كتاب (حصيلة مناقشات حق تقرير المصير) لينين (نسخة الكتاب كاملة)

Posted: 6 مارس 2012 in كلاسيكيات الماركسية, كتب وموسوعات, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , ,
فلاديمير لينين
يوليو 1916

نشرت صحيفة هيرالد (فوربوت – العدد الثاني شهر أبريل 1916) وهي الصحيفة الماركسية للجناح اليساري المسمي تسيمر فالد “Zimmewald” عددا من الرسائل والدراسات عن مبدأ حق تقرير المصير، بعضها يؤيده والبعض الآخر يعارضه.

وكان موقعا عليها باسم هيئة التحرير لمجلتنا الرئيسية التي تتحدث باسمنا وهي مجلة سوسيال ديمقراط كما كان البعض الآخر موقعا عليه باسم هيئة تحرير مجلة الحزب الاشتراكي الديموقراطي البولندي المعارضة وهي مجلة جازيتا روبوتنيزا. ويجد القارئ فوق هذا الكلام طبعة ثانية للرسائل الأولي * وترجمة للرسائل التالية وهذه هي المرة الأولي من الناحية العملية التي يعرض فيها هذا الموضوع على مثل هذا النطاق الواسع في المجال الأممي: وقد أثير فقط بالنسبة لبولندا في الحوار الذي دار على صفحات المجلة الماركسية الألمانية نويه تسايت منذ عشرين عاما مضت، 1895–1896 أي قبل مؤتمر لندن الاشتراكي الأممي المنعقد عام 1896. ودار هذا الحوار بين روزا لوكسمبورج وكارل كاوتسكي و”المستقلين” البولنديين (أبطال استقلال بولندا أو الحزب الاشتراكي البولندي) وكانوا جميعا يعرضون ثلاث وجهات نظر مختلفة ومنذ ذلك الوقت، في حدود علمي، والحوار يدور حول مسألة حق تقرير المصير وبطريقة منسقة بين الهولنديين والبولنديين فقط. والأمل يحدونا الآن لو أن صحيفة الهيرالد يحالفها التوفيق في الاستمرار في إثارة الحوار حول هذه المسألة، وهي مسألة ملحة الأن، بين البريطانيين والأمريكيين والفرنسيين والألمان والايطاليين. ذلك لأن الاشتراكية الرسمية التي يمثلها كل من المؤيدين الصرخاء “لحكوماتهم” أمثال أتباع بليخانوف ودافيد وشركاهما والمدافعين عن الانتهازية المستترين أمثال أتباع كاوتسكي (ومن بينهم اكسيلرود ومارتوف وشيخيدز وغيرهم) أقوال أن الاشتراكية الرسمية أدلت بأكاذيب كثيرة عن هذه المسألة حتي بات الأمر يحتاج لا محالة إلى جهود طويلة لاسكات دعاتها وتجنب أثارة المشكلة موضع الخلاف من ناحية وأن نستجيب لطلبات العمال بتقديم “إجابات مباشرة” عن هذه “المسألة اللعينة” من ناحية أخرى. وسنبذل جهدنا لكي نطلع قراءنا على أخبار الصراع بين الاتجاهات الاشتراكية المختلفة خارج البلاد.

إن المسألة لها أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن الاشتراكيين الديموقراطيين الروس، والحوار الراهن هو استطراد للحوار الذي دار في عامي 1903 و1913. لقد اهتزت أفكار أعضاء الحزب إلى حد ما سبب هذه المشكلة أبان الحرب، وازدادت حدتها بسبب حيل بعض القادة المبرزين لحزب العمال الشوفيني أو حزب جفوزديوف من أمثال مارتوف وشيخيدز، إذ بذلوا كل جهدهم لتجنب جوهر المشكلة، ومن ثم أصبح ضروريا أن تعرض النتائج الأولية أو حصيلة الحوار الذي بدأ في الحقل الأممي.

يتضح من الرسائل أن رفاقنا البولنديين يقدمون لنا ردا مباشرا على بعض حججنا، منها على سبيل المثال ما يتعلق بالماركسية والبرودينية. بيد أنهم في أكثر الحالات لا يجيبون علينا إجابة مباشرة بل إجابة غير مباشرة وذلك بالمقابلة بين حججهم وحججنا. ولنحاول الآن أن نفحص إجاباتهم المباشرة وغير المباشرة.

1- الاشتراكية وحق تقرير المصير

سبق لنا أن أكدنا أن التخلي عن انجاز حق تقرير المصير في ظل النظام الاشتراكي خيانة للاشتراكية. وقيل لنا ردا على هذا «إن مبدأ حق تقرير المصير لا يمكن تطبيقه على مجتمع اشتراكي». والاختلاف هنا اختلاف جذري إذن ما هو جذر الخلاف.

يواصل خصومنا محاجاتهم بقولهم «نحن نعرف أن الاشتراكية ستقضي على كل أنواع القهر القومي يقضائها على المصالح الطبقية التي تقودها.» ما الذي تعنيه هذه الحجة من المتطلبات الاقتصادية اللازمة بداية للقضاء على القهر القومي، وهي متطلبات معروفة للجميع وليست موضع خلاف، وذلك حتي يكون لهذه الحجة فاعليتها في حوار عن شكل من أشكال القهر السياسي، أعني ان تستبقي أمة أمة أخرى داخل حدودها قسرا واغتصابا؟ لا لشيء غير أنها محاولة لتجنب المسائل السياسية؟ والحجج التالية لها تؤكد اقتناعنا بصواب ما ذهبنا اليه: «ليس ثمة ما يبرر الاعتقاد بأن الأمة في المجتمع الاشتراكي ستبقي كوحدة سياسية واقتصادية. إنها، مع كل الاحتمالات الممكنة، ستحتفظ بطابع الوحدة الثقافية واللغوية فقط ذلك لأن تقسيم أراضي أي منطقة اشتراكية ذات تراث ثقافة، لو فرضنا حدوث مثل هذا، إنما يمكن أن يتم فقط وفقا لاحتياجات الانتاج. هذا فضلا عن أن المسألة التي تتعلق بمثل هذا التقسيم لن تحسمها الأمم وحدها بطبيعة الحال وتتخذ كل منها موقفها على حدة ممارسة بذلك حقها في السيادة الكاملة (كما هو مطلوب من “حق تقرير المصير”) وإنما سيتم حسمها وتحديدها تضامنيا من جانب كل المواطنين أصحاب الشأن».

والحجة الأخيرة تستهوي رفاقنا البولنديين لحديثها عن التحديد التضامني بدلا من تقرير المصير على أساس ذاتي أو مستقل، حتي أنهم يرددونها ثلاث مرات في رسائلهم ومع ذلك فإن تكرار ترديدها لن يحيل هذه الحجة الأكتوبرية والرجعية إلى حجة اشتراكية ديموقراطية. إن كل الرجعيين والبرجوازيين يمنحون الأمم الملحقة قسرا واغتصابا داخل حدود دولة معينة حق تقرير مصيرهم “بصورة تضامنية” داخل برلمان مشترك. وكذلك يفعل ولهلم الثاني حين يعطي البلجيكيين الحق في أن “يقرروا تضامنيا” مصير الامبراطورية الألمانية داخل برلمان ألماني مشترك.

بيد أن خصومنا يحاولون تجنب هذه النقطة على وجه التحديد وهي النقطة الوحيدة الجديرة بالمناقشة – حق الانفصال. وإنها لمسألة هزلية ما لم تكن مأساوية إلى أقصي حد.

أشرنا في أول رسالة لنا إلى أن تحرير الأمم المقهورة يتضمن تحولا ثنائيا في المجال السياسي:

1) المساواة الكاملة بين الأمم، وهذه ليست موضع نزاع وتطبق فقط على ما يحدث داخل الدولة.

2) حرية الانفصال السياسي * وتشير هذه النقطة إلى تحديد حدود الدولة. وهذه النقطة وحدها هي التي يدور حولها النزاع. بيد أنها هي على وجه التحديد التي يلتزم خصومنا إزاءها بالصمت. إنهم عازفون تماما عن التفكير سواء في موضوع حدود الدولة أو الدولة من حيث هي. وهذا نوع من “الاتحاد الاقتصادي الامبريالي” يماثل الاتجاه الاقتصادي الذي ساد فيما بين عامي 1894–1902 والذي كان يقدم حججه على النحو التالي:

حيث أن الرأسمالية هي الاتجاه المظفر، اذن فالمسائل السياسية مضيعة للوقت. وحيث أن الامبريالية هي الاتجاه المظفر إذن فالمسائل السياسية مضيعة للوقت! ومثل هذه النظرية المنافية للسياسة ضارة تماما للماركسية.

كتب ماركس في دراسته “نقد برنامج جوته” ما يلي:

«تفصل بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي فترة التحول الثوري من احدهما إلى الآخر. ويناظر هذه الفترة أيضا فترة انتقال سياسي تكون الدولة فيها الدكتاتورية الثورية للبروليتاريا ولا بديل لذلك.»

وما زالت هذه الحقيقة حتي الآن حقيقة ثابته ولا خلاف حولها بين الاشتراكيين وتتضمن الاعتراف بالحقيقة القائلة بأن الدولة ستظل قائمة حتي تتطور الاشتراكية المظفرة إلى نظام شيوعي كامل. وكلنا نعرف القول المأثور لانجلز عن “تلاشي الدولة” وقد أكدنا عن قصد منا في الرسالة الأولي أن الديموقراطية هي شكل من أشكال الدولة ستتلاشي بدورها مع تلاشي الدولة. وسوف تظل حجج خصومنا خطأ كبيرا إلى أن يستبدلوا بالماركسية وجهة نظر عن “اللادولة”.

إنهم بدلا من أن يتحدثوا عن الدولة (والتي تعني تحديد الحدود لها) نراهم يتحدثون عن “منطقة اشتراكية ثقافية” أي أنهم يختارون عمدا تعبيرا غير محدد يعني أن كل المسائل المتعلقة بالدولة قد طمست. وهكذا نصل في النهاية إلى لغو فارغ: إذا لم تكن ثمة دولة فلن تكون هناك بطبيعة الحال مسائل تتعلق بالحدود. وفي مثل هذه الحالة يصبح كل البرنامج السياسي الديموقراطي أمرا غير لازم. ولن تكون هناك أيضا أي جمهورية ما دامت الدولة “ستتلاشي”.

ويستشهد لينش الشوفيني الألماني في مقالاته المذكورة في الرسالة الخامسة * بفترة هامة يقتبسها من مقال انجلز بعنوان “البو والرين”. ويقول انجلز من بين ما يقول في هذا المقال أنه خلال التظور التاريخي الذي يلتهم عددا من الأمم الصغيرة والضعيفة، تحددت باطراد “حدود الأمم الأوروبية العظمى والقوية” والعامل المحدد هنا “اللغة والتعاطف” بين السكان. ويسمي انجلز هذه الحدود باسم “الحدود الطبيعية”(5) ولقد كان هذا الوضع في عصر الرأسمالية التقدمية في أوروبا فيما بين عامي 1848 و 1871 على وجه التقريب، أما اليوم فإن هذه الحدود التي تحددت ديموقراطيا تتحطم شيئا فشيئا بفعل الرأسمالية الرجعية الامبريالية.

وكل الشواهد تدل عل أن الامبريالية ستورث خليفتها، أعني الاشتراكية، إرثا من الحدود الأقل ديموقراطية وعددا من البلدان التابعة في أوروبا وأجزاء أخرى من العالم. فهل ثمة ما يبرر الافتراض أن الاشتراكية المظفرة التي تضمن وتحقق الديموقاطية الكاملة على طول الخط، ستحجم عن تحديد حدود الدولة ديمقراطيا وتغلغل مشاعر التعاطف بين السكان؟ يكفي فقط إقرار هذه المسائل ليتضح أن زملاءنا البولنديين ينزلقون بعيدا عن الماركسية إلى مهاوي الاتجاه الاقتصادي الامبريالي.

إن الاقتصاديين القدامي الذين شوهوا الماركسية لقنوا العمال قولهم بأن كل ما يعني الماركسيين “الجانب الاقتصادي وحده” ويبدو أن الاقتصاديين الجدد يرون إحدي اثنتين إما أن الدولة الديموقراطية في ظل الاشتراكية المظفرة ستكون موجودة بدون حدود سيتم تخطيطها “فقط” حسب احتياجات الانتاج.

وواقع الأمر أن حدودها سوف تخطط ديموقراطيا أعني حسب إرادة السكان ومشاعرهم الوجدانية. إن الرأسمالية تسفح هذه المشاعر الوجدانية وتضيف مزيدا من العقبات في طريق التقارب بين الأمم. أما الاشتراكية فإنها تحترم تماما “المشاعر الوجدانية” للسكان حين تنظم الانتاج دون قهر طبقي وتضمن الحياة الرغدة لكل أبناء الدولة وبذلك تؤكد وتعجل التقارب والتواكل بين الأمم.

وحتي نهيئ للقارئ فسحة من الوقت يتخفف بها من الاتجاه الاقتصادي الثقيل الأهوج. سنستشهد هنا بحجة يسوقها كاتب اشتراكي خارج عن موضوع نزاعنا، وأعني به أوتو باور وله أيضا قضية بسيطة أثيره إلى نفسه – الاستقلال الذاتي الثقافي والقومي – بيد أنه يستن نهجا صحيحا تماما في محاجاته بشأن عدد كبير من المسائل البالغة الأهمية. مثال ذلك في الفصل التاسع والعشرين من كتابه “المسألة القومية والديموقراطية الاشتراكية” كان على حق تماما في ملاحظته استخدام الايديولوجية القومية لحجب الاتجاهات السياسية الامبريالية. وفي الفصل الثلاثين “الاشتراكية ومبدأ القومية” يقول ما يلي:

« إن المجتمع الاشتراكي لن يكون قادرا على الاطلاق على أن يحتوي كل الأمم داخل إطاره عن طريق القوة. لنتخيل كل الأمم معا جماهير السكان الذين يستمتعون بكل خيرات التراث الثقافي القومي ويمارسون في نشاط حقهم الكامل في التشريع والحكم ثم أخيرا مزودون بالسلاح – تري هل سيكون من المستطاع استخدام القوة لاخضاع أمة كهذه لحكم تنظيم اجتماعي غريب عنها؟ إن سلطة الدولة ترتكز كلها على قوة السلاح وما زال جيش الشع في وقتنا الراهن، وبفضل نظام أو ميكانيزم عبقري يشكل أداة في يد شخص بعينه أو أسرة أو طبقة بعينها تماما مثلما كانت جيوش الفرسان والتجار في الماضي. إن الجيش في المجتمع الاشتراكي الديموقراطي ليس إلا الشعب مسلحا ما دام هذا الجيش يتألف من أشخاص ذوي ثقافة عالية يعملون اختيارا لا قسرا في مصانع مملوكة للمجتمع ويسهمون في كل مجالات الحياة السياسية اسهاما ماهرا كاملا. وهنا وفي مثل هذه الظروف تنتفي كل امكانية لحكم غريب عنهم ».

