثورة. و حتما دفع ذلك الفلاحين إلى مناهضة الحكومة. و طالما كانت رحى الحرب الأهلية تدور، كان خطر عودة فورية للملاكين العقاريين يضمن ولاء جماهير الفلاحين لدولة المجالس العمالية. لكن فور نهاية الحرب الأهلية، انفجر غضب الفلاحين. ونتجت عنه ظاهرتان مهمتان تاريخيا، مرتبطتان بالفوضوية، و تبناهما التقليد الفوضوي: حركة ماخنو و تمرد كرونشتاد.

كان نيستور ماخنو فوضويا أوكرانيا شابا. و جمع حوله جيشا حارب، بشجاعة ونجاح، الجيوش البيضاء في البداية ثم الجيوش الحمراء. وقد فكك الجيش الأحمر جيوش ماخنو في نهاية الحرب الأهلية.

كانت كرونشتاد قاعدة بحرية في جزيرة. وكانت تتحكم بمدخل بتروغراد البحري. وكان بحارتها قاموا بدور قائد في ثورة 1917. وفي مارس 1921، أطلقت كرونشتاد تمردا عسكريا ضد البلاشفة، مطالبة بنهاية مصادرة القمح و بـ”سوفييتات بلا شيوعيين”، وكان الشعار بالأحرى “سوفييتات حرة”. جرى استعمال هذه الحجة من قبل اليسارويين بوجه خاص لإفقاد البلاشفة الاعتبار. وخشية أن يمهد التمرد طريق عودة الحرب الأهلية التي هدأت مؤخرا، رد البلاشفة بقوة، وأرسلوا الجيش الأحمر إلى الجليد و استولوا على الجزيرة بعد معركة دامية.

صنعت الفوضوية أسطورة من حركة ماخنو و من تمرد كرونشتاد، معلنة أنهما تعبيران عن ” ثورة شعبية تحررية حقيقية”. لكن الواقع مغاير تماما.

رغم إبدائه انجذابا للتصريحات الفوضوية المدوية، كان ماخنو قائدا فلاحيا مستبدا، و قائدا عسكريا ينفذ الإعدام في معارضيه بلا محاكمة (لاسيما الشيوعيين)، ومتعاطيا لعربدات كحولية. إن الحكم الأكثر دلالة حول الطبيعة الحقيقية لماخنو ولحركته هو على الأرجح حكم مؤرخ متعاطف مع قضيته ، جورج وودكوك الذي قال:

“كان ماخنو في العمق رجلا قرويا، و بنزعة إقليمية، يكره المدن و الحضارة المدنية و يتوق إلى ” البساطة الطبيعية”، متمنيا العودة إلى عصر مثل الماضي المجمل في الأساطير الفلاحية، حيث “العاملون الأحرار” يشتغلون تحت أنغام “أغنيات حرة و بهيجة”. هذا ما يفسر عدم اهتمام أتباع ماخنو أبدا ،عندما استولوا على عدد من المدن الكبيرة، بمسألة تنظيم الصناعة، ولم يظفروا بدعم وولاء سوى بعض العمال المدينيين.

“لكن كان ثمة بهذا الوضع عامل آخر: الجيش الانتفاضي الثوري. كان هذا الجيش، من الناحية النظرية، تحت تحكم مؤتمر الفلاحين و العمال المنتفضين. لكنه كان عمليا تحت تحكم ماخنو و قادته. وكباقي الجيوش، لم يكن تحرريا إلا بالاسم. إذ كان يستعمل شكله الخاص من التآمر و يطبق انضباطا بالغ الصرامة: كان ماخنو سيد الجيش. كانت العقوبات سريعة و بالغة القسوة… وحتى أنصاره، مثل فولين كانوا معجبين بهذه الوقائع.

و على غرار تمرد ماخنو، تبنى تمرد كرونشتاد بعض الشعارات التحررية مثل الدعوة إلى “ثورة ثالثة”، و جذب دعم بعض الفوضويين. لكن جذوره كانت تمتد في معارضة الفلاحين لمصادرة القمح في حقبة” شيوعية الحرب”. لم تكن ثكنة كرونشتاد في العام 1921 ما كانت في العام 1917. كان تركيبها الطبقي قد شهد تحولات كبرى. إذ كان العديد من قدماء محاربي السنة الثورية قد توفوا في جبهات القتال ضد الجيوش البيضاء. وحل مكانهم مجندون جدد وصلوا حديثا من القرى. و كان عدد منهم، مثل 2500 أوكراني بكتيبة الرماة المائة و الستين،قادمين من مناطق ودية بنحو خاص إزاء ماخنو.

