كتاب (حق الأمم في تقرير مصيرها) لينين (نسخة الكتاب كاملة)

Posted: 5 مارس 2012 in كلاسيكيات الماركسية, كتب وموسوعات, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , ,
فلاديمير لينين
 مايو 1914

أثارت الفقرة التاسعة من برنامج الماركسيين الروس، الخاصة بحق الأمم في تقرير مصيرها، حملة واسعة من جانب الانتهازيين في الآونة الأخيرة (كما أشرنا إلى ذلك في “بروسفيشينيه”*) فقد انقض بعنف على هذه الفقرة أحد دعاة التصفية الروس “سيمكوفسكي” في جريدة لدعاة التصفية تصدر في سان بطرسبرج وحذا حذوه البوندي “ليبمان” والاشتراكي القومي الأوكراني يوركيفتش، كل منهما في جريدته وعالجاها بازدراء بالغ. ولا شك أن هذه الحملة الصاخبة الشاملة التي شنها الانتهازيون على برنامجنا الماركسي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتذبذبات القومية البادية في الوقت الحاضر بوجه عام. ولهذا نرى أنه قد حان الوقت لتحليل هذه القضية تحليلا مفصلا. بيد أننا نود الاشارة إلى أن أحدا من هؤلاء الانتهازيين المذكورين أعلاه لم يأت بحجة واحدة من عنده. بل اقتصروا جميعا على ترديد ما قالته روزا لوكسمبورج في مقالها البولوني المطول الذي نشرته في عامي 1908 و1909 تحت عنوان “مسألة القوميات والحكم الذاتي” ولذا نأخذ بعين الاعتبار قبل كل شيء في سياق هذا البحث البراهين “الأصيلة” التي أوردتها هذه الكاتبة.

1- ما معني حرية الأمم في تقرير مصيرها ؟

من الطبيعي أن يبرز هذا السؤال في مبدأ الأمر حين نحاول النظر فيما يسمى حرية تقرير المصير من وجهة نظر الماركسية. فماذا يعني ذلك؟ هل نستقصي الجواب من التعاريف القانونية المستقاة من شتي أنواع “المفاهيم العامة” للقانون أو ينبغي البحث عنه في دراسة الحركات القومية دراسة تاريخية اقتصادية؟

لا غرابة في أن السادة سيمكوفسكي وليبمان ويوركفيتش وإضرابهم لم يفطنوا حتي إلى إلقاء هذا السؤال وهم يتملصون من ذلك عن طريق التهكم على “غموض” البرنامج الماركسي، ويبدو أن هؤلاء السادة على ما هم عليه من بساطة يجهلون تمام الجهل أن مسألة حرية الأمم في تقرير مصيرها لم يعالجها البرنامج الروسي الموضوع في سنة 1903 وحسب، بل عالجها أيضا قرار مؤتمر لندن الأممي المنعقد في سنة 1896 (وسنعود إلى هذا القرار بالتفصيل في الموضع المناسب) ولكن ما هو أشد غرابة، أن روزا لوكسمبورج التي طالما ادعت أن تلك الفقرة من برنامجنا تتسم بطابع التجريد والميتافيزيائية، قد أرتكبت هي نفسها خطيئة التجريد والميتافيزيائية هذه، فإن روزا لوكسمبورج ذاتها تتيه دائما في بحث عموميات حرية تقرير المصير (إلى حد التفلسف الفكه المسلي حول مسألة كيف يمكن التحقق من إرادة أمة من الأمم) دون أن تطرح على نفسها اطلاقا هذا السؤال بصورة واضحة ودقيقة: هل يتلخص كنه القضية في التعاريف القانونية، أو في تجارب الحركات القومية في العالم بأسره؟

إن مجرد صياغة هذا السؤال بصورة دقيقة واضحة – وهو سؤال لا يستطيع الماركسي التغاضي عنه – يطيح فورا بتسعة أعشار حجج روزا لوكسمبورج، فالحركات القومية لم تبرز اليوم في روسيا للمرة الأولي وهي ليست وقفا على هذه البلاد دون سواها، ففي العالم كله كان عهد انتصار الرأسمالية الحاسم على الاقطاع مقترنا بالحركات القومية. ذلك لأن الانتصار الكامل للأنتاج السلعي يتطلب استيلاء البرجوازية على السوق الداخلية وتوحيد الأراضي التي يتكلم سكانها لغة واحدة، وإزالة كل حاجز من شأنه أن يعيق تطور تلك اللغة ورسوخها في الأدب، ذلكم هو الأساس الاقتصادي للحركات القومية. إن اللغة هي أكثر وسائل اتصال الناس بعضهم ببعض أهمية، كما أن وحدة اللغة وحرية تطورها هما من أهم الشروط لقيام مبادلات تجارية حرة شاملة حقا تتوافق والرأسمالية الحديثة، ولتكتل الناس تكتلا حرا واسعا داخل طبقاتها المتعددة، وأخيرا لاقامة علاقة وثيقة بين السوق وبين كل رب عمل كبير أو صغير وبين كل بائع ومشتر. ولذلك، فالسعي إلى إقامة دول قومية تستجيب على الوجه الأكمل لمتطلبات الرأسمالية الحديثة هذه هو أمر مصاحب لكل حركة قومية. وتدفع إلى هذا الهدف أعمق العوامل الاقتصادية. ومن هنا يبدوا أن الدولة القومية، بالنسبة لكل أوروبا الغربية، بل للعالم المتمدين كله، هي أمر نموذجي وطبيعي في المرحلة الرأسمالية.

فإذا أردنا، بعد هذا، أن نفهم معني حرية الأمم في تقرير مصيرها دون أن نتلاعب بالتعريفات القانونية، ودون أن “نخترع” تعريفات مجردة، بامتحان شروط الحركات القومية التاريخية والاقتصادية، فلابد أن نصل إلى النتيجة التالية: إن المقصود بحرية الأمم في تقرير مصيرها، هو الانفصال السياسي لهذه الأمم من الهياكل القومية الغريبة، وتشكيلها لدولة قومية مستقلة. وسنري فيما بعد، الأسباب الأخري التي توقعنا في الخطأ إذا فهمنا من حق حرية تقرير مصير أمة من الأمم شيئا آخر غير حق الوجود كدولة قائمة بذاتها. أما الآن فعلينا أن نعالج: كيف جهدت روزا لوكسمبورج في أن “تتملص” من مجابهة النتيجة الحتمية القائلة بأن الأسباب الاقتصادية العميقة تحدد الاندفاع نحو إنشاء دولة قومية. تعرف روزا لكسمبورج معرفة تامة الكراسة التي وضعها كاوتسكي بعنوان “القومية والأممية” ملحق “نوي تسايت” Neuezeitـ([1]) العدد الأول 1907-1908، الترجمة الروسية في مجلة “ناووتشناياميل” ريفا 1908([2]) ، وتعرف أن كاوتسكي، بعد أن حلل مسألة الدولة القومية في الفقرة الرابعة من هذه الكراسة تحليلا دقيقا، توصل بالنتيجة إلى القول بأن أوتو باور «يقلل من قوة الأندفاع إلى إنشاء الدولة القومية» (الصفحة 23 من الكراسة المذكورة) وقد أوردت روزا لوكسمبورج نفسها كلمات كاوتسكي التالية: «إن الدولة القومية هي شكل الدولة الذي ينسجم أكمل انسجام مع الظروف العصرية» (أي الظروف الرأسمالية المتمدنة، والشروط الاقتصادية المتقدمة، بوصفها شيئا متميزا عن الظروف السابقة على الرأسمالية، في العصور الوسطي .. الخ.) وهي الشكل الذي يتهيأ لها فيه تأدية مهامها على أحسن وجه (أي مهام إفساح المجال أمام الرأسمالية لتتطور إلى أبعد حدود الحرية والشمول والسرعة) وعلينا أن نضيف إلى ما تقدم ملاحظة ختامية، أوفر دقة، أوردها كاوتسكي، وهي أن الدول التي يكون تركيبها القومي بعيدا عن التجانس (أي التي تعرف بدول القوميات المتعددة خلافا للدول القومية)، هي دائما تلك الدول التي يظل تشكيلها الداخلي لسبب ما شاذ أو ضعيف التطور (متأخرا). وغني عن البيان ان كاوتسكي يستعمل هنا لفظة “شاذ” للدلالة فقط على عدم التلاؤم مع ما ينسجم ومتطلبات الرأسمالية النامية.

والسؤال الآن هو: كيف عالجت روزا لوكسمبورج هذه الاستنتاجات التاريخية الاقتصادة التي توصل إليها كاوتسكي؟ هل تعتبرها صحيحة أم مغلوطة؟ ومَن مِن كاوتسكي واوتو باور على حق: الأول بنظريته التاريخية الاقتصادية، أم الثاني بنظريته القائمة على أساس سيكولوجي؟ وأية رابطة تجمع بين “انتهازية” باور “القومية” التي لا مراء فيها، ودفاعه عن الاستقلال الذاتي القومي، وولعه بالتعصب القومي (تضخم العوامل القومية هنا وهناك كما وضعها كاوتسكي): «ومبالغته الشديدة في تقدير شأن العوامل القومية وتناسيه العوامل الأممية تناسيا تاما» (كاوتسكي). نقول أية رابطة تجمع بين هذا كله وبين تقليل باور من شأن الاندفاع نحو انشاء دولة قومية ؟

إن روزا لوكسمبورج حتي لم تتطرح هذا السؤال. ولم تلاحظ هذه الصلة كما أنها لم تضع في اعتبارها مجموع أفكار باور النظرية، ولم تقارن مطلقا بين النظرية التاريخية الاقتصادية والنظرية السيكولوجية في المسألة القومية بل حصرت نفسها في حدود الملاحظات التالية، في نقدها لكاوتسكي:

إن هذه الدولة القومية “المثلى” ليست سوي شيء مجرد يسهل عرضه نظريا والدفاع عنه نظريا، ولكنه غير مطابق للواقع. (Przeglad Socialdemokratycizny 1908، العدد 6، ص 499).

وللدلالة على صحة هذا التصريح الجازم وتأييده تورد روزا لوكسمبورج سلسلة حجج تزعم فيها أن تطور الدول الرأسمالية العظمي والامبريالية يجعلان من حق تقرير مصير الشعوب الصغيرة شيئا وهميا. ثم تصيح: «هل يمكن لأحد الحديث عن “حرية” سكان الجبل الأسود والبلغاريين والرومانيين والصرب واليونانيين: وحتي السويسريين إلى حد ما، في تقرير مصيرهم. وكلهم مستقلون صوريا، مادام استقلالهم ذاته نتيجة للنضال السياسي، وللعبة الدبلوماسية” للجوقة الأوروبية؟!» (ص 500) إن الدولة التي تتلائم مع الظروف تلاؤما أكمل «ليست هي الدولة القومية، كما يتصور كاوتسكي، بل هي الدولة المفترسة» وتورد بضع عشرات الأرقام عن ضخامة المستعمرات التابعة لانجلترا وفرنسا وغيرها. ويستغرب القارئ فعلا، حين تقع عينه على مثل هذه الحجج، قدرة الكاتبة على عدم فهم كيفيات الأشياء وأسبابها. إن جهود روزا لوكسمبورج لتلقين كاوتسكي درسا قاسيا حول تبعية الدول الصغيرة اقتصاديا للدول الكبيرة، وكيف أن الصراع بين الدول البرجوازية متواصل لسحق الأمم الأخري بضراوة، وأن ثمة إمبريالية ومستعمرات، كل هذا ليس سوي أمر مضحك، ومحاولة صبيانية للتظاهر بالذكاء، لأن هذه الأمور كلها لا تمت بصلة إلى الموضوع. إن التبعية الاقتصادية الكاملة لسلطان الرأسمال المالي الامبريالي في البلدان البرجوازية “الغنية” ليست شيئا مقصورا على الدول الصغري فقط بل إنها أيضا تشمل أقطارا كروسيا ولم تكن دويلات البلقان وحدها مستعمرة لأوروبا من الوجهة الاقتصادية، بل إن أمريكا ذاتها كانت كذلك في القرن التاسع عشر. على حد ما ذكره كارل ماركس في “الرأسمال”([3]). كل هذا يعرفه بالطبع كاوتسكي جيدا، شأن كل ماركسي، ولكن هذا كله لا علاقة له، قط، بمسألة الحركات القومية والدولة القومية.

لقد استعاضت روزا لوكسمبورج في قضية حرية الأمم في تقرير مصيرها السياسي في المجتمع البرجوازي، أي قضية استقلالها الاقتصادي ولا شك أن في هذا من الذكاء، ما يشبه تماما موقف شخص يسعي، عند مناقشة أحد المطالب في برنامج من البرامج حول سلطان البرلمان – أي مجلس ممثلي الشعب في الدولة البرجوازية – إلى تبيان اقتناعه – الصائب كل الصواب – بأن الرأسمال الكبير يسود في البلد البرجوازي، مهما كان نظامه. ليس من شك في أن الجزء الأكبر من آسيا، وهي القارة المأهولة بالسكان أكثر من غيرها، واقع في إحدى حالتين: إما مستعمرات “للدول العظمى” وإما دول ممعنة في التبعية وخاصة للاضطهاد القومي. ولكن هل يزعزع هذا الظرف المعروف من الجميع، الحقيقة التي لا مراء فيها وهي أنه في آسيا ذاتها لم تنشأ شروط تطور الإنتاج السلعي الأكمل، ولا شروط نمو الرأسمالية الأكثر حرية واتساعا وسرعة، إلا في اليابان، أي فقط في دولة قومية مستقلة؟ إن هذه الدولة هي دولة برجوازية، ولذا أخذت هي باضطهاد أمم أخرى، واستعباد مستعمرات لها. ونحن لا نستطيع الحديث عما إذا كانت آسيا ستنجح على غرار أوروبا، أم لا ولكن يبقي شيء لا يختلف فيه إثنان، وهو أن الرأسمالية بايقاظها القارة الاسيوية قد أثارت في جميع بقاع آسيا، أيضا حركات قومية تسعي حثيثا إلى إنشاء دول قومية، وأن هذه الدول هي التي تضمن للرأسمالية أحسن الظروف التي يتطلبها تطورها. إن مثال آسيا هو في صالح كاوتسكي، ضد روزا لوكسمبورج. إن مثال الدول البلقانية هو ضدها أيضا. فكل منا يري اليوم أن أحسن الظروف التي يقتضيها تطور الرأسمالية آخذه في التوافر في البلقان وذلك كلما ازداد نشوء دول قومية مستقلة في شبه الجزيرة هذا. وهكذا يتضح أن المثل الذي تضربه البشرية المتمدينة والمتقدمة جمعاء، ومثل البلقان ومثل آسيا تبرهن تماما على صحة قضية كاوتسكي – رغم روزا لوكسمبورج – تلك القضية القائلة بأن الدول القومية هي القاعدة والمعيار للنظام الرأسمالي، وبأن الدول التي لا تجانس في تركيبها القومي لا تمثل سوي التأخر، أو الاستثناء. ولا شك في أنه من زاوية العلاقات القومية، فإن الدولة القومية، تخلق أفضل الشروط لتطور الرأسمالية. ولا يعني هذا أن مثل هذه الدولة القائمة على أساس العلاقات الورجوازية، تستطيع أن تقضي على استغلال الأمم واضطهادها. إنه يعني فقط، أن الماركسيين لا يستطيعون إهمال العوامل “الاقتصادية” القوية التي تولد الدافع إلى انشاء الدول القومية. كما يعني أن “حرية الأمم في تقرير مصيرها” لا يمكن أن يكون لها في برنامج الماركسيين، من الوجهة التاريخية الاقتصادية، سوي معني واحد هو حرية تقرير المصير السياسي، والاستقلال كدولة، وإنشاء دولة قومية. أما الشروط التي نشترط بها من الوجهة الماركسية أي من وجهة نظر الطبقة البروليتارية تأييد المطلب البرجوازي الديموقراطي القائل “بدولة قومية” فسنفصل القول فيها بعد، أما الآن فسوف نقتصر على تعريف مفهوم “حركة تقرير المصير” وليس فقط في أن روزا لوكسمبورج تعرف ماذا يعني هذا المفهوم “الدولة القومية” في حين أن أنصارها الانتهازيين من جماعة ليبمان وسيموفسكي ويوركيفيتش يجهلون حتى هذا الأمر!

2- وضع القضية وضعا تاريخيا ملموسا

حين يعمد المرء إلى تحليل قضية اجتماعية أيا كانت، توجب عليه النظرية الماركسية أن يضع تلك القضية في نطاق تاريخي معين. كما تشترط عليه أيضا، إذا كان الموضوع يدور حول بلد بمفرده (مثلا حول البرنامج القومي لهذا البلد)، أن يأخذ بعين الاعتبار الخصائص الملموسة التي تميز هذا البلد عن سواه في حدود هذه الحقبة التاريخية ذاتها.

فماذا يعني هذا الشرط، الذي تقول به الماركسية في تطبيقه على القضية التي نعالجها؟ إنه يعني بالدرجة الأولى، ضرورة التمييز بدقة بين مرحلتين من الرأسمالية يختلفان جذريا فيما يتعلق بالحركات القومية. فهناك من جهة الاقطاع والحكم المطلق، ينشأ فيها مجتمع ودولة ديموقراطيان برجوازيان، وتصبح فيه الحركات القومية لأول مرة حركات جماهيرية تجذب “جميع” طبقات السكان نحو السياسة، سواء عن طريق الصحافة أو عن طريق الاشتراك في الهيئات التمثيلية وغيرهما من الطرق، ومن جهة أخرى، هناك مرحلة اكتمال تأسيس الدول الرأسمالية بنظامها الدستوري الموحد منذ زمن طويل، مرحلة تعاظم التناحر بين البروليتاريا والبرجوازية – مرحلة يمكننا تسميتها عشية انهيار الرأسمالية. أما ما يميز المرحلة الأولى فهو استيقاظ الحركات القومية التي يجرف تيارها طبقة الفلاحين – أي الطبقة التي تضم أكبر عدد من السكان والتي يصعب دفعها إلى الحركة بين طبقات السكان في مجري النضال من أجل الحرية السياسية بصورة عامة، ومن أجل حقوق القومية بصفة خاصة، وأما ما يميز المرحلة الثانية فهو غياب الحركات البرجوازية الديموقراطية الجماهيرية، وسعي الرأسمالية المتطورة التي تقرب بين الأمم أكثر فأكثر بعد أن اندفعت هذه الأمم بكليتها في حركة التبادل التجاري، تضع التناحر القائم بين الرأسمالية الذي اندمج على الصعيد العالمي، وبين حركة العمال العالمية في الدرجة الأولي من الأهمية. وليس هناك طبعا أي جدار يفصل بين هاتين المرحلتين، بل إنهما يتصلان ببعضهما بحلقات انتقالية كثيرة. على أن هناك عوامل أخري تميز بين مختلف الأقطار، كسرعة تطورها الوطني، وتركيب سكانها القومي وتوزيع هؤلاء السكان، الخ. ولهذا لا يمكن اطلاقا الشروع بوضع برنامج قومي للماركسية في بلد من البلدان، دون النظر بعين الاعتبار إلى جميع هذه الأول التاريخية العامة وجميع الاوضاع الملموسة لهذه الدولة. وهنا نلمس أضعف ناحية من حجج روزا لوكسمبورج، فهي تبذل قصاري جهدها لتنميق مقالها بمجموعة من التعابير الحازمة ضد الفقرة التاسعة من برنامجنا، ناعتة إياها تارة بأنها عبارات “عامة” جدا وتارة بأنها “جامدة” وطورا بأنها “ميتافيزيائية” وهلم جرا بلا نهاية. وطبيعي أن ننتظر من كاتبة تهاجم الميتافيزياء (بمعناها الماركسي، أي نقيض الديالكتيك) والمجردات العقيمة بمثل هذه الصورة الباعثة على الاعجاب، أن تطرفنا بمثال عن بحث القضية بحثا تاريخيا ملموسا. والمقصود هنا برنامج الماركسيين القومي في قطر معين هو روسيا، وفي حقبة معينة هي مطلع القرن العشرين، ولكن هل تطرح روزا لوكسمبورج هذا السؤال: أية حقبة “تاريخية” تجتاز روسيا اليوم، وما هي الخصائص “الملموسة” التي تتسم بها القضية القومية والحركات القومية في “هذا البلد” خلال هذه “الحقبة”؟ إنها لا تفعل! إنها لا تقول كلمة واحدة تدور حول هذه القضية! ولن تجدوا في مقالها أي أثر لتحليل القضية الموضوعة على بساط البحث، قضية كيف تعالج مسألة القوميات في روسيا، في الحقبة التاريخية المشار اليها وما هي الخصائص التي تميز بها روسيا في هذا الخصوص! يقال في الرد علينا أن وضع مسألة القوميات في البلقان يختلف عما هو عليه في ايرلندا وأن ماركس قد امتدح الحركتين القوميتين البولونية والتشيكية و في الظروف الملموسة لعام 1848 (وتلي ذلك صفحة استشهادات من كتابات ماركس) وأن انجلس قد امتدح نضال الأقاليم الغابية السويسرية ضد النمسا وعن معركة مورجارنتن، عام 1315، (وتلي ذلك أيضا صفحة استشهادات من أنجلس مقرونة بتعليقات مناسبة من كاوتسكي) وأن لاسال كان ينظر إلى حرب الفلاحين في ألمانيا في القرن السادس عشر على أنها حرب رجعية، الخ. إننا لا نستطيع القول بأن هذه الملاحظات والاستشهادات جائتنا بشيء جديد، على أن من المفيد عموما للقارئ أن يتذكر أيضا كيف كان ماركس وانجلس ولاسال على وه التحقيق يعالجون القضايا التاريخية الملموسة لمختلف البلدان. وحين نعيد قراءة استشهادات ماركس وانجلس الجزيلة الفائدة ندرك بكل وضوح المأزق المضحك الذي زجت روزا لوكسمبورج نفسها فيه: فهي تعظ الناس بكل ما أوتيت من فصاحة وغضب بضرورة تحليل مسألة القوميات في مختلف الأقطار والعهود، تحليلا تاريخيا ملموسا في حين لا تبدر منها أية محاولة “لتحديد” ماهية المرحلة التاريخية لتطور الرأسمالية التي تجتازها “روسيا” في مطلع القرن العشرين. ولا ماهية خصائص مسألة القوميات في هذا القطر. وقد أوردت روزا لوكسمبورج أمثلة تبين كيف حلل الناس غيرها القضية تحليلا ماركسيا فكأنما تتعمد إلى الاشارة إلى أن جهنم كثيرا ما تكون مفروشة بالنيات الحسنة، وأن النصائح الطيبة كثيرا ما تحول بين أصحابها والاستفادة عمليا من تطبيق تلك النصائح، أو بعجزهم عن الأخذ بها. هاكم مثلا إحدي المقارنات: حين تعارض روزا لوكسمبورج شعار إستقلال بولونيا، تستشهد بكتابها الصادر في عام 1898 الذي برهنت فيه على سرعة “تطور بولونيا الصناعي” بتدليلها أن بولونيا كانت تصرف منتجاتها الصناعية في روسيا. ولسنا بحاجة طبعا إلى القول بأن هذا البرهان لا علاقة له اطلاقا بحق تقرير المصير، وأنه لا يعني أكثر من زوال بولونيا النبلاء القديمة الخ. غير أن روزا لوكسمبورج تنتهي دائما بصورة غير ملحوظة إلى استنتاج يزعم أن العوامل الاقتصادية البتة في العلاقات الرأسمالية الحديثة هي التي تتفوق من الآن على العوامل الآخري التي توحد بين روسيا وبولونيا. ولكن ها هي صاحبتنا روزا تنتقل إلى قضية الحكم الذاتي ولذلك فإن مقالها متوج بعنوان “المسألة القومية والحكم الذاتي” بشكل عام. وهي تبدأ في إثبات حق المملكة البولونية الاستثنائي في الحكم الذاتي (أنظر بهذا الصدد “بروسفيشينيه” سنة 1913، العدد 12) * ولكي تؤكد حق بولونيا في الحكم الذاتي، تعتمد روزا لوكسمبورج في حكمها على نظام الدولة في روسيا – على السمات الاقتصادية والسياسية والمعاشية والاجتماعية التي تتسم بها – مجموعة من السمات التي تشكل في كليتها مفهوم “الاستبداد الأسيوي” (العدد 12 من “جيغلاد ص 137”). ومن المعروف عامة، أن نظام دولة كهذا يتمتع بقسط وافر من الاستقرار في حين تسود في النظام الاقتصادي السمات البطريركية الكاملة السابقة لعهد الرأسمالية، وفي حين يتطور الاقتصاد السلعي في مثل هذه البلاد والتمايز الطبقي تطورا تافها. وإذا وجدت في بلد ما يتصف نظامه العام بطابع واضح من مرحلة ما قبل الرأسمالية منطقة قومية واضحة الحدود، تتطور الرأسمالية تطورا سريعا فبقدر ما تتعاظم سرعة هذا التطور الرأسمالي يشتد التناقض بينه وبين نظام الدولة السابق لعهد الرأسمالية ويزداد بالتالي احتمال انفصال المنطقة المتقدمة عن المجموع، لأن المنطقة لا تكون مرتبطة بالمجموع بروابط “رأسمالية عصرية” بل بروابط “آسيوية استبدادية”.