وهذا حق، فإنه لأمر مستحيل أن نلغي القهر القومي (أو أي قهر سياسي آخر) في ظل الرأسمالية ما دام ثمة حاجة لألغاء الطبقات أعني ما دام الأمر يستلزم تطبيق الاشتراكية، بيد أن الاشتراكية لا يمكن ردها إلى الجوانب الاقتصادية وحدها لأنها تقوم على أسس اقتصادية. إن الانتاج الاشتراكي كأساس للمجتمع شرط ضروري لالغاء القهر القومي بيد أن هذا الأساس يجب أيضا أن ينبني فوقه دولة منظمة تنظيما ديموقراطيا وجيش ديموقراطي… الخ. ومع تحول الرأسمالية إلى اشتراكية تصبح البروليتاريا قادرة على خلق الامكانية للقضاء على القهر القومي.

وتصير الامكانية حقيقة واقعة “فقط” – وأقول هنا “فقط” – عندما نرسي دعائم الديموقراطية الكاملة في كل المجالات بما في ذلك تخطيط حدود الدولة حسب “المشاعر الوجدانية” للسكان ومعها الحرية الكاملة في الانفصال. وهذا بدوره سيفيد كأساس لضمان القضاء عمليا على أوهى أسباب الشقاق القومي وأقل مظاهر عدم الثقة القومية حتي تتهيأ كل الظروف الممكنة للتعجيل بتلاحم الأمم وتداخلها وهو ما سوف يتم انجازه بعد أن تتلاشي الدولة، هذه هي النظرية الماركسية وهي النظرية التي انحاز عنها خطأ زملاؤنا البولنديون.

2- هل الديموقراطية “ممكنة عمليا” في ظل الامبريالية؟

إن المناظرة القديمة التي قادها الاشتراكيون الديموقراطيون البولنديون ضد مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها إنما ترتكز أولا وأخيرا على حجتهم القائلة بأن هذا المبدأ “غير ممكن تطبيقه عمليا” في ظل الرأسمالية. وأذكر أننا نحن مؤيدو صحيفة ايسكرا سخرنا في عام 1903 من هذه الحجة وذلك في برنامج بعثة المؤتمر الثاني لحزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي وقلنا آنذاك أنها ترديد لمحاولة تشويه الماركسية التي كان يعظ بها الاقتصاديون (المأسوف عليهم لوفاتهم). وقد تناولنا هذا الخطأ في رسالتنا بتفصيل كبير، وركزنا على هذه النقطة بالتحديد التي تحتوي على الجوهر النظري لكل القضية موضع النزاع وهي أن الرفاق البولنديين لم يكونوا راغبين (أو ربما لم يكن في استطاعتهم) أن يجيبوا على حجة من حججنا.

إن البرهنة على الاستحالة الاقتصادية لمبدأ حق تقرير المصير قد يتطلب تحليلا اقتصاديا مثل ذلك التحليل المستخدم للبرهنة على تعذر إلغاء الآلات أو تطبيق نظام الأجور ونحن لا نعثر على إنسان حاول عمل مثل هذا التحليل. ولن نجد منه ما يدلل على أنه كان من الممكن تطبيق نظام الأجور استثناء في ظل الرأسمالية حتي ولو أتخذ بلدا واحدا مثالا لذلك، وينهج في تدليله نفس النهج الذي يدلل فيه على أنه كان في مقدور بلد واحد صغير أن يحقق – استثناء – مبدأ حق تقرير المصير غير الممكن عمليا دون ثورة أو حرب في عصر الامبريالية المحموم (النرويج 1905).

ونقول بوجه عام أن الديموقراطية السياسية ليست سوى أحد الأشكال الممكنة لبناء علوي يعلو النظام الرأسمالي (رغم أنها نظريا الشكل السوي للرأسمالية “الخالصة”). وتشهد الوقائع بأن كلا من الرأسمالية والامبريالية تتطوران داخل إطار أي شكل سياسي وتخضعهم جميعا لها. ولهذا يصبح خطأ نظريا أساسيا الحديث عن “تعذر” أحد الأشكال أو عدم امكانية مطلب من مطالب الديموقراطية.

ونحن لا نجد إجابة لزملائنا البولنديين على هذه الحجج.

ويضطرنا هذا إلى اعتبار المناقشة منتهية بالنسبة لهذه النقطة.

ولتوضيح الأمر بصورة بارزة اتخذنا هذا القرار الملموس والمعين لأقصي حد وهو أنه سيكون من “المضحك” أن ننكر “الامكانية العملية” لانقاذ بولندا اليوم وأن نبقي عليها تابعة وأسيرة الجوانب الاستراتيجية وغيرها للحرب الراهنة. ولم يأتنا الرد!!

قنع الرفاق البولنديين يترديد قضية خطؤها واضح للعيان، (الفصل الثاني – جـ 1) وهي القضية القائلة «إنه فيما يتعلق بمسائل ضم الأراضي الأجنبية يطرح الناس جانبا أشكال الديموقراطية السياسية، وأن القوة الغاشمة هي الحاسمة… ورأس المال لن يسمح للشعب بحسم مسألة حدود دولتهم ..» كأن “رأس المال” في مقدوره أن “يسمح للناس” بانتقاد خدمه المدنيين خدم الامبريالية أو كأن القرارات الخطيرة بشأن المسائل الديمقراطية الهامة مثل تأسيس جمهورية بدلا من الملكية أو ميليشيا بدلا من جيش نظامي كانت كلها بوجه عام قضايا يمكن تصورها بدون “قوة غاشمة”. إن الرفاق البولنديين يريدون ذاتيا “تعميق” الماركسية ولكن الفشل التام يلاحقهم. كما أن عباراتهم عن “عدم الامكانية العملية” هي موضوعيا اتجاه انتهازي ذلك لأن رأيهم المفهوم ضمنا هو: هذا “غير ممكن عمليا” بدون سلسلة من الثورات تماما أن الديمقراطية ككل وجميع متطلباتها مأخوذة معا، غير ممكنة فعليا في ظل الامبريالية.

وتخلي الزملاء البولنديون مرة واحدة فقط في خاتمة الفصل الثاني جـ 1 وأثناء مناقشتهم لقضية الألزاس، تخلوا عن الموقف الاقتصادي الامبريالي وتناولوا مشكلة أحد أشكال الديمقراطية وقدموا عنها إجابة محددة وملموسة دون إشارات عامة إلى “الجانب الاقتصادي”. وكانت هذه الطريقة في تناول الموضوع هي الطريقة الخاطئة على وجه التحديد. لقد قالوا في هذا الصدد «سيكون موقفنا ذاتيا وغير ديمقراطي لو حاول بعض الألزاسيين أن يفرضوا على الفرنسيين، ودون استشارتهم، إتحادا مع الألزاس رغم أن أجزاء من الألزاس تشرف عليه ألمانيا وكان هذا أحد العوامل التي تهدد بنشوب حرب!!»

والخلط هنا يدعو للضحك: حق تقرير المصير يفترض مقدما (وهذا بديهي وسبق أن أوليناه عناية خاصة في رسالتنا) حرية الانفصال عن الدولة القاهرة. بيد أن الواقع هو أن الاتحاد مع دولة ما يفترض مقدما قبول تلك الدولة وهذا “ما لم يجر العرف” على ذكره في السياسة مثلما لا يذكر أيضا في الاقتصاد “قبول” أحد أصحاب رؤوس الأموال لتسلم الأرباح أو “قبول” عامل لتسلم الأجر! إنه لمضحك حقا مجرد الحديث عن مثل هذا الموضوع.

لو أراد شخص أن يكون سياسيا ماركسيا إذن لأصبح واجبا عليه حي يتعرض للحديث عن الألزاس أن يهاجم المحتالين الاشتراكيين الألمان لأنهم لم يكافحوا من أجل حرية الألمان في الانفصال، ويهاجم المحتالين الاشتراكيين الفرنسيين لتهادنهم مع البرجوازية الفرنسية التي تسعي لضم كل الالزاس قسرا – وكلاهما يفعل ذلك لخدمة امبريالية “بلدهم” وخشية قيام دولة منفصلة مهما كانت صغيرة – وتصبح المشكلة هي أن نوضح كيف يحل الاشتراكيون الذين يقرون حق تقرير المصير المشكلة في أسابيع قليلة دون الوقوف ضد إرادة الألزاسيين. ونخرج من هذا أن الخطر الرهيب من جانب “الالزاسيين الفرنسيين” الذين “يفرضون أنفسهم قسرا” على فرنسا إنما هو جوهرة حقيقية.

3- ما هو الضم؟

أثرنا هذا السؤال بصورة محددة للغاية في رسائلنا (فصل 7) * ولم يجب الرفاق البولنديين عليه: 1) تحاشوه مؤكدين: أنهم ضد سياسة الضم، 2) وأوضحوا لماذا هي ضدها. حقا إنها مسائل هامة جدا، ولكنها مسائل من نوع آخر. بيد أننا لو اردنا لمبادئنا أن تكون سليمة تماما من الناحية النظرية وأردنا لها الوضوح والدقة في الصياغة فليس لنا أن نتحاشي السؤال: ما هو الضم؟ حيث أن هذا المفهوم مستخدم في دعايتنا واثارتنا السياسة. إننا لا نستطيع أن نفسر تجنب رفاقنا هذا السؤال في حوار دائر بيننا وبينهم إلا بأنه تخل عن الموقع من جانبهم.

لماذا أثرنا هذا السؤال؟ لقد أوضحنا السبب عندما أثرناه.

وهو أن «أي احتجاج ضد عمليات الضم لا يعني سوى الاعتراف بحق تقرير المصير». ومفهوم الضم يعني عبارة:

1) القوة (استخدام القوة لضم البلدان).

2) القهر من جانب أمة أخرى (إلحاق مناطق “غريبة”..الخ.) وأحيانا.

3) مفهوم انتهاك الوضع القائم. وسبق أن وضحنا هذا في رسالتنا ولم ينتقده أحد.

هل لنا أن نسأل السؤال التالي: هل يستطيع الاشتراكيون الديموقراطيون أن يقفوا ضد استخدام القوة بوجه عام؟ لا بكل وضوح. فهذا يعني أننا ضد عمليات الضم لا لأنها تتضمن القوة ولكن لسبب آخر. كما لا يستطيع الاشتراكيون الديموقراطيون أن يؤيدوا كذلك الوضع القائم. بيد أنك تستطيع أن تلوي وتحور المعاني: الضم انتهاك لمبدأ حق الأمة في تقرير مصيرها، إنه تأسيس لحدود الدولة بما يتعارض مع ارادة السكان.

والوقوف ضد سياسة الضم يعني تأييد مبدأ حق تقرير المصير. كما أن الوقوف ضد الاحتواء القهري لأي أمة داخل حدود دولة معينة هو نفس الشيء، إذ يعني تأييد مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها. (استخدمنا عن عمد هذه الصياغة المحورة تحويرا طفيفا لنفس الفكرة الواردة في الفصل الرابع من رسالتنا * وأجاب الرفاق البولنديون علينا إجابة واضحة تماما في مستهل الفصل الأول والرابع وقالوا أنهم «ضد الأحتواء القهري للأمم المقهورة داخل حدود الدولة صاحبة السيادة».

ونحن لا نريد أن نجادل حول الألفاظ. فإذا كان ثمة حزب يقول في برنامجه (في قرار ملزم له، فالشكل لا يعنينا) أنه ضد عمليات الضم ** أي ضد الاحتواء القهري للأمم المقهورة داخل حدود دولته، فإننا نعلن موافقتنا الكاملة من حيث المبدأ مع هذا الحزب، ومن ثم يكون من العبث الاصرار على عبارة “حق تقرير المصير” بشكلها اللفظي. وإذا كان ثمة أناس في حزبنا يريدون تغيير الألفاظ، وهم أولئك الذين يريدون تعديل المادة التاسعة من برنامج حزبنا، فإننا سنعتبر خلافاتنا مع مثل هؤلاء الرفاق خلافا في المبدأ ولا شيء آخر!

إن الشيء المهم هو الوضوح السياسي والسلامة النظرية لشعاراتنا.

في مناقشاتنا اللفظية حول هذه المشكلة – والتي لا ينكر أهميتها أحد خاصة الآن بالنسبة للحرب – واجهتنا الحجة التالية (لم نتعرض لها في الصحافة): الاحتجاج ضد شر معروف لنا لا يعني بالضرورة التسليم بمفهوم وضعي يمنع هذا الشر. وهذه حجة لا أساس لها ويبدو أن أحدا لم يتعرض لها في الصحافة لهذا السبب. فلو أن حزبا اشتراكيا يعلن أنه «ضد الاحتواء القهري لأمة مقهورة داخل حدود دولة قاهرة» فإنه بذلك يصبح ملتزما برفض فكرة الاحتواء القهري عندما يتولي هذا الحزب مقاليد السلطة.

ونحن لا يراودنا شك للحظة واحدة في أن هندنبرج لو استطاع أن ينجز غدا الغزو الجزئي لروسيا وإن هذا الغزو الجزئي سيؤدي إلى قيام دولة بولندية جديدة (وفقا لرغبة بريطانيا وفرنسا بقصد إضعاف القيصرية إلى حد ما) وهو شيء ممكن محليا من وجهة نظر القوانين الاقتصادية والامبريالية، ولو أن الثورة الاشتراكية قدر لها فيما بعد غد أن تنتصر في بتروجراد فإن برلين ووارسو والحكومة الاشتراكية البولندية وبالمثل الحكومة الروسية والولايات الاشتراكية الألمانية ستنبذ جميعها “الاحتواء القهري” لأوكرانيا مثلا “داخل حدود الدولة البولندية”. ولو كانت تلك الحكومة تضم أعضاء اسرة تحرير مجلة “جازيتا روبوت نيزا فإنهم دون شك سيقدمون “رسائلهم تلك” قربانا، ومن ثم يقيمون الدليل على بطلان “النظرية” القائلة «أن حق تقرير المصير غير ممكن تطبيقه في مجتمع اشتراكي». ولو أننا كنا نفكر على نحو آخر فما كان ينبغي لنا أن ندير حوارا رفاقيا مع الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين وإنما كان الأجدر أن نخوض ضدهم صراعا ضاريا باعتبارهم شوفينيين.