لكن الفلاحين لم يكونوا قوة اجتماعية قادرة على التقدم بالثورة. فارتباطهم بالملكية الخاصة، و بمزارعهم، و فردانيتهم الناتجة عن نمط إنتاجهم، و عزلتهم الجغرافية و السياسية عن قوى الإنتاج الأساسية بالمدن، و ظروفهم حياتهم المادية، كلها تجعلهم عاجزين عن إتيان بديل وطني ( ناهيك عن العالمي) للسلطة البلشفية. لا يمكن قيادة المجتمع الحديث، و لا تنظيمه، اعتمادا على القرى. والفلاحون يتبعون حتما هذه أو تلك من الطبقات المدينية الرئيسة.

كانت هذه الحقيقة العامة تطبق بقوة خاصة على روسيا. فطالما كان التمرد الفلاحي موجها ضد القيصرية و الملاكين العقاريين، ومتحالفا مع الحركة العمالية بالمدن، كان تقدميا بشكل كبير. لكن لما كان موجها ضد السلطة العمالية المدينية، أو بقايا تلك السلطة ممثلة بالبلاشفة، فقد كان رجعيا حتى النهاية. وباستقلال عن الراية المرفوعة، حمراء أو خضراء او سوداء مثل راية الفوضوية ، لم يكن لتمرد فلاحي متطلع إلى تحطيم “الديكتاتورية الشيوعية” إلا أن يفتح طريق إعادة الرأسمالية أو القيصرية.

بفعل موقعه الاستراتيجي على مشارف بتروغراد، كان من شأن تمرد كرونشتاد، لو انتصر أو استمر أمدا أطول، أن يمنح البيض، المهزومين حديثا، فرصة لإعادة إطلاق الحرب الأهلية. ذلك ما أدركه البيض فورا، فجمعوا قواهم بقصد إرسال مواد غذائية ومساعدات إلى كرونشتاد. ووضعوا خطط لإيصال تعزيزات في حالة نجاح التمرد.

كان الفوضويون الروس و الأجانب يساندون كرونشتاد. أبرز ذلك بلبلتهم بصدد ولائهم الطبقي. وكانوا عاجزين عن تحليل الوضع طبقيا، و غير مبصرين للوضع بسبب نظريتهم الطوباوية حول ثورة بلا دولة.

تلكم حصيلة الفوضوية في تاريخ أعظم الثورات: لم يكن لها أي تأثير خلال طورها الصاعد، و عندما تراجعت اعطت دعما لاواعيا لكنه فعلي للثورة المضادة.

8- الفوضويون في الثورة الاسبانية

إن كانت الثورة الروسية أعظم ثورات القرن العشرين، فقد كانت الثورة الاسبانية في 1936-1937 إحدى منافساتها الأكثر جدية. و في هذه الحالة، الفريدة في تاريخها، بدأت الفوضوية انتفاضة ثورية فيما كان تحظى بدعم جماهيري: في العام 1936كان الاتحاد النقابي الفوضوي CNT يعلن عدد أعضاء يبلغ المليون، و يمثل إلى حد بعيد أهم اتجاه في الطبقة العاملة. يمكن إذن، على نحو مشروع، اعتبار الثورة الاسبانية امتحانا أساسيا للفوضوية. وقد أفلست، لكن ليس بسبب العمال الفوضويين و لا شك. فقد كافح هؤلاء من أجل القضية بشجاعة وروح تضحية خارقين للمألوف. و نتجت الهزيمة بالأحرى عن العيوب الملازمة للفوضوية بما هي إستراتيجية ثورية.

بدأت الثورة الاسبانية في يوليو 1936 ردا على التمرد الذي قاده الجنرال الفاشي فرانكو ضد حكومة الجبهة الشعبية المنتخبة مؤخرا (تحالف الحزب الشيوعي و الحزب الاشتراكي و البرجوازية الجمهورية).