وهكذا يتبين أن روزا لوكسمبورج عجزت تماما حتي عن تحليل قضية البناء الاجتماعي الذي يقوم عليه الحكم في روسيا بالنسبة إلى بولونيا البرجوازية، أما الخصائص التاريخية الملموسة التي تمتاز بها الحركات القومية في روسيا، فهي لم تتعرض حتي لبحثها. وهذه نقطة ينبغي أن نتوقف عن معالجتها.

3- الخصائص الملموسة للمسألة القومية في روسيا، والاصلاح البورجوازي الديموقراطي لروسيا

تقول روزا لوكسمبورج في مستهل حملتها على الفقرة التاسعة من البرنامج الماركسي:

« وعلى الرغم من أن مبدأ “حق الأمم في تقرير مصيرها” ذو طابع مطاط، وعلي الرغم من أنه من الأشياء العامة المجردة، لانه قابل للتطبيق سواء بسواء لا على الشعوب التي تقطن روسيا فحسب، بل وعلي الأمم التي تسكن البانيا والنمسا وسويسرا، والسويد، وأمريكا، واستراليا، فاننا نجده في أي برنامج من برامج الاحزاب الاشتراكية المعاصرة ». (العدد 6 من “برجيفلا” ص 83).

ولكن روزا لوكسمبورج في محاولتها أن تدس علينا مفهومها من أن هذه الحملة لا تزيد عن كونها “من الأشياء العامة المجردة” تقع هي نفسها في الخطأ ذاته، حين تصرخ بجرأة مضحكة أن تلك الفقرة «قابلة للتطبيق بوضوح سواء بسواء على روسيا وألمانيا، الخ.»

وعلي هذا نجيب: من الواضح أن روزا لوكسمبورج أرادت امتحاننا في مقالها بمجموعة من أخطاء المنطق التي تصلح للاستخدام في تمرينات تلاميذ المدارس، لأن جملة روزا لوكسمبورج ليست في الواقع غير لغو في القول وتحقير لوضع القضية وضعا تاريخيا ملموسا. فإذا عمدنا إلى تفسير البرنامج الماركسي بطريقة ماركسية لا بطريقة صبيانية، أدركنا بسهولة أنه يتناول الحركات القومية البرجوازية الديموقراطية. فإذا كان الأمر كذلك – وهو فعلا كذلك – يتبدي لنا واضحا أن هذا البرنامج ينطبق “بصورة عامة” وكشيء “عام” الخ. على جميع حالات الحركات القومية البرجوازية الديموقراطية. وإذا كلفت روزا لوكسمبورج نفسها عناء التفكير قليلا لاستنتجت بصورة لا تقل وضوحا أن برنامجنا لا بنطبق إلا على الحالات التي نرى فيها حركات من هذا النوع. ولو تعمقت روزا لوكسمبورج في هذه الأمور الواضحة لأدركت بدون عناء كبير أية خرافة نطقت بها، لأنها إذ تتهمنا نحن بذكر أشياء عامة.. تورد ضدنا برهانا يقوم على عدم ورود أي ذكر لحرية الأمم في تقرير مصيرها في برنامج البلدان التي لا توجد فيها حركات قومية برجوازية ديموقراطية. فيا لها من حجة بالغة الذكاء!

إن مقارنة تطور مختلف الأقطار سياسيا واقتصاديا، ومقارنة برامجها الماركسية أيضا لهما على جانب عظيم من الأهمية من وجهة النظر الماركسية: لأن الطبيعة الرأسمالية العامة في الدول العصرية، والقانون العام لتطور هذه الدول أيضا، هما أمران لا يختف فيهما اثنان. على أن مثل هذه المقارنة تحتاج إلى براعة ومهارة، وأن الشرط الأول لذلك هو معرفة ما إذا كانت مراحل التطور التاريخية للبلدان المقارن فيما بينها قابلة للمقارنة أم لا. فالجهلاء المطبقون (أمثال الأمير ترويتسكوي في صحيفة “روسكايا ميسل” (102) هم الذين يستطيعون وحدهم المقارنة بين برنامج الماركسيين الزراعي في روسيا وبين البرامج الزراعية في أوروبا الغربية، ذلك أن برنامجنا يستجيب لقضايا تتعلق بالاصلاح البورجوازي الديمقراطي في مجال الزراعة وهو أمر لا مجال لبحث اطلاقا في الأقطار الغربية. وكذلك شأن مسألة القوميات، فقد تم حلها في معظم البلدان الغربية منذ أزمان بعيدة ومن السخف أن تطلب في برامج الغرب معالجة قضايا ليس لها وجود. وهنا غاب عن روزا لوكسمبورج الشيء الأساسي على وجه الضبط: وهو الفارق بين البلدان التي تمت فيها التحويلات البورجوازية الديمقراطية منذ زمن بعيدج. وبين البلدان التي لم ينهض ذلك فيها بعد. أن جوهر المسألة يستقر في هذا الفارق فان تجاهله التام قد جعل من مقال روزا لوكسمبورج المطول جدا مجموعة أشياء عامة فارغة لا معني لها. لقد شهد عهد الثورات البرجوازية الديموقراطية في أوروبا الغربية القارية فترة معينة إلى حد ما من الزمن تمتد تقريبا من عام 1789 إلى 1871 فكانت تلك الفترة هي الحقبة التي ظهرت فيها حركات قومية ونشأت خلالها دول قومية. وقد تحولت أوروبا الغربية في نهاية تلك الحقبة إلى نظام متكامل مؤلف من دول برجوازية هي كقاعدة عامة دول موحدة من الناحية القومية. ولذا فان البحث الآن عن حق تقرير المصير في برامج الاشتراكيين بأوروبا الغربية، أنما يعني الجهل بألف باء الماركسية. أما في أوروبا الشرقية وآسيا فلم يبدأ عهد الثورات البرجوازية الديموقراطية الا في عام 1905. فالثورات التي نشبت في روسيا وايران وتركيا والصين والحروب التي وقعت في البلقان، تشكل سلسلة الأحداث العالمية التي شهدها عصرنا وكان “شرقنا” مسرحا لها والأعمى وحده لا يرى في تلك السلسلة من الأحداث انطلاق طائفة كاملة من الحركات البرجوازية الديموقراطية وانبثاق الميول الرامية إلى انشاء دول مستقلة وموحدة من الناحية القومية فمادامت روسيا والدول المجاورة لها تجتاز اليوم هذه المرحلة فإننا نجد من الضروري لهذا السبب على وجه التدقيق ولهذا السبب وحده أن يتضمن برنامجنا فقرة خاصة بحق الأمم في تقرير مصيرها. ولكن لنتابع قليلا تلاوة المقطع الوارد آنفا في مقال روزا لوكسمبورج تقول الكاتبة:

« بصورة خاصة، لأن برنامج الحزب الذي يعمل في دولة ذات تركيب قومي متباين جدا والذي تحتل مسألة القوميات في نظره مركزا من الدرجة الاولي، برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمسوي – لا يتضمن مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها. » (المصدر نفسه).

وهكذا يبدوا أن كاتبتنا تود اقناع القارئ معتمدة على مثال النمسا “بصورة خاصة” فلنبحث من وجهة النظر التاريخية الملموسة فيما إذا كان هذا المثال يحتوي على شيء معقول. لنبسط أولا القضية الأساسية: قضية إتمام الثورة البرجوازية الديموقراطية. لقد بدأت هذه الثوراة في النمسا عام 1848 وانتهت في عام 1867 فمنذ حوالي نصف قرن، يسود في هذه البلاد بشكل أو بآخر دساتير برجوازية ويعمل على أساسها حزب عمالي علني بصورة علنية. فاذا نظرنا إلى ظروف تطور النمسا الداخلية (ي من وجهة تطور الرأسمالية في النمسا بصورة عامة وفي كل الأمم التي تتألف منها بصورة خاصة) لما رأينا عوامل تدعو إلى حدوث قفزات يمكن أن يرافقها في جملة ما يرافقها – انشاء دول قومية مستقلة: وأن روزا لوكسمبورج عندما تفترض بمقارنتها تلك أن روسيا تعيش ظروفا مماثلة لظروف النمسا في هذه الناحية أي تتبني فرضية خاطئة من اساسها ومتناقضة للتاريخ فحسب. بل تنزلق كذلك إلى أفكار دعاة التصفية من حيث لا تدري. ثانيا، إن الاختلاف العميق في العلاقات بين القوميات في النمسا عنه في روسيا من حيث القضية موضوع بحثنا يتسم بأهمية كبيرة خاصة. فلم تكن النمسا مجرد دولة تفوق الألمان فيها من حيث العدد مدة طويلة من الزمن فحسب بل أن الألمان النمسويين طمحوا إلى بسط زعامتهم على الأمة الألمانية كلها. ولعل روزا لوكسمبورج (التي لا تحب كثيرا على حد زعمها الأشياء العامة والكليشيهات والمجردات) تتفضل وتذكر بأن ذلك الطموح قضي عليه في حرب 1866. وهكذا فإن الأمة الألمانية السائدة في النمسا قد وجدت نفسها خارج الدولة الألمانية المستقلة التي تكونت نهائيا في عام 1871 ومن جهة اخري تحطمت محاولة المجريين تأسيس دولة قومية مستقلة منذ عام 1849 تحت ضربات الجيش الاقطاعي الروسي.

وعلي هذا النحو نشأت عن ذلك مواقف في غاية الغرابة: فالمجريون ومن ثم التشيكيون أخذوا يميلون إلى المحافظة على وحدة النمسا ويبتعدون عن الانفصال عنها وذلك على وجه الدقة حفاظا على الاستقلال القومي الذي يتهدده جوار أكثر نهما وأشد بأسا فتكونت في النمسا نتيجة هذه الحالة الغريبة، دولة ذات قطبين (ثنائية) وهي آخذة اليوم في التحول إلى دولة ذات ثلاث أقطاب (ثلاثية) الألمان والمجريون والسلاف). فهل في روسيا ما هو شبيه بذلك؟ هل تميل القوميات غير الروسية عندنا إلى الاتحاد مع الروس. تجنبا لاضطهاد قومي أعنف مما يقاسونه الآن؟ يكفينا طرح هذا السؤال حتي نتبين ما تنطوي على المقارنة بين روسيا والنمسا في مجال حق الأمم في تقرر مصيرها من سخافة وابتذال وجهل. أن ظروف روسيا الخاصة فيما يتعلق بالقوميات مناقضة تماما لما رأيناه في النمسا. فروسيا دولة ذات قطب قومي واحد – روسيا العظمى. ويستغل الروس العظام فيها بقعة واحدة شاسعة جدا من الأرض ويبلغ عددهم ما يقرب من السبعين مليونا ولهذه الدولة القومية ميزات خاصة: أولاها – أن القوميات غير الروسية (التي تؤلف بالاجمال أكثرية السكان أي 57 بالمئة) تقطن البقاع الواقعة بالضبط على اطراف البلاد. وثانيتها، أن الاضطهاد الذي تعانيه تلك القوميات غير الروسية لأشد قسوة بكثير مما هو في الدول المجاورة (وليس في الدول الاوروبية منها فقط). وثالثتها – أن القوميات المضطهدة المظلومة القاطنة في اطراف روسيا تري تري في كثير من الحالات، القاطنين في الجانب الآخر من الحدود أبناء قومها يتمتعون باستقلال قومي واسع مما تتمتع به هي (ويكفي ان نذكر على سبيل المثال الفنلنديين والسويديين والبولونيين والاوكرانيين والرومانيين على حدود الدولة الغربية والجنوبية) ورابعتها، أن تطور الرأسمالية والمستوى الثقافي العام هما في حالات غير نادرة أكثر تقدما في الأقاليم غير الروسية الواقعة على الأطراف منها في وسط البلاد. وآخرها أننا نشهد في الدول الآسيوية المجاورة بالذات فاتحة عهد ثورات برجوازية وحركات قومية، تشمل إلى حد ما القوميات القائمة داخل روسيا والتي تربطها معها رابطة القرابة. وهكذا فان خصائص مسألة القوميات في روسيا، أي خصائصها التاريخية الملموسة هي التي تفرض علينا بالحاح عظيم أن نعترف في المرحلة التي نجتازها بحق الأمم في تقرير مصيرها. ومن جهة أخرى، حتي اذا أخذنا بعين الاعتبار الوقائق وحدها، ليس من الصحيح ما تؤكده روزا لوكسمبورج من أن الاعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها غير وارد في برنامج الاشتراكيين الديموقراطيين النمساويين. يكفي إلقاء نظرة على محاضرة مؤتمر بروق الذي أقر البرنامج القومي([4]) حتى تطلع على التصريحات التي أدلى بها كل من الاشتراكي الديموقراطي الروسبيني جاتكيفيتش باسم مجموع الوفد الاوكراني (الروسبيني) صفحة 85 من المحاضر) والاشتراكي الديموقراطي البولوني “ريجر” باسم مجموع الوفد البولوني (صفحة 108) وقد جاء في تلك التصريحات أن واحدا من مطامح الاشتراكيين الديموقراطيين النمساويين، في القوميتين الإثنتين المذكورتين آنفا هو صيانة وحدة شعبيهما القومية وحريتهما واستقلالهما. فعلى الرغم من أن الحزب الاشتراكي الديموقراطي النمساوي لم يذكر صراحة في برنامجه حق الأمم في تقرير مصيرها، فهو يقبل عن طيب خاطر مناداة بعض فئاته بمطلب الاستقلال القومي. وهذا يعني عمليا بطبيعة الحال الاعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها. فمن هنا يتضح أن استشهاد روزا لوكسمبورج بمثل النمسا ينقلب على روزا لوكسمبورج من جميع الوجوه.

 4- “الروح العملي” في مسألة القوميات

تلقف الانتهازيون حجة روزا لوكسمبورج التي زعمت فيها أن الفقرة التاسعة من برنامجنا لا تحتوي شيئا ” عمليا “، ويظهر أن روزا لوكسمبورج مغتبطة بهذه الحجة إلى درجة أنها رددت أحيانا هذا ” الشعار ” في مقالها ثماني مرات في الصفحة الواحدة. تقول روزا لوكسمبورج:

“ليس في الفقرة التاسعة أي توجيه عملي لسياسة البروليتاريا اليومية، وي حل عملي للقضايا القومية”.

لندرس هذه الحجة الواردة أيضا على الصورة التالية: أما أن الفقرة التاسعة لا تعني شيئا على الاطلاق، وأما أنها تفرض علينا تأييد جميع الأماني القومية. فماذا يعني مطلب الروح العملي في مسألة القوميات ؟. أنه يعني: أما تأييد جميع الأماني القومية، وأما الجواب ” بلا أو نعم ” على قضية انفصال كل أمة، واما، بصورة عامة ” امكانية تحقق المطالب القومية مباشرة “.