لنفترض أنني اضطررت يوما إلى الخروج في طرقات أي مدينة أوروبية لأصدر “احتجاجا” عاما، سبق لي أن نشرته في الصحافة، ضد منعي من شراء رجل اتخذه عبدا لي. لا ريب في أن الناس سيكون لهم الحق في أن ينظروا لي باعتباري مال عبيد، وبطلا مؤمنا بهذا المبدأ أو النظام في نظر من يحب العبودية. ولن ينخدع أحد بحقيقة أن عواطفي عبرت عنها بصورة سلبية في شكل احتجاج وليس صورة ايجابية (أنا مع العبودية). إن “الاحتجاج” السياسي مرادف تماما للبرنامج السياسي، هذا واضح تماما حتي أني أشعر بحرج في توضيحه.

علي أية حال فنحن مقتنعون تماما من أننا لن نجد أي احتجاج من جانب الجناح اليساري للتسمر فالد – نحن هنا لا نتكلم عن التسيمر فالد ككل نظرا لأنه يضم مارتوف وآخرين من أتباع كاوتسكي – ولو أننا نقول لن يكون ثمة مكان في الأممية الثالثة لأناس قادرين على فصل الاحتجاج السياسي عن البرنامج السياسي، أو المقابلة بين هذا وذاك.. الخ.

إننا لا نريد المجادلة حول الألفاظ ولذلك سنسمح لأنفسنا أن نفترض حسن النية ونقول إن الاشتراكيين الديمقراطيين سيحاولون عاجلا تقديم اقتراح رسمي بحذف المادة التاسعة من برنامج حزبنا (وهي مادة ضمن برنامجهم أيضا) ومحوها أيضا من برنامج الأممية (قرار مؤتمر لندن عام 1896) ويقترحون بالمثل محو تعريفهم هم للمفاهيم السياسية الثابتة عن “عمليات الضم الجديدة والقديمة” و”الاحتواء القهري لأمة مقهورة داخل حدود الدولة القاهرة”.

ولننتقل الآن إلى السؤال التالي.

4- هل نحن مع سياسة ضم البلاد أم ضدها؟

في الباب الثالث من الجزء الأول يعلن الرفاق البولنديون بصورة محددة للفغاية أنهم ضد أي شكل من أشكال الضم. بيد أننا لسوء الحظ نطالع في الباب الرابع من نفس هذا الجزء المذكور تأكيدا لا يسعنا أن ننظر إليه باعتباره تأكيدا لسياسة الضم. أنه يبدأ بتلك العبارة الغريبة … ولست أدري كيف أصوغها بصورة مخففة؟ :

« إن نقطة البدء في نضال الحزب الاشتراكي الديمقراطي ضد عمليات الضم، وضد اغتصاب الشعوب المقهورة واحتوائها داخل حدود الدولة الغاصبة هي نبذ كل أشكال الدفاع عن أرض الآباء (الخط من وضع المؤلف) ذلك لأن فكرة الدفاع هذه تعني في مرحلة الامبريالية الدفاع عن حقوق الطبقة البرجوازية في هذه الدولة لقهر ونهب الشعوب الأجنبية. »

ما معني هذا؟ وكيف صاغوها؟

«نقطة البدء في النضال ضد سياسة الضم هي نبذ أي شكل من أشكال الدفاع عن أرض الآباء…» ولكن أي حرب وطنية بل وأي ثورة وطنية يمكن تسميتها “دفاعا عن أرض الآباء”؟

ومازالت حتي الآن تعرف بوجه عام على هذا النحو! إننا ضد سياسة الضم ولكن.. هل نعني بهذا أننا ضد الدولة المستعمرة حين تخوض حربا للتحرر من الدولة التي اغتصبتها، وأننا ضد الدولة المغتصبة حين تثور لتحرير نفسها من ربقة أولئك الذين اغتصبوها! أليس هذا إعلانا يؤمن بسياسة الضم القهري؟

إن أصحاب هذا الاتجاه يعززون دعواهم الغريبة بقولهم أن الدفاع عن أرض الآباء “في عصر الامبريالية” ينتهي إلى الدفاع عن حق الطبقة البرجوازية الغاصبة في قهر الشعوب الأجنبية. وهذا قول حق ولكن فقط بالنسبة لحرب امبريالية أي بالنسبة لحرب بين قوتين امبرياليتين أو مجموعة من القوي وذلك لأن كلا من القوي المتحاربة لا تهدف فقط إلى قهر “الشعوب الاجنبية” بل إنها أيضا تخوض حربها هذه لتحسم وتحدد من سوف يستحوذ على النصيب الأكبر من قهر الشعوب الأجنبية!

ويبدوا لي أن أصحاب هذا الرأي يعرضون قضية “الدفاع عن أرض الآباء” على نحو مخالف تماما للطريق التي يعرضها بها حزبنا. إننا نرفض “الدفاع عن أرض الآباء” في حرب امبريالية. وقد قيل هذا الرأي بوضوح لا مزيد عليه في بيان اللجنة المركزية لحزبنا كما أعيد طبعه ضمن قرارات مؤتمر برن * في كتيب “الاشتراكية والحرب” والذي صدر في كل من ألمانيا وفرنسا. وأكدنا هذا الرأي مرتين في رسالتنا “هوامش الفصل الرابع والسادس” ** ويبدوا أن مؤلفي الرسائل البولندية ينبذون الدفاع عن أرض الآباء “بوجه عام” أي بالنسبة لحرب وطنية بالمثل، وربما اعتقادا منهم بأن الحروب الوطنية مستحيلة في “عصر الامبريالية”، ونحن نقول “ربما” لأن الرفاق البولنديين لم يفصحوا عن هذا الرأي في رسائلهم.

بيد أن رأيا كهذا نجده معروضا بوضوح تام في رسائل المجموعة الألمانية الأممية وفي كتيب جونيوس حيث تناول هذه الفكرة في مقال خاص بها ***. ويحسن بنا أن نلاحظ، بالاضافة إلى ما يبق قوله، أن الثورة الوطنية لي بلد أو منطقة مغتصبة ضد الدولة الغاصبة يمكن تسميتها على وجه الدقة ثورة وليست حربا (لقد سمعنا هذا الاعتراض هناك ومن ثم فإننا نذكره هنا رغم أن هذا الاختلاف اللفظي ليس في رأينا خلافا جديا وخطيرا).

وعلي أية حال فإننا لن نجد من يغامر ويجرؤ على إنكار بلجيكا والصرب وغاليسيا وأرمينيا ستسمى “ثورتهم” ضد الدول التي أغتصبتهم “دفاعا عن أرض الآباء” وسوف يفعلون هذا وهم على حق فيه تماما. أخال هنا وكأن الرفاق البولنديين يناوئون هذا النوع من الثورات على أساس أن ثمة أيضا طبقة برجوازية في داخل تلك البلاد المغتصبة والتي أيضا تقهر شعوبا أجنبية أو، بعبارة أكثر تحديدا، قادرة على قهرهم مادامت المسألة هي “حق القهر”. ونتيجة لذلك فإن مثل هذه الحرب أو الثورة لا تقوم على أساس قوة محتواها الحقيقي (نضال أمة مقهورة كي تتحر من ربقة دولة قاهرة) وإنما على أساس إمكانية ممارسة “حق القهر” من جانب طبقة برجوازية لا تزال هي نفسها طبقة مقهورة. فلو كانت ألمانيا فرضا اغتصبت بلجيكا وضمت أراضيها إليها عام 1917 وثارت بلجيكا عام 1918 لتحرير نفسها فإن الرفاق البولنديين سيقفون ضد ثورتها هذه على أساس أن البرجوازية البلجيكية تملك “حق قهر الشعوب الاجنبية؟”.

إن حجة كهذه عاطلة تماما من أي روح ماركسية بل وثورية. واذا كنا لا نريد ان نخون الاشتراكية اذن لأصبح لزاما علينا ان نعضد كل ثورة ضد عدونا الرئيسي وهو برجوازية الدول الكبرى بشرط الا تكون تلك الثورة ثورة طبقة رجعية، ذلك لأننا لو رفضنا مساندة ثورة المناطق المغتصبة فاننا نصبح موضوعيا مؤمنين بسياسة الاغتصاب والضم. واليوم وفي عصر الامبريالية على وجه التحديد وهو عصر الثورة الاشتراكية الوليدة، يكون لزاما على البرولسيتاريا ان تساند بقوة أي ثورة مكن جانب المناطق المغتصبة و حتي يتسني لها غدا أو في الوقت نفسه أن تجهز على برجوازية القوة “العظمى” التي أنهكتها الثورة.

ولكن الرفاق البولنديين يمنعون رغم كل هذا في اتجاههم الذي يؤمن بالضم والاغتصاب ويخطون خطوات أبعد من ذلك. انهم لا يناوئون فقط أي ثورة من جانب المناطق المغتصبة بل هم أيضا ضد أي محاولة تقوم بها تلك المناطق لاستعادة استقلالها حتي ولو كانت محاولة سلمية. استمعوا إلى هذه العبارة :

« إن الاشتراكية الديمقراطية ترفض أن تتحمل أي مسئولية تترتب على سياسة القهر التي تمارسها الامبريالية، وهي في قيادتها للنضال الحاد ضد هذه السياسة، لا تفضل بأي حال من الاحوال بناء معالم جديدة للحدود داخل أوروبا أو إعادة بناء تلك المعالم التي اجتاحتها الامبريالية (الخط من المؤلف).

ولقد اجتاحت الامبريالية اليوم معالم الحدود القائمة بين ألمانيا وبلجيكا وبين الروسيا وغاليسيا. ومن ثم ينبغي على الاشتراكية الديمقراطية الأممية، وأستمحيكم عذرا في هذا، أن تعارض أي محاولة لإعادة قيامها من جديد، ومهما كانت تلك الوسيلة. ففي عام 1905 “أي في عصر الامبريالية” وعندما أعلن مجلس البرلمان المستقل للنرويج انفصال بلاده عن السويد ولم تحدث حرب بين الدولتين تلبية لنداء وعظة القوي الرجعية السويدية فماذا كان الموقف الامبريالي العالمي – أحسب أن الاشتراكية الديمقراطية كان ينبغ عليها أن تقف ضد انفصال النرويج حيث أن هذا يعني دون ريب “بناء حدود جديدة في أوروبا”!

إن هذا الاتجاه يؤمن في صراح ووضوح بسياسة الضم والاغتصاب. ولسنا بحاجة إلى تفنيده ذلك لأنه يفند نفسه بنفسه. وليس ثمة حزب اشتراكي يرتضي لنفسه هذا الموقف: «نحن نعارض سياسة الضم بوجه عام، ولكننا نباركها في أوروبا أو نسمح بها ونقبلها إذا ما حدثت».

كل ما نريده هو أن نتناول المصادر النظرية لهذا الخطأ الذي قاد رفاقنا البولنديين إلى مثل هذه “الاستحالة” الواضحة. وسوف نوضح فيم بعد لماذا لا نري استثناء بالنسبة لأوروبا. والعبارتان التاليتان من الرسائل ستكشفان عن المصادر الأخرى لذلك الخطأ:

« حينما دارت عجلة الامبريالية وسحقت تحتها دولة رأسمالية ناشئة ومكتملة فإن التمركز السياسي والاقتصادي للعالم الرأسمالي الذي يمهد في هذه الاثناء الطريق إلى الاشتراكية يتم في أبشع صور القهر الامبريالي… »

إن هذا التبرير لسياسة الضم ليس من الماركسية في شيء وإنما هو اتجاه ستروفي. إن الاشتراكيين الديمقراطيين الروسيين الذين يذكرون أحداث عام 1890 يعرفون جيدا هذا الأسلوب في تشويه الماركسية وهو أسلوب مألوف لدي كل من ستروف وكاناو وليجيين وشركاهم.

وفي موضع آخر من الرسائل الرفاق البولنديين (الباب الثاني – الفصل – 3) نقرأ الحديث التالي عمن يسمونهم “الامبرياليين الاشتراكيين” وهو حديث صيغ خصيصا عن أتباع ستروف الألمانيين:

« (إن شعار تقرير المصير) حين يكشف عن طبيعته الوهمية إنما يهيئ الفرصة للامبرياليين الاشتراكيين لتصوير نضالنا ضد القهر الوطني كاتجاه عاطفي ليس له أساس تاريخي ومن ثم فإنه يقوض دعائم ايمان البروليتاريا في صواب البرنامج الاشتراكي الديمقراطي على أساس علمي…»

معني هذا أن أصحاب هذا الرأي يعتبرون وضع الاستروفيين الألمان وضعا “علميا”! تهانينا لهم.

بيد أن حدثا واهيا كفيل بأن يسقط هذه الحجة المذهلة التي تهدد بالكشف عن صواب موقف أتباع لينش وكاناو وبارفوس بالنسبة إلى موقفنا: ذلك أن أتباع لينش لهم فكرهم المتسق مع منهجهم، ففي العددين 8، 9 من المجلة السوفيتية الألمانية (جلوك) – وقد ذكرنا هذا عامدين في كتابنا – يبرهن لينش في وقت واحد على أن شعار تقرير المصير خطأ علمي (واضح ان الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين يعتقدون بعصمة هذه الحجة التي يسوقها لينش وهو ما يبدو جليا في حججهم التي ساقوها في الفقرات التي ذكرناها) كما يبرهن على أن شعار معارضة سياسة الضم “خاطئ علميا”!

إن لينش يفهم على نحو رائع وممتاز تلك الحقيقة البسيطة التي أوضحناها للرفاق البولنديين الذين لم يكشفوا عن رغبتهم في الرد على كلامنا: فليس ثمة فارق “سياسي أو اقتصادي” بل ومنطقي بين “الاعتراف” بحق تقرير المصير و”الاحتجاج” ضد سياسة الضم. فلو أن الرفاق البولنديين ينظرون إلى حجج أتباع لينش ضد حق تقرير المصير باعتبارها حججا دامغة فثمة حقيقة واحدة يلزم التسليم بها: ذلك أن أتباع لينش أنفسهم يسوقون كل هذه الحجج لمعارضة النضال ضد سياسة الضم.

إن الخطأ النظري الذي ترتكز عليه كل حجج رفاقنا البولنديين قد قادهم إلى نقطة أصبحوا فيها دعاة متناقضين لسياسة الضم.

5- لماذا يقف الاشتراكيون الديمقراطيون ضد سياسة الضم؟

في رأينا أن الاجابة على هذا السؤال واضحة ؟

ذلك لأن سياسة الضم تخالف حق الشعوب في تقرير مصيرها أو أنها بعبارة أخرى هي صورة من صور القهر القومي.

وفي رأي الاشتراكيين الديمقراطييت البولنديين أنه لابد من تقديم توضيحات خاصة تفسر لماذا نعارض سياسة الضم، وهذه التوضيحات (1 – 3 من رسائلهم) هي التي أوقعت بالضرورة أصحاب هذا الرأي في سلسلة أخرى من التناقضات.