رغم جمود الحكومة، انتفض العمال الإسبان، و أغلبهم يدينون بالولاء للفوضوية، لوقف الفاشيين. و حاصر عمال مسلحون ثكنات الجيش في مدريد و برشلونة، ودعوا الجنود إلى الانقلاب على ضباطهم. وبعد يوم من المعارك سقطت الثكنات في برشلونة، و في اليوم التالي في مدريد. و في بضعة أيام سيطر العمال كليا على المدن. و ازدهرت لجان عمالية من أجل تنظيم النقل، وتوزيع الأغذية، و خدمات الصحة و الميليشيات. و أرسلوا فيالق مسلحة إلى القرى بقصد الحصول على تموين و مساندة حركة شغيلة الزراعة.

و انتزع التنظيم الجماعي لتسيير المجتمع النساء من عقود الاستغلال و الاضطهاد. ولم يتحسن وضع النساء بأي مكان بالعالم مثلما تحسن في برشلونة. إذ جرى إضفاء الشرعية على الإجهاض، و توافرت المعلومات حول التحكم في الولادات، و تم إقرار نوع جديد من الزواج بلا إكراه و بحرية الطلاق. و يحكي جورج أوريل الشاهد على الأحداث قائلا:

” فوق كل شيء ساد الإيمان بالثورة و بالمستقبل، و شعور بالإنبجاس فجأة في عصر مساواة وحرية. كان البشر يحاولون التصرف ككائنات بشرية و ليس كدواليب في الآلة الرأسمالية.”

وكانت الطاقة الكامنة من أجل ثورة عمالية ظافرة هائلة. لكن الخطر الفاشي ظل قائما.

وكان فرانكو سيطر على الجنوب الغربي لاسبانيا ، وكان فاشي آخر، الجنرال مولا، يقود هجوما بالشمال. لكن كان ثمة أيضا تهديد الحكومة الجمهورية البرجوازية التي كانت، شكليا، تمسك السلطة في كاتالونيا ( قلب الثورة) و في مدريد.

ماذا فعل القادة الفوضويون؟ انضموا إلى هذه الحكومة، في كاتالونيا أولا في سبتمبر 1936، ثم في مدريد في ديسمبر. وكان ذلك الانضمام قطيعة مع المبادئ الفوضوية، وأيضا، على نحو مأساوي أكثر، خيانة للطبقة العاملة و للثورة. كانت حكومة الجبهة الشعبية التي انضم إليها القادة الفوضويون مخلصة، جسدا وروحا، للحفاظ على الملكية الخاصة وعلى النظام الاجتماعي الرأسمالي، وبنفس القدر لإعادة سلطة الدولة الرأسمالية الجمهورية.

وكانت تدعو إلى تشكيل وحدة عريضة متعددة الطبقات لكل القوى الديمقراطية في النضال ضد فرانكو، و تنادي بتجميد المطالب العمالية الرامية إلى تغييرات اجتماعية أساسية حتى ما بعد إنزال الهزيمة بالفاشية.

كان هذا الموقف ُيرضي ممثلي البرجوازية بالحكومة: بنظرهم كان انتصار الفاشية، في آخر التحليل، أهون شر بوجه انتصار الطبقة العاملة. ولم يتعاونوا إذن مع اليسار إلا بشرط ضمان الملكية الخاصة. إما الحزب الاشتراكي، فقد كان ذلك الموقف يعبر عن إرادته القديمة و الدائمة في التعاون مع البرجوازية. أما الحزب الشيوعي، فقد كان ذلك الموقف بالنسبة إليه سياسة مفروضة من موسكو بقصد تفادي إزعاج أو إفزاع الحكومتين الفرنسية و الانجليزية اللتين كان ستالين يغازلهما من أجل تحالف ضد هتلر.

على هذا النحو، انضم القادة الفوضويون إلى حكومة (وتحملوا بها مسؤوليات) كان هدفها احتواء و تحجيم انتفاضة الطبقة العاملة الاسبانية. ومن جراء ذلك ذاته، كان يقبلون مسؤولية إستراتيجية تحكم عمليا على النضال العمالي بالهزيمة، و ليست كما ادعوا تعزز النضال ضد الفاشية.