فلنمعن النظر في جميع هذه المعاني الثلاثة الممكنة لمطلب الروح العملي. أن البرجوازية التي تتزعم بطبيعة الحال كل حركة قومية في بداءتها تصف تأييد جميع الاماني القومية بأنه أمر عملي. الا أن سياسة البروليتاريا في المسألة القومية (شأنها في سائر القضايا الأخري) لا تؤيد البرجوازية الا في اتجاه معين، دون أن تكون أطلاقا مماثلة لسياستها. فالطبقة العاملة لا تؤيد البرجوازية الا في صالح السلم القومي (الذي تعجز البرجوازية عن توفيره كاملا والذي لا يمكن تحقيقه الا بقدر ما تسود الديموقراطية سيادة تامة) بغية المساواة في الحقوق، بغية تهيئة أفضل جو ممكن للنضال الطبقي. ولذلك فان البروليتاريا تعارض في مسألة القوميات ” الروح العملي ” البرجوازي بسياسة مبدئية ولا تدعم البرجوازية الا ضمن شروط معينة. أن كل برجوازية تطمح في مسألة القوميات: أما إلى الحصول على امتيازات لأمتها، وأما إلى تحقيق فوائد استثنائية لها وهذا ما تقصده ” بالروح العملي ” في حين أن البروليتاريا هي ضد كل امتياز وضد كل استثناء فمطالبة البروليتاريا بأن تكون ” عملية ” معناها السير تحت كنف البرجوازية والانغماس في الانتهازية. أما الاجابة ” بلا أو نعم ” على قضية انفصال كل أمة فتبدو أنها مطلب جد ” عملي ” ولكنه في الواقع مطلب سخيف ميتافيزيائي النزعة من الوجهة النظرية بينما يؤدي إلى اخضاع البروليتريا لسياسة البرجوازية من الوجهة العملية. فالبرجوازية تضع دائما مطالبها القومية في مقدمة الاهداف وتضعها بلا قيد ولا شرط. في حين أن هذه المطالب تخضع في نظر البروليتاريا لمصالح النضال الطبقي. ولا يستطاع من الوجهة النظرية التأكيد مسبقا على ان انفصال هذه الأمة عن تلك أو مساواتها في الحقوق مع أمة أخري هو الذي سيتم الثورة البرجوازية الديموقراطية. فمن المهم للبيروليتاريا في كلا الحالين تأمين تطور طبقتها. أما البرجوازية فتهتم بعرقلة هذا التطور. بالقاء اهدافه وراء اهداف أمتها ولذلك فان البروليتاريا تقتصر على مطلب الاعتراف بحق تقرير المصير بشكل سلبي اذا صح التعبير. دون أن تضمن شيئا لأية أمة. ودون أن تقطع على نفسها عهدا بمنح أي شيء على حساب أمة أخري. قد يكون هذا غير “عملي”، ولكنه خير ضامن في الواقع لأوسع الحلول الممكنة ديموقراطية. أن هذه الضمانات وحدها هي التي تحتاج اليعها البروليتاريا أما ما تحتاجه برجوازية كل أمة فهو ضمان مصالحها دون الأهتمام بأوضاع الأمم الأخري ولو على حساب هذه الأمم. أن اخص ما يهم البرجوازية هو “امكانية تحقيق” مطلب معين بالذات وهذا ما يدفعها على الدوام إلى انتهاج سياسة المساواة مع برجوازية الامم الاخري على حساب البروليتاريا. أما البروليتاريا فيهمها أن تقوي طبقتها ضد البرجوازية، وأن تربي الجماهير بروح الديموقراطية المنسجمة وبروح الاشتراكية. قد يكون هذا ” غير عملي ” في نظر الانتهازيين. بيد أن هذا هو في الواقع الضمانة الوحيدة التي تؤمن أوفر قسط من المساواة القومية والسلم القومي رغم أنف الاقطاعيين، والبرجوازية المفعمة بروح التعصب القومي ايضا. أن كل المهمة الملقاة على عاتق البروليتاريا في مسألة القوميات ليست بالشيء “العملي” في نظر البرجوازية المفعمة بروح التعصب القومي في كل امة لأن البروليتاريين يتطلبون مساواة ” مجردة ” في الحقوق، وانعدام الامتيازات اطلاقا مهما كانت طفيفة، فهم أعداء لكل تعصب قومي، وأن روزا لوكسمبورج لم تفهم هذا فأمعنت في تمجيد الروح العملي بلا حساب، ففتحت الباب على مصراعيه أمام الأنتهازيين، ولا سيما أمام التنازلات الانتهازية لقومية الروس العظام. لماذا نقول الروس العظام؟ نقول ذلك لأن الروس في روسيا هم الأمة المضطهدة الظالمة ومن الطبيعي أن تتجلي الانتهازية في الحقل القومي باشكال مختلفة لدي الأمم القاهرة، على عكس الأمم المقهورة. فبرجوازية الأمم المضطهدة تدعو البروليتاريا تحت دعوي مطالبها ” العملية ” إلى مناصرة امانيها دون أي تحفظ، أفضل موقف عملي لديها هو القول ” نعم ” صراحة لصالح انفصال أمة بعينها، لا لصالح حق انفصال جميع الأمم أيا كانت ! ولكن البروليتاريا لا توافق على هذا المفهوم ” العملي ” وهي تعترف بالمساواة في الحقوق وتقرر لجميع الأمم حقا متساويا في انشاء دولة قومية ولكنها تضع مصلحة التحالف بين البروليتاريين في جميع الأمم فوق كل اعتبار آخر. وتنظر إلى كل مطلب قومي، والي كل انفصال قومي على ضوء نضال العمال الطبقي، وهكذا يتبين أن شعار ” الروح العملي ” ليس في الواقع الا شعار تبني أماني البرجوازية بدون نقد أو تمحيص. ثمة من يقول لنا: أنكم بتأييدكم حق الانفصال تؤيدون نزعة التعصب القومي البرجوازي لدي الأمم المقهورة: هكذا تزعم روزا لوكسمبورج وهكذا يردد بعدها في صحيفة المصفين، الانتهازي سمكوفسكي الممثل الوحيد – ونقول هذا بالنسبة – لآراء دعاة التصفية حول هذا الموضوع ! ونحن نجيب: كلا ان البرجوازية هي التي يهمها هنا الحل ” العملي ” أما العمال فيهمهم التمييز مبدئيا بين اتجاهين: فما دمنا نناضل برجوازية الأمة المقهورة ضد الأمة المتسلطة فنحن معها دائما وأبدا في جميع الظروف بعزيمة تفوق تأييد الآخرين جميعا، لأننا ألد أعداء الاضطهاد نكافحه بجرأة وثبات، وما دامت برجوازية الامة المستضعفة تعمل في سبيل تعصبها القومي البرجوازي، فنحن ضدها. أي أننا نقاوم امتيازات الامة المتسلطة الظالمة وأعمالها العنيفة من جهة، ولا نتسامح مطلقا مع سعي الأمة المستضعفة وراء الامتيازات. واذا لم ننجح في رفع شعار حق الانفصال في دعايتنا واثارتنا السياسية فاننا لا نخدم مآرب البرجوازية وحسب، بل نخدم أيضا مآرب الاقطاعيين، واستبداد الأمة المتسلطة الظالمة، وقد اورد كاوتسكي هذه الحجة ضد روزا لوكسمبورج منذ زمن طويل وهي حجة قاطعة لا تدحض: فروزا لوكسمبورج حين ترفض الاعتراف بحق الانفصال الذي تضمنه برنامج الماركسيين الروس وتخشي ” مساعدة ” البرجوازية القومية البولونية انما تساند عمليا غلاة القوميين الروس بين جماعة المائة السود أنها تساعد عمليا المصالحة الانتهازية مع امتيازات الروس (أو ما هو شر من تلك الامتيازات).

إن روزا لوكسمبورج، حين اندفعت في نضالها ضد نزعة التعصب القومي في بولونيا، قد نسيت نزعة التعصب القومي لدي الروس، على الرغم من أن هذه النزعة هي الآن الاكثر خطرا أي أنها أقل برجوازية، وأشد اقطاعية. وأنها هي العائق الاساسي في وجه الديموقراطية والنضال البروليتاري. ان كل نزعة قومية برجوازية في أمة مظلومة تتضمن فحوي ديموقراطيا عاما يتشعب ضد الاضطهاد، وهذا الفحوي هو الذي نؤيده تأييدا تاما مميزين في الوقت نفسه، بدقة بالغة كل ميل إلى الاستئثار القومي ونناضل سعي البرجوازي البولوني إلى سحق اليهودي .. الخ. الخ .

إن هذا غير ” عملي ” في نظر البرجوازي، ونظر الشخص التافه الضيق الأفق. ولكنه في مسألة القوميات هو السياسة العملية الوحيدة، السياسة المبدئية، السياسة التي تدعم فعلا الديموقراطية والحرية واتحاد البروليتاريا.

الاعتراف للجميع بحق الانفصال، وتقدير كل قضية ملموسة تمت إلى الأنفصال من وجهة نظر تستبعد كل أخلال بالمساواة، وكل امتياز واستئثار. لنأخذ حالة الأمة المضطهدة الظالمة. فهل يستطيع شعب أن يكون حرا اذا كان يضطهد شعوبا أخري؟ كلا. فان مصلحة حرية السكان * الروس تقضي بمقاومة ذلك الاضطهاد. ولكن تاريخا طويلا من قمع حركات الأمم المقهورة خلال العديد من الاجيال والدعاية المنتظمة المتواصلة التي تقوم بها الطبقات ” العليا ” في تأييد هذا القمع، قد خلقا في الشعب الروسي العظيم أوهاما وآراء خاطئة الخ .. تشكل عوائق كبري أمام قضية حريته نفسه. أن هؤلاء الروس العظام من جماعة الائة السود يغذون تلك الاوهام ويذكون نارها عن وعي وادراك. وتتجاوز البرجوازية الروسية عن هذه الأوهام أو تصفح عنها، لذا لا تستطيع البروليتاريا الروسية تحقيق أهدافها الخاصة بها ولا تتمكن من شق طريقها نحو الحرية الا بمكافحة تلك الاوهام مكافحة منتظمة مستمرة. أن أمرا انشاء دولة قومية مستقلة. قائمة بذاتها لا يزال حتي الآن في روسيا أمتيازا تتمتع به الأمة الروسية دون غيرها. اما نحن البروليتاريين الروس، فلا ندافع عن امتيازات مهما كان نوعها، ولا ندافع بالتالي عن هذه الامتيازات. اننا نناضل في نطاق دولة معينة، ونعمل على توحيد صفوف عمال جميع الأمم القاطنة داخل نطاق دولة معينة. وليس بامكاننا أن نضمن هذه الطريق أو تلك في التصور القومي، لكننا نسلك جميع الطرق الممكنة للوصول إلى هدفنا الطبقي. غير أنه لا يمكن السير نحو هذا الهدف بدون محاربة نزعات التعصب القومي على اختلافها وبدون الدفاع عن المساواة بين مختلف الأمم. لنأخذ اوكرانيا مثلا: فهل كتب لها ان تنشيء دولة مستقلة؟ أن ذلك يتعلق بالف عامل غير معروف مسبقا ودون أن نحاول التخمين عبثا نتمسك بثبات بأمر لا ريب فيه هو حق اوكرانيا في انشاء دولة قومية. اننا نحترم هذا الحق ولا نؤيد امتيازات الروسيين على الاوكرانيين ونثقف الجماهير بروح الاعتراف بهذا الحق وبروح انكار الامتيازات لأية أمة كانت في الدولة. أن الاصطدامات والنضالات بسبب حق الوجود كدولة قومية هي أمر ممكن الحدوث ومحتمل الوقوع خلال القفزات التي عرفتها جميع البلدان في مرحلة الثورات البرجوازية. ونحن ابناء البروليتاريا نعلن مسبقا أننا خصوم لامتيازات القومية الروسية وفي هذا الاتجاه نركز كل دعايتنا ونشاطنا التحريضي. وحين سارت روزا لوكسمبورج حثيثا وراء الروح العملي أغفلت المهمة العملية الرئيسية التي تواجه بروليتاريا الأمة الروسية وبروليتاريا الأمم الأخري، مهمة القيام يوميا بدعاية ونشاط تحريضي ضد كل امتياز قومي في الدولة، وفي سبيل تمتع الأمم كافة بحقها المتساوي في انشاء دولها القومية وهذه المهمة هي هدفنا الرئيسي (حاليا) في مسألة القوميات، لاننا بهذه الصورة فقط ندافع عن مصالح الديموقراطية ومصالح تحالف جميع البروليتاريين من جميع الأمم أيا كانت على أساس المساواة في الحقوق. ولن يضيرنا في شيء اذا كانت تلك الدعاية (غير عملية) في نظر الطغاة الروس، أو في نظر برجوازية الأمم المستضعفة (أن هؤلاء واولئك يلحون في طلب جواب دقيق نعم أم لا ويتهمون الاشتراكيين الديموقراطيين ” بعدم الدقة “. غير أن هذه الدعاية وحدها هي التي تتضمن أفضل الامكانيات وأوسعها لتوطيد السلم القومي في روسيا، اذا ظلت هذه البلاد دولة متباينة التركيب القومي كما تضمن تقسيمها تقسيما سلميا إلى أقصي حد (ولا يؤذي نضال البروليتاريا الطبقي) إلى عدد من الدول القومية، اذا وضعت قضية هذا التقسيم على بساط البحث. ولكي نشرح هذه السياسة شرحا ملموسا أكثر باعتبارها السياسة البروليتارية الوحيدة في مسألة القوميات سنعمد إلى درس موقف الليبرالية الروسية من ” حرية الأمم في تقرير مصيرها “، والمثل الذي ضربه انفصال النرويج عن السويد.

5- البرجوازية الليبرالية والانتهازيون الاشتراكيون ومسألة القوميات

 رأينا فيما تقدم أن روزا لوكسمبورج كانت تعتبر حجتها التالية إحدى “الأوراق الرابحة” الرئيسية التي تستعين بها في كفاحها ضد برنامج الماركسيين في روسيا وهو أن الاعتراف بحق تقرير المصير إنما يعني تأييد التعصب القومي البرجوازي لدي الأمم المستضعفة. وتضيف قائلة: ومن وجهة أخرى إذا لم يكن المقصود من هذا الحق إلا النضال ضد كل عنف يصيب الأمم فلا فائدة من ادراج بند خاص في البرنامج: لأن الاشتراكيين الديموقراطيين يقاومون عموما كل عنف قومي وكل تباين في المساواة القومية. إن الحجة الأولي كما اشار كاوتسكي بصورة لا تدحض منذ ما يقرب من عشرين عاما – تعزو التعصب القومي إلى الآخرين أي أن روزا لوكسمبورج، خوفا من نزعة التعصب القومي لدي برجوازية الأمم المستضعفة تخدم في الواقع، أغراض غلاة القوميين الرجعيين الروس، جماعة المائة السود. أما الحجة الثانية فليست في الأساس إلا تهربا وجلا من الإجابة على السؤال التالي: هل يتضمن الاعتراف بالمساواة القومية اعترافا بحق الانفصال أم لا؟ فإذا كان الجواب نعم، فمعنى ذلك أن روزا لوكسمبورج تعترف بمساواة الأمم في الحقوق. أما التهرب والمواربة فلا يفيدان شيئا. غير أن ثمة طريقة فضلى لتمحيص الحجج الواردة أعلاه وكل ما شابهها هي دراسة موقف كل طبقة من طبقات المجتمع من هذه القضية. إن هذا التمحيص أمر ملزم لكل ماركسي. ينبغي الانطلاق مما هو موضوعي. ينبغي النظر إلى العلاقات بين الطبقات فيما يتعلق بالقضية المطروحة. ولكن روزا لوكسمبورج أهملت ذلك. مما أدى إلى ارتكابها أخطاء الميتافيزياء والتجريد والأخذ بالأشياء العامة والعموميات الخ. الخ. وهي أخطاء تحاول عبثا الصاقها بخصومها. كلنا يعرف موقف البيروقراطية (ونعتذر لاستعمال هذا التعبير غير الدقيق) وموقف الملاك العقاريين الاقطاعيين من طراز النبلاء الموحدين. إنه انكار مطلق للمساواة في الحقوق بين القوميات ولحق تقرير المصير على السواء، إنه الشعار القديم الموروث عن عهود القنانة والأوتوقراطية، الأرثوذكسية والجوهر القومي – مع العلم أن المقصود هنا القومية الروسية فقط حتي أن الاوكرانيين ينعتون بأنهم شعب “غريب” وتضطهد لغتهم القومية. ولننظر من ثم إلى البرجوازية الروسية “المدعوة” إلى الاشتراك ولو بصورة متواضعة جدا في الحكم والتشريع والادارة المنبثقة من انقلاب “3 يونيو”. إننا لسنا بحاجة إلى التوقف كثيرا لإعطاء البرهان على أن “الاكتوبريين” يسيرون هنا فعلا وراء أنصار اليمين. ومن المؤسف أن بعض الماركسيين لا يعيرون موقف البرجوازية الليبرالية الروسية أي التقدميين والكاديت الاهتمام الكافي. مع أن كل من لا يمحص هذا الموقف ولا يتعمق فيه لابد له حين مناقشة حق الأمم في تقرير مصيرها من أن يقع في أخطاء التجريد. والأقوال التي لا أساس لها. إن المناظرة التي دارت في العام الماضي بين “البرافدا” والريتش أرغمت هذه الصحيفة الرئيسية للحزب الدستوري الديموقراطي (الكاديت) البارعة في فن التخلص من الاجابة صراحة على الاسئلة “المزعجة” بأساليب دبلوماسية، أرغمتها على الافضاء في ذلك ببعض الاعترافات الثمينة وكانت المناسبة لاشعال النار في البارود مؤتمر طلاب عموم اوكرانيا الذي عقد في صيف عام 1913([5]) في مدينة لفوف، فقد نشر يومئذ السيد موجيليا فنسكي الخبير بالشؤون الاوكرانية أو المحرر الأوكراني في جريدة “الريتش” مقالا هاجم فيه هجوما مفزعا (هذيان) “روح مغامرة، الخ..” فكرة انفصال أوكرانيا، الفكرة التي دافع عنها الاشتراكي القومي دونتسوف والتي أقرها المؤتمر المذكور آنفا. أما جريدة “رابوتشا يا برافدا” فلم تظهر أي تضامن مع السيد دونتسوف وبعد أن أشار صراحة إلى أنه اشتراكي قومي وإلى أن عدد كبيرا من الماركسيين الاوكرانيين لا يشاطرونه وجهات نظره عمدت مع ذلك إلى القول بأن لهجة “الريتش” أو بالاحري اسلوبها في طرح القضية أساسا خال تماما من التهذيب ولا يقبل صدوره عن ديموقراطي روسي، أو على الأقل من رجل يطمح إلى الظهور بمظهر الديموقراطي * ثم قالت: أن للريتش ملء الحق في أن تفند أقوال السادة دونتسوف واضرابه ولكن لا يمكن التسليم مبدئيا بأن تنسي صحيفة روسية تدعي أنها لسان حال الديموقراطية حرية الانفصال وحق الانفصال. وبعد انقضاء عدة أشهر كتب السيد موجيليانسكي مقالا في العدد 331 من الريتش أعطي فيه بعض الايضاحات بعد أن أطلع في الجريدة الأوكرانية “شلياخي”([6]) الصادرة في لفوف على الاعتراضات التي ابداها السيد دونتسوف والتي أشار في جملتها إلى أن الصحافة الاشتراكية الديموقراطية الروسية هي وحدها التي قبحت (وصمت بالعار) كما يجب هجمات “الريتش” “الشوفينية” أما ايضاحات السيد موجيليانسكي فقد اقتصرت على الترديد ثلاثا ان انتقاد السيد دونتسوف لا علاقة له البته بنفي حق الأمم في تقرير مصيرها.

وكتب السيد موجيليانسكي يقول:

وينبغي القول أن حق الأمم في تقرير مصيرها ليس هو أيضا شيئا مقدسا (اصغوا جيدا!!) لا يتناوله الانتقاد، ان الاجواء الموبوءة التي تحيط بحياة أمة من الأمم يمكنها ان تولد ميولا موبوءة في قضية حرية الأمم في تقرير مصيرها. فالكشف عن تلك الميول لا يعني بعد نكران حق الامم في تقرير مصيرها.

إن هذه الكلمات التي تدور حول “الأشياء المقدسة” والتي يكتبها أحد الليبراليين تتفق تماما – كما ترون مع جوهر أقوال روزا لوكسمبورج. فقد كان واضحا أن السيد موجيليانسكي يريد التهرب من الرد مباشرة على السؤال التالي: هل يعترف بحق حرية تقرير المصير السياسي أي بحق الانفصال أم لا؟

ولذا طرحت صحيفة البروليتارسكايا “البرافدا” ذلك السؤال ذاته عليه وعلي الحزب الدستوي الديموقراطي *، صراحة في عددها الرابع بتاريخ 11 ديسمبر من عام 1913.

عندئذ نشرت صحيفة ” الريتش ” (العدد 340) بيانا غير موقع (ي رسميا) موضوعا باسم هيئة التحرير يتضمن الجواب على هذا السؤال ويمكن تلخيصه في نقاط ثلاث:

  1. ان برنامج الحزب الدستوري الديموقراطي يذكرني بنده الحادي عشر ” حق الأمم في تقرير مصيرها ” الثقافي بكل صراحة ودقة ووضوح.
  2. أن البروليتارسكايا برافدا على – حد تأكيد الريتش – تخلط بين حرية تقرير المصير وبين الميل إلى الانفصال – أي انفصال هذه أو تلك من الأمم – خلطا لا يدع أملا لاصلاحه.
  3. “أن الدستوريين الديموقراطيين لم يعمدوا فعلا في يوم من الأيام إلى الدفاع عن حق الأمم في الانفصال عن الدولة الروسية (انظر مقال الليبرالية القومية وحق الأمم في تقرير مصيرها المنشور في البروليتارسكايا “برافدا” العدد 12، 20 ديسمبر 1913 *.

لننتبه أولا إلى النقطة الثانية في بيان الريتش، فبي جلاء تبين لسيمكوفسكي وليبمان، ويوركيفتش وغيرهم من الانتهازيين أن صيحاتهم وأقوالهم بشأن قلة الوضوح أو قلة الدقة التي ينطوي عليهما حسب زعمهم معني كلمات ” حرية تقرير المصير ” ليست في الواقع أي من حيث النسبة الموضوعية بين الطبقات وفي النضال الطبقي في روسيا – سوي مجرد ترديد للخطب التي تلقيها البرجوازية الملكية الليبرالية.

وحين طرحت “البروليتارسكايا برافدا” على حضرات الدستوريين الديموقراطيين المستنيرين من جماعة الريتش هذه الأسئلة الثلاثة:

  1. هل ينكرون ان المقصود بحرية الأمم في تقرير مصيرها مكان في كل تاريخ الديموقراطية العالمية ولا سيما منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر يعني بالضبط حرية تقرير مصيرها السياسي وحقها في انشاء دولة قومية مستقلة.
  2. وهل ينكرون أن القرار المعروف الصادر عن مؤتمر لندن الاشتراكي الأممي المنعقد في عام 1896 كان يتضمن ذلك المعني ذاته؟
  3. وهل ينكرون اخيرا أن بليخانوف الذي كتب عن حرية تقرير المصير منذ عام 1902 لم يكن يقصد بذلك غير حرية تقرير المصير السياسي. نقول حين طرحت “البروليتارسكايا برافدا” هذه الأسئلة الثلاثة لزم السادة الكاديت الصمت التام !!

لقد اعتصموا بالصمت ولم يجيبوا بكلمة واحدة لأنه لم يكن لديهم ما يقولونه. أي أنهم اضطروا إلى الاعتراف باطنا بأن “البروليتارسكايا البرافدا” كانت على حق تماما.

إن صيحات الليبراليين الزاعمة أن مفهوم “حرية تقرير المصير” خال من الوضوح، وأن الاشتراكيين الديموقراطيين “يخلطون” بينه وبين الميل إلى الانفصال “خلطا لا يدع أملا لاصلاحه” ما هي الا مسعي يهدف إلى تشويش القضية وبلبلتها والتهرب من الاعتراف بهذا المبدأ الذي أقرته الديموقراطية عموما ولو كان السادة سيمكوفسكي وليبمان ويوركيفتش وأمثالهم أقل جهلا لخجلوا من التفوه أمام العمال بآراء مفعمة بالروح الليبرالي.

ولكن لنتابع كلامنا. ان البروليتارسكايا ” برافدا ” قد ارغمت ” الريتش ” على الاعتراف بأن كلم حرية تقرير المصير ” الثقافي ” تعني في برنامج الدستوريين الديموقراطيين نفي حرية تقرير المصير السياسي على وجه الدقة.

