حدوتة “الشاطر حسن” فؤاد حداد ـ متولي عبد اللطيف

Posted: 26 مايو 2012 in كتب وموسوعات, مختارات أدبية
الوسوم:, , ,
فؤاد حداد
متولي عبد اللطيف
الواحات الخارجة-رمضان 1382

الدنيا اتخلقت من زمان يا ولاد، ومين عارف كام ملك مات وكام صعلوك