إن حربا ضد الفاشية تُخاض كحرب تقليدية كانت في النهاية تتيح انتصار فرانكو المدعوم من الآلات العسكرية الموسولونية و النازية. كان السبيل الذي قد يضمن النصر للقوى المناهضة للفاشية هو تحويل الحرب إلى ثورة، و الفسح في المجال لطاقة الجماهير و مبادرتها، و تعبئة عمال و فلاحي المناطق الواقعة تحت سيطرة الفاشيين، بالخطابات كما بالأفعال، و نسف قاعدة فرانكو في المغرب (حيث كان أطلق انقلابه) بإعلان استقلال تلك المستعمرة. أدارت حكومة الجبهة الشعبية الظهر لكل هذه التدابير و استفادت من دعم القادة الفوضويين، الذي كانوا إلى حد بعيد يمثلون الاتجاه الأكبر نفوذا في الحركة العمالية الاسبانية.

لذا يتمثل السؤال الحاسم في معرفة سبب تصرف القادة الفوضويين على ذلك النحو الخائن.

هل هو ضلال ناتج عن مبادرات محض فردية؟ أم كان نتيجة أوجه الضعف الملازمة للفوضوية؟ لقد أجاب القادة الفوضويون على هذه الأسئلة. و سعيا إلى تبرئة أنفسهم، تذرعوا بوضع استثنائي (خطر الفاشية) و شرحوا قائلين:

“إما أن نتعاون، أو نفرض ديكتاتوريتنا… وما من شيء ابعد من الفوضوية من فرض الإرادة بالقوة..

” لم نستول على السلطة، لا لعجزنا عن ذلك، بل لعدم رغبتنا فيه، لأننا كنا ضد كل شكل من الدكتاتورية.”

بعبارة أخرى، كان الوضع ميؤوسا منه، و الثورة المضادة على أبوابنا. و لابد لمواجهتها من قيادة، وتنسيق و سلطة. لا يمكن أن تكون هذه السلطة غير الدولة البرجوازية القائمة أو دولة عمالية، ديكتاتورية البروليتاريا. لكن، ما دام الفوضويون يرفضون ديكتاتورية البروليتاريا، لم يبق خيار غير الاصطفاف إلى جانب الدولة البرجوازية.

إن المنطق الصارم الفاعل هنا لا يقتصر على اسبانيا 1936، بل تكرر و سيتكرر في كل وضع ثوري حقيقي. سيكون خطر الثورة المضادة قائما دوما، و سيكون الخيار الحقيقي دائما هو بين سلطة برجوازية و سلطة عمالية. وحتما سيفضي رفض ديكتاتورية البروليتاريا إلى الاستسلام في اللحظة الحاسمة. و لذا، ليس المثال الاسباني، الذي يشكل ذروة الفوضوية كحركة جماهيرية، حادثة و لا ضلالا. انه يمس قلب الفوضوية، مبرزا عدم ملاءمتها الكلية لتكون مرشدا للفعل الثوري.

9- خلاصة: كيف نتقدم؟

يمكن تلخيص نقد الفوضوية المعروض في هذه الكراسة كما يلي: لا يمكن للفوضوية أن تنجح. لكن، كما لا تُزاح نظريات علمية خاطئة إلا بوجود نظريات أرقى تحل مكانها، و ليس نقد الفوضوية حاسما إلا بوجود بديل يتيح انتصار الثورة. هذا البديل هو، بالمقام الأول، الطبقة العاملة.

الثوريون الجديون لا يضفون مثالية على العمال. و لا يتخيلون أن مجرد العمل في مصنع أو مكتب يجعل الشخص أكثر نبلا أو استنارة. و لا يتبنون صورة العامل البطل، بعيون زرق و خدود هزيلة ، كما تقدمه اللوحات الستالينية. نجد ضمن عمال هذا المجتمع الخمول و البلادة و السلبية و قصر النظر، و الغضب الموجه وجهة خاطئة، و عيوب أخرى كثيرة نجدها داخل كل طبقة عرضة لاضطهاد مستمر. ليس الوضع الراهن لوعي الطبقة العاملة هو الذي يمدها بالقدرة الكامنة على تدمير الرأسمالية و خلق مجتمع جديد، بل وضعها الاقتصادي و الاجتماعي الموضوعي.