ولقد كانت البروليتارسكايا ” برافدا ” على حق حين وجهت انظار جريدتي ” نوفويه فريميا ” و ” زيمتشينا ” على أن ما قالته الريتش من أن الدستوريين الديموقراطيين لم يعمدوا فعلا في يوم من الأيام إلى الدفاع عن حق الأمم في الانفصال ” عن الدولة الروسية ” هو مثال على ” الأمانة ” التي يتحلي بها أصحابنا الكاديت. غير أن ” نوفويه فريميا ” التي لا تتحرك بالطبع فرصة تفوقها دون التعريض ” باليهود ” ودون وخز الدستوريين الديموقراطيين كتبت في عددها رقم 13563 ما يلي:

“إن ما يعتبره الاشتراكيون الديموقراطيين حكمة سياسية بديهية (ي الاعتراف بحق الامم في تقرير مصيرها وبحقها في الانفصال) بدأ اليوم يثير الخلاف حتي بين صفوف الكاديت”.

ولا شك أن الكاديت وقفوا مبدئيا موقفا يشابه تماما موقف ” نوفويه فريميا ” حين صرحوا انهم لم يعمدوا في يوم من الأيام إلى الدفاع عن حق الأمم في الانفصال عن الدولة الروسية، ولاشك أن هذا الموقف هو أحد الأسس التي تقوم عليها الليبرالية القومية للكاديت، وقرابتهم من يوركيفتش واضرابه وتبعيتهم السياسية لهؤلاء من الناحيتين الأيديولوجية والعملية. كتبت البروليتارسكايا ” برافدا “: لقد درس الكادي التاريخ وهم يعرفون جيدا المذابح العنصرية التي كثيرا ما ادي اليها في الواقع حق جماعة بوريشكيفيتش التقليدي في تطبيق سياسة الأوامر والنواهي ” وعلي الرغم من معرفة الكاديت التامة بالمصدر والطبيعة الاقطاعية لسيطرة البوريشكيفيتشيين الكلية فانهم يقفون مع ذلك كليا على صعيد العلاقات والحدود التي أنشأتها تلك الطبقة بالضبط. وعلي الرغم من معرفة الكاديت لكل ما في العلاقات والحدود التي أنشأتها أو عينتها تلك الطبقة من روح غير أوروبية بل معادية للروح الأوروبية (كدنا نقول آسيوية لولا خوفنا من أن يحمل كلامنا على محمل الازدراء الذي ليس له ما يبرره، باليابانيين والصينيين) فان هؤلاء الكاديت ينظرون إلى تلك العلاقات وتلك الحدود كأنها حد لا يمكن تجاوزه.

هذا هو الموقف الذي نسميه التكيف مع البوريشكيفيتشيين والخضوع لهم، والخوف من زعزعة موقفهم، وحمايتهم من الحركة الشعبية، من الديموقراطية ” وهذا معناه في الواقع ” على حد قول ” البروليتارسكايا برافدا ” التكيف مع مصالح الاقطاعيين ولأفظع لأوهام القومية التي تخلقها الأمة المتسلطة، بدلا من محاربة تلك الأوهام بصورة منظمة متواصلة.

إن الكاديت بوصفهم أناسا يعرفون التاريخ ويدعون الديموقراطية لا يبذلون أية محاولة للتأكد من أن الحركة الديموقراطية التي تميز، في ايامنا أوروبا الشرقية وآسيا أيضا وتهدف إلى صوغ الأولي والثانية على غرار الأقطار المتمدنة الرأسمالية، ينبغي أن تترك الحدود التي قررتها حقبة اقطاعية دون أي تعديل، وهي الحقبة التي ساد فيها سلطان البورشكيفتشيين وشمل فيها الحرمان من الحقوق جماعات غفيرة من البرجوازية ومن البرجوازية الصغيرة.

ولكن ثمة حادثا آخر يثبت أيضا أن القضية التي أثارتها المناظرة بين ” البروليتارسكايا برافدا ” و ” الريتش ” لم تكن قط مجرد قضية أدبية بل كانت متصلة بمسائل الساعة السياسية الفعلية .. هو المجلس العام الأخير الذي عقده الحزب الدستوري الديموقراطي من 23 ال 25 مارس 1914، فقد جاء في التقرير الرسمي الذي نشرته ” الريتش ” (العدد 83، 26 مارس – عام 1914) عن المجلس العام ما يلي:

“وكانت مسائل القوميات أيضا موضع نقاش غاية في الحدة، إذ صرح نواب كييف الذين انضم اليهم بيكراسوف وكوليوباكين، أن مسألة القوميات هي عنصر يزداد نضجا وينبغي دعمه ومناصرته بجرأة أكثر من ذي قبل. على آن كوكوشكين أشار مع ذلك (أن تعبير ” مع ذلك ” يساوي كلمة ” ولكن ” عند شيدرين الذي قال ” ولكن ليس يمكن للاذنين أن تعلوا الجبهة “) إلى أن كلا من البرنامج والتجربة السياسية السابقة يوجبان منتهي الحذر في استعمال ” الصيغ المطاطة ” عن حرية القوميات في تقرير مصيرها السياسي”.

إن هذا الاستدلال المرموق الذي عرضه في مجلس الكاديت العام، حري بأن يثير اهتماما بالغا لدي جميع الماركسيين وجميع الديموقراطيين (ولنلاحظ هنا بين قوسين جريدة ” كيبفسكايا ميسل ” التي تبدو أنها حسنة الاطلاع والتي لا شك أنها تنقل آراء السيد كوكوشكين بأمانة كلية أضافت أن كوكوشكين لوح بخطر ” تصدع ” الدولة تلويحا خاصا على سبيل تنبيه معارضيه طبعا.

وان التقرير الرسمي الذي أذاعته الريتش قد صيغ ببراعة دبلوماسية فائقة كي، يرفع الستار أقل ما يمكن ولكي يخفي أكثر ما يمكن غير أن ما جري في المجلس العام الكاديتي واضح في خطوطه الكبري. فأن المندوبين من البرجوازيين الليبراليين المطلعين على الحالة في أوكرانيا، ومن العناصر اليسارية في حزب الكاديت قد أثاروا قضية حرية الأمم في تقرير مصيرها السياسي والا لما اضطر السيد كوكوشكين إلى الدعوة “بألا تستعمل تلك الصيغة الا بحذر”.

ففي برنامج الكاديت الذي كان مندوبو المجلس العام الكاديتي يعرفونه طبعا اشارة صريحة إلى حرية تقرير المصير ” الثقافي ” لا السياسي. اذن فان السيد كوكوشكين قد دافع عن البرنامج ضد مندوبي أوكرانيا، ضد العناصر اليسارية في حزب الكاديت، أي دافع عن حرية تقرير المصير ” الثقافي ” ضد حرية تقرير المصير السياسي. وبديهي تماما أن السيد كوكوشكين حين ثار على حرية تقرير المصير ” السياسي ” ولوح بخطر ” تدع الدولة ” ونعت شعار حرية تقرير المصير ” السياسي ” بأنه صيغة مطاطة (وفقا لفكرة روزا لوكسمبورج تماما) انما دافع عن مواقف الليبرالية القومية الروسية ضد عناصر أكثر ” يسارية ” أو أكثر ديموقراطية في الحزب الدستوري الديموقراطي وضد البرجوازية الأوكرانية.

ولقد فاز السيد كوكوشكين في المجلس العام الكاديتي، كما يتضح من هذا التعبير الفاضح ” مع ذلك ” الذي ورد في تقرير ” الريتش ” وفازت الليبرالية القومية الروسية بين صفوف الكاديت، ولذا أفلا ينبغي أن يساعد هذا النصر على تنوير هؤلاء القلائل المضللين من الماركسيين في روسيا الذين بدأوا هم أيضا بعد الكاديت يخشون الصيغ المطاطة بشأن حرية القوميات في تقرير مصيرها السياسي؟”.

” ومع ذلك ” لنتبع تسلسل أفكار السيد كوكوشكين من حيث جوهر القضية: لقد برهن حين أستشهد ” بالتجربة السياسية السابقة ” أي بتجربة عام 1905 ولا شك يوم جزعت البرجوازية الروسية على امتيازاتها القومية ونقلت عدوي جزعها إلى صفوف حزب الكاديت ،وحين لوح بخطر تصدع الدولة على أنه يدرك تماما أن حرية تقرير المصير السياسي لا يمكن أن تعني الا حق الانفصال وانشاء دولة قومية مستقلة وهنا يبرز هذات السؤال: كيف ينبغي النظر إلى مخاوف السيد كوكوشكين هذه من ناحية الديموقراطية عموما، ومن ناحية نضال البروليتاريا الطبقي خصوصا ؟

يريد السيد كوكوشكين أن يحملنا على الاعتقاد بأن الاعتراف بحق الانفصال يقوي خطر ” تصدع الدولة ” وأن وجهة النظر هذه هي عين وجهة نظر الشرطي ميمريتسوف الذي جعل شعاره: ” الاوامر والنواهي ” أما من وجهة نظر الديموقراطية عموما فالعكس هو الصواب: أي أن الاعتراف بحق الانفصال يقلل خطر تصدع الدولة .

إن السيد كوكو شكين يفكر في طريقة غلاة القوميين ذاتها فقد أرغي هؤلاء وازبدوا في مؤتمرهم الأخير ضد الأوكرانيين ” المازبيين ” وصاح السيد سافنكوا وشركاه قائلين: أن الحركة الأوكرانية تهدد باضعاف الصلة التي تربط أوكرانيا بروسيا لأن النمسا تقوي روابطها بالأوكرانيين بتحبيبها لهم: وما دامات الحال كهذه فنحن لا نفهم لماذا يصعب على روسيا ان تسعي إلى ” تقوية ” الصلة التي تربط الأوكرانيين بها باتباع نفس الطريقة التي يهاجم السيد سافنكوا وجماعته النمسا لاستخدامها اياها، أي بمنح الأوكرانيين حرية استعمال لغتهم القومية والتمتع بالاستقلال الذاتي وانشاء مجلس مستقل ذاتيا، الخ.

إن حجج السادة سافنكو وكوكوشكين ومن لف لفهم متماثلة تماما ومتوازنة في السخف والخرافة من ناحية المنطق الصرف. اليس واضحا أنه بقدر ما تنال القومية الأوكرانية التي تحيا في هذا القطر أو ذاك قسطا اوفر من الحرية، تشتد بالتالي قوة الصلة التي تربط تلك القومية بذلك القطر؟ يبدو أنه من المتعذر مجادلة هذه الحقيقة الأولية دون التخلي نهائيا عن جميع بديهيات المباديء الديموقراطية فهل يمكن أن نتصور تمتع قومية من القوميات بحرية أعظم من حرية الانفصال حرية انشاء دولة قومية مستقلة”؟

ولكن دعونا نستعين بأبسط الامثلة لشرح هذه القضية التي بلبلها الليبراليون (ومن يسير على خطواتهم بدون تفكير) شرحا أوفي. لنأخذ مسألة الطلاق. تقول روزا لوكسمبورج في مقالها أن الدولة الديموقراطية المركزية ينبغي عليها مع قبولها كليا بالاستقلال الذاتي لاجزائها المختلفة أن تبقي جميع ميادين التشريع الرئيسية من صلاحية البرلمان المركزي وفي جملتها تشريع الطلاق. أن هذا الحرص على جعل السلطة المركزية في الدولة الديموقراطية تؤمن هي نفسها حرية الطلاق وهم يصرون على ” الا تستعمل هذه الحرية الا بحذر ” ويعلنون أنها تعني ” تصدع العائلة ” أما الديموقراطية فتعتبر أن الرجعيين جماعة يسيطر عليهم الرياء والنفاق وأنهم يدافعون في الواقع عن سيطرة البوليس والبيروقراطية الكلية وعن امتيازات جنس على آخر وينادون بأشد انواع اضطهاد المرأة وبالتالي تؤكد الديموقراطية أن حرية الطلاق لا تعني في الواقع ” تصدع ” روابط العائلة بل على العكس ازدياد تماسكها على أسس ديموقراطية وهي الأسس الوحيدة الممكنة والثابته في مجتمع متمدن. ان اتهام انصار حرية تقرير المصير أي حرية الانفصال، بانهم يشجعون الميل إلى الانفصال يعادل في السخف والنفاق اتهام أنصار حرية الطلاق بأنهم يشجعون على تهديم روابط العائلة. فكما أن حماة الامتيازات والرشوة التي يقوم عليها الزواج البرجوازي يحملون على حرية الطلاق في المجتمع البرجوازي كذلك فان من ينكر على الامم في دولة رأسمالية حرية تقرير مصيرها بنفسها أي حرية انفصالها، لا يدافع بموقفه هذا الا عن امتيازات الأمة المسيطرة، وعن الأساليب البوليسية في الحكم ضد الاساليب الديموقراطية.

ومن الثابت أن السياسة المبتذلة الناتجة عن مجموع علاقات المجتمع الرأسمالي تثير أحيانا لدي البرلمانيين والكتاب السياسيين لغوا مغرقا في الطيش بل في السخافة حول قضية انفصال هذه أو تلك من الأمم. ولكن ذوي الميول الرجعية هم وحدهم الفذين يمكنهم أن يستسلموا إلى الخشية (او أن يتظاهروا بالخشية) من مثل هذا اللغو. أما من يتبني وجهة النظر الديموقراطية، أي المبدأ القائل بأن حل مسائل الدولة ينبغي أن يأتي عن طريق جماهير السكان، فأنه يعلم علم اليقين أن بين لغو الساسة المبتذلين وقرار الجماهير ” مسافة شاسعة ” فجماهير السكان تدرك ادراكا قويا متأتيا من تجاربها اليومية الخاصة أهمية الصلات الجغرافية والاقتصادية، وفوائد سوق فسيحة الارجاء ودولة شاسعة الاطراف ولهذا فانها لن تلجأ إلى تحقيق الانفصال الا حين يصبح الاضطهاد القومي الذي تكابده والنزعات القومية التي تتعرض لها خطيرة تتعذر معها الحياة المشتركة تماما، وتتعرقل العلاقات الاقتصادية على اختلاف انواعها وعندها تغدوا مصلحة التطور الرأسمالي ومصلحة حرية النضال الطبقي بجانب الفريق المنفصل. وهكذا فمن أي ناحية نظرنا إلى حجج السيد كوكوشكين وجدنا أنها في غاية الخرافة والسخرية بمباديء الديموقراطية. على أن هناك بعض المنطق في تلك الحجج، هو منطق المصالح الطبقية للبرجوازية الروسية. فالسيد كوكوشكين، شأنه شأن اكثرية الحزب الدستوري الديموقراطي، هو خادم كيس نقود تلك البرجوازية. أنه يدافع عن امتيازاتها بصورة عامة، وعن امتيازاتها في الدولة بصورة خاصة، يدافع عنها مع بورشكيفتش والي جانبه. الا أن بوريشكيفتش يؤمن أكثر منه بعصا القنانة، في حين أن كوكوشكين وشركاه يدركون أن تلك العصا قد نخرت إلى حد كبير في عام 1905 فباتوا يعتمدون بالأحري على الاساليب البرجوازية في خداع الجماهير. ومن جملة تلك الاساليب تخويف البرجوازيين الصغار والفلاحين بشبح ” تصدع الدولة ” مثلا وتضليلهم بجمل حول الجمع بين ” الحرية الشعبية ” والدعائم التاريخية الخ.

إن المعني الطبقي الفعلي لهذا العداء الذي يضمره الليبراليون لمبدأ حرية الأمم في تقرير مصيرها السياسي هو واحد، وواحد فقط: الليبرالية القومية، والدفاع عن امتيازات البرجوازية الروسية في الدولة. أما الانتهازيون في روسيا من بين الماركسيين الذين يعلنون اليوم وخصوصا اليوم في عهد نظام 3 يونيو تلك الحملة الشعواء على حق الأمم في تقرير مصيرها، فأننا نقول أن هذه العناصر كلها – من داعية التصفية سيمكوفيسكي، إلى البوندي ليبمان، إلى البرجوازي الصغير الأوكراني يوركيفيتش – تجري في الواقع بكل بساطة، وراء الليبراليين القوميين وتفند صفوف الطبقة العاملة بالآراء الليبرالية القومية.

إن مصلحة الطبقة العاملة ومصلحة نضالها ضد الرأسمالية لتحتمان التضامن التام والوحدة الوثيقة العري بين عمال جميع الأمم. وهما يتطلبان التشديد في الرد على سياسة التعصب القومي التي تنهجها برجوازية أية قومية من القوميات. ولهذا سواء اذا شرع الاشتراكيون الديموقراطيون ينكرون على الأمم المظلومة الحق في تقرير مصيرها أي حقها في الانفصال، أما اذا شرعوا يؤيدون جميع المطالب القومية التي تطرحها برجوازية الأمم المظلومة، فان كلا من هذين الموقفين يكون تهربا من أهداف السياسة البروليتارية واخضاعا للعمال للسياسة البرجوازية. ولا فرق عند العامل المأجور أن يكون مستثمره الرئيسي البرجوازية الروسية بالافضلية على البرجوازية غير الروسية، أو البرجوازية البولونية بالافضلية على البرجوازية اليهودية، الخ. أن العامل المأجور الذي يعي مصالح طبقته ويدركها لا يفرق بين امتيازات الدولة التي يتمتع بها الرأسماليون الروس، والوعود التي يقدمها الرأسماليون البولونيون أو الاكرانيون بانشاء فردوس على الارض حين يستمتعون بامتيازات لهم في الدولة. أن تطور الرأسمالية يتابع طريقه على كل حال، وسيتابع سيره سواء في دولة واحدة ذات قوميات ماتعددة أو في دولة قومية متمايزة.

إن الاستثمار لاحق بالعامل الماجور في جميع الحالات. فلكي ينجح في النضال ضد هذا الاستثمار، يجب ان تتحرر البروليتاريا من التعصب القومي، وان يكون العمال حياديين تماما – اذا صح التعبير – في النضال الناشب بين برجوازيات الأمم المختلفة من أجل الزعامة وان ادني تأييد تقدمه بروليتاريا أمة من الأمم لنصرة امتيازات برجوازيتها القومية لابد أن يثير حذر بروليتاريا الأمة الأخري. وأن يضعف التضامن الطبقي الاممي بين العمال، ويحدث الأنقسام بينهم كي تفرح البرجوازية وتبتهج. ولذا فكل نكران لحق تقرير المصير، لحق الانفصال، معناه حتما من الناحية العملية، تأييد امتيازات الأمة الحاكمة. وباستطاعتنا ان نقتنع بصحة هذا الري بوضوح وجلاء أكثر اذا أخذنا مثالا ملموسا على ذلك هو مثال انفصال النرويج عن السويد.

6- انفصال النرويج عن السويد

تناولت روزا لوكسمبورج هذا المثال بالضبط، وشرعت تعلق عليه على الصورة التاية :

“إن آخر حادث في تاريخ العلاقات الاتحادية (الفيديرالية)، ونعني به انفصال النرويج عن السويد – وهو الحادث الذي اسرعت الصحافة الاشتراكية الوطنية البولونية وتلقفته في حينه (راجع جريدة “نابرتسود” ([7]) الكراكوفية) باعتباره دليلا مفرحا على ما تتمتع به الميول إلى الانفصال السياسي من قسوة ومن صفة تقدمية، ان هذا الحادث، قد تحول فورا إلى برهان قاطع على ان الاتجاه الاتحادي والانفصال السياسي الذي ينتج عنه، لا يعنيان اطلاقا التقدم أو الديموقراطية. فبعد ” الثورة ” النرويجية المزعومة التي اقتصرت على خلع ملك السويد وعلي أبعاده عن النرويج، عمد النرويجيون بكل هدوء إلى تنصيب ملك آخر، بعد أن رد الاستفتاء بصورة صريحة مشروع اعلان الجمهورية، وهكذا تبين أن الحدث الذي سماه بعض المعجبين السطحيين بكل حركة قومية، وبكل ما يشبه الاستقلال، ” ثورة “، لم يكن في الحقيقة الا مظهرا بسيطا من مظاهر الفردية عند الفلاحين والبرجوازيين الصغار، ومن رغبة هؤلاء في أن يكون لهم، لقاء ما لهم، ملك ” خاص ” بهم عوضا عن الملك الذي فرضته عليهم الارستقراطية السويدية. فلم يكن لتلك الحركة اذن أي طابع ثوري على الاطلاق. ويثبت انفراط عقد الوحدة السويدية – النرويجية مرة أخري إلى أي حد. وفي هذه الحال ايضا، لم يكن الاتحاد الذي كان قائما حتي ذلك الحين الا تعبيرا صرفا عن مصالح الاسر المالكة وبالتالي شكي من الملكية والرجعية (“بشيغلوند”).

هذا كل ما قالته روزا لوكسمبورج حول هذا الموضوع !! ومن الواجب الاعتراف بان من الصعب ايضاح عجز موقفها بأحسن مما فعلت هي ذاتها في المثال المذكور.

لقد كان المقصود، ولا يزال، معرفة هل من الضروري ان يكون للاشتراكيين – الديموقراطيين العاملين في نطاق دولة ذات تركيب قومي مختلط. برنامج يعترف بحق تقرير المصير أي الانفصال.

فعلام يدل في هذا المجال مثال النرويج الذي اختارته روزا لوكسمبورج نفسها ؟

اننا نري كاتبتنا تلف وتدور وتتفنن وتهاجم ” نابرتسود ” ولكن بدون ان تجيب صراحة على السؤال ! أنها تتحدث عن كل شيء، كيلا تقول كلمة واحدة في جوهر المسألة !