إنهم يقدمون سببين لتبرير معارضتنا لسياسة الضم (رغم الحجج “الصادقة علميا” التي يسوقها أتباع لينش).

أولا: «في مقابل التأكيد بأن سياسة الضم في أوروبا لازمة لتحقيق الأمن العسكري لدولة امبريالية مظفرة يضع الاشتراكيون الديمقراطيون حقية أخرى وهي أن سياسة الضم تفيد فقط في زيادة حدة التطاحن ومن ثم تؤدي إلى زيادة خطر الحرب …»

وهذا رد غير كاف على أتباع لينش ذلك لأن حجتهم الرئيسية ليست هي أن سياسة الضم ضرورة عسكرية بل هي سياسة اقتصادية تقدمية وهي تعني التمركز في ظل النظام الامبريالي. أين المنطق هنا إذا كان الاشتراكيون الديمقراطيون يسلمون بالطبيعة التقدمية لمثل هذا التمركز حين يرفضون إعادة بناء معالم الحدود في أوروبا وهي الحدود التي اجتاحتها الامبريالية ويقفون في الوقت نفسه ضد سياسة الضم؟

ثم هناك سؤال بعد ذلك وهو: أي نوع من الحروب الذي يزداد خطره بسبب عمليات الضم؟ ليست حروبا امبريالية، ذلك لأن الحروب الامبريالية لها أسباب أخرى. إن عوامل التطاحن الرئيسية في الحرب الامبريالية الراهنة هي دون ريب تلك التطاحنات القائمة بين ألمانيا وبريطانيا وبين ألمانيا والروسيا. وهذه التطاحنات لا علاقة لها البتة بسياسة الضم. إن الخطر الذي يزداد هنا هو خطر الحروب الوطنية والثورات الوطنية. ولكن كيف يتسنى لإمرئ أن يعلن ان الحروب الوطنية مستحيلة من ناحية “في عصر الامبريالية” ثم يتحدث عن “خطر” الحروب الوطنية من ناحية أخرى؟ هذا حديث غير منطقي.

الحجة الثانية: إن عمليات الضم «تخلق هوة بين بروليتاريا الأمة الحاكمة وبروليتاريا الأمة المقهورة.. ومن ثم سوف تتحد بروليتاريا الأمة المقهورة مع طبقتها البرجوازية وينظر كلاهما إلى بروليتاريا الأمة الحاكمة باعتبارها عدوا لهما. وبدلا من أن تخوض البروليتاريا صراعا طبقيا أمميا ضد البرجوازية العالمية فإنها ستتفكك وتفسد أيديولوجيا …»

إننا نتفق تماما مع هذه الحجج، ولكن هل من المنطق أن نسوق في آن واحد حجتين حول قضية واحدة وكل منهما تلغي الأخرى. فنحن نطالع في الفصل الثالث من الجزء الأول للرسائل الحجج السالفة والتي تري أن سياسة الضم تسبب تفككا بين صفوف البروليتاريا ثم يطلب منا بعد ذلك مباشرة في الفصل الرابع أن نعارض إلغاء عمليات الضم التي تمت في أوروبا وتؤثر عليها «تعليم جماهير العمال في كل من الدولتين القاهرة والمقهورة بروح التضامن النضالي». إذا كان إلغاء عمليات الضم هو إتجاه عاطفي رجعي، إذن يلزم بالضرورة ألا نقول بأن عمليات الضم تخلق “هوة” بين قطاعات “البروليتاريا” وتسبب تفككا وإنما ينبغي على العكس من ذلك أن ننظر إليها باعتبارها شرطا لجمع شمل بروليتاريا الأمم المختلفة.

إننا نقول: لكي نملك القدرة على انجاز الثورة الاشتراكية والإطاحة بالبرجوازية يجب أن يتحد العمال وتلتئم صفوفهم أكثر فأكثر وأن هذا الاتحاد الوثيق إنما يتأكد من خلال الصراع من أجل حق تقرير المصير، أعني الصراع ضد عمليات الضم. ونحن هنا نتخذ موقفا متسقا. ولكن الرفاق البولنديين الذين يزعمون بأن عمليات الضم التي تمت في أوروبا «غير مقبول إزالتها» وان الحروب الوطنية «مستحيلة» فإنهم يهزمون أنفسهم حين يقفون ضد عمليات الضم مستخدمين في ذلك حججهم عن الحروب الوطنية! ذلك لأن هذه الحجج تؤدي إلى أن تعوق عمليات الضم التمازج والتقارب بين عمال الأمم المختلفة!

وبعبارة أخرة فإن الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين حين يريدون مناوأة الضم يصبح لزاما عليهم أن يستخرجوا من مخزونهم النظري حججا هم أنفسهم يرفضونها من حيث المبدأ.

إن مشكلة المستعمرات ستوضح هذا أكثر.

6- هل من الصواب أن نقابل بين “أوروبا” والمستعمرات في المشكلة الراهنة؟

تقول رسائلنا أن مطلب التحرر الثوري للمستعمرات إنما هو مطلب “غير عملي” (بمعني أنه لا يمكن أن يتحقق دون عدد من الثورات ولا يمكن أن يتوفر له الاستمرار بدون الاشتراكية) في ظل الرأسمالية مثله في ذلك مثل الشعوب في تقرير مصيرها وانتخاب موظفي الدولة المدنيين والجهورية الديمقراطية… الخ. ثم تضيف أكثر من ذلك أن مطلب تحرير المستعمرات ليس أكثر من «الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها».

إن الرفاق البولنديين لم يجيبوا على حجة واحدة من تلك الحجج، ولكهم حاولوا أن يمايزوا بين “أوروبا” والمستعمرات. فهم بالنسبة لأوروبا وحدها تحولوا إلى دعاة لسياسة الضم ومتناقضين مع أنفسهم وذلك برفضهم إزالفة أي عملية من عمليات الضم التي حدثت، أما بالنسبة للمستعمرات فإنهم يطلبون مطلبا مطلقا وغير مشروط «أخرجوا من المستعمرات!».

ويجب على الاشتراكيين الروس أن يتقدموا بالمطلب التالي: «أخرجوا من تركستان وخيفا وبحاري… الخ.» ولكن ثمة زعم بأنهم سيتهمون “بالطوباوية” و”العاطفية غير العلمية” وغير ذلك من تهم إذا ما طالبوا بالمثل بحرية بولندا وفنلندا وأوكرانيا وغيرها في الإنفصال. ويجب على الاشتراكيين البريطانيين أن يتقدموا بالمطلب التالي «أخرجوا من إفريقيا والهند واستراليا» وليس من ايرلندا. ولكن ما هي الأسس النظرية التي يرتكز عليها تمايز زائف كهذا؟ إن مشكلة كهذه لا يمكن تجنبها.

الحجة الأساسية لتلك المطالب المعارضة لحق تقرير المصير هو أنها “غير عملية”. وقد عبروا عن هذه الفكرة نفسها ولكن بنغمة أخرى حين أشاروا إلى “التمركز السياسي والاقتصادي”.

من الواضح أن التمركز يحدث أيضا مع ضم المستعمرات. وكان هناك قبل ذلك تمايز اقتصادي بين المستعمرات والشعوب الأوروبية – أو على الأقل أغلبية الشعوب الأوروبية – ذلك أن المستعمرات تحولت إلى سلعة للتبادل وليس نتاجا رأسماليا.

وقد غيرت الامبريالية من هذا الوضع. إن الامبريالية هي تصدير رأس المال فضلا عن أمور أخرى. ولقد انتقل الانتاج الرأسمالي إلى المستعمرات بسرعة متزايدة ولا سبيل إلى إنقاذها من الاعتماد على الاقتصاد الأوروبي الرأسمالي. وإذا نظرنا إلى هذا الوضع من وجهة النظر العسكرية والتوسع معا فإن القاعدة العامة هي أن انفصال المستعمرات ممكن وعملي فقط في ظل الاشتراكية. أما في ظل الرأسمالية فإنه ممكن وعملي استثناء – عن طريق سلسلة من الثورات تتحمل عبئها المستعمرات والبلدان المستعمرة، (المتروبوليتان).

إن الجزء الأكبر من البلدان التابعة في أوروبا هي من الناحية الرأسمالية أكثر تقدما من المستعمرات (رغم أنها كلها ليست كذلك) ربما كان الاستثناء ألبانيا وكثير من الشعوب غير الروسية في روسيا، بيد أن هذا هو السبب عينه الذي يولد مقاومة أعظم للقهر القومي وسياسة الضم! ولهذا السبب على وجه التحديد فإن تطور الرأسمالية أكثر أمنا وضمانا في أوروبا وتحت أي ظروف سياسية بما في ذلك الانفصال على غير الحال بالنسبة للمستعمرات.

ويقول الرفاق البولنديين عن المستعمرات (الجزء 1 فصل 4) «الرأسمالية هناك ما زالت تواجه بمهمة تطوير قوي الانتاج تطويرا مستقلا.» وهذا ما نلاحظه بصورة أوضح في أوروبا! فالرأسمالية دون ريب تعمل على تطوير قوي الانتاج بصورة أكثر قوة وسرعة واستقلالا في بولندا وفنلندا وأوكرانيا والألزاس على عكس الهند وتركستان ومصر وغيرها من المستعمرات. فليس من المستطاع وجود تطور مستقل أو أي نوع من أنواع التطور بدون رأسمال في المجتمعات التي يقوم الانتاج فيها على إنتاج السلع الاستهلاكية أما في أوروبا فإن البلدان المستقلة تملك رأسمالها الخاص كما أن توفير رأس المال فيها أمر ميسور إلى حد كبير هذا على عكس المستعمرات إذ أنها لا تملك رأس مال خاصا بها وليس هناك من يتحدث بلسانها فضلا عن أن مستعمرة من المستعمرات لا يتيسر لها في ظل التمويل الرأسمالي أن توفر لنفسها رأس مال خاصا بها إلا تحت شروط سياسية مذلة تؤكد خضوعها. إذن، وإزاء هذا كله، ما معني المطالبة الفورية وغير المشروطة لتحرير المستعمرات؟ أليس من الواضح أنه مطلب أكثر “طوباوية” بالمعني المبتذل و”الماركسي” لهذه الكلمة و”طوباوي” بالمعنى الذي يستخدمه أتباع ستروف وكاناو والرفاق البولنديون الذين يقتفون أثرهم لسوء الحظ؟ إن أي انحراف عن المعني العام والدارج يسمونه اتجاها طوباويا مثلما يسمون أي شيء ثوريا، بيد أن الحركات الثورية على اختلاف صورها – بما في ذلك الحركات القومية – هي في أوروبا أقوى وأيسر وأمنع وأكثر إمكانية منها في المستعمرات.

يقول الرفاق البولنديون (جزء 1 فصل 3) «سيكون في مقدور الاشتراكية أن تمنح شعوب المستعمرات المتخلفة مساعدة ثقافية نزيهة دون السيطرة عليهم.» وهذا حق تماما. ولكن ما هي الأسباب التي تدعو إلى الإفتراض بأن أمة عظمى ودولة كبرى عندما تتحول إلى الاشتراكية لن تكون قادرة على جذب أمة أوروبية صغيرة ومقهورة عن طريق «مساعدة ثقافية نزيهة»؟

إن حق الانفصال “الممنوح” من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين للمستعمرات هو الذي سيجذب البلدان الاوروبية الصغيرة المتحضرة والمقهورة سياسيا كرها واغتصابا كي تتحد مع دول اشتراكية عظمى، ذلك لأن الدولة العظمى في ظل الاشتراكية ستعني ساعات عمل أقل بكثير من غيرها وأجرا أكبر بكثير عن يوم العمل. إن جماهير العمال عندما تتحرر من نير البرجوازية ستتجه تلقائيا ودون مقاومة إلى الوحدة والتكامل مع البلدان الاشتراكية العظمى والمتقدمة من أجل هذه “المساعدة الثقافية” بشرط ألا ينتهك قاهروا الأمس مشاعر احترام الذات لدى الشعوب التي طال قهرها وهي مشاعر ديمقراطية نامية ومتطورة إلى حد كبير، وبشرط أن تمنح هذه الشعوب حق المساوة في كل شيء بما في ذلك حق بناء الدولة أي الخبرة في تنظيم “دولتهم هم”. ومثل هذه “الخبرة” تعني في ظل النظام الرأسمالي العزلة والانفراد والأنانية الضيقة للشعوب الصغيرة المتميزة (هولندا وسويسرا).

أما أي ظل الاشتراكية فإن الشعب العامل نفسه لا يرضى بالعزلة أبدا من أجل تلك الدوافع الاقتصادية المحضة المذكورة آنفا بينما الأشكال السياسية المختفة وحرية الانفصال والخبرة في تنظيم الدولة – سيظل كل هذا قائما حتي تذوي كل أشكال الدولة. سيكون كل هذا الأساس الذي ترتكز عليه حياة ثقافية ناجحة وجادة بحيث تتقارب لشعوب وتتلاحم وتتكامل بخطوات أسرع.

وإذا وضعنا المستعمرات جانبا وقارناها بأوروبا سنجد الرفاق البولنديين يقعون في تناقض سرعان ما يكشف عن زيف حجتهم.

7- الماركسية أم البرودونية ؟

إن رفاقنا البولنديين يتحاشون استثناء إشارتنا إلى اتجاه ماركس بالنسبة لانفصال ايرلندا وهم يفعلون ذلك في صراحة وغير مواربة. فما هو اعتراضهم؟ يقولون أن الاشارة إلى موقف ماركس فيما بين عامي 1848 و1871 «ليس له أي قيمة تذكر». ويعززون هذا التأكيد الحانق والقاطع بصورة غير عادية بالحجة التالية وهي أن ماركس كان “في وقت واحد” يعارض نضال التشيك والسلافيين الجنوبيين وغيرهم من أجل الاستقلال.

وهي حجة حانقة إلى اقصي حد لأنها هاوية من أساسها.

فالماركسيون البولنديون يرون ماركس مفكرا مهوش الفكر لأنه “في آن واحد” كان يقول آراء متناقضة، وهذا غير صحيح تماما وليس بماركسية على وجه اليقين. إنه مطلب التحليل “المشخص والعملي” الذي يصر عليه رفاقنا البولنديون “ولكنهم هم أنفسهم لا يطيقونه”. وهذا النوع من التحليل هو الذي يلزمنا بأن نبحث عما إذا كانت اتجاهات ماركس المختلفة ازاء حركات “قومية” مختلفة عمليا لم تنبع من نظرة اشتراكية واحدة دون سواها.