الطبقة العاملة نتاج فريد و متميز للرأسمالية. إنها تنمو و تتسع بقدر نمو النظام واتساعه. كتب كارل ماركس في العام 1848 أن المجتمع ينقسم أكثر فأكثر إلى معسكرين خصمين، إلى طبقتين اجتماعيتين كبيرتين متواجهتين: البرجوازية و البروليتاريا. في تلك الحقبة، كانت البروليتاريا منحصرة في شمال غرب أوربا. وكانت تشكل أغلبية المجتمع في بريطانيا و في بلجيكا وحدهما. أما اليوم فقد باتت الطبقة العاملة قوة جماهيرية، من ساو باولو بالبرازيل إلى سيول في كوريا، من ستوكهولم بالشمال إلى سويتو بالجنوب.

إن التصورات التي أصبحت موضة ومؤداها أن الطبقة العاملة سائرة إلى زوال تنطوي على خطأين. أولاهما اعتبار الطبقة العاملة مكونة حصرا من العمال اليدويين في الصناعة، و ليس من كل الذين لا يعيشون إلا ببيع قوة عملهم. يجري الخلط بين قسم من الطبقة و الطبقة برمتها. ثاني الأخطاء هو قَصر النظر على أوربا و أمريكا و تجاهل سيرورة التصنيع و التمدين الهائلة التي جرت بمختلف ربوع الكوكب، من أمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، ومن أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا. في الواقع، تشكل الطبقة العاملة أغلبية سكان كل البلدان الرأسمالية المتقدمة، و بالأقل أقلية قوية سائرة إلى تشكيل أغلبية بالبلدان الأخرى ما خلا بلدان العالم الثالث الأقل تطورا.

الطبقة العاملة طبقة مستغلة. و لا يمكن أن تعيش الرأسمالية إلا بالربح الذي تستخلص يوما بيوم من كدح العمال. هذا جذر الصراع، غير القابل للتوفيق، بين العمال و أرباب العمل، حول مسألة الأجور، ومدة العمل و شروطه. و يستمر هذا الصراع سواء كان الأجر منخفضا أو غير منخفض ( الواقع أن العمال المؤهلين ذوي الأجور الجيدة غالبا ما يكونون الأكثر عرضة للاستغلال، لان فائض القيمة المستخلصة من عملهم أكبر).

هذا مصدر الصراع الطبقي، الذي يمتد إلى كل أوجه الحياة الاجتماعية. لدى الطبقة الرأسمالية مناهج عديدة في هذا الصراع، من التنازلات المؤقتة حين تكون بوسعها، إلى القمع الدموي عندما تتعذر التنازلات. لكن طالما وجدت الرأسمالية، لا يمكن استئصال الصراع الطبقي و ستحافظ الطبقة العاملة دوما على قدرتها الكامنة على التمرد.

عندما يندلع هذا التمرد، تدل الطبقة العاملة على قدرة اقتصادية و سياسية غير متناسبة مع أعدادها، على نحو يجعلها، حتى في البلدان حيث لا تزال أقلية، مثل روسيا 1917 أو الصين و الهند اليوم، تبقى الطبقة الثورية الرئيسية. تنبع هذه القدرة من كون سيرورة الإنتاج و التوزيع و الاتصال الرأسمالية متوقفة على العمال. فبدون التعاون النشيط، لن تحلق أي طائرة، و لن تشتغل الهواتف، ولن تصل الرسائل إلى وجهتها.

أخيرا، الطبقة العاملة طبقة جماعية. فالحصول على أدنى زيادة في الأجر، أو تحسين شروط العمل، يتعين على العمال أن يتحدوا و يتصرفوا جماعيا ضد رب العمل. وكذلك، يتطلب تملك وسائل الإنتاج فعلا جماعيا من الطبقة العاملة، وخلق ملكية جماعية. و لا يمكن تجزيء الصناعة العصرية و لا توزيعها على ملايين الأجراء.