من الثابت ان البرجوازيين النرويجيين الصغار، الذين رغبوا في ان يكون لهم ملك خاص بهم، لقاء ما لهم والذين ردوا في الاستفتاء مشروع اعلان الجمهورية، ان هؤلاء البرجوازيين الصغار قد كشفوا عن ميول تافهة، ضيقة الأفق، ذميمة جدا. ومن الثابت أيضا أن جريدة ” نابرتسود ” قد أظهرت هي الأخري ميولا تافهة ضيقة الأفق وذميمة حين لم تلاحظ هذا الأمر.

ولكن ما شأن هذا كله هنا ؟؟

اذ ان المقصود هو حق الأمم في تقرير مصيرها وموقف البروليتاريا الاشتراكية من هذا الحق ! فلماذا تدور روزا لوكسمبورج اذن حول المسألة، بدلا من معالجتها؟

هناك مثل يقول: ليس ثمة حيوان، في نظر الفأر، اقوي من الهر. وعلي ما يظهر، ليس ثمة حيوان في نظر روزا لوكسمبورج أقوي من ” الفراك ” ! وال ” فراك ” هذا، هو لفظ ودي يطلق على الحزب الاشتراكي البولوني ” أي على ما يسمي بالجناح الثوري. وأن وريقة ” نابرتسود ” في مدينة كراكوفيا تشاطر ذلك ” الجناح ” آراءه. وان الحملات التي شنتها روزا لوكسمبورج على نزعة هذا ” الجناح ” القومية التي اعمتها إلى درجة غاب معها كل شيء عن بصر كاتبتنا ما عدا ” النابرتسود “.

فاذا قالت ” النابرتسود “: ” نعم “، وجدت روزا لوكسمبورج من واجبها المقدس ان تقول ” لا “، دون ان تفكر لحظة واحدة أنها بسلوكها هذا لا تعبر عن استقلالها ازاء ” النابرتسود ” بل بالعكس تعبر عن تبعيتها المضحكة بالنسبة إلى ” الفراك ” وعن عجزها عن النظر إلى الامور نظرة أعمق وأكثر شمولا – ولو بأقل القليل – من وكر النمل الكراكوفي. صحيح ان ” النابرتسود ” صحيفة سيئة جدا وليست ماركسية ابدا ولكن هذا يجب ألا يمنعنا من تحليل مثال النرويج من حيث الجوهر، ما دام اختيارنا قد وقع عليه.

ولكن نحلل هذا المثال على أساس ماركسي، يجب علينا ألا نتوقف عند الصفات السيئة التي يتصف بها هؤلاء، اعضاء ” الفراك ” المرهبين، بل ينبغي ان نقف قبل كل شيء عند الظروف التاريخية الملموسة الخاصة التي رافقت حادث انفصال النرويج عن السويد وبالتالي، عند الاهداف التي كانت موضوعة أمام البروليتاريا في البلدين ابان ذلك الانفصال.

إن الروابط الجغرافية والاقتصادية واللغوية التي تقرب النرويج من السويد لا تقل قوة عن تلك التي تربط الامة الروسية بكثرة من الأمم السلافية غير الروسية. ولكن وحدة النرويج والسويد لم تتم بصورة اختيارية مما جعل روزا لوكسمبورج تخطيء عندما تسمي ذلك ” اتحادا “، لسبب بسيط هو أنها تجهل ماذا يجب ان تقول. فالملوك هم الذين أعطوا النرويج للسويد أيام الحرب النابوليونية، رغم ارادة النرويجيين. فكان على السويديين ان يرسلوا جيوشهم إلى النرويج لاخضاعهم لسلطانهم. وبعد ذلك استمرت المنازعات بين النرويج والسويد، طوال عشرات السنين رغم الاستقلال الذاتي الواسع للغاية الذي كانت تتمتع به النرويج ” إذ كان لها مجلسها النيابي الخاص .. الخ ” فقد كان النرويجيون يطمحون – بكل قوتهم – إلى خلع نير الاريستقراطية السويدية. وقد تم لهم ذلك أخيرا في (اغسطس) عام 1905، عندما قرر المجلس النيابي النرويجي ان عاهل السويد لم يعد ملكا للنرويج، وجري اثر ذلك استفتاء اقر الانفصال التام عن السويد بأكثرية ساحقة ” قرابة مائتي الف مقابل بضع مئات ” وبعد بعض التردد سلم السويديين بواقع الانفصال.

إن هذا المثال يبين الميدان الذي يمكن أن تتم فيه حوادث الانفصال بين الأمم، وتتم فيه فعلا في ظل العلاقات الاقتصادية والسياسية الحاضرة، كما يبين لنا أيضا الشكل الذي يرتديه الانفصال احيانا ضمن نطاق الديموقراطية والحرية السياسية.

وكل اشتراكي – ديموقراطي لم يجرؤ على الاعلان بأنه لا يبالي بقضيتي الحرية السياسية والديموقراطية (فاذا فعل ذلك، كف بالطبع، عن ان يكون اشتراكيا – ديموقراطيا) لا يستطيع انكار ان هذا المثال يبرهن فعلا على ان الواجب الملز الموضوع امام العمال الواعين هو القيام بدعاية وتحضير منتظمين متواصلين ليجري حل النزاعات التي يمكن ان يثيرها انفصال الأمم، على طريقة وحيدة هي الطريقة التي حلت بها النزاعات بين النرويج والسويد عام 1905، لا على ” الطريقة الروسية “. وهذا بالضبط ما يعبر عنه مطلب برنامجنا: الاعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها. ولكن روزا لوكسمبورج اضطرت إلى التهرب من هذا الأمر الذي يناقض نظريتها، ولجأت إلى شن حملة عنيفة على تفاهة البرجوازيين النرويجيين الصغار، وعلي صحيفة ” النابرتسود ” الكراكوفية. وما فعلت هذا الا لانها كانت تدرك جيدا إلى أي حد يدحض بشكل مطلق هذا الحادث التاريخي اقوالها الزاعمة أن حق الأمم في تقرير مصيرها ما هو الا شيء ” خيالي ” اشبه بحق ” الاكل في صحون من ذهب “، .. الخ. وأن مثل هذه الاقوال لا تعبر الا عن ايمان انتهازي وغرور سخيف باستحالة تغيير نسبة القوي القائمة اليوم بين مختلف قوميات اوروبا الشرقية.

لنتابع قولنا. ان الذي يهمنا قبل كل شيء، واكثر من كل شيء، في قضية حرية الأمم في تقرير مصيرها كما في كل قضية اخري، هو حرية البروليتاريا في تقرير مصيرها داخل الأمم. وقد تجنبت روزا لوكسمبورج هذه القضية بتواضع ايضا، لانها شعرت إلى أي حد يناقض ” نظريتها ” تحليل هذه القضية استنادا إلى المثال الذي اختارته بنفسها: أي مثال النرويج.

كيف كان، وكيف كان يجب ان يكون، موقف البروليتاريا في النرويج والسويد من النزاع الذي اثاره الانفصال؟ من الواضح انه كان على الواعين من عمال النرويج، بعد اعلان الانفصال، ان يصوتوا للجمهورية *. واذا كان هناك من الاشتراكيين من صوت على غير هذه الصورة، فان ذلك لا يدل الا على مدي تغلغل انتهازية البرجوازية الصغيرة الضيقة الافق احيانا في الحركة الاشتراكية الاوروبية. وهذا امر لا يختلف فيه اثنان. ونحن لم نتعرض له الا لأن روزا لوكسمبورج تحاول اخفاء جوهر القضية باحاديث خارج الموضوع، اما فيما يختص بالانفصال، فاننا نجهل ما اذا كان البرنامج الاشتراكي النرويجي قد اوجب على الاشتراكيين – الديموقراطيين في النرويج التقيد بري واحد معين. ولكن لنفرض أنه لم يفعل، وأن الاشتراكيين النرويجيين لم يبتوا في أمر معرفة مدي المجال الذي يفسحه اسقلال النرويج الذاتي أمام حرية النضال الطبقي، ومدي عرقلة الاحتكارات والمنازعات المتواصلة مع الاريستوقراطية السويدية لحرية الحياة الاقتصادية. ولكن هناك أمر لا جدال فيه، هو أنه كان على البروليتاريا النرويجية أن تقف ضد تلك الاريستوقراطية، والي جانب الديموقراطية الفلاحية النرويجية (مهما بلغ ضيقها البرجوازي الصغير).

وماذا عن البروليتاريا السويدية؟ من المعروف أن الملاكين العقاريين السويديين الذين يدعمهم رجال الاكليروس السويدي، كانوا يدعون إلى اعلان الحرب على النرويج. ولما كانت النرويج اضعف كثيرا من السويد، وكانت قد تعرضت في الماضي للغزو السويدي، وكانت الاريستوقراطية السويدية تتمتع بمنزلة رفيعة جدا في بلادها، فقد كان في تلك الدعوة خطر كبيرل. وفي وسعنا المراهنة على ان جماعة الكوكوشكينيين السويدية قد سعت جهدها، خلال مدة طويلة، إلى افساد الجماهير السويدية بدعوتها إلى ” ان تستعمل بحذر ” الشعارات المطاطة حول حرية الأمم في تقرير المصير السياسي، وبتبيان أخطار ” تصدع الدولة ” وبالتأكيد لها أن ” حرية الشعب ” يمكن جمعها مع دعائم الاريستوقراطية السويدية كانت تخون قضيتي الاشتراكية والديموقراطية، لو أنها لم تحارب عقلية الملاكين العقاريين وجماعة الكوكوشكينيين وسياساتهم بكل ما أوتيت من قوة، أو أنها لم تدافع، فضلا عن مساواة الأمم في الحقوق بصورة عامة (وهو أمر يعترف به الكوكوشكينيين ايضا)، عن حق الأمم في تقرير مصيرها، أي عن حرية النرويج في الانفصال.

إن التحالف الوثيق بين العمال النرويجيين والسويديين وتضامنهم الأخوي الطبقي التام قد استفاد من هذا الاعتراف – اعتراف العمال السويديين بحق النرويجيين في الانفصال. فقد اقتنع عمال النرويج بأن عمال السويد ليسوا ملوثين بنزعات التعصب القومي السويدي، وبأنهم يضعون قضية الاخاء مع ابناء الروليتاريا النرويجية فوق امتيازات البرجوازية السويدية والارستوقراطية السويدية. ان القضاء على الروابط التي فرضها ملوك اوروبا والارستوقراطية السويدية على النرويج، قد زاد من قوة الروابط التي توحد ما بين العمال النرويجيين والسويديين. وقد برهن العمال السويديين، على انهم سيعرفون – خلال جميع تقلبات السياسة البرجوازية – أن عودة النرويج إلى الخضوع للسويديين بالقوة ممكنة تماما ضمن العلاقات البرجوازية ! – كيف يبقون ويذودون عن المساواة التامة في الحقوق وعن التضامن الطبقي بين عمال الأمتين في النضال ضد البرجوازية السويدية وضد البرجوازية النرويجية على السواء؟

إن هذا الامر يرنا فيما يرنا وهن، وحتي سخف المحاولات التي ياجأ اليها ” الفراك ” أحيانا ” لاستغلال ” خلافاتنا مع روزا لوكسمبورج، في مناهضة الاشتراكية – الديموقراطية البولونية. ان ” الفراك؟ ليس حزبا بروليتاريا أو اشتراكيا، بل هو حزب قومي برجوازي صغير شبيه بنوع بولوني من الاشتراكيين الثوريين. فلم يخطر ببالنا يوما، ولا يمكن أن يخطر ببالنا ابدا، التوحيد بين الاشتراكيين – الديموقراطيين الروس وبين هذا الحزب. وبالعكس لم يوجد قط أحد بيننا – نحن الاشتراكيين – الديموقراطيين في روسيا – من ” ندم ” على التقارب وعلي الاتحاد بيننا وبين الاشتراكيين – الديموقراطيين البولونيين. ويعود للاشتراكية – الديموقراطية البولونية الفضل التاريخي العظيم في أنها اوجدت لأول مرة في بولونيا، المشربة بنزعات واهواء التعصب القومي، حزبا ماركسيا حقا، بروليتاريا حقا. ولكن عظمة فضل الاشتراكيين – الديموقراطيين البولونيين لا تعود إلى أن روزا لوكسمبورج نثرت السخافات ضد الفقرة التاسعة من البرنامج الماركسي الروسي، بل قامت هذه العظمة رغم تلك البادرة المؤسفة.

ولاشك أن ” الحق في حرية تقرير المصير، لا يتمتع عند الاشتراكيين الديموقراطيين البولونيين بالأهمية التي يتمتع بها عند الاشتراكيين – الديموقراطيين الروس. ومفهوم تماما أن يكون نضال الاشتراكيين – الديموقراطيين البولونيين ضد البرجوازية البولونية الصغيرة، التي اعماها التعصب القومي. قد اضطرهم إلى ” تشديد العيار ” بحماسة زائدة (وربما مبالغ فيها قليلا احيانا). ولم يخطرر ببال أحد من الماركسيين الروس ان ينحي باللائمة على الاشتراكيين الديموقراطيين البولونيين لمعارضتهم في انفصال بولونيا. ولا يخطئ هؤلاء الاشتراكيين – الديموقراطيين الا حين يحاولون انكار ضرورة اعتراف برنامج الماركسيين في روسيا بحق تقرير المصير، كما فعلت روزا لوكسمبورج. ويعني هذا من حيث الجوهر، تطبيق العلاقات المفهومة من وجعهة النظر الكراكوفية، على نطاق جميع شعوب روسيا وجميع أممها بما فيها الأمة الروسية. ان هذا الموقف لحري ” بقوميين بولونيين بالمقلوب ” لا باشتراكيين – ديموقراطيين في روسيا، لا باشتراكيين – ديموقراطيين أمميين.

لأن الاشتراكية – الديموقراطية الأممية تحرص كل الحرص على الأعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها. وهذا ما سنبحثه فيما يلي.

 7- قرار المؤتمر الأممي المنعقد في لندن عام 1896

يقول هذا القرار:

“يعلن المؤتمر تأييده لحق جميع الأمم التام في حرية تقرير مصيرها selbstbestimmungssecht ويعرب عن عطفه على عمال كل قطر يقاسي آنيا نير الاستبداد العسكري أو القومي أو غيرهما، ويدعو المؤتمر عمال جميع هذه الأقطار إلى الانضمام إلى صفوف العمال الواعين Klassenbewusste – أي الواعين لمصالح طبقتهم) في العالم أجمع، للنضال معهم في سبيل التغلب على الرأسمالية العالمية وتحقيق أهداف الاشتراكية الديموقراطية الأممية”*.

إن انتهازيينا، السادة سيمكوفسكي وليبمان ويوركيفيتش. يجهلون بكل بساطة هذا القرار، كما ذكرنا آنفا. ولكن روزا لوكسمبورج تعرفه وتورد نصه الكامل وقد تضمن العبارة ذاتها التي وردت في برنامجنا: عبارة ” حرية تقرير المصير “. قد يتساءل المرء: كيف عملت روزا لوكسمبورج لازالة تلك العقبة التي تعترض طريق نظريتها ” الاصيلة ؟

الجواب بسيط جدا: .. أن مركز الثقل قائم هنا في القسم الثاني من القرار .. طابعه البياني .. لا يمكن الاستشهاد به الا باساءة فهمه !!

إن عجز كاتبتنا وبلبلتها يثيران الدهشة حقا، فلا يشير عادة إلى الطابع البياني للنقاط الديموقراطية والاشتراكية المنسجمة من البرنامج الا الانتهازيون، الذين يتجنبون، تحت عامل الخوف، كل جدل صريح ضدها. فلم يكن من قبيل الصدفة اذن ان تجد روزا لوكسمبورج نفسها هذه المرة في رفقة غير مشرفة مع السادة سيمكوفسكي وليبمان ويوركيفيتش وأمثالهم. ان روزا لوكسمبورج لا تجرؤ على القول صراحة ما اذا كانت تعتبر هذا القرار خاطئا ام صائبا. أنها تلف وتدور وتتهرب، كأنها تعتمد على سهو أو جهل يأخذان القارئ الذي قد ينسي الشق الأول من القرار حين وصوله إلى الشق الثاني، أو الذي لم يسمع شيئا عن المناقشات التي جرت في الصحافة الاشتراكية قبل مؤتمر لندن.

علي أن روزا لوكسمبورج تخطئ جدا اذا كانت تظن أن من اليسير عليها ان تدوس بهذه السهولة، أمام عمال روسيا الواعين، قرار الأممية الذي يعالج قضية مبدئية هامة دون ان تكلف نفسها حتي عناء تحليله بروح النقد.

لقد انعكست وجهة نظر روزا لوكسمبورج اثناء المناقشات التي سبقت انعقاد مؤتمر لندن، وبخاصة في مجلة الماركسيين الالمان ” دي نوية تسايت ” die neue zeit، الا ان وجهة النظر هذه أخفقت في الواقع امام الأممية ! هذا هو جوهر القضية الذي ينبغي الا يغرب ابدا عن بال القارئ الروسي على الاخص.

لقد دارت المناقشات حول قضية استقلال بولونيا، وكان هناك ثلاث وجهات نظر:

  1. وجهة نظر جماعة ” الفراك ” الذين تكلم باسمهم هيكر. وكان هؤلاء يريدون أن تعترف الأممية في برنامجها بمطلب استقلال بولونيا، فلم يقبل هذا الاقتراح. وأخفقت وجهة النظر هذه أمام الأممية.
  2. وجهة نظر روزا لوكسمبورج القائلة بالا يطالب الاشتراكيون البولونيون باستقلال بولونيا، ومن وجهة النظر هذه لم يكن من الممكن ان يتناول الكلام حق الأمم في تقرير المصير. فأخفقت هي أيضا أمام الأممية.
  3. وجهة النظر التي ابداها وتمعق في شرحها كارل كاوتسكي اكثر من غيره حين رد على روزا لوكسمبورج مظهرا الطابع ” الوحيد المجانب ” في نظرتها المادية. وتبين من وجهة النظر هذه، ان الأممية لا يمكنها في الوقت الحاضر ان تضع لنفسها برنامجا يطالب باستقلال بولونيا. الا ان الاشتراكيين البولونيين لهم ملء الحق، كما قال كاوتسكي، في وضع هذا المطلب، فلا شك ان من الخطأ، في نظر الاشتراكيين، تجاهل مهمات التحرر الوطني في ظروف الاضطهاد القومي.

وهكذا تضمن قرار الأممية النقاط الرئيسية، الاساسية، التي جاءت في وجهة النظر هذه: اعترافا صريحا اطلاقا لا يحتمل أي تأويل خاطيء بحق جميع الأمم التام في حرية تقرير مصيرها، من جهة، ودعوة لا تقل صراحة إلى العمال لتحقيق الوحدة الأممية في نضالهم الطبقي، من جهة أخرى.

وفي اعتقادنا ان هذا القرار صائب كل الصواب. وهو الذي يضع، بترابط قسميه الذي لا تنفصم عراه على وجه الضبط امام بلدان اوروبا الشرقية وآسيا في مطلع القرن العشرين، الخطة الصحيحة الوحيدة التي ينبغي على السياسة الطبقية البروليتارية ان تنتهجها في مسألة القوميات.

فلنتوسع الآن قليلا. في بحث وجهات النظر الثلاث السالفة:

من المعروف أن كارل ماركس وفردريك انجلس كانا يعتبران تأييد مطلب استقلال بولونيا تأييدا فعالا قويا، واجبا الزاميا على الحركة الديموقراطية كلها في اوروبا الغربية، وبالأحري على الحركة الاشتراكية – الديموقراطية. وكانت وجهة النظر هذه، في السنوات الاربعين والستين من القرن الماضي، أي في عهد الثورة البرجوازية في النمسا والمانيا، وعهد ” الاصلاح الفلاحي ” في روسيا، صحيحة وصائبة جدا، بل كانت وجهة النظر الديموقراطية المنسجمة الوحيدة والبروليتارية الوحيدة. وطالما كانت الجماهير الشعبية في روسيا وفي معظم البلدان السلافية لا تزال مستغرقة في سبات عميق، وطالما لم تكن الحركات الديموقراطية الجماهيرية المستقلة قد برزت بعد في تلك البلدان، فقد كانت حركة التحرر البولونية التي قام بها النبلاء، تتعاظم أهمية، وتحتل مكانا بارزا، ليس من وجهة نظر الديموقراطية الروسية أو السلافية فحسب، بل الديموقراطية الأوروبية ككل.

ولكن اذا كانت وجهة نظر ماركس هذه، صحيحة وصائبة تماما بالنسبة إلى ظروف الثلث الثاني أو الربع الثالث من القرن التاسع عشر، فأنها فقدت صحتها على تخوم القرن العشرين. فثمة حركات ديموقراطية مستقلة، بل حركة بروليتارية مستقلة، قد برزت إلى حيز الوجود في معظم الاقطار السلافية، وحتي في قطر من أكثر الأقطار السلافية تأخرا، هو روسيا. وزالت بولونيا النبلاء لتقوم بولونيا الرأسماليين. فكان لابد لبولونيا، في هذه الظروف، من أن تفقد أهميتها الثورية الاستثنائية. فلما حاول الحزب الاشتراكي البولوني (ي جماعة ” الفراك ” اليوم) أن يثبت ” في عام 1896 ” وجهة نظر ماركس الموضوعة لغير تلك الحقبة، كان موقفه هذا انما يعني استغلال نصوص الماركسية ضد روح الماركسية. ولهذا يكون الاشتراكيون الديموقراطيون البولونيون محقين تماما في وقوفهم في وجه اندفاعات التعصب القومي التي انجرت في تيارها البرجوازية الصغيرة البولونية، وفي تبيانهم الأهمية الثانوية التي تتمتع بها مسألة القوميات بالنسبة إلى العمال البولونيين، وفي تأسيسهم حزبا بروليتاريا صرفا لأول مرة في بولونيا، وفي اعلانهم مبدأ على جانب عظيم من الاهمية، هو مبدأ التحالف الاوثق بين العمال البولونيين والروس في نضالهم الطبقي.