من المعروف أن ماركس كان يحبذ استقلال بولندا ابتغاء مصالح الديموقراطية “الأوروبية” في نضالها ضد سطوة ونفوذ القيصرية كما يمكن أن يقال: ضد السطوة المطلقة والنفوذ الرجعي السائد. وقد تأكد صواب هذا الاتجاه وقيمته العملية عام 1849 عندما سحق جيش العبيد الروسي حركة التمرد في المجر وهي حركة تحرر وطني وتحرر ثوري ديمقراطي. ومنذ ذلك الوقت حتي وفاة ماركس، بل وبعد ذلك حتي عام 1890 كان انجلز يعضد كل نضال ضد القيصرية كلما لاح احتمال أن تشن القيصرية – متحالفة مع فرنسا – حربا رجعية ضد ألمانيا غير الاستعمارية وهي الدولة المستقلة القومية آنذاك. ولهذا السبب وهذا السبب وحده دون غيره وقف ماركس وأنجلز ضد الحركة القومية لشعبي التشيك والسلافيين الجنوبيين. وإشارة سريعة إلى ما كتبه ماركس وانجلز عامي 1848 و 1849 خير شاهد لمن تعنيه الماركسية بصورة جدية وليس رياء لينحي الماركسية جانبا. إذ تدل كتاباتهما في تلك الفترة على انهما مايزا بوضوح وتحديد بين “البلدان الرجعية بأكملها” التي تقوم بمثابة “حدود خارجية للروسيا” في أوروبا وبين “البلدان الثورية” أعني ألمانيا وبولندا والمجر. وهذه حقيقة واقعة. وقد برزت آنذاك كحقيقة لا تقبل الدحض: ففي عام 1848 كافحت الأمم الثورية من أجل الحرية وكانت القيصرية هي عدوها الرئيسي بينما كان التشيك وغيرهم يمثلون بلدا رجعيا وحدودا أمامية للقيصرية.

ما هو الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من هذا المثال الملموس والذي يلزم تحليله بصورة شخصية وعملية إن كانت ثمة رغبة في أن نكون صادقي النية تجاه الماركسية؟ الدرس الوحيد هو:

  1. إن مصالح حركة التحرر لعدد من البلدان الكبيرة والكبيرة جدا في أوروبا تتزايد بمعدل أكثر من مصالح حركة التحرر للبلدان الصغيرة.
  2. إن مطلب الديمقراطية يجب ألا ننظر إليه منفردا ومنعزلا وإنما ننظر إليه على النطاق الأوروبي – ولنا أن نقول اليوم على النطاق العالمي.

هذا كل ما في الأمر، فليس ثمة إشارة من بعيد أو قريب تفيد التخلي عن هذا المبدأ الاشتراكي الأولي والذي يتناساه البولنديون وكان ماركس صادقا أمينا معه دائما – إن أي أمة من الأمم لا يمكن أن تكون حرة حقا إذا كانت تقهر أمما غيرها. ولو أن الموقف المعين الذي واجه ماركس وقتما كانت القيصرية تسود السياسة العالمية تكرر ثانية على سبيل المثال وفي صورة عدد صغير من البلدان تبدأ ثورة اشتراكية (مثل ثورة برجوازية ديمقراطية بدأت في أوروبا عام 1848) وثمة بلدان أخرى تقوم بدور الترسانة الأساسية لرد الفعل البرجوازي الرجعي – فيلزم علينا هنا أيضا أن نساند الحرب الثورية ضد الحرب الأخرى ونساند “سحقها” ونساند الإطاحة بكل حدودها دون النظر إلى الحركات الوطنية الصغيرة التي تبرز بداخلها. ومن ثم فبدلا من أن نرفض أي مثل من أمثلة التكتيك الماركسي يجب علينا أن نحلل هذه الأمثلة تحليلا عينيا ونستخلص منها دروسا قيمة للمستقبل. وإلا كان موقفنا احترافا للماركسية بينما نحن نهجرها في التطبيق. إن المطالب الديمقراطية المتعددة ومنها حق تقرير المصير ليست مطال مطلقة بل هي فقط جزء صغير من الحركة العالمية الديمقراطية العامة (وهي الآن الحركة الاشتراكية العامة). وفي الحالات العينية الفردية قد يتناقض الجزء مع الكل، وإذا كان الامر كذلك فلابد وأن نرفضه. فمن المحتمل أن تكون الحركة الجمهورية في بلد من البلدان ليست سوى أداة لمؤامرات كنسية أو مؤمرات ملكية اقتصادية لحساب بلدان أخرى. ولو كان الأمر كذلك فسيكون لزاما علينا حينئذ أن نعضد هذه الحركة الجزئية المعينة ولكن سيكون مدعاة للسخرية أن نمحو – استنادا إلى هذا – مطلب الجمهورية من برنامج الاشتراكية الديمقراطية الأممية.

ولكن على أي نحو تغير الموقف المعي خلال الفترة الواقعة بين عامي 1848 – 1871 و1898 – 1916 (أشير هنا إلى أهم مراحل الامبريالية: أي من الحرب الامبريالية الاسبانية الأمريكية إلى الحرب الامبريالية الأوروبية)؟ لم تعد القيصرية هي عماد الرجعية وقد بات هذا واضحا ومؤكدا وذلك للأسباب التالية:

أولا لأن رأس المال المالي العالمي هو سندها وبخاصة في فرنسا.

ثانيا بسبب أحداث عام 1915. ففي تلك الفترة كان نظام الدول القومية الكبرى – ديمقراطيات اوروبيات – يقدم الديمقراطية والاشتراكية إلى العالم رغم القيصرية *، ولم تمتد الحياة بماركس وانجلز ليشهدا عصر الامبريالية. ولقد بات النظام الآن حفنة من القوي الامبريالية “العظمى” (يقدر عددها بخمس أو ست) كل منها تقهر شعوبها: وهذا القهر هو مصدر مصطنع يعوق انهيار الرأسمالية ويساند بصورة مصطنعة الانتهازية والشوفينية الاجتماعية في البلدان الامبريالية التي تسود العالم. وآنذاك، وبينما كانت الديمقراطية الأوروبية الغربية تحرر الأمم الكبرى كانت القيصرية تناوئها وتستخدم بعض الحركات القومية الصغيرة لتحقيق غايات رجعية. أما اليوم وقد انقسمت “البروليتاريا الاشتراكية” إلى شوفينيين أو “امبرياليين اجتماعيين” من ناحية وإلى ثوريين من ناحية أخرى فإنها تواجه اليوم بتحالف قائم بين الامبريالية القيصرية والامبريالية الرأسمالية الأوروبية المتقدمة ويرتكز هذا التحالف على القهر المشترك لعدد من البلدان.

تلك هي التغييرات الملموسة التي طرأت على الموقف وهي عينها التي يجهلها الديموقراطيون الاشتراكيون البولنديون رغم وعدهم بأن يكونوا موضوعيين. ومن هنا أيضا كان التغيير الملموس في تطبيق المبادئ الاجتماعية نفسها: كان الشيء الرئيسي قبلا هو الكفاح ضد القيصرية (وضد عدد معين من الحركات القومية الصغيرة التي كانت تستخدم أداة لأغراض غير ديمقراطية) ومن أجل الشعوب الثورية الكبيرة في الغرب. وأصبح الشيء الرئيسي اليوم هو الوقوف ضد الجبهة المتحدة المنحازة، جبهة القوي الامبريالية، وهي البرجوازية الامبريالية والامبرياليين الاجتماعيين، ومن أجل استخدام كل الحركات القومية ضد الامبريالية ابتغاء تحقيق أهداف الثورة الاشتراكية. وكلما كان النضال ضد الجبهة الامبريالية العامة يرتكز أكثر فأكثر على الطابع البروليتاري المحض، كان المبدأ الأممي أكثر حيوية ووضوحا: «ليست ثمة أمة حرة اذا كانت تقهر أمما غيرها».

وباسم مفهومهم المذهبي عن الثورة الاجتماعية جهل أتباع برودون الدور الأممي لبولندا ونحوا جانبا الحركات القومية. وكذلك يكون اتجاه الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين اتجاها مذهبيا بالمثل ذلك لأنهم يحطمون جبهة النضال الأممي ضد الامبرياليين الاجتماعيين ويساعدونها (موضوعيا) بتذبذبهم ازاء مسألة سياسة الضم. ذلك لأن النضال البروليتاري للجبهة الأممية هو على وجه التحديد الذي أدي إلى تغيير العلاقة بالوضع العيني الواقعي للأمم الصغيرة: ففي تلك الفترة (1848 – 1871) كانت الأمم الصغيرة لها أهميتها وخطرها كحليف احتياطي سواء “للديموقراطية الغريبة” والأمم الثورية أو للقيصرية – والآن (1898 – 1916) لم يعد الأمر كذلك، فهي الآن لها أهميتها وخطرها كوسيط يغذي الاتجاه الطفيلي ويغذي بالتالي الامبريالية الاجتماعية للأمم صاحبة السطوة والسيادة، ليس الشيء الهام هو هل تحرر قبل الثورة الاشتراكية من الأمم الصغيرة وإنما الحقيقة الواقعة أنه في عصر الامبريالية وبفضل أساليب موضوعية انقسمت البروليتاريا إلى معسكرين دوليين إحدهما أفسده الفتات الذي تساقط عن مائدة برجوازية الأمة صاحبة السطوة والسيادة – والتي حصلت عليه من مصادر عدة منها الاستقلال الثنائي أو الثلاثي للأمم الصغيرة – بينما تقف الأخرى عاجزة عن تحرير نفسها بدون تحرير الأمم الصغيرة، بدون تعليم الجماهير تعاليم معادية للشوفينية أعني ضد سياسة الضم، أي بروح تعاليم حق تقرير المصير.

هذا هو أخطر جوانب المشكلة والذي يجهله رفاقنا البولنديون الذين لا يرون الأشياء من خلال الوضع الرئيسي في عصر الامبريالية وهو موقف انقسام البروليتاريا الأممية إلى معسكرين.

وإليكم بعض الأمثلة العينية الأخرى لاتجاههم البرودوني:

  1. اتجاههم نحو العصيان الذي حدث في ايرلندا عام 1916.
  2. اعلانهم في رسائلهم (جزء 2 فصل 3 وخاتمة الفصل 3) أن شعار الثورة الاشتراكية «يجب ان يكون صريحا لا يحجبه شيء». والفكرة القائلة بأن شعار الثورة الاشتراكية يمكن “حجبه” بربطه بوضع ثوري متسق عن كل القضايا بما في ذلك المسألة القومية هي بكل تأكيد فكرة معادية تماما للماركسية.

ويرى الاشتراكيون الديمقراطيون البولنديون أن برنامجنا برنامج “إصلاح قومي”: 1) لأنه يدعو إلى الاستقلال الذاتي (الرسائل البولندية الجزء 3 فصل 4)، 2) ويدعو لحرية الانفصال.. ولكن برنامجنا يختلف عن هذه النقطة بالذات. وهل ليس من الواضح أن البرنامج الأول على وجه الدقة والتحديد هو البرنامج الاصلاحي وليس الثاني؟ إن التغير الاصلاحي هو الذي يترك أسس السلطة للطبقة الحاكمة كما هي جدون مساس وهو مجرد تنازل بترك سلطتها دون تغيير. أما التغيير الثوري فهو الذي يقوض أسس ودعائم السلطة. إن البرنامج القومي الاصلاحي لا يلغي كل امتيازات الأمة الحاكمة، إنه لا يرسي دعائم المساواة الكاملة، ولا يلغي القهر القومي في كل صوره. إن الأمة “المستقلة ذاتيا” لا تتمتع بحقوق مساوية لحقوق الأمة الحاكمة. وما كان لرفاقنا البولنديين أن يفوتهم هذا لو لم يتجنبوا عمدا (مثل أصدقائنا الاقتصاديين قديما) تحليل المفاهيم والمقولات السياسية. وحتي عام 1905 كانت النرويج المستقلة ذاتيا داخل أطار السويد، تتمتع بأوسع حقوق الاستقلال الذاتي ولكنها لم تكن على قدم المساواة مع السويد. ولكن ما إن تحقق لها الانفصال الحر حتي نعمت بالمساواة عمليا بصورة مؤكدة وواضحة.

(ولنحاول أن نضيف إلى ذلك بين قوسين ان هذا الانفصال الحر هو الذي خلق الأساس لقيام ترابط وثيق ديمقراطي أكثر من ذي قبل مؤسس على حقوق المساواة). وطوال الفترة التي كانت فيها النرويج مجرد شعب مستقل ذاتيا كانت الارستقراطية السويدية تتمتع بامتياز إضافي واحد ولم يخفف الانفصال من طبيعة هذا الامتياز (وجوهر الاتجاه الاصلاحي يكمن في تخفيف شر من الشرور وليس في هدمه) وإنما إزاله تماما (وهو المعيار الأساسي لأي برنامج ذي طبيعة ثورية).

ونضيف هنا عرضا أن الاستقلال الذاتي كوسيلة اصلاحية يختلف عن مبدأ حرية الانفصال كإجراء ثوري.