تركيب هذه السمات المميزة، الملازمة لموقع الطبقة العاملة الموضوعي، يجعلها حفار قبر الرأسمالية. و إن الحصيلة التاريخية لهذه الأخيرة تدل على ذلك. جلي أن الطبقة العاملة لم تستكمل الدور الذي يتوقعه لها الماركسيون. لكن ، خلال 150 سنة الأخيرة، برهنت الطبقة العاملة مرارا على قدرتها على خوض المعركة و الانتصار. خلال 25 سنة الأخيرة وحدها، في فرنسا 1968، و الشيلي في 1970-1973، و البرتغال في 1974-1975، و إيران في 1979، و بولونيا في 1980، كلها أمثلة عن انتفاضة جماهيرية هددت فيها قوى الطبقة العاملة النظام السائد أو أطاحته، واقتربت من الاستيلاء على السلطة.

حركة الطلاب و العمال الصينيين الذي بلغ الذروة في تيان آن مين في العام 1989، و التعبئات الجماهيرية التي أسقطت جدار برلين، وانهيار الستالينية بأوربا الشرقية و إطاحة تشاوسيسكو العنيفة في رومانيا في السنة ذاتها، و الانتفاضات في إندونيسيا و في صربيا، كلها كانت تجليات ملموسة لتلك القدرة الكامنة لدى الطبقة العاملة.

لكن التوجه صوب الطبقة العاملة بما هي عامل تغيير ثوري يستلزم اعتبار النظرية و الإستراتيجية الناتجتين عن تجربة الصراع الطبقي و ضروراته، أي بعبارة أخرى الماركسية.

طبعا ثمة أفراد كُثر و أحزاب عديدة منتسبة إلى الماركسية خانت الطبقة العاملة. لكنهم اضطروا دوما ، لاقتراف تلك الخيانة، إلى تشويه المبادئ الأساسية للماركسية أو التخلي عنها، منها مثلا استبدال جوهر الماركسية الأممي بالنظرية الستالينية حول “الاشتراكية في بلد واحد”، أو إعادة صياغة النظرية الماركسية حول الدولة لتكييفها مع الإصلاحية البرلمانية. لكن كان ثمة دوما تقليد ماركسي حقيقي حي عبر أعمال ماركس، إنجلز، و لوكسمبورغ، و لينين، و تروتسكي، و الحركات التي قادوها . و يظل وفيا لأهداف تحرر الطبقة العاملة الأصلية، أهداف الثورة العالمية، مع تحيين النظرية الماركسية و إغنائها بقصد فهم العالم المتحول دوما.

هذا التقليد يحيا و يتجلى، في المقام الأول، بين الاشتراكيين الذين أدركوا منذ البداية أن الستالينية و الأنظمة المنتسبة إليها لا صلة لها بالاشتراكية. خلال أكثر من 60 سنة، عزلت الستالينية هذا التقليد و أزاحته إلى هوامش الحركة العمالية. واليوم ، بعد انهيار الستالينية، يستعيد هذا التقليد مساحة جديدة و تأثيرا جديدا لأفكاره على الصعيد العالمي.

ولم تكن الحاجة إلى أفكار هذا التقليد ماسة بقدر ما هي اليوم. لحظة كتابة هذه الكراسة، تواصل المقاولات الرأسمالية العالمية و الوطنية برنامجها لحل الأزمة على حساب العمال. و بخصخصة الخدمات العامة، سحق البلدان الفقيرة بعبء الديون، تدمير البيئة، تدخلات عسكرية متكررة- لا تكف الرأسمالية عن تقديم أهوالها. و تتسع أزمة العالم الرأسمالي يوما بعد يوم.

تظل البطالة الجماهيرية و الفقر ظواهر جارية و عميقة في أوربا و أمريكا الشمالية. و يتعرض العالم الثالث ، فضلا عن ذلك، للمجاعة و الأوبئة التي تؤدي بحياة عشرات ملايين الأشخاص.

و يتسع الفرق، بلا انقطاع، بين ما يتيحه استعمال عقلاني للتقدم الهائل المحقق علميا و تقنيا في القرن 21 و بين ما ينجز فعلا في هذا النظام الرأسمالي غير العقلاني. و تتعمق الهوة الفاصلة بين الأغنياء و الفقراء، ليس على صعيد عالمي وحسب، بل حتى في البلدان الرأسمالية المتقدمة. وقد شهدت الولايات المتحدة الأمريكية، قلب الرأسمالية العالمية، تراكما مذهلا للثروات في قمة المجتمع. ثمة في سنوات 1990 خمسة أضعاف ما كان من أصحاب الملايير في سنوات 1980. و في الأسفل ينتشر الفقر و البؤس. وفي أحياء فقيرة عديدة يفوق معدل وفيات الأطفال نظيره في جامايكا أو كوبا.