ولكن هل يعني ذلك أنه بأمكان الأممية، في مطلع القرن العشرين، الا تعترف لاوروبا الشرقية وآسيا، بضرورة مبدأ حرية تقرير مصير الأمم السياسي وبحقها في الأنفصال؟ ان سلوكا كهذا هو أكبر حماقة، وهو يعني (نظريا) الاعتراف بأن التحول البرجوازي الديموقراطي قد تم نهائيا في تركيا وروسيا والصين ويعتبر (عمليا) بمثابة موقف انتهازي تجاه الحكم المطلق.

كلا. ذلك أن أوروبا الشرقية وآسيا تعيشان اليوم في عهد بدء نشوب الثورات البر جوازية الديموقراطية، وعهد انبثاق الحركات القومية واحتدامها، وعهد ظهور الأحزاب البروليتارية المستقلة، ولذا فأن المهمة الملقاة اليوم على عاتق هذه الاحزاب في مجال السياسة القومية يجب ان تكون مزدوجة: أولها الاعتراف بحق حرية تقرير المصير لجميع الأمم لأن التحول البرجوازي الديموقراطي لم ينته بعد، ولأن الديموقراطية العمالية تدافع عن مساواة الأمم في الحقوق دفاعا جديا صادقا مستمرا لا يشبه في شئ دفاع الليبراليين والكوكوشكينيين عنها، وثانيها الاتحاد الأوثق الذي لا أنفصام لعه، بين بروليتاريي جميع أمم الدولة الواحدة، في نضالهم الطبقي، خلال جميع أحداث التاريخ، وخلال جميع التعديلات التي تجريها البرجوازية على حدود الدول.

ففي هذه المهمة المزدوجة التي يضعها قرار الأممية الصادر في عام 1896، أمام البروليتاريا، وهذه هي المباديء التي قام عليها قرار اجتماع الماركسيين في روسيا الذي انعقد في صيف عام 1913. وهناك أناس يجدون ” تناقضا ” في اعتراف الفقرة الرابعة من ذلك القرار بحق حرية تقرير المصير، بحق الانفصال، وفي كونها ” تمنح “، كما يبدوا، التعصب القومي، أقصي المجال (الحقيقة أن الاعتراف بحق جميع الأمم في تقرير مصيرها يتضمن حدا أقصي من الديموقراطية وحدا أدني من التعصب القومي).

في حين أن الفقرة الخامسة من ذلك القرار تحذر العمال من شعارات التعصب القومي التي تلقيها كل برجوازية. وتدعو إلى وحدة عمال جميع الأمم، واندماجهم في منظمات بروليتارية أممية متحدة. ولكن العقول السطحية كلية وحدها هي التي يمكن لها أن تجد في هذا شيئا من ” التناقض “، تلك العقول التي تعجز مثلا عن ادراك السبب الذي جعل قضية وحدة طبقة البروليتاريا وتضامنها في السويد والنرويج تستفيد من دفاع العمال السويديين عن حرية النرويج في الانفصال وفي تأليف دولة مستقلة.

8- كارل ماركس الطوبوي و روزا لوكسمبورج العملية

إن روزا لوكسمبورج، التي تعلن ان استقلال بولونيا ” طوبوي ” وتكرر ذلك حتي التخمة، تهتف بسخرية: لم لا يطالب باستقلال ايرلنده؟

لا ريب أن روزا لوكسمبورج ” العملية ” تجهل ما كان عليه موقف ماركس من استقلال ايرلنده. فيجدر بنا التوقف اذن عند هذه النقطة لكي نبين كيف ينبغي تحليل مطلب ملموس من مطالب الاستقلال الوطني، من وجهة نظر ماركسية حقا، لا انتهازية.

كان من عادة ماركس، على حد قوله، أن ” يفحص اسنان ” معارفه من الاشتراكيين، لكي يتأكد من درجة وعيهم وصلابة عقيدتهم. وقد تعرف ماركس إلى لوباتين، فكتب إلى انجلس في 5 يوليو 1870 يطري هذا الاشتراكي الروسي الشاب ايما اطراء ولكنه أضاف قائلا:

“ولكن فيه نقطة ضعف: بولونيا. حول هذه النقطة، يتحدث لوباتين تماما كما يتحدث انجليزي – ولنقل دستوري انجليزي من المدرسة القديمة – بصدد ارلنده “.

ويسأل ماركس اشتراكيا من أمة مضطهدة عن موقفه من الأمة المضطهدة، فيكتشف فورا العيب المشترك بين اشتراكيي الأمتين السائدتين (الانجليزية والروسية): عدم فهم واجباتهم الاشتراكية ازاء الأمم المضطهدة، ترديد واجترار الأوهام المستقاة من برجوازية ” الأمة الكبيرة السائدة”.

قبل الانتقال إلى بيانات ماركس الايجابية بصدد ارلنده، ينبغي ابداء التحفظ التالي، وهو أن ماركس وانجلس تناولا مسألة القوميات عامة بروح انتقادي صارم وقدرا اهميتها وفقا للأوضاع التاريخية. فهكذا مثلا كتب انجلس إلى ماركس، في 23 مايو 1851 أن دراسة التاريخ قادته إلى استنتاجات مفعمة بالتشاؤم فيما يتعلق ببولونيا، وان ليس لبولونيا سوي اهمية مؤقته، تدوم فقط حتي الثورة الوزراعية في روسيا. ان دور البولونيين في التاريخ كان عبارة عن ” حماقات جريئة “، ” لا يمكن الافتراض لحظة ان تمثل بولونيا التقدم تمثيلا موفقا، حتي تجاه روسيا وحدها، أو ان تكون لها اية أهمية تاريخية “. ففي روسيا من عناصر الحضارة والتعليم والصناعة والبرجوازية أكثر مما في بولونيا النبلاء النائمة ” ” ما هي وارسو وكراكوفيا إلى جانب بطرسبورج وموسكو واوديسا ! ” فان انجلس لا يعتقد بنجاح انتفاضات النبلاء البولونيين.

ولكن جميع هذه الافكار التي تنم عن عبقرية بالغة، لم تمنع انجلس وماركس مطلقا من ابداء عطفهما الجحاتر والكبير على الحركة البولونية، بعد اثني عشر عاما، حين كانت روسيا لا تزال تغط في نومها، وحين كانت بولونيا في غليان.

ففي 1864، حين كان ماركس يدبج رسالة الأممية، كتب إلى انجلس (4 نوفمبر – 1864) انه ينبغي له ان يكافح ميول التعصب القومي عند مازيني. وقد كتب ماركس يقول: ” عندما اتطرق في الفرسالة إلى السياسة الأممية، انما اعني البلدان، لا القوميات، وأفضح روسيا، لا دولا أقل شأنا “. وهو لا يشك في أن مسألة القوميات لا تحتل سوي أهمية ثانوية بالنسبة إلى ” المسألة العمالية “. ولكن نظريته بعيدة عن تجاهل الحركات القومية بعد السماء عن الارض.

وجاء عام 1866، فكتب ماركس إلى انجلس بصدد ” زمرة برودون ” في باريس التي ” تعلن ان القوميات أمر أخرق وتهاجم بيسمارك وغاريبالدي. أن هذا التكتيك، بوصفه جدلا ضد الشوفينية، مفيد ويمكن تبريره. ولكن، عندما يعتقد اتباع برودون (الذين ينتمي اليهم أيضا صديقي الطيبان هنا، لا فارج ولونجه) بأن كل أوروبا تستطيع ويجب أن تبقي قاعدة على مؤخرتها بكل هدوء وسكينة بانتظار ان يقضي الأسياد في فرنسا على الجهل والبؤس .. فأنهم سخفاء ” (رسالة 7 – يونيو – 1866).

وفي 20 يونيو 1866، كتب ماركس يقول:

” أمس، جرت مناقشات في مجلس الأممية حول الحرب القائمة .. ولبقد تمركزت المناقشات، كما كان ينبغي توقع ذلك، حول مسألة ” القوميات ” وموقفنا منها .. ان ممثلي ” فرنسا الفتية ” غير العمال قدموا وجهة النظر التالية، وهي أن كل قومية والأمة نفسها هما من الأوهام البائدة. هذه شتير نيرية برودونية … ينبغي للعالم بأسره ان ينتظر نضوج الفرنسيين ليقوموا بالثورة الاجتماعية .. لقد ضحك الانجليز كثيرا عندما قلت في مستهل خطابي ان صديقنا لافارج والآخرين، الذين الغوا القوميات، يخاطبوننا بالفرنسية، أي بلغة لا يفهمها تسعة اعشار المجتمعين. ثم ألمحت إلى أن لافارج، دون ان يدرك ما يقول، يفهم، كما يبدو، من انكار القوميات، امتصاصها من قبل الأمة المثالية، الأمة الفرنسية.”

والاستنتاج واضح من كل ملاحظات ماركس الانتقادية هذه: ان الطبقة العاملة هي آخر من يجعل من مسألة القوميات صنما للعبادة، لأن تطور الرأسمالية لا يدفع جميع الأمم حتما إلى الحياة المستقلة. ولكن، مادامت الحركات القومية الجماهيرية قد ظهرت فالنفور منها ورفض مساندة ما هو تقدمي فيها، انما يعنيان بالفعل الاستسلام لأوهام التعصب القومي: أي أن المرء يقر بأن ” أمته ” هي الأمة المثالية ” (أو، كما نضيف من جانبنا، الأمة التي تتمتع وحدها دون غيرها بامتياز بناء دولة)*.

ولكن، لنعد إلى مسألة ارلنده.

ان موقف ماركس في هذه المسألة وارد أشد ما يكون وضوحا في المقتطفات التالية من رسائله:

” لقد حاولت جهدي بجميع الوسائل اثارة العمال الانجليز للتظاهر في سبيل تأييد الحركة الفينيانية .. فيما مضي، كنت أعتبر أنفصال ارلنده عن انجلترا أمرا مستحيلا. أما اليوم، فأني اعتبر هذا الانفصال امرا محتوما، ولو أدي الأمر، بعد الانفصال، إلى الاتحاد الفيدرالي ” هكذا كتب ماركس إلى انجلس في رسالة بتاريخ 2 نوفمبر 1867.

وفي رسالة بتاريخ 30 نوفمبر من السنة نفسها، أضاف ماركس قائلا:

” بم ينبغي لنا أن ننصح العمال الانجليز؟ اني اري انه يجب عليهم ان يجعلوا من (فسخ) الاتحاد ” (اتحاد ارلنده مع انجلترا، أي انفصال ارلنده عن انجلترا) نقطة من نقاط برنامجهم، أي بالاختصار، التمسك بمطلب عام 1783، ولكن بعد جعله ديموقراطيا وبعد تكييفه وفقا للاوضاع الحالية، ذلك هو الشكل الشرعي الوحيد لتحرير ارلنده، وهو بالتالي، الشكل الوحيد الذي يمكن ان يتبناه برنامج حزب انجليزي. وستبين التجربة فيما بعد اذا كان مجرد الاتحاد الشخصي البسيط بين البلدين يمكن ان يدوم زمنا طويلا.

ان ما يحتاجه الايرلنديون، هو:

  1. ” الحكم الذاتي والاستقلال عن انجلترا “.
  2. “ثورة زراعية “.

ولما كان ماركس قد أولي المسألة الارلندية اهمية هائلة، فقد كان يلقي في اجتماعات اتحاد العمال الألمان تقارير بهذا الموضوع تدوم ساعة ونصف الساعة. (رسالة 17 ديسمبر 1867).

ويلاحظ انجلس في رسالة له بتاريخ 20 – نوفمبر – 1868 ” الحقد السائد بين العمال الانجليز على الارلنديين “. وبعد ما يقرب من سنة (24 – اكتوبر -1869) عاد انجلس إلى الموضوع نفسه، فكتب يقول: ” ليس بين ارلنده وروسيا سوي خطوة واحدة ” .. ان تاريخ ارلنده يبين أية مصيبة تحل بشعب اذا استعبد شعبا آخر، ان مصدر الخسة الانجليزية كلها هو ارلنده، ويتعين على أيضا ان أدرس عهد كرومويل. ولكن في مطلق الأحوال، لا جدال أبدا في نظري في أن الأمور كانت قد سارت في اتجاه آخر، في انجلترا ذاتها، لو لم تقض الضرورة باخضاع ارلنده عسكريا وبخلق اريستوقراطية جديدة “.

وللمناسبة ننوه برسالة ماركس إلى انجلس، بتاريخ 18 (اغسطس) 1869:

” لقد أضرب العمال البولونيين في بوزنان ونجحوا في اضرابهم بفضل تأييد رفاقهم البرلينيين. ان هذا النضال ضد ” صاحب السيادة الرأسمال “– حتي بشكله الأدني، الذي يتخذ صورة الاضراب – سيضع حدا للأوهام القومية بصورة أجدي مما تفعله الخطب الطنانة حول السلم التي ترد على لسان السادة البرجوازيين “.

وتتضح مما يلي السياسة التي اتبعها ماركس ازاء المسألة الارلندية في داخل الأممية: في 18 (نوفمبر) 1869 كتب ماركس إلى انجلس أنه القي خطابا في مجلس الأممية دام ساعة وربع الساعة، حول موقف الوزارة البريطانية من مسألة العفو الارلندي، وانه اقترح مشروع القرار التالي:

” لقد تقرر :

ان السيد جلادستون، في جوابه على المطالب الارلندية باطلاق سبيل الوطنيين الارلنديين، يهين الأمة الارلندية قصدا وعمدا .

أنه يعلق العفو السياسي على شروط مهينة سواء لضحايا الحكومة الخاطئة أم للشعب الذي تمثله هذه الحكومة .

ان جلادستون، المقيد بوضعه الرسمي، قد حيا علنا ورسميا تمرد أنصار الاسترقاق الأميركيين، ويحاو اليوم دعوة الشعب الارلندي إلى الأخذ بمبدأ الطاعة العمياء .

ان مجمل سياسته ازاء قضية العفو الارلندي مظهر جلي من مظاهر ” سياسة الفتح ” التي أتاح شجبها وفضحها لجلادستون أن يقلب وزارة خصومه التوريز (المحافظين) .

ان يعرب المجلس العام لجمعية الشغيلة العالمية عن أعجابه بالجرأة والصلابة وعلو الهمة التي يخوض بها الشعب الايرلندي حملته في سبيل العفو .

انه ينبغي ابلاغ هذا القرار إلى جميع فروع جمعية الشغيلة العالمية والي جميع المنظمات العمالية الاوروبية التي لها صلات بالجمعية “.

وفي 10 (ديسمبر) 1869 كتب ماركس يقول ان التقرير الذي يعده لمجلس الأممية حول المسألة الارلندية سيوضع على النحو التالي:

… ” لنطرح جانبا كل لغو ” أممي ” و” انساني ” حول ” انصاف ارلنده ” – لأن الأمر بديهي بحد ذاته في مجلس الأممية – فان مصالح الطبقة العاملة الانجليزية، المباشرة، المطلقة، توجب قطع صلاتها الحالية مع ارلنده. وذلك هو أعمق اقتناعي المبني على أسباب لا أستطيع تبيانها كليا للعمال الانجليز أنفسهم. لقد اعتقدت طويلا ان بالامكان دك النظام الارلندي بفضل نهوض الطبقة العاملة الانجليزية. وقد دافعت دائما عن هذا الري في جريدة ” نيويورك تريبيون ” – (14) (جريدة امريكية تعاون معها ماركس زمنا طويلا). غير أن دراسة المسألة بمزيد من التعمق اقنعتني بالعكس. ان الطبقة العاملة الانجليزية لن تتمكن من القيام بي شئ اذا لم تتخلص من ارلنده … ان جذور الرجعية الانجليزية في انجلترا قائمة في استعباد ارلنده ” (اشارات التأكيد لماركس).

والآن، لابد أن تكون سياسة ماركس في المسألة الارلندية قد اتضحت تماما للقارئ.

فان ماركس ” الطوبوي ” كان ” غير عملي ” إلى حد انه يطالب بفصل ارلنده، الأمر الذي لم يتحقق حتي بعد مضي نصف قرن.

فمن اين تنبع اذن سياسة ماركس هذه، وهل كانت خاطئة؟

في بادئ الأمر، اعتقد ماركس أن الحركة العمالية في قلب الأمة المضطهدة، لا الحركة القومية في قلب الأمة المضطهدة، هي التي ستحرر ارلنده، ولم يجعل ماركس الحركات القومية مفهوما مطلقا. لأنه كان يعرف ان انتصار الطبقة العاملة هو وحده الذي يستطيع أن يحرر جميع القوميات تحريرا تاما. فانه لمن المستحيل ان يأخذ المرء مسبقا بالحسبان جميع الصلات المتبادلة الممكنة بين الحركات التحريرية البرجوازية في الأمم المضطهدة وبين الحركة التحريرية البروليتارية في الأمة المضطهدة وتلك قضية تجعل بالضبط مسألة القوميات في روسيا الحالية بمثل هذه الدرجة من الصعوبة.

ولكن الظروف تطورت بشكل وقعت معه الطبقة العاملة الانجليزية مدة طويلة نسبيا من الزمن تحت تأثير الليبراليين، وسارت في ذيلهم، وفقدت دورها القيادي بفضل سياسة عمالية ليبرالية. أما الحركة التحريرية البرجوازية في ارلنده، فقد أشتد ساعدها واتخذت أشكالا ثورية. فاذا ماركس يعيد النظر في رأيه ويصلحه “أنها لمصيبة على شعب أن يستعبد شعبا آخر”.

إن الطبقة العاملة الانجليزية لن تتحرر ما لم تتحرر ارلنده من النير الانجليزي، ان استعباد ارلنده يوطد الرجعية في انجلترا ويغذيها (كما يغذي الرجعية في روسيا استعبادها لجملة من الأمم !).

وهكذا فان ماركس، حين يحمل الأممية على اتخاذ قرار بالعطف على ” الأمة الارلندية “، على ” الشعب الارلندي ” (يقينا أن ل. فل. الذكي كان من المحتمل أن يهشم المسكين ماركس تهشيما لنسيانه النضال الطبقي !)، يوصي في الوقت نفسه بانفصال ارلنده عن انجلترا، ” ولو أدي الأمر بعد الانفصال إلى الاتحاد”.

فما هي المقدمات النظرية لاستنتاج ماركس هذا؟ كانت الثورة البرجوازية في انجلترا بوجه عام قد انتهت منذ زمن بعيد. ولكنها لم تنته بعد في ارلنده، فان اصلاحات الليبراليين الانجليز تنهيها اليوم فقط، بعد مضي نصف قرن. فلو قضي على الرأسمالية في انجلترا بالسرعة التي توقعها ماركس بادئ ذي بدئ، لما كان ثمة مجال في ارلنده لقيام حركة قومية شاملة برجوازية ديموقراطية. ولكن لما كانت هذه الحركة قد قامت، فقد نصح ماركس العمال الانجليز بمساندتها، بدفعها دفعا ثوريا، وبالسير بها حتي النهاية حرصا على مصلحة حريتهم بالذات.

من المؤكد أن العلاقات الاقتصادية بين ارلنده وانجلترا كانت في ستينيات القرن الماضي، أكثر وثوقا مما هي عليه بين روسيا وبولونيا وأوكرانيا … ألخ، فكان واضحا للعيان أن انفصال ارلنده كان ذا طابع ” غير عملي “، ” غير قابل للتحقيق ” (علي الأقل بسبب الاوضاع الجغرافية وكذلك بسبب جبروت انجلترا الاستعماري الهائل). فان ماركس، الذي كان مبدئيا ضد النزعة الاتحادية قد وافق، في هذه الحالة الخاصة، على الاتحاد*، شرط أن يتم تحرير ارلنده بالسبيل الثوري لا الاصلاحي بحركة تقوم بها الجماهير الشعبية الارلندية بمساندة الطبقة العاملة الانجليزية وليس ثمة سبيل إلى الشك في أن حلا كهذا فقط لهذه القضية التاريخية كان يناسب مصالح البروليتاريا على خير وجه ويعجل بالتطور الاجتماعي.

غير أن الامور سارت على نحو اخر، فقد تبين ان الشعب الارلندي – والبروليتاريا الانجليزية كانا ضعيفين. فان القضية الالندية تحل اليوم فقط، أثر مساومات حقيرة بين الليبراليين الانجليز والبرجوازية الارلندية (ومثال أولستر يبين مدي الصعوبة) وذلك عن طريق اصلاح زراعي (معدفع تعويض) وحكم ذاتي (لا يزال غير مطبق حتي الان) فما معني هذا. كل ما ينجم من هذا ان ماركس وانجلس كانا ” طوباويين “، وأنهما كانا يصوغان مطالب قومية ” غير قابلة للتحقيق “، وانهما تأثرا بالقوميين البرجوازيين الصغار الارلنديين (وطابع حركة ” الفينيان ” البرجوازي الصغير لا يقبل الجدل) … ألخ .

كلا، ففي المسألة الالندية ايضا، سار ماركس وانجلس على سياسة بروليتارية منسجمة، متماسكة الحلقات إلى النهاية .

تربي الجماهير فعلا بروح الديموقراطية و الاشتراكية. وهذه السياسة وحدها كانت قادرة على ان توفر على ارلنده كما على انجلترا تأخر نصف قرن في تحقيق التحويلات الضرورية، وأن تعصم هذه التحويلات من التشويه الذي الحقه بها الليبراليون في سعيهم إلى أرضاء الرجعية .