وهذا الرأي مسلمة لا خلاف حولها. ولكن كما يعرف الجميع أن الاجراء الاصلاحي ليس – عمليا وفي التطبيق – سوى خطوة إلى الأمم نحو الثورة. إن الاستقلال الذاتي هو الذي يمكن أمة من الأمم التي تدخل كرها وقسرا داخل إطار أمة أخرى من أن تبلور ذاتها في شكل أمة وتتجمع وتنظم قواها وتختار أنسب اللحظات لاصدار إعلان.. يستلهم روح الاعلان “النرويجي”: «نحن أعضاء البرلمان المستقل ذاتيا لأمة كذا أو لأرض كذا أو كذا نعلن أن امبراطور كل أراضي الروسيا لم يعد هو ملك بولندا… الخ.». والاعتراض الوحيد على ذلك هو أن مثل هذه الوسائل تحسمها الحروب لا الاعلانات. حقا إن الحروب هي التي تحسم مثل هذه المسائل في الغالبية الساحقة من الحالات (مثل قضايا شكل الحكومة في الدول الكبرى فإن الحروب والثورات هي التي تحسمها في أغلب الحالات). ومع ذلك فلا ضرر من أن نتأمل ونفكر لنعرف إذا ما كان مثل هذا “الاعتراض” على البرنامج السياسي للحزب الثوري اعتراضا منطقيا أم لا، هل نحن نعارض الحروب والثورات من أجل ما هو عادل ومفيد للبروليتاريا من أجل الديمقراطية والاشتراكية؟

بيد أننا لا نستطيع أن نحبذ حربا دائرة بين أمتين كبيرتين وأن نحبذ مذبحة تقام لعشرين مليونا من البشر من أجل مشلكة تتعلق بتحرير أمة صغيرة يقدر تعدادها بعشرة أو عشرين مليونا! بالطبع لا؟ وليس معني هذا أن نغفل تماما المساواة القومية الكاملة ونسقطها من برنامجنا، وإنما معناه ان المصالح الديمقراطية لبلد واحد يجب أن تتبع المصالح الديمقراطية لكثير من البلدان أو كلها. لنفترض مثلا أن ثمة مملكتين كبيرتين تقع بينهما مملكة صغيرة ومليكها الصغير تربطه بملكي البلدين المجاورين رابطة دم وغير ذلك من الروابط. ولنفترض أكثر من ذلك أن إعلان الجمهورية في البلد الصغير وطرد ملكها سيؤدي عمليا إلى نشوب حرب بين المملكتين الكبيرتين المجاورتين لاستعادة هذا الملك أو غيره إلى المملكة الصغيرة. لا ريب أن كل الاتجاه الاشتراكي الديمقراطي الأممي وكذلك القطاع الأممي الحقيقي للاتجاه الاشتراكي الديمقراطي في البلد الصغير سيعارضون في هذه الحالة إحلال الجمهورية محل الملكية، إن إحلال النظام الجمهوري محل الملكية ليس مطلبا مطلقا وإنما هو أحد المطالب الديمقراطية التي تدخل ضمن المصالح والفوائد الديمقراطية ككل (وتدخل أيضا بطبيعة الحال ضمن مصالح البروليتاريا الاشتراكية). وحالة كهذه لن تؤدي في كل الاحتمالات إلى ظهور أدني شكل من أشكال الاختلاف في الرأي بين الاشتراكيين الديمقراطيين في أي بلد من البلاد. ولكن لو أن أحد الاشتراكيين الديمقراطيين اقترح فرضا – استنادا إلى هذه الأسباب – محو مطلب الجمهورية واسقاطه للأبد من برنامج الاشتراكية الديمقراطية الأممية فسوف ينظر إليه يقينا باعتباره مجنونا. سيقال له أن على المرء في نهاية المطاف ألا ينسى الفارق المنطقي الأولي بين ما هو عام وما هو جزئي.

يقودنا هذا المثال من زاوية مختلفة نوع ما إلى مسألة التعليم الأممي للطبقة العاملة. هل يمكن لمثل هذا التعليم أن يكون واحدا ومتماثلا في البلدان العظمى القاهرة والبلدان الصغرى المقهورة إلى البلدان التي تتبع سياسة الضم وتلك التي تقع فريسة لسيلسة الضم؟

لا بكل وضوح. إن الطريق المؤدي إلى الهدف المشترك – المساواة التامة والترابط الوثيق والدمج العرضي لكل البلدان – يسير كما هو واضح عبر سبل مختلفة في كل حالة بذاتها مثله في ذلك كمثل الطريق إلى نقطة تقع في منتصف هذه الصفحة يسير حينا من اليسار على هذا الطرف وحينا من اليمين على الطرف المقابل. فلو أن واحدا من الاشتراكيين الديمقراطيين من أبناء بلد كبير وقاهر، يضم عددا من البلدان، حاول أن يدعو إلى دمج البلدان بصورة عامة ونسي للحظة واحدة ان ملكه نيقولا الثاني أو ولهلم جورج أو بوانكاريه.. الخ يدعو هو الآخر إلى الاندماج مع البلدان الصغيرة (عن طريق ضمها إليه) – أن تندمج غاليسيا داخل مملكة نيكولا الثاني وتندمج بلجيكا داخل مملكة ولهلم الثاني .. الخ – فان مثل هذا الداعية الاشتراكي الديمقراطي سيكون موضع سخرية لأنه عقائدي جامد النظرية وعون الامبريالية في التطبيق العملي.

إن التعليم الأممي للطبقة العاملة داخل البلدان القاهرة لابد وأن يرتكز على دعوتهم إلى حرية البلدان المقهورة في الانفصال وحقهم في الكفاح من أجل هذا الهدف – وبدون هذا لن تكون ثمة أممية. إن حقنا وواجبنا أن نعامل كل اشتراكي ديمقراطي من أبناء بلد قاهر باعتباره إمبرياليا وأفاقا إذا ما فشل في القيام بدوره في هذه الدعاية. حتي على الرغم من أن فرصة الانفصال قد لا تكون متاحة وعملية قبل تطبيق الاشتراكية إلا بنسبة واحد إلى ألف.

إن واجبنا يقتضي أن نعلم العمال بأن يكونوا “محايدين” في نظرتهم إلى التمايز القولي. وليس ثمة شك في هذا.

ولكن يجب ألا يكون حياد دعاة سياسة الضم. إن واحدا من ابناء بلد قاهر يجب أن يكون “محايدا” في نظرته هل تتبع البلدان الضغيرة دولته أم دولة مجاورة أم تكون تابعة لنفسها ومستقلة حسب مشاعرها الذاتية؟ فبدون هذا “الحياد” لن يكون اشتراكيا ديمقراطيا. ولكي يكون المرء اشتراكيا ديمقراطيا أمميا يجب ألا يقتصر تفكيره على بلده هو وحده بل يجب أن يضع في مرتبة على مصالح كل الأمم وحقها المشترك في الحرية والمساواة. إن الناس جميعا يقرون هذا المبدأ “نظريا” ولكنهم يبدون عمليا حيادا منحازا لسياسة الضم. وهنا يكمن أصل الداء.

ومن ناحية أخرى فإن أي اشتراكي ديمقراطي من أبناء بلد صغيرة يجب أن يؤكد في دعايته الكلمة الثانية في شعارنا العام: “التكامل الارادي” بين الأمم. إنه بذلك يمكنه ودون أن يقتصر في واجباته كأممي أن يساند كلا من الاستقلال السياسي لبلده وتكاملها مع الدولة المجاورة أيا كان اسمها.. ولكن يجب عليه في كل الحالات أن يكافح ضد العزلة والانفراد من جانب أمة صغيرة ضيقة الأفق، وأن يضع في اعتباره دائما الكل والعام ويضع المصلحة الجزئية في مرتبة ثانوية للمصلحة العامة.

إن من لم يسبر غور هذه المشكلة ويفهم كل أبعادها يظن أن من “التناقض” أن يصر الاشتراكيون الديمقراطيون من أبناء بلد قاهر على “حق حرية الانفصال” بينما يصر الاشتراكيون الديمقراطيون من أبناء بلد مقهور على “حرية التكامل”. ومع ذلك فإن قليلا من التأمل سيكشف لنا أن ليس ثمة تناقض في هذا وأنه ليس ثمة طريق آخر بديل من خلال الموقف المعين الماثل الآن يؤدي إلى هذا الهدف.

وهكذا نصل الآن إلى الموقف الخاص والمعين للاشتراكيين الديمقراطيين في هولندا وبولندا.

8- الخاص والعام في موقف الاشتراكيين الديمقراطيين الأمميين في هولندا وبولندا

ليس ثمة أدني شك في أن الماركسيين البولنديين والهولنديين الذين يعارضون حق تقرير المصير هم من خيرة العناصر الثورية والأممية في التنظيم الاشتراكي الديمقراطي. إذن كيف حدث أن كانت حججهم كما رأينا هي مجموعة من الأخطاء؟ ليس ثمة حجة عامة صحيحة واحدة، لا شيء البتة سوى الاتجاه الاقتصادي الامبريالي.

إن هذا كله لا يرجع إلى الصفات السيئة التي يتصف بها الرفاق الهولنديون والبولنديون وإنما يرجع إلى الظروف الموضوعية الخاصة في بلديهما. فكلا البلدين هما: 1) بلدان صغيران لا حول لهما ولا طول داخل اطار النظام الراهن للقوي العظمى، 2) ويقع كلاهما جغرافيا بين قوي إمبريالية ناهبة ذات قوة وبأس شديد مشغولة بالتنافس الحاد والمر فيما بينها (بريطانيا وألمانيا، وألمانيا والروسيا)، 3) وثمة ذكريات وتقاليد مروعة ماثلة في ذهن كل منهما ترجع إلى وقت أن كانتا هما أيضا قوتين كبيرتين: فقد كانت هولندا ذات يوم قوة استعمارية أكبر من انجلترا، وكانت بولندا قوة أعظم وأكثر تحضرا من الروسيا وبروسيا، 4) ومازالت كلتاهما تعيان امتيازاتهما التي تتمثل في قهر الشعوب الأخرى: البرجوازية الهولندية تمتلك الهند الشرقية الهولندية ذات الثراء الواسع، وملاك الارض البولنديون يقهرون فلاحي اكرانيا وبيلوروسيا، البرجوازية البولندية واليهود.. الخ.

ونحن لا نجد هذا التميز الذي يتألف من تلك العناصر الاربعة في ايرلندا والبرتغال (وقد كانت ذات يوم تضم اسبانيا إلى اراضيها) والألزاس والنرويج وفنلندا وأكرانيا ولاتفيا وبيلوروسيا وغيرهم. ولكن هل هذه الخاصية المتميزة هي الجوهر الحقيقي للمسألة؟ فعندما يعارض الاشتراكيون الديمقراطيون من الهولنديين البولنديين مبدأ حق تقرير المصير ويقدمون لذلك حججا عامة مثل تلك الحجج التي تتعلق بالامبريالية بوجه عام والاشتراكية بوجه عام والديمقراطية بوجه عام، والقهر القومي بوجه عام، فهنا يحق لنا أن نقول بأنهم يتمرغون في مستنقع من الأخطاء. وليس على المرء إلا ان يزيل تلك القشرة الخاطئة عن الحجج العامة ويختبر جوهر المسألة من وجه نظر الظروف الخاصة والنوعية التي تحدد وضعهم وموقفهم في هولندا وبولندا وبذلك تصبح المسألة مفهومة ومشروعه تماما. ويمكن ان يقال دون خوف من الظهور بمظهر التناقض ان الماركسيين الهولنديين والبولنديين عندما يكافحون ضد مبدأ حق تقرير المصير فانهم لا يقولون بوضوح كل ما يعنونه أو بعبارة أخرى أنهم لا يعنون ما يقولون *.

سبق أن ذكرنا مثالا واحدا في رسائلنا **. يعارض جورتر حق تقرير المصير لبلده هو ولكنه يعاضد حق تقرير المصير لجزر الهند الشرقية الهولندية التي يقهرها بلده هو. فهل هناك ما يدعو للدهشة أن نرى فيه أمميا مخلصا ورفيقا في الفكر وأقرب إلينا من أولئك الذين يعترفون بحق تقرير المصير قولا ورياء مثل كاوتسكي في ألمانيا وتروتسكي ومارتوف في روسيا؟ إن المبادئ العامة والأساسية للماركسية تشير علينا دون ريب بأن نلتزم بواجبنا في النضال من أجل حرية الانفصال للأمم التي تقهرها أمتنا، ولكنهم لا يحتاجون يقينا إلى أن يكون استقلال هولندا مسألة ذات أهمية مطلقة – هولندا التي تعاني من عزلتها الأنانية الضيقة الفظة الحمقاء! ليحترق العالم كله فنحن بمعزل عنه جميعه: إننا قانعون بأسلابنا القديمة وما تبقي لنا من جزر الهند الشرقية، نحن لا يعنينا أي شيء آخر!

وإليكم مثالا آخر. كارل راديك وهو اشتراكي ديمقرطي بولندي أسدى خدمات كبيرة بنضاله المحدد الواضح من أجل الأممية في التنظيم الاشتراكي الديمقراطي الألماني منذ نشوب الحرب، وشن هجوما محموما على حق تقرير المصير في مقال له بعنوان “حق الأمم في تقرير مصيرها” نشر في مجلة “أشعة الضوء” – وهي مجلة شهرية يسارية منعها الرقيب البروسي ويشرف على تحريرها ح. بوركاردت – في الخامس من ديسمبر عام 1915 العدد 3 من العام الثالث لصدور المجلة.

ويذكر عرضا أن السلطات الهولندية والبولندية هي وحدها التي تعضده ويسوق عددا من الحجج من بينها الحجة القائلة بأن حق تقرير المصير هو المبدأ الذي يحتضن فكرة «أن واجب الاشتراكيين الديمقراطيين أن يساندوا أي نضال من أجل الاستقلال».

وإذا نظرنا إلى هذه الحجة على ضوء النظرية العامة سنجدها حجة مقذعة ومهينة، ذلك لأنها كما هو واضح حجة غير منطقية: أولا لأن أي مطلب ديمقراطي قد يستعمل استعمالا خاطئا ما لم يوضع الخاص في مرتبة ثانوية لما هو عام. نحن لسنا ملزمين لمساندة أي نضال من أجل الاستقلال ولا أي حركة جمهورية أو معادية للكنيسة. ثانيا: ليس ثمة صيغة للنضال ضد القهر القومي يمكن الا تعاني من نفس “التصور”. لقد استخدم راديك ذاته نفس الصيغة (1915، عدد 253): «ضد سياسة الضم القديمة والجديدة». إن أي وطني بولندي قد يستنتج من هذه الصيغة ما يلي: «بولندا بلد تابع وأنا ضد سياسة الضم إذن أنا أعمل من أجل استقلال بولندا». أو لنستعد هنا موقف روزا لوكسمبورج وهي تقول في مقال لها نشرته عام 1908(9) أن صيغة “ضد القهر القومي” كافية تماما. بيد أن أي وطني بولندي قد يقول – وسيكون على حق في ذلك – أن عمليات الضم هي أحد أشكال القهر القومي، بالتالي، الخ.

ومع ذلك لنضع الظروف النوعية لبولندا موضع هذه الحجج العامة: أن استقلالها اليوم “غير عملي” بدون حرب أو ثورات. ولكي نحبذ إشعال حرب تشمل أوروبا كلها من أجل استعادجة استقلال بولندا فمعني هذا أننا سنكون وطنيين من أردأ الأنواع وأننا نضع مصالح حفنة من البولنديين فوق مصالح مئات الملايين من الشعوب التي تقاسي ويلات الحرب. وهذا هو عين موقف الجناح اليميني من الحزب الاشتراكي البولندي المسمي “فراس” فهو اشتراكي لفظا فقط ولو قارناه بالاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين لألفيناهم أصوب منه ألف مرة. إن إثارة قضية استقلال بولندا اليوم مع وجود هذا التحالف المنحاز للقوى الامبريالية المجاورة معناه أننا ندخل في متاهة ونتخذ طريق الضلال ونغوص في اتجاه قومي ضيق الأفق وننسى المقدمة الضرورية القائلة ثورة أوروبية شاملة أو على الأقل ثورة روسية وألمانية. ولو أننا فيما بين عامي 1908–1914 رفعنا شعار حرية الاتحاد في روسيا كشعار مستقل فإن هذا كان يعني أيضا أننا اتخذنا طريق الضلال وربما كنا ساعدنا موضوعيا حزب العمل التابع لستولبين (المسمى الآن حزب بوتريسوف – جفوزديوف وهو نفس الشيء). ولكن سيكون من الجنون أن نلغي مبدأ حرية الاتحاد من برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي!