و في أوربا الشرقية و روسيا، انهارت الديكتاتوريات الستالينية كقصر من ورق. كانت الرأسمالية البيروقراطية للدولة الروسية عاجزة عن مواصلة المنافسة الاقتصادية و العسكرية مع الغرب. وتحولت إلى كارثة اقتصادية. لكن إدخال السوق لا يحل الأزمة بل يعمقها. كان الغرب يأمل إضفاء استقرار على الوضع بفضل برنامج مساعدة كثيفة، لكن تعوزه الموارد لأنه ذاته يواجه مصاعب.

ليس لأزمة الرأسمالية عواقب اقتصادية وحسب، أيا كانت خطورتها. فهي تولد أيضا تفاقم التوترات بين الأمم، و عدم الاستقرار السياسي، و النزعة العسكرية، و الحرب، و القمع و العنصرية. في العام 1989، كان جورج بوش يأمل نظاما عالميا جديدا قائما على السلم و الازدهار و التناغم. وبدا أكاديميون و صحافيون مغفلون يتحدون عن “نهاية التاريخ”.

خلال السنوات الثلاث الأخيرة، جرت حرب الخليج، و الحرب الأهلية في يوغوسلافيا، وصراعات عديدة فيما كان اتحادا سوفياتيا، وموجة تمرد في لوس أنجلس ( وهي من الأهم تاريخيا)، و صعود الفاشية في أوربا.

وهذا العنصر الأخير بالغ الأهمية. فباستعمال الخيبة السياسية و المعاناة الاقتصادية، انبعثت الفاشية من البالوعات لتلوث من جديد الجو بأوربا الشرقية، والنمسا، و ألمانيا، و ايطاليا وفرنسا. إذا أتيحت لها فرصة النمو، ستبلغ مستوى يمكنها من القيام بما قامت به في سنوات 1930، أي تحطيم كل معارضة عمالية وديمقراطية و إغراق أوربا في كابوس من العنصرية و القمع و الحرب. يجب وقف نمو الفاشية الآن. إنها مهمة لا تتطلب المقاومة و المواجهة العفويتين، أيا كانت أهميتهما، وحسب، بل أيضا التنسيق و التنظيم و قيادة و إستراتيجية مستخلصة من دروس الماضي.

في آخر التحليل، ستظل الفاشية و الحرب ملاذ الرأسمالية المأزومة الأخير. طالما لم يتم إسقاط النظام الذي ينتج هذه الأهوال، سنعيش تحت ظل الصليب المعقوف (رمز النازية)، ومعسكرات الاعتقال و القنبلة الذرية. وحدها ثورة عمالية و سلطة العمال بإمكانهما تشكيل مخرج من أزمة الرأسمالية.

إن للسياسة الماركسية، دون سواها، القدرة على توجيه نضال الطبقة العاملة نحو النصر.

الفوضوية عاجزة عن ذلك. الطريق الوحيد نحو المستقبل هو بناء حركة اشتراكية قائمة على الماركسية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إحالات

[*] اعتبار الاتحاد السوفييتي كان رأسمالية دولة توصيف مميز للتوجه الماركسي الثوري الذي ينتمي اليه كاتبا هذه الكراسة (تيار توني كليف). فيما حافظت الأممية الرابعة على تقييم تروتسكي وطورته، معتبرة الاتحاد السوفياتي السابق دولة عمالية محجوزة في طور انتقالي. وقد شكلت هذه المسألة إحدى النقاشات الكبرى التي هزت صفوف الماركسيين الثوريين طيلة عقود.(المترجم)

[**]:جون ستيورات ميل، (1806-1873)، فيلسوف وعالم منطق و اقتصاد بريطاني. من أكثر المفكرين الليبراليين تأثيرا في القرن التاسع عشر [م].

 

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s