أن سياسة ماركس وانجلس في قضية ارلنده قد اعطت أعظم مثال، ما يزال يحتفظ حتي الآن باهمية عملية هائلة، على السلوك الذي ينبغي ان تنهجه بروليتاريا الأمم المضطهدة، ازاء الحركات القومية، وقد كانت سياستهما هذه تحذيرا مما يبديه التافهون الضيقوا الافق على أختلاف بلدانهم والوانهم ولغاتهم، من ” مبادرة ذليلة ” لكي يطلقوا صفة “طوبوي” على كل تعديل في حدود دول اقيمت بواسطة العنف وامتيازات الملاكين العقاريين والبرجوازية لأمة من الأمم.

فاذا لم تتبن ” البروليتاريا الايرلندية والبروليتاريا الانجليزية سياسة ماركس وتجعلا من انفصال ارلنده شعار لهما، لكان ذلك من قبلهما من شر تيارات الانتهازية، ونسيانا لمهماتهما الديموقراطية والاشتراكية، وتنازلا أمام الرجعية والبرجوازية الانجليزيتين .

 9- برنامج عام 1903 ومصفوه

أصبحت اليوم محاضر مؤتمر عام 1903، الذي أقر برنامج الماركسيين في روسيا، من الوثائق النادرة جدا. ولذا فإن الأكثرية الكبرى من المناضلين الحاليين في حركة العمال تجهل الأسباب التي من أجلها وضعت مختلف نقاط هذا البرنامج (لا سيما وأن ليس جميع الكتابات الخاصة به تتمتع بنعم العلنية…). ولهذا فمن الضروري أن ندرس كيف حلل مؤتمر عام 1903 هذه القضية التي تهمنا.

ونلاحظ، في بادئ الأمر، أن الكتابات الاشتراكية-الديموقراطية الروسية التي تبحث في “حق الأمم في تقرير مصيرها” تدل بوضوح، رغم قلتها، على أن معنى هذا الحق كان يفهم دائما كحق الانفصال. وأن السادة سيمكوفسكي وليبمان ويوركيفتش وإضرابهم الذين يشكون في ذلك ويصرحون بأن الفقرة التاسعة “ينقصها الوضوح”… الخ، لا يتحدثون عن هذا إلا بسبب جهلهم الفاضح أو لامبالاتهم. فمنذ عام 1902، دافع بليخانوف في جريدة “زاريا” عن مبدأ “حق تقرير المصير” الوارد في مشروع البرنامج وكتب يقول أن هذا المطلب، الذي كان غير اجباري بالنسبة إلى الديموقراطيين البرجوازيين، هو «اجباري بالنسبة إلى الاشتراكيين-الديموقراطيين». ثم اضاف قوله: «فلو اهملناه وخشينا من الافصاح عنه خوفا من صدم الاوهام القومية لدي مواطنينا من ابناء القبيلة الروسية لكان نداء.. ” يا عمال العالم اتحدوا!” نفاقا مخجلا في أفواهنا». وهذا وصف موفق جدا في صالح البرهان الأساسي الذي يدعم النقطة التي نبحثها ووصف موفق إلى حد أن ليس من باب الصدفة أن أهمله نقاد برنامجنا الذين نسوا نسبهم وما زالوا يهملونه وجلين. فإن التخلي عن هذه النقطة، مهما كانت الدوافع التي يمكن التذرع بها، معناه، في الواقع تراجع مخجل أمام نزعة التعصب القومي الروسي. ولكن لماذا نقول الروسي، مادمنا نتكلم عن حق جميع الأمم في تقرير مصيرها؟ إننا نقول ذلك لأن المراد هنا هو الانفصال عن الروس.

إن مصلحة “اتحاد البروليتاريا” مصلحة تضامنها الطبقي تتطلب الاعتراف بحق الأمم في الانفصال، وهذا ما اعترف به بليخانوف، منذ اثني عشر عاما، في العبارات التي ذكرناها. ولو أن أصحابنا الانتهازيين فكروا فيها مليا، لما تفوهوا، أغلب الظن، بذلك السيل من الحماقات حول حرية تقرير المصير.

كانت معظم الأعمال، في مؤتمر عام 1903 الذي صودق فيه على مشروع البرنامج هذا، الذي دافع عنه بليخانوف، تجري في “لجنة البرنامج”، التي لم تسجل محاضرها لسوء الحظ.

ولكن هذه المحاضر كان يمكن أن تفيدنا كثيرا فيما يتعلق بهذه النقطة بالضبط. وذلك لأن مندوبي الاشتراكيين-الديموقراطيين البولونيين فارتسافكي وهانيسكي، حاولا في اجتماعات تلك اللجنة دون سواها، أن يدافعا عن وجهات نظرهما، وأن يعارضا الاعتراف بحق حرية تقرير المصير.

فإن القارئ الذي يرغب في المقارنة بين براهينهما الواردة في خطاب فارتسافسكي وفي التصريح المشترك الذي أدلي به مع هانيسكي (راجع الصفحات “134 – 135 و388 – 390 من المحاضر) وبين البراهين التي قدمتها روزا لوكسمبورج في مقالها البولوني الذي حللناه آنفا، يلاحظ التشابه التام بين هذه الحجج.

وماذا كلان موقف لجنة المؤتمر في المؤتمر الثاني من تلك الحجج حيث حمل بليخاتوف أكثر من غيره على الماركسيين البولونيين.. لقد وقفت منهما موثقف السخرية اللاذعة! وقد بدت بجلاء ووضوح حماقة الاقتراح الذي يدعو ماركسيي روسيا أن يطرحوا جانبا الاعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها إلى درجة أن الماركسيين البولونيين، لم يجرؤوا حتي على ترديد براهينهم أمكام هيئة المؤتمر العمومية!! فغادروا بعد أن اقتنعوا بيأس موقفهم أمام على هيئة للماركسيين من روس ويهود وجورجيين وارمن.

ولا شك أن هذا الحادث التاريخي يتمتع بأهمية كبيرة جدا في نظر كل امرئ يحرص صادقا على برنامجه هو. إن تحطيم حجج الماركسيين البولونيين تحطيما تاما في جلسات لجنة البرنامج في المؤتمر، وعدولهم عن إبداء أي محاولة للدفاع عن آرائهم أمام هيئة المؤتمر العامة، أمران لهما دلالة عميقة جدا. وليس من باب الصدفة أن روزا لوكسمبورج لجأت إلى السكوت عن هذا بتواضع في مقالها عام 1908. ويظهر أن ذكريات المؤتمر كانت تزعجها كثيرا! وقد تجنبت الكلام أيضا عن ذلك الاقتراح السخيف التعس الذي قدمه فارتسافسكي وهانيسكي عام 1903 باسم جميع الماركسيين البولونيين، وطلبا فيه تعديل الفقرة التاسعة من البرنامج، والذي لم تجرؤ ولن تجرؤ روزا لوكسمبورج ولا غيرها من الاشتراكيين-الديموقراطيين البولونيين على ترديده.

ولكن إذا كانت روزا لوكسمبورج، قد لزمت الصمت حول هذه الأمور، لكي تستر الهزيمة التي منيت بها عام 1903، فإن الذين يهتمون بتاريخ حزبهم سيسعون إلى معرفة تلك الأمور وإلى التفكير مليا في أهميتها.

كتب أصدقاء روزا لوكسمبورج إلى المؤتمر عام 1903. عندما غادروه قائلين :

« إننا نقترح أن تصاغ الفقرة السابعة من مشروع البرنامج (التي أصبحت اليوم الفقرة التاسعة) على الشكل التالي: الفقرة السابعة – مؤسسات تضمن حرية التطور الثقافي التامة لجميع الأمم التي تؤلف الدولة. » (صفحة 390 من المحاضر).

وهكذا يتبين ان الماركسيين البولونيين كانوا يبدون يومئذ، فيما يتعلق بقضية القومياتن، آراء غاية في الابهام، إلى درجة أنهم كانوا يقترحون في الواقع، بدلا من حرية تقرير المصير، صيغة مستعارة من شعار “استقلال الثقافة القومية الذاتي” المزعوم!

إن الأمر ليبدو بعيد التصديق، ولكنه حقيقة واقعة، مع الأسف.

وعلي الرغم من أن المؤتمر كان يضم خمسة من البولنديين يتمتعون بخمسة أصوات، وثلاثة من القفقاسيين يتمتعون بستة أصوات، فضلا عن صوت استشاري هو صوت كوستروف، على الرغم من ذلك كله، لم يكن هناك أي صوت إلى جانب حذف الفقرة المتعلقة بحرية تقرير المصير. وقد جاءت ثلاثة أصوات فقط إلى جانب اضافة جملة “استقلال الثقافة القومية الذاتي” على تلك الفقرة (وفقا لصيغة جولد بلات: «انشاء مؤسسات تضمن للأمم حرية التطور الثقافي التامة»). وأيدت أربعة أصوات صيغة ليبر («اعطاؤها – أي الأمم – الحق في تطور ثقافي حر»).

أما الآن وقد ظهر حزب ليبرالي روسي، وهو حزب الدستوريين-الديموقراطيين (الكاديت)، فإننا نعرف أن حرية الأمم في تقرير مصيرها السياسي، قد استعيض عنها في برنامجه، بـ”حرية تقرير المصير الثقافي” وهذا يعني أن أصدقاء روزا لوكسمبورج البولونيين الذين عكفوا على محاربة التعصب القومي عند الحزب الاشتراكي البولوني، قد برعوا في تلك الحرب إلى درجة أنهم اقترحوا معها الاستعاضة عن البرنامج الماركسي ببرنامج ليبرالي وراحوا بعد ذلك يتهمون برنامجنا بالانتهازية.

فهل ثمة مجال للدهشة إذا استقبلت لجنة البرنامج، التي ألفها المؤتمر الثاني، هذه التهمة بالضحك فقط!

وكيف فهم مندوبو المؤتمر الثاني “حرية تقرير المصير”؟ لقد رأينا فيما تقدم أن أحدا منهم لم يتخذ موقفا ضد “حرية تقرير مصير الأمم”.

وتوضح لنا ذلك المكقاطع الثلاثة التالية من المحاضر:

« يرى مارتينوف أنه ليس بالإمكان إعطاء تفسير شامل لعبارة “حرية تقرير المصير”. فهي تعني بكل بساطة حق الأمم في الإعتزال في كيان سياسي مستقل، ولا تعني، أبدا، استقلالا ذاتيا في مناطق (صفحة 171). كان مارتينوف في ذلك الحين عضوا في لجنة البرنامج التي فندت حجج أصدقاء روزا لوكسمبورج وسخرت منها. وكان يومئذ، في مفاهيمه من “الاقتصاديين” وخصما لدودا “للايسكرا” فلو أنه أبدى رأيا غير رأي أكثرية أعضاء لجنة البرنامج، لفند رأيه حتما.

وعندما انتقل المؤتمر، بعد انتهاء أعمال اللجنة، إلى بحث الفقرة الثامنة من البرنامج (التي أصبحت اليوم الفقرة التاسعة) كان البولندي جولد بلات أول المتكلمين فقال:

« لا يمكن الاعتراض بشيء على “حق حرية تقرير المصير”. فإذا ناضلت أمة ما من أجل استقلالها، فلا تجوز معارضتها في ذلك. وإذا أبت بولونيا أن تعقد زواجا شرعيا مع روسيا، فيجب عدم اعاقتها في ذلك كما قال الرفيق بليخانوف – وأنا أوافق على وجهة نظره، ضمن هذه الحدود.» (صفحة 175 و176).

إن بليخانوف لم يقل شيئا في هذا الموضوع أمام الهيئة العامة للمؤتمر. ولكن جولد بلات استشهد بما قاله بليخانوف أمام لجنة البرنامج، حيث فسر “حق حرية تقرير المصير” تفسيرا مسهبا شعبيا، بأنه حق الانفصال. وقد أشار ليبر الذي تكلم بعد جولد بلات، إلى أنه:

« إذا لم تستطع قومية من القوميات أن تعيش ضمن حدود روسيا فالحزب لن يعارضها بالطبع في ذلك.» (صفحة 176).

وهكذا يرى القارئ أنه لم يكن، في مؤتمر الحزب الثاني الذي أقر البرنامج، رأيان بصدد الاعتراف بأن حرية تقرير المصير إنما تعني فقط حق الانفصال، حتى لقد اقتنع البونديين أنفسهم يومئذ بهذه الحقيقة، ولكننا في عصرنا السيء الذي يطغى فيه التيار المعادي للثورة بصورة مستمرة، ويظهر فيه التنكر والجحود على اختلاف أنواعهما، نرى أناسا يحفزهم الجهل ويدفعهم إلى التصريح بأن برنامجنا “خال من الوضوح” على أننا قبل أن نكرس وقتنا لأولئك المساكين من “الاشتراكيين الديموقراطيين هم أيضا” سننهي كلامنا بالحديث عن موقف البولونيين من البرنامج.

لقد جاؤوا إلى المؤتمر الثاني (1903) وهم يصرحون بأن التوحيد قضية ضرورية وملحة. ولكنهم غادروا المؤتمر بعد اخفاقاتهم في لجنة البرنامج وكانت كلمتهم الأخيرة تقريرا خطيا نشر في محاضر المؤتمر، وتضمن الاقتراح الآنف الذكر: الاستعاضة عن حرية تقرير المصير، باستقلال الثقافة القومية الذاتي.

ثم جاء عام 1906 وانضم الماركسيون البولونيون إلى الحزب. ولكنهم لم يتقدموا مرة بي اقتراح لتعديل الفقرة التاسعة من البرنامج الروسي، لا عند دخولهم الحزب ولا بعده (ي لا في المؤتمر عام 1907، ولا في المجلسين العامين اللذين عقدا في عامي 1907 و1908، ولا في الدورة التي التأمت عام 1910)!! هذا أمر واقع.

وهو أمر يبين بوضوح أن اصدقاء روزا لوكسمبورج، على الرغم من جميع الأقوال والتأكيدات، اعتبروا أن القضية قد فرع منها عند بحثها في لجنة برنامج المؤتمر الثاني، وانتهت بالقرار الذي اتخذه ذلك المؤتمر. كما يبين أنهم أقروا بخطئهم ضمنا وأصلحوه بانضمامهم. في عام 1906 إلى صفوف الحزب، بعد أن غادروا المؤتمر في عام 1903. ولم يحاولوا أبدا إثارة مسألة إعادة النظر في الفقرة التاسعة من البرنامج، عن طريق الحزب.

ثم صدر مقاتل روزا لوكسمبورج بتوقيعها في سنة 1908 – وبالطبع لم يخطر على بال أحد منا أبدا أن ينكر على كتاب الحزب حق انتقاد البرنامج، ولكن بعد ذلك المقال أيضا.

لم تثر أية منظمة رسمية من منظمات الماركسيين البولونيين قضية إعادة النظر في الفقرة التاسعة.

ولم تكن خدمة إذن تلك التي أداها تروتسكي لبعض المعجبين بروزا لوكسمبورج، وذلك عندما كتب باسم هيئة تحرير “بوربا” في عددها 2 مارس – 1914:

« يري الماركسيون البولونيين أن “حق حرية تقرير المصير القومي” خال تماما من كل فحوى سياسي ويجب طرحه من البرنامج. » (صفحة 25) .

إن تروتسكي المخلص لأشد خطرا من العدو! فهو لم يستطع أن يجد في أي مصدر، إلا في “المحادثات الخاصة” (أي في تلك الثرثرات التي يعيش منها تروتسكي دائما) أدلة تسمح له بأن يصنف “الماركسيين البولونيين” عموما بين أنصار كل مقال من مقالات روزا لوكسمبورج. لقد صور تروتسكي “الماركسيين البولونيين” كأناس لا شرف لهم ولا وجدان، ولا يعرفون حتي احترام عقائدهم الخاصة وبرنامج حزبهم. ويالتروتسكي من رجل مخلص!

ولما غادر ممثلوا الماركسيين البولونيين، في عام 1903، المؤتمر الثاني بسبب الخلاف حول حق حرية تقرير المصير، كان بوسع تروتسكي حينذاك أن يقول أنهم رأوا في ذلك الحق فقرة لا فحوي لها ويجب حذفها من البرنامج.

ولكن الماركسيين البولونيين انضموا بعد ذلك إلى صفوف الحزب الذي أقر ذلك البرنامج. ولم يقترحوا أبدا عادة النظر فيه.

فلماذا أخفي تروتسكي هذه الوقائع عن قراء مجلته؟ لقد اخفاها لسبب واحد بسيط هو أنه رأى من الفائدة لنفسه أن يناور لإذكاء نار الخلافات بين خصوم تيار التصفية من روس وبولونيين، وأن يخدع العمال الروس فيما يتعلق بالبرنامج.

إن تروتسكي لم يكن له بعد رأي ثابت في أية قضية جدية من قضايا الماركسية. فقد كان يتسلل دائما في الثغرات بين الخلافات، وينتقل من معسكر إلى آخر. وها هو ذا قد أصبح اليوم رفيق البونديين ودعاة التصفية. والحال أن هؤلاء السادة يتصرفون على هواهم تجاه الحزب.

إليكم ما يقوله البوندي الجنتلمان ليبمان:

« حين وضعت الاشتراكية الديموقراطية الروسية، منذ خمسة عشر عاما فقرة في برنامجها تتناول حق كل قومية في “تقرير مصيرها” تسائل كل واحد (!) ماذا يعني في الحقيقة هذا التعبير الدارج (!) ولكننا لم نتلق جوابا (!) على ذلك. وظل (!) هذا التعبير مغلفا بالضباب، وكان من الصعب فعلا في ذلك الحين ازالة الضباب عنه. وكانوا يقولون انذاك: لم يحن الوقت بعد لتوضيح هذه الفقرة وتجسيدها، فلتبق الآن مغلفة بالضباب (!) فان الحياة نفسها هي التي ستعين المضمون الذي يجب وضعه في تلك الفقرة ».

أليس طريف هذا “الصبي العاري” الذي يتهكم على برنامج الحزب؟

ولماذا يتهكم ؟

لا شئ إلا أنه مغرق في الجهل لم يتعلم شيئا، بل لم يقرأ شيئا من تاريخ الحزب، ولأنه سقط في وسط من دعاة التصفية اعتادوا السير عراة عندما يتناولون قضايا الحزب، والروح الحزبية.

يفاخر أحد الإخوة، في رواية بوميالوفسكي، بأنه « بصق في برميل من “الملفوف المخلل” ولكن السادة البونديين فعلوا أكثر من ذلك. إنهم يطلقون العنان لأصحابهم من أضراب ليبمان لكي يبصق هؤلاء السادة أمام جميع الناس في برميلهم بالذات.

أما أن هناك قرارا صادرا عن مؤتمر حزبهم، قد برهنا (علي الرغم من أنهما كانا صارمين في نقدهما وخصمين ألدين “للايسكرا”!) على أنهما وافقا على ذلك المعنى، فجميع هذه الأشياء لا تهم ليبمان وأضرابه! أليس من الأسهل، والحالة هذه تصفية الحزب مادام بعض الحرفيين “صحافيي الحزب” (لا تمزحوا!) يعمدون إلى معالجة تاريخ الحزب وبرنامجه على طريقة الأخوة.

وهذا “صبي عار” آخر هو السيد يوركيفيتش، المحرر في مجلة “دزفين”. إن هذا السيد قد اطلع، أغلب الظن، على محاور المؤتمر الثاني، لأنه استشهد باقوال بليخانوف التي أوردها جولد بلات وأظهر أنه يعرف أن حرية تقرير المصير لا يمكن أن تعني إلا حق الانفصال ولكن هذا لا يمنعه من النميمة على الماركسيين الروس في أوساط البرجوازية الاوكرانية الصغيرة، بادعائه أن هؤلاء الماركسيين هم من أنصار “وحدة كيان الدولة” الروسية (1913، العدد 7 – 8، صفحة 83 وما يليها). إن السادة يوركيفتش وأمثاله لم يكن في وسعهم، بالطبع، أن يجدوا وسيلة أفضل من هذه النميمة لابعاد الديموقراطيين الاوكرانيين عن الديموقراطيين الروس. والحال أن هذه المباعدة مطابقة لمجمل الخطة السياسية التي ينتهجها فريق الأدباء الذين يكتبون في مجلفة “دزفين” ويدعون فيها إلى فرز العمال الاوكرانيين في منظمة قومية خاصة!”.

ومن المؤكد أن يلائم هذا الفريق من البرجوازيين الصغار القوميين المتعصبيتن الممعنين في شق صفوف البروليتاريا – وهذا هو الدور الموضوعي الذي تقوم به مجلة ” دزفين ” – أن ينشروا أقصي الغموض حول مسألة القوميات. ومن المسلم به أن السادة أمثال يوركيفتيش وليبمان – الذين يغضبون ” بشدة ” حين نصفهم بانهم عناصر تعيش ” قرب الحزب ” – لم يذكروا كلمة واحدة، ولا كلمة واحدة ابدا، عن الطريقة التي يرغبون، هم انفسهم، أن تحل بها قضية حق الانفصال في البرنامج .

وهذا هو ” الصبي العاري ” الثالث .. السيد سيمكوفسكي، الذي ” يهدم ” في أعمدة جريدة دعاة التصفية وامام جمهور الروس، الفقرة التاسعة من البرنامج، ويصرح في الوقت نفسه أنه ” بالنظر لبعض الاعتبارات لا يؤيد الاقتراح ” القائل بحذف هذه الفقرة !!! أنه أمر لا يصدق، ولكنه أمر واقع.