ومثال ثالث وربما كان أهمها جميعا. نقرأ في الرسائل البولندية (الجزء الثالث، خاتمة الفصل الثاني) أن فكرة وجود دولة بولندا المستقلة التي تصنع حاجز صدام بين البلدان الأخرى فكرة مرفوضة على أساس أنها «فكرة خيالية لا معني لها» إذ أنها ستتألف من مجموعات صغيرة عقيمة. ولو تحققت هذه الفكرة فأنها ستعني خلق دويلة صغيرة من الدولة البولندية لتصبح مستعمرة لدولة أو مجموعة من الدول الأخرى، وتكون ألعوبة في يد مصالحهم العسكرية أو الاقتصادية وأرضا يستغلها رأس المال الأجنبي وساحة قتال لحروب المستقيل. وهذا كله حق تماما اذا ما سقناه كحجة ضد شعار استقلال بولندا اليوم، ذلك لأنه حتي على فرض قيام ثورة في بولندا وحدها فإنها لن تغير شيئا على الاطلاق وإنما ستؤدي فقط إلى تحويل انتباه الجماهير في بولندا عن الموضوع الرئيسي – الربط بين نضالهم ونضال البروليتاريا في روسيا وألمانيا. وليس ثمة تناقض في هذا وإنما هو حقيقة واقعة ذلك لأن البروليتاريا البولندية اليوم وبوضعها هذا يمكنها أن تكون عونا لقضية الاشتراكية والحرية بما في ذلك حرية بولندا ولكن فقط عن طريق النضال المتلاحم مع بروليتاريا البلدان المجاورة ضد البولنديين القوميين ذوي الأفق الضيق. إننا لا يمكن أن ننكر الخدمة العظيمة التي قدمها الاشتراكيون الديمقراطيون البولنديون للنضال ضد القوميين.

بيد أن هذه الحجج ذاتها وهي حجج صادقة من وجهة نظر الظروف النوعية لبولندا في العصر الراهن تعد حججا كاذبة وزائفة في الصورة العامة التي عرضت بها. فما دامت هناك حروب فإن بولندا ستظل دائما ساحة قتال في الحروب بين ألمانيا وروسيا، ولكن هذه ليست حجة ضد حرية سياسية أكبر (وبالتالي ضد الاستقلال السياسي) إبان الفترة الواقعة بين الحروب. ويصدق الكلام نفسه على الحجج المتعلقة باستغلال رأس المال الأجنبي ودور بولندا كألعوبة في يد المصالح الأجنبية. إن الاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين لا يستطيعون في اللحظة الراهنة أن يرفعوا شعار استقلال بولندا، ذلك لأن البولنديين كأمميين بروليتاريين ليس في وسعهم أن يفعلوا أي شيء إزاء ذلك دون السقوط، مثل الجناح اليميني للحزب الاشتراكي الديمقراطي، في وهدة العبودية الذليلة لإحدى القوي الملكية الامبريالية. ولكن العمال في الروسيا وألمانيا لا يقفون موقف الحياد بحيث لا يعنيهم أن تكون بولندا مستقلة أو أن تتحول إلى دولة تابعة (وإلا كان معنى هذا تعليم العمال والفلاحين في الروسيا وألمانيا أحط التعاليم ويرضون بأن يكون دورهم هو دور جلاد الشعوب.)

إن الموقف يدعو للحيرة حقيقة ولكن ثمة مخرج وهو أن يظل كل من يعنيهم الأمر أمميين، أن يطالب الاشتراكيون الديمقراطيون في روسيا وألمانيا بحق بولندا غير المشروط في الانفصال، وأن يعمل الاشتراكيون الديمقراطيون البولنديون من أجل وحدة النضال البروليتاري في كل من البلدان صغيرها وكبيرها دون أن يضعوا في المقدمة شعار استقلال بولندا في هذه المرحلة أو ذلك العصر على وجه التحديد.

9- رسالة انجلز إلى كاوتسكي

في عام 1907 أصدر كاوتسكي وكان وقتذاك لازال ماركسيا كتيبه المعنون “الاشتراكية والسياسة الاستعمارية” (طبعة برلين 1907) ونشر في كتيبه هذا رساله كتبها له انجلز بتاريخ 12 سبتمبر 1882 وهي رسالة لها أهمية بالغة فيما يتعلق بالمسألة موضع المناقشة. وإليكم الجزء الرئيسي من هذه الرسالة.

« في رأيي أن المستعمرات التي يصدق عليها هذا الاسم بكل معانيه وهي البلدان التي يحتلها سكان أوروبيون مثل كندا والكاب وأستراليا، ستستقل جميعها مستقبلا. ومن ناحية أخرى فإن البلدان التي يسكنها مواطنوها وهي البلدان المغلوبة على أمرها مثل الهند والجزائر وممتلكات هولندا والبرتغال وأسبانيا لابد وأن تسودها البروليتاريا مع مرور الزمن وتقودها بأسرع ما يمكن نحو الاستقلال. ولكن عسير علينا أن نحدد الآن مسار هذه العملية، إذ ربما تثور الهند وهذا احتمال كبير جدا في الحقيقة ونظرا لأن البروليتاريا سيكون لها دورها في هذه العملية من أجل التحرر الذاتي فانها لن تشن أي نوع من الحروب الاستعمارية. ومن ثم يلزم أن تهيأ لها كل الفرص لكي تشق طريقها وقد لا يتسنى لها أن تحقق كل ما تنشده دون القيام بكل أشكال التدمير بيد أن هذا أمرا لا مناص منه بالنسبة لكل الثورات. وربما يحدث الشيء نفسه في بلدان أخرى مثل الجزائر ومصر وسيكون هذا يقينا أفضل شيء لنا. وسيكون علينا حينئذ أن نفعل الكثير داخل بلادنا. ويوم أن يتحقق اعادة تنظيم أوروبا وأمريكا الشمالية فإن هذا سيؤدي إلى خلق قوة هائلة وتكون مثلا تحتذيه البلدان شبه المتحضرة وسوف تتوفر الاحتياجات الاقتصادية لذلك إذا لزم الأمر. أما عن المراحل الاجتماعية والسياسية التي يلزم على هذه البلدان أن تمر بها قبل أن تبلغ مرحلة الحضارة الاشتراكية فأحسب أننا لا نستطيع اليوم أن نقدم في هذا الصدد سوى فروض غير ذات قيمة. ثمة شيء واحد يقيني: وهو أن البروليتاريا المظفرة لا تستطيع أن تفرض قسرا بركاتها أيا كان نوعها على أي أمة اجنية دون أن تقوض دعائم ظفرها بفعلتها هذه. وهذا يستبعد تماما كل انواع الحروب الدفاعية. »

إن انجلز لم يكن يفترض على الاطلاق أن “العامل الاقتصادي” وحده سيزيل مباشرة كل الصعوبات. إن الثورة الاقتصادية ستكون بمثابة منبه لكل الشعوب يحفزها إلى النضال من أجل الاشتراكية، ولكن ستظل الثورات – ضد الدولة الاشتراكية – والحروب الممكنة. وستعمل السياسة لا محالة على ملاءمة نفسها مع الوضع الاقتصادي ولكن لن يتم هذا فورا وفي سهولة ويسر أو بصورة مباشرة.

ويذكر انجلز شيئا واحدا فقط باعتباره الشيء “اليقيني” وهو المبدأ الأممي المطلق ويطبقه على كل “الأمم الأجنبية” أي لا يقتصر فقط على البلدان الاستعمارية: أن تفرض بركاتها عليها قسرا سوف يعني تقويض دعائم انتصار البروليتاريا.

ولن تكون البروليتاريا منزهة ومعصومة من الخطأ والضعف لمجرد أنها قامت بثورة اجتماعية. بل إنها لا محالة ستعمل على توكيد هذه الحقيقة من خلال الأخطاء الممكنة (بينما تلجم المصلحة الأنانية آخرين).

نحن أعضاء التسيمر فالد اليساريين نؤمن بنفس العقيدة التي كان يؤمن بها كاوتسكي على سبيل المثال قبل أن يهجر الماركسية للدفاع عن الشوفينية عام 1914 أي إيمانه بأن الثورة الاشتراكية ممكنة للغاية في المستقبل القريب العاجل – أو في أي يوم كما قالها كاوتسكي ذات يوم. ولن تختفي عوامل البغض القومية سريعا: مثال ذلك كراهية أمة مقهورة للأمة القاهرة – وهي كراهية مشروعة تماما – ستظل باقية حينا من الزمن، ولكنها ستتبخر بعد انتصار الاشتراكية فقط وبعد توكيد العلاقات الديمقراطية الكاملة بين الأمم. ولو شئنا أن نكون مخلصين للاشتراكية يلزم علينا من الآن أن نعلم الجماهير بروح الأممية وهي تعاليم مستحيلة في الأمم القاهرة دون الدعوة إلى حق الأمم المقهورة في الانفصال.

10- الهبة الثورية في ايرلندا عام 1916

فرغنا من كتابة هذه الرسالة قبل اندلاع هذه الهبة الثورية والتي يجب أن تكون المحك لآرائنا النظرية.

وانتهت آراء أعداء حق تقرير المصير إلى نتيجة مؤداها أن الامبريالية قد امتصت حيوية البلدان الصغيرة المقهورة بحيث باتت عاجزة عن ان تلعب دورا أيا كان ضد الامبريالية، وأن مساندة آمالها الوطنية المحضة لن تفيد شيئا على الاطلاق.. الخ. بيد أن الحرب الامبريالية التي نشبت فيما بين عامي 1914 – 1916 أثبتت بعض الوقائع التي تفند مثل هذه النتائج .

أكدت الحرب أنها حقبة أزمة تعاني منها بلدان أوروبا الغربية مثلما تعاني منها الامبريالية بوجه عام. إن كل أزمة من الأزمات تطيح بكل التقاليد المتعارف عليها وتنزع كل الأغطية وتكتسح كل ما هو أجوف وتبقي على الينابيع والقوي الأساسية. فماذا كشفت من وجهة نظر حركة الأمم المقهورة؟ كانت ثمة هبات ثورية في المستعمرات وكان طبيعيا أن تستخدم الأمم القاهرة كل الوسائل المكنة لتخفي ذلك عن طريق الرقابة العسكرية. وقد عرف رغم ذلك كله أن بريطانيا قمعت تمردا بين قواتها العسكرية الهندية في سنغافورة، وأن محاولات للثورة اندلعت في منطقة آنام الفرنسية وغيرها في الكاميرون الألمانية (أنظر كتيب جونيوس)* وقامت في أوروبا هبة ثورية في ايرلندا وقمعها الانجليز “محبو الحرية” بالقتل والإعدام وهم الذين لم يجرأوا على تطبيق نظام الخدمة العسكرية في ايرلندا وهناك من ناحية أخرى حكومة النمسا التي أصدرت أحكاما بالاعدام على أعضاء البرلمان التشيكي “بتهمة الخيانة العظمى” وأطلقت الرصاص على جنود الكتائب التشيكية بسبب نفس “الاتهام”.

وهذه القائمة ليست بطبيعة الحال قائمة شاملة لكل ما حدث. إلا أنها تقوم دليلا رغم ذلك على أن نيران الثورة القومية قد أندلعت في المستعمرات وفي أوروبا وكل هذا بسبب أزمة الامبريالية. وتقوم دليلا كذلك على أن التعاطف القومي والكراهية القومية كشفا عن نفسهما رغم التهديدات الدراكولية وإجراءات القمع.

ولقد كان هذا كله يحتل مكان الذروة قبل وقوع الأزمة الامبريالية ولكن لم يكن قد حان الوقت بعد لتقويض دعائم البرجوازية الامبريالية (كان يمكن أن يتم هذا بفعل حرب الانهاك بيد أن هذا لم يحدث بعد) فضلا عن أن الحركات البروليتارية في البلدان الامبريالية كانت لاتزال ضعيفة للغاية. تري ما الذي سيحدث عندما تسب الحرب حالة أنهاك كاملة أو عندما تترنح سلطة البرجوازية، في بلد واحد على الأقل، تحت ضربات النضال البروليتاري مثلما حدث للقيصرية عام 1915؟

في التاسع من مايو عام 1916 صدر عدد من مجلة برنر تاجفانت، وهي مجلة مجموعة تسيمر فالد التي تضم بعض اليساريين وظهر في هذا العدد مقال عن الهبة الثورية الايرلندية تحت عنوان «لقد انتهت أغنيتهم» وموقع بالحروف الأولي ك. ر. ووصف الهبة الثورية بأنها لا تعدو أن تكون تمردا ذلك لأن المسألة الايرلندية كانت في رأي كاتب المقال «مسألة زراعية» وأن الفلاحين تمت تهدئتهم بفضل بعض الإصلاحات وظلت الحركة القومية مجرد «حركة مدنية أو حركة برجوازية صغيرة ليس لها سند اجتماعي رغم كل ما أحدثته من ضجة».

ولا غرابة في أن هذا التقدير العقائدي الشاذ والدعي يتفق ورأي أحد أعضاء الكاديت الروسيين الليبراليين وهو السيد أ. كوليشر “ريك عدد 102 في أبريل عام 1916” والذي وصف الهبة الثورية بأنها «تمرد دبلن».

لقد كان المأمول وفق القول السائر «أنها ريح سموم تلك التي لا تحمل خيرا لأي إنسان» أن نجد كثيرا من الرفاق ممن كانوا لا يدركون ذلك المستنقع الذي يفغوصون فيه بتخليهم عن مبدأ حق تقرير المصير ومعاملة الحركات القومية للبلدان الصغيرة معامة كلها ازدراء، أقول كان المأمول أن نجد كثيرا من هؤلاء الرفاق وقد فتح عيونهم هذا التوافق العرضي في الرأي بين مفكر اشتراكي ديمقراطي وممثل البرجوازية الامبريالية.

إن كلمة عصيان بمعناها العلمي يمكن أن تستخدم فقط عندما تكشف محاولة التمرد من حلقة من المتآمرين أو بعض المهووسين البلهاء ولا يستثيرون أي عطف بين الجماهير.