بل وفي اغسطس عام 1912، وضع المجلس العام للدعاة التصفية مسألة القوميات على بساط البحث رسميا. وخلال ثمانية عشر شهرا، لم يصدر مقال واحد بشأن الفقرة التاسعة، ما عدا مقال السيد سيمكوفسكي وفي هذا المقال، راح الكاتب يفند البرنامج ويعلن في الوقت نفسه انه بالنظر إلى بعض الاعتبارات (ويحتمل أنها مرض سري ؟) لا يؤيد ” الاقتراح القائل بتعديله ” ومن الممكن المراهنة بأنه من العسير حقا العثور على أمثلة، في العالم بأسره، على هذا النوع من الانتهازية، بل على ما هو أفظع من الانتهازية، على هذا الجحود للحزب، على هذه المحاولة لتصفيته. اما البراهين التي يوردها سيمكوفسكي، فمثال واحد يكفي لايضاحها فهو يقول :

” ما العمل اذا ارادت البروليتاريا البولونية خوض النضال المشترك ” ضمن نطاق دولة واحدة، مع بروليتاريا كل روسيا، واذا أرادت الطبقات الرجعية في المجتمع البولوني، على عكس ذلك، فصل بولونيا عن روسيا واستطاعت ان تنال في استفتاء شعبي أكثرية الاصوات .. ايجب علينا، نحن الاشتراكيين – الديموقراطيين الروس، ان نصوت في البرلمان المركزي مع رفاقنا البولونيين ضد الانفصال، أو من أجل الانفصال، خوفا من خرق ” حق حرية تقرير المصير ” .. (جريدة ” نوفايا رابوتشايا جازيتا “، العدد 71).

يتبين من هذا ان السيد سيمكوفسكي لم يدرك حتي ما هو المقصود ! فهو لم يفطن إلى أن حق الانفصال يتطلب بالضبط حل القضية لا بواسطة البرلمان المركزي، بل فقط بواسطة برلمان (مجلس، استفتاء، .. الخ) المنطقة التي تنفصل.

ان الحيرة الصبيانية التي تبرز من ” ما العمل ” هذه اذا كانت الاكثرية في النظام الديموقراطي في جانب الرجعية، ان هذه الحيرة، تخفي قضية السياسة الواقعية، الصحيحة، الحية، حيث يري بوريشكيفيتش واضرابه، ” شأنه شأن ” كوكوشكين واضرابه، مجرد التفكير في الانفصال على أنه جريمة فيجب في زعم المؤلف، على البروليتاريا في روسيا ” كلها ” لا أن تناضل اليوم ضد البوريشكيفيتشيين والكوكوشكينيين، بل أن تتجنبهم وتناضل ضد الطبقات الرجعية في بولونيا !

وهذه الحماقة التي لا تصدق هي التي تنشرها صحيفة دعاه التصفية، الصحيفقة التي يعد السيد مارتوف واحدا من قادتها الايديولوجيين .. ومارتوف نفسه الذي حرر مشروع البرنامج ودافع عنه في عام 1903، وكتب بعد ذلك أيضا مؤيدا حرية الانفصال. ولكن يظهر أن مارتوف يفكر اليوم على الطريقة الآتية .

لا ضرورة أبدا للذكاء

ارسلوا ” ريد ” إلى هناك

وأنا، سوف أري !

وها هو يرسل ريد – سيمكوفسكي ويفسح له المجال في صحيفة يومية، وامام قراء جدد لا يعرفون برنامجنا، ليشوه ذلك البرنامج، ويثير الغموض حوله إلى درجة لا متناهية !

أجل، أجل ان تيار التصفية قد سار شوطا بعيدا .. فلم يبق أي اثر للروح الحزبية لدي طائفة من الاشتراكيين – الدجيموقراطيين السابقين وحتي من البارزين منهم .

أن روزا لوكسمبورج بعيدة بالطبع عن هؤلاء، ولا يمكن وضعها في صف ليبمان ويوركيفيتش وسيمكوفسكي. ولكن مجرد تعلق هؤلاء الناس بالضبط بأذيال خطتها، يثبت بوضوح خاص إلى أي درك من الانتهازية قد انزلقت.

  1. يستشهد لينين هنا باقتباسات من مقال حـ. ف. بليخانوف ” مسودة برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي ” وهو المقال المنشور في صحيفة زاريا العدد الرابع لعام 1903 .

زاريا: صحيفة ماركسية سياسية علمية، صدرت بطريقة علنية في شتوتجارت خلال عامي 1901 – 1902 وأشرف على تحريرها نفس أعضاء هيئة تحرير ” أسكرا “. وظهر من تلك الصحيفة أربعة أعداد فقط: العدد الأول في أبريل 1901 (أو 23 مارس حسب التقويم الجديد). وظهر العددان 2، 3 في ديسمبر 1901 والعدد الرابع في أغسطس 1902. وتحددت أهداف اصدار هذه المجلة في “مسودة اعلان هيئة تحرير مجلتي اسكرا وزاريا” الذي كتبه لينين في روسيا. (أنظر الطبعة الحالية مجلد 4). وفي عام 1902 ابان الخلافات والصراع الذي نشب حول هيئة تحرير صحيفة أسكرا وزاريا اقترح بليخانوف وضع خطة لفصل الصحيفة عن المجلة على أن يتولي هو رئاسة تحرير زاريا. ولكن اقتراحه لم يصادف قبولا واستمر اصدار الصحيفتين تحت أشراف هيئة تحرير واحدة .

دأبت زاريا على نقد اتجاه المراجعة الأممي والروسي ودافعت عن المبادئ النظرية للماركسية. ونشر لينين في هذه الصحيفة المقالات الثانية: “ملاحظات عابرة” و “مضطهدو أتباع زيمستوف وهاينباك من أصحاب الاتجاه الليبرالي” و “انتقادات حول المسألة الزراعية” (وهي الفصول الأربعة الأولي من كتاب “المسألة الزراعية والانتقادات الموجهة إلى ماركس”) و”مراجعة لشئون الوطن الداخلية” و”البرنامج الزراعي للحركة الديمقراطية الاشتراكية الروسية.” هذا فضلا عن مقالات بليخانوف “نقد نقادنا. الجزء الاول. السيد ب. ستروف يلعب دور ناقد النظرية الماركسية عن التطور الاجتماعي”. و”كانت ضد كنط أو انجيل السيد برنشتين” وغيرها.

  1. أبلغونا أن الماركسيين البولونيين اشتركوا في اجتماع ماركسيي روسيا في صيف 1913، بصفة استشارية فقط، وأنهم لم يصوتوا قط على مسألة الحق في تقرير المصير (في الانفصال) لأنهم عارضوا هذا الحق بوجه عام. وطبعا، كان من كامل حقهم أن يتصرفوا على هذا النحو وأن يواصلوا القيام في بولونيا بتحريض ضد انفصالها. ولكن هذا ليس تماما ما قصده تروتسكي، لأن الماركسيين البولونيين لم يطلبوا اطلاقا حذف الفقرة التاسعة من البرنامج. – لينين
  2.  فقرة من اسكتش “بلاد بره” تأليف الكاتب الهجائي الروسي “سالتيكوف شيدرن”.
  3. يقتبس لينين هنا تعبيرا من “اسكتشات لاهوتية” تأليف الكاتب الروسي ن. حـ بوميالوفسكي .
  1. راجع بصورة خاصة مقدمة السيد يوركيفيتش لكتاب السيد ليفنسكي. (“نظرة في تطور الحركة العمالية الأوكرانية في غاليسيا”، كييف، 1914)
خاتمة

 لنستخلص النتائج …

ان حق تقرير المصير، من وجهة نظر الماركسية عموما، لا يثير أية صعوبة. فليس ما يدعو جديا إلى الاعتراض على قرار لندن الصادر في عام 1896 ولا إلى فهم حرية تقرير المصير بمعني آخر غير معني حق الانفصال، ولا إلى الشك في أن انشاء دول قومية مستقلة هو ميل مرافق لجميع الانقلابات البرجوازية الديموقراطية .

أما الصعوبة التي تبرز إلى حد ما، فيما يختص بروسيا، فهي أن بروليتاريا الأمم المظلومة، وبروليتاريا الأمة المتسلطة تناضلان ومن واجبهما ان تناضلا جنبا إلى جنب. فالمهمة هي اذن صيانة وحدة النضال الطبقي للبروليتاريا من أجل الاشتراكية، ومحاربة جميع تأثيرات التعصب القومي للبرجوازية والمغرقة في الرجعية .

ان حشد بروليتاريا الأمم المضطهدة المظلومة، في حزب مستقل، يؤدي أحيانا إلى نضال غاية في الشدة ضد التعصب القومي لدي تلك الأمم إلى حد تشوه الأفق ونسيان نزعة التعصب القومي لدي الأمة الظالمة المضطهدة .

غير أن تشوه الأفق هذا لا يمكن ان يدوم طويلا. فان تجارب النضال المشترك الذي تقوم به لابروليتاريا في مختلف الأمم تدل بوضوح بالغ، على أن معالجتنا للقضايا السياسية ينبغي ألا تبني على أساس وجهة نظر ” كراكوفيا “، بل على أساس وجهة نظر هامة تشمل روسيا كلها، ومعروف أن البوريشكيفيتشيين والكوكوشكينيين هم المسيطرون على سياسة روسيا العامة. ان آرائهم هي السائدة، وحملات الاضطهاد ضد القوميات الاخري، غير الروسية، واتهامهم اياها بأنها ” تسعي إلى الانفصال ” وادانتهم ” مجرد التفكير في الانفصال “، وهي مواضيع المواعظ والخطب في الدوما والمدارس والكنائس والثكنات وفي مئات الصحف وألوفها. ان هذا السم الذي تنفثه نزعة التعصب القومي الروسية هو الذي يفسد الجو السياسي في روسيا كلها. وهذه مصيبة الشعب الذي يقوي جذور الرجعية في جميع أنحاء روسيا، بسبب استبعاده طائفة من الشعوب الأخري، بأن ذكريات عامي 1849 و 1863 هي بمثابة تقاليد سياسية حية تهدد باعاقة كل حركة ديموقراطية، وخصوصا الحركة الاشتراكية – اتلديموقراطية، خلال عقود طويلة قادمة، اذا لم تهب عواصف قوية جدا .

وليس من شك ابدا في أنه مهما ظهرت طبيعة وجهة نظر بعض الماركسيين من الأمم المظلومة (وهم الذين تقوم ” مصيبتهم ” أحيانا على كون جماهير أممهم تعمي أبصارهم فكرة تحررها القومي)، فان كل تقاعس عن الدفاع عن حق خحرية تقرير المصير انما يعني، في الواقع، بالنظر إلى النسبة الموضوعية بين قوي الطبقات في روسيا، الانغماس في افظع انواع الانتهازية، وتطعيم البروليتاريا بآراء الكوكوشكينيين. والحال ان هذه الآراء ليست من حيث الجوهر الا آراء البوريشكيفيتشيين وسياستهم .

ولذلك، فاذا جاز في بادئ الأمر تبرير وجهة نظر روزا لوكسمبورج بوصفها عبارة عن ضيق أفق ذي طابع بولوني بحت أو ” كراكوفي ” *، فلا شك في أن ضيقا من هذا النوع قد اصبح اليوم شيئا غير مغتفر، بعد أن تفاقم التعصب القومي في كل مكان، وبالدرجة الأولي التعصب القومي الحكومي، الروسي، حيث أصبح هذا التعصب هو الموجه للسياسة. ان الانتهازيين من جميع الأمم الذين ينفرون من فكرة ” العواصف ” و القفازات ” وينجرون وراء ليبرالية الكوكوشكينيين، انما يتعلقون فعلا بأذيال ذلك الضيق .

ان التعصب القومي الروسي، شأنه شأن كل تعصب قومي آخر، يجتاز مراحل مختلفة، حسب سيطرة هذه أو تلك من الطبقات في القطر البرجوازي. فقد سيطر في بلادنا قبل عام 1905 القوميون الرجعيون دون سواهم تقريبا. ثم برز الليبراليون – القوميون بعد ثورة العام المذكور .

هذا، في الواقع، هو الموقف الذي يقفه عندنا الاكتوبريون والكاديت (كوكوشكين) على السواء، أي مجموع البرجوازية المعاصرة .

ولامندوحة عن ظهور قوميين – ديموقراطيين روس فيما بعد. وها هو السيد بيشيخونوف، أحد مؤسسي الحزب ” الاشتراكي – الشعبي ” قد أعرب عن هذا الري بدعوته في عدد أغسطس 1906 من مجلة ” روسكويه بوجاتستفو ” إلى الحذر من أوهام ” الموجيك ” القومية. ومهما افتروا علينا، نحن البلاشفة، وزعموا اننا نجعل من الموجيك ” مثلا على “، فاننا فرقنا دائما بدقة، وسوف نفرق، بين سلامة تفكير الموجيك وأوهامه، بين طموح الموجيك إلى الديموقراطية خلافا لرغبة بوريشكيفيتش، وبين ميله إلى التلاؤم مع الاقطاعي مع الكاهن .

ومنذ الآن ينبغي على الديموقراطية البروليتارية أن تحسب حسابا للتعصب القومي لدى الفلاحين الروس (لا للتراجع أمامه، بل لمحاربته) وسيكون عليها في الأرجح أن تحسب هذا الحساب إلى مدة طويلة نسبيا * ان استيقاظ نزعة التعصب القومي لدي الأمم المظلومة، وهو الذي برز بقوة كبيرة جدا بعد عام 1905 (ولنكتف هنا بذكر كتلة ” أنصار الاستقلال الذاتي والاتحاد الفيدرالي، في الدوما الاول، ونمو الحركة الاوكرانية والحركة الاسلامية، … الخ)، ان هذا الاستيقاظ لابد ان يؤدي إلى اشتداد التعصب القومي لدي البرجوازية الصغيرة الروسية في المدن والأرياف، وبقدر بطء سير التحول الديموقراطي في روسيا، يزداد الاضطهاد القومي والخصومة بين برجوازيات مختلف القوميات عنادا وقسوة ووحشية وكذلك ستثير سياسة البوريشكيفيتشيين الروس المغرقة في الرجعية (وتقوي) الميول ” الانفصالية ” لدي هذه أو تلك من الأمم المظلومة التي تتمتع احيانا بقسط أوفر بكثير من الحرية في الدول المجاورة .

ان هذه الحالة تجعل مهمة البروليتاريا في روسيا مزدوجة، أو بالاحري ثنائية الطرف، وهي محاربة كل نزعة من نزعات التعصب القومي، وفي مقدمتها نزعة التعصب القومي الروسي، والاعتراف لجميع الأمم لا بالمساواة المطلقة في الحقوق بصورة عامة وحسب، بل أيضا بالمساواة في الحقوق فيما يخص انشاء دولة لها، أي الاعتراف بحق الأمم في تقرير مصيرها في الانفصال .

ولكن إلى جانب ذلك، وبالضبط من أجل نجاح النضال ضد كل انواع التعصب القومي في جميع الأمم، ينبغي صيانة وحدة نضال البروليتاريا والمنظمات البروليتارية، وضمان اندماجها أوثق اندماج في تكتل أممي، رغم ميل البرجوازية إلى الانفرادية القومية .

ان المساواة التامة في الحقوق بين الأمم، وحق الأمم في تقرير مصيرها، واتحاد عمال جميع الأمم .. ان هذه الأشياء هي البرنامج القومي الذي تلقنه الماركسية للعمال، وتثبت صحته تجارب العالم بأسره وتجربة روسيا .

كان هذا البحث تحت الطبع حين تلقيت العدد الثالث من جريدة ” ناشا رابوتشايا جازيتا ” 3 الذي كتب فيه السيد فل. كوسوفسكي الأسطر التالية، بصدد الاعتراف بحق جميع الأمم في تقرير مصيرها :

” بما أن هذا الحق قد أخذ به بصورة ميكانيكية نقلا عن قرار مؤتمر الحزب الاول (1898)، الذي أخذه بدوره عن مقررات المؤتمرات الاشتراكية الأممية، فقد قيل في مؤتمر عام 1903 – كما تثبت المناقشات – بنفس المعني الذي أعطته اياه الأممية الاشتراكية وهو .. تقرير المصير السياسي، أي تقرير مصير الأمم باتجاه الاستقلال السياسي. وعليه فان صيغة تقرير المصير القومي، التي تعني حق الانفراد بالكيان الجغرافي، لا مساس لها أبدا بمسألة معرفة طريقة تنظيم العلاقات القومية في داخل جهاز دولة معينة، بالنسبة إلى القوميات التي لا تستطيع، أو لا تريد الخروج من الدولة القائمة “.

يتبين من هذا ان السيد فل. كوسوفسكي قد اطلع على محاضر المؤتمر الثاني المنعقد في عام 1903، وانه يعرف جيدا ما هو المعني الفعلي (والوحيد) لمفهوم حرية تقرير المصير. قارنوا الآن بين هذا الامر وبين ما نعرفه من ان هيئة تحرير الصحيفة البوندية ” تسايت ” تفسح المجال أما السيد ليبمان ليهزأ بالبرنامج بتصريحه انه خال من الوضوح !! أنها لغريبة حقا هذه الأخلاق ” الحزبية ” عند السادة البونديين .. ولكن لماذا يصرح كوسوفسكي ان قبول المؤتمر بحرية تقرير المصير هو نقل ميكانيكي، ” الله وحده يعلم ذلك “. ان ثمة أناسا ” يشتهون دائما الرد على غيرهم “. ولكن ماذا يقولون، وبي شكل، ولي سبب ولأية غاية .. أنها امور مجهولة منهم .

كتب في فبراير – مايو 1914 نشر في ابريل – يونيو 1914 في جريدة بروسفشينيه، الاعداد 4، 5، 6

توقيع: ف. لينين

نشر طبقا للنص في الجريدة


([1])دي نويه تسايت Die Neue Zeit المجلة النظرية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني. صدرت في شتوتجارت من 1883 حتي 1923. كان يشرف على تحريرها ك. كاوتسكي حتي أكتوبر 1917 ثم خلفه في هذا هـ. كاناو. وقد نشرت هذه المجلة بعض كتابات لمؤسسي الماركسية لاول مرة، ومن هذه الكتابات ” نقد برنامج جوته ” لماركس و ” الاتجاه النقدي لمنشور البرنامج الاشتراكي الديمقراطي عام 1891 ” لانجلز. وكثيرا ماكان انجلز يشير بأصبع الاتهام إلى محرري مجلة دي نويه تسايت وينتقد انحرافاتهم عن الماركسية. ونذكر من بين القادة المبرزين للحركة العمالية الأممية الألمانية الذين أسهموا بالكتابة في هذه المجلة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين ” أ. بيبيل، و. ليبكنخت، ر. لوكسمبرج، ف. مهرنج , وكلارا تسيتكين، و حـ. ف. بليخانوف، و ب. لافارج. وفي بداية التسعينات، أي بعد وفاة انجلز، دأبت المجلة على نشر مقالات للمراجعين ومنها سلسلة مقالات كتبها أ. برنشتين تحت عنوان ” مشاكل الاشتراكية ” وكانت مقالاته هذه بداية معركة خاضها المراجعون ضد الماركسية. وخلال الحرب العالمية الأولي اتخذت المجلة لنفسها موقفا ثابتا في مساندة الشوفينيين الاجتماعيين.

([2])Nauchnaya Mysl أو الفكر العلمي – مجلة الاتجاه المنشفيكي صدرت في ريجا عام 1908.

([3])أنظر كارل ماركس – رأس المال – مجلد 1 طبعة موسكو 1959 ص 765.

([4])يشير هذه إلى مؤتمر الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمسوي الذي عقد في برن بالنمسا من 24 إلى 29 سبتمبر عام 1899. وكانت المسألة القومية الموضوع الرئيسي في جدول أعماله. وعرض على المؤتمر قراران يعبران عن وجهتي نظر مختلفين: الأول قرار اللجنة المركزية للحزب والذي يساند حق الاستقلال الذاتي للأمم. والثاني قرار لجنة الحزب الاشتراكي الديمقراطي للسلافيين الجنوبيين ويساند فكرة الاستقلال اقومي الثقافي خارج حدود أراضي الأمة. ورفض المؤتمر باجماع الآراء برنامج الاستقلال القومي الثقافي وأتخذ قرارا يقوم على أساس المصالحة يعترف بالاستقلال الذاتي القومي داخل حدود دولة النمسا. (أنظر مقالة لينين ” مساهمة لتأريخ البرنامج القومي في النمسا والروسيا ” ص 99 – 101 مجلد 20).

([5])يشير إلى الؤتمر الثاني لكل طلاب أكرانيا والذي عقد بمدينة ليفوف من 19 حتي 22 يونيو 1913 بمناسبة الاحتفال السنوي تكريما لذكري ايفان فرانكو. وايفان فرانكو كاتب أكراني عظيم وشخصية اجتماعية مبرزة وديمقراطي ثوري. وعرض على المؤتمر تقرير بعنوان “الشباب الاكراني والوضع الراهن للقوميات”. وتولي عرضه دنتسوف وهو اشتراكي ديمقراطي أكراني وكان يؤيد شعار أكرانيا المستقلة.

([6])شلياكي (السبل) – مجلة اتحاد الطلاب الأكرانيين (اتجاه قومي) صدرت في ليفوف ابتداء من أبريل 1913 حتي مارس 1914.

([7])Naprzod التقدم – المجلة الرئيسية لسان حال الحزب الاشتراكي الديمقراطي في غاليسيه وسيليزيا. صدرت في جراكاو ابتداء من عام 1892. وكانت هذه الصحيفة تعكس أفكارا قومية للبرجوازية الصغيرة ووصفها لينين بقوله ” أنها مجلة رديئة للغاية وليست ماركسية على الاطلاق.”

تعليقات
  1. […] بعنوان “القومية والأممية” ملحق “نوي تسايت” Neuezeitـ([1]) العدد الأول 1907-1908، الترجمة الروسية في مجلة […]

    أعجبني

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s