ولكن الحركة الوطنية الايرلندية التي يمتد تاريخها إلى قرون طويلة مرت عبر مراحل متباينة تشابكت فيها المصالح الطبقية وتجلت بوجه خاص في شكل مؤتمر وطني ايرلندي في أمريكا (فورفارت 20 مارس 1916) ونادي هذا المؤتمر باستقلال ايرلندا. وتجلت أيضا في صورة حرب وسط الطرقات كان يقودها قطاع من البرجوازية الصغيرة سكان المدن وقطاع من العمال. وحدث هذا بعد مرحلة طويلة من الاثارة الجماهيرية والمظاهرات وقمع الصحافة.. الخ. إذن من هو ذلك الذي يسمي مثل هذا كله عصيانا أو تمردا إلا إذا كان رجعيا ممعنا في رجعيته أو عقائديا جامدا عاجزا عن النظر إلى أي ثورة اجتماعية باعتبارها ظاهرة حية.

إن تصور إمكانية قيام ثورة اجتماعية دون ثورات تقوم بها الشعوب الصغيرة في المستعمرات وأوروبا، وبدون هبات ثورية يقوم بها قطاع من البرجوازية الصغيرة بكل ما لها من تحيزات، وبدون حركة من جانب جماهير البروليتاريا وأشباه البروليتاريا غير الواعين سياسيا ضد قهر ملاك الاراضي والكنيسة والملكية وضد القهر القومي.. الخ. – أقول أن تصور هذا كله يعني التخلي عن الثورة الاجتماعية. كان المتوقع هو أن تنتظم صفوف جيش في مكان ما ويقول «نحن للدفاع عن الاشتراكية» وآخر تنتظم صفوفه في مكان ثان ويقول «نحن للدفاع عن الامبريالية» وهكذا تكون الثورة الاجتماعية. إن من يتصور مثل هذا الرأي الذي يدعو إلى السخرية هو وحده الذي يستطيع أن يحقر من شأن الثورة الايرلندية بأن يدعوها “تمردا”.

إن من يتوقع ثورة اجتماعية “محضة” لن يحيا أبدا حتي يراها. فمثل هذا الانسان يثرثر بكلمة الثورة دون أن يفهم معناها.

لقد كانت الثورة الروسية عام 1905 ثورة برجوازية ديمقراطية. وكانت عبارة عن سلسلة متتابعة الحلقات من المعارك اشتركت فيها كل الطبقات والجماعات والعناصر الساخطة من السكان. وكان من بين هؤلاء جماهير يملأ قلبها تحيزات فظة غير واعية وأهداف مبهمة وخيالية عن النضال، وكانت هناك أيضا جماعات قبلت أموال اليابان كما كان هناك مقامرون ومغامرون.. الخ. ولكن من الناحية الموضوعية كانت الحركة الجماهيرية تقصم ظهر القيصرية وتمهد الطريق للديمقراطية ولهذا السبب كانت الطبقة العاملة الواعية بدورها الطبقي هي القائدة.

إن الثورة الاشتراكية في أوروبا لا يمكنها أن تكون سوى انفجار للنضال الجماهيري من جانب كل العناصر المقهورة والساخطة. وسيشترك فيها لا محالة قطاعات من البرجوازية الصغيرة والعمال المتخلفين – فالنضال الجماهيري مستحيل بدون مثل هذه المشاركة كما أن أي ثورة غير ممكنة بدون هذه المشاركة أيضا. ولا محالة أيضا من أن هذه القطاعات ستفرض تحيزاتها وخيالاتها الرجعية وضعفها وأخطاءها. ولكنهم موضوعيا سيهاجمون رأس المال. كما أن طليعة الثورة الواعية بدورها الطبقي وهي البروليتاريا التقدمية والتي تدرك هذا الحقيقة الموضوعية عن النضال الجماهيري بكل ما فيه من تنافر وتباين ستكون قادرة على أن توحد كل هذا وتوجهه وتستولي على السلطة وتسيطر على البنوك. وتنتزع ملكية المؤسسات الصناعية التي يكرهها الجميع على اختلاف شاكلتهم (رغم أن كراهيتهم ترجع لاسباب مختلفة!) وتتخذ إجراءات ديكتاتورية أخرى ستؤدي في مجموعها إلى الإطاحة بالبرجوازية وضمان انتصار الاشتراكية، والتي ستؤدي فورا وبالضرورة رغم كل هذا إلى تنقية نفسها من كل شوائب البرجوازية الصغيرة.

ونطالع في رسائل البولنديين (جـ 1 – فصل 4) قولهم «يجب على الحركة الاشتراكية الديمقراطية أن تستفيد من نضال البرجوازية الصغيرة في المستعمرات ضد الامبريالية الأوروبية حتي نزيد من حدة الأزمة الثورية في أوروبا».

أليس واضحا أن أضعف الإيمان أن نقابل بين أوروبا والمستعمرات في هذا المجال؟ إن نضال الأمم المقهورة في أوروبا، وهو نضال قادر على أن يمتد ليصبح تمردا وحربا في الطرقات، وقادر على تحطيم النظام الجديد للقوانين لاعسكرية، مثل هذا النضال «سيزيد من حدة الأزمة الثورية في أوروبا» لدرجة لا نهائية أكثر من أي ثورة أو تمرد في مستعمرة قاصية مهما كان مدي تطور تلك الثورة. إن الضربة التي توجهها ثورة في ايرلندا ضد البرجوازية الامبريالية الانجليزية لهي أقوي وأهم سياسيا مئات المرات من ضربة أخرى مماثلة تتلقاها تلك البرجوازية في آسيا أو افريقيا.

منذ فترة قريبة نشرت الصحافة الفرنسية الشوفينية تقريرا عن صدور العدد الثامن لصحيفة سرية في بلجيكا اسمها “بلجيكا الحرة”. والصحافة الشوفينية الفرنسية تكذب كثيرا بطبيعة الحال إلا أن هذا الخبر يبدو لي صادقا. وبينما فشلت الحركة الاشتراكية الديمقراطية الشوفينية التابعة لكاوتسكي في تأسيس صحافة حرة لنفسخها خلال فترة الحرب التي امتدت إلى عامين واستسلموا في خنوع لنير الرقابة العسكرية (ونذكر إنصافا أن العناصر الراديكالية اليسارية هي وحدها التي اصدرت كتيبات وبيانات لها رغم الرقابة) – أقول بينما حدث هذا نجد أمة متحضرة مقهورة وقفت ضد قهر عسكري لا مثيل له في وحشيته بأن اسست مجلة للاحتجاج الثوري! ولكن جدل التاريخ يعلمنا أن الأمم الصغيرة وهي أمم لا حول لها ولا طول باعتبارها عاملا غير مستقل في النضال ضد الامبريالية، إلا أنها تلعب دور الخمائر التي تساعد القوة الحقيقية المعادية للامبريالية، أي البروليتاريا الاشتراكية لكي تظهر على مسرح الأحداث. وتبذل القيادة العسكرية للحرب الدائرة كل ما في استطاعتها لاستخدام أي حركة ثورية وقومية في معسكر الأعداء، الألمان يستخدمون الثورة الايرلندية، والفرنسيون يستخدمون الحركة التشيكية.. الخ. وهم يتصرفون تصرفا سديدا من وجهة نظرهم أن الحرب الجادة لا يمكن معالجتها بصورة جادة لو لم يستفد قادتها من أوهي نقط الضعف لدي العدو، ولو لم تمسك بكل فرصة تسنح لها وإلا سيكون مستحيلا أن يعرفوا مقدما في أي لحظة وأين ومدي قوة “انفجار” بارود مجلة من المجلات. سنكون ثوريين تعساء للغاية لو أننا أبان حرب التحرير العظمى التي تخوضها البروليتاريا من أجل الاشتراكية لم نعرف كيف نستفيد من كل حركة شعبية ضد كمل مكارثة تسببها الامبريالية حتي نشدد من قوة الأزمة ونوسع مداها. ولو كان كل همنا أن نردد بألف نغمة الإعلان القائل بأننا “ضد” كل اشكال القهر القومي ثم من ناحية أخرى نصف الثورة البطولية التي تقوم بها أكبر القطاعات مرونة واستنارة لطبقات معينة في أمة مقهورة ضد قاهريها بأنها “تمرد” فإننا بذلك نغوص إلى نفس الدرك الأسفل من البلاهة التي تردي اليها أتباع كاوتسكي.

لقد كان من السوء طالع الايرلنديين أن هبوا ثائرين قبل الأوان. أي قبل نضج ثورة البروليتاريا الأوروبية. إن الرأسمالية لم يتم بناؤها على نحو متسق بحيث يمكن لمصادر الثورة على اختلاف أشكالها أن تمتزج فورا في توافق ودون انتكاس أو هزيمة ومن ناحية أخرى فإن الحقيقة الواقعة وهي أن الثورات تندلع في أزمنة مختلفة وأماكن متعددة وتتباين أنواعها، هذه الحقيقة وحدها تضمن مدي واسعا وعمقا للحركة العامة.. ولكن خبرة الجماهير تثري ومعرفتها تزداد وقوتها تتدعم من خلال الحركات الثورية الفجة والفردية والمتفرقة والتي تكون لهذا السبب حركات ثورية فاشلة، بيد أن الجماهير من خلال هذا كله تهتدي أي قادتها الحقيقيين وهم البروليتاريين الاشتراكيون، وبهذا كله تمهد الجماهير الطريق لغزوة فتح عامة عن طريق الاضرابات والمظاهرات وحركات تمرد داخل الجيش على نطاق محلي وقومي، وهبات ثورية بين صفوف الفلاحين.. الخ. ولقد استطاعت الجماهير بمثل هذه الأحداث أن تمهد الطريق لثورة عارمة في عام 1905.

خاتمة

علي عكس التأكيدات الخاطئة للاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين فإن مطلب حق الأمم في تقرير المصير لعب دورا في اثارة حزبنا للجماهير لا يقل شأنا على سبيل المثال عن تسليح الشعب وفضل الكنيسة عن الدولة وانتخاب الشعب لرجال الدولة وغير ذلك من الموضوعات التي يسميها المراؤون المتعصبون “خيالات وأوهاما”. وعلي العكس أيضا فإن تدعيم ومساندة الحركة القومية بعد عام 1905 ساعد حزبنا بطبيعة الحال على خلق حركة اثارية أقوي ويدخل ضمن هذا عدد من المقالات صدرت عام 1912 – 1913 وقرار حزبنا في 1913 الذي أعطي تحديدا دقيقا “معاديا لاتجاه كاوتسكي” لمضمون هذه النقطة * (وهو أننا لا نسمح بمجرد الاعتراف اللفظي فقط).

وجدير بنا ألا نتجاوز واقعة كشفت عن نفسها في تلك الفترة الزمنية المبكرة. فثمة انتهازيون من قوميات مختلفة: يوركفيتش الأكراني وليبمان البوندي وسيمكوفسكي وبتروسوف الميرميدون الروسي.. وشركاهم كل هؤلاء كانوا يتحدثون مجندين لحجج روزا لوكسمبورج ضد حق تقرير المصير! فما كان بالنسبة لروزا لوكسمبورج وهي الاشتراكية الديمقراطية البولندية مجرد تعميم نظري خاطئ للظروف النوعية للحركة البولندية، أصبح سندا انتهازيا موضوعيا للامبريالية الروسية عندما طبق عمليا على ظروف وأحداث أكثر مدي واتساعا وظروف دولة كبرى بدلا من دولة صغري وعندما طبق على نطاق عالمي بدلا من أن يقتصر على نطاق بولندا. ولقد أثبت تاريخ اتجاهات الفكر السياسي (كشيء متميز عن آراء الأفراد) صواب برنامجنا.

إن الامبرياليين الاجتماعيين الصرحاء من أمثال لينش لازالوا يتخذون موقف العداء السافر من حق تقرير المصير ونبذ سياسة الضم. أما بالنسبة لأتباع كاوتسكي فإنهم يقرون رياء حق تقرير المصير. وبدأ تروتسكي ومارتوف يأخذون نفس الطريق هنا في روسيا. إذ أن كلا منهما يقول ما يقول كاوتسكي من أنه يحبذ حق تقرير المصير. ولكن ماذا يحدث في التطبيق العملي؟ لنأخذ مقالات تروتسكي شاهدا على ذلك “الأمة والاقتصاد” في مجلة ناش سلوفو سنجد فيها اتجاهه الانتقائي المألوف! فالاقتصاد من ناحية يوحد الأمم، والقهر القومي من ناحية أخرى يفرقها. فما هي النتيجة؟ النتيجة هي أن اسلوب الرياء السائد يظل خافيا، وتصبح الاثارة عملا غبيا ولا تمس أخطر الموضوعات شأنا وأكثرها أساسية ودلالة وأشدها ارتباطا بالتطبيق العملي – اتجاه المرء نحو بلد يقهره بلده هو. أما مارتوف وأمثاله من السكرتاريين في الخارج فانهم يقنعون بالنسيلان – مجرد سهو – ينسون نضال قرينهم وزميلهم سيمكوفسكي ضد حق تقرير المصير. ولقد كان مارتوف يكتب في الصحافة العلنية (ناش جولوس) محبذا حق تقرير المصير ويشير إلى الحقيقة المؤكدة: أن التعاون المشترك لم يحن وقته بعد أثناء الحرب الامبريالية.. الخ. بيد أنه كان يتحاشي الموضوع الرئيسي – كما كان يتحاشاه أيضا في الصحافة السرية وهي الصحافة الحرة – وهو أن روسيا حتي في وقت السلم قدمت للعالم سجلا لقهر الأمم على أساس إمبريالي ولقد كان سجلا فظا رجعيا ومتخلفا اقتصاديا تسوده البيروقراطية العسكرية. إن الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذي “يقر” حق الأمم في تقرير مصيرها على نحو ما يقره السادة بليخانوف وبتروسوف وشركاهما أي دون أن يتجشموا مشاق الكفاح من أجل حرية الأمم المقهورة في الانفصال وهي الأمم التي تقهرها القيصرية إنما هو في واقع الأمر امبريالي وخادم يتزلف للقيصرية.

نحن لا يعنينا في شيء النوايا “الطيبة” الذاتية لتروتسكي ومارتوف وانما ما يعنينا هو أن أسلوبهم المراوغ كان يساند موضوعيا الامبريالية الاجحتماعية الروسية. إن عصر الامبريالية قد أحال كل القوي العظمى إلى قوي قاهرة لعدد من الأمم، كما أن تطور الامبريالية سيؤدي حتما إلى انقسام أكثر تحديدا بين الاتجاهات والآراء حول هذه القضية داخل الحركة الاشتراكية الديمقراطية العالمية؟

كتب في يوليو 1916 ونشر في أكتوبر 1916 (نشرت طبقا لنص سبورنيك )

في العدد الأول من مجلة سبورنيك سوسيال

ديموقراط، وقد صدر ممهورا بتوقيع :

ن. لينين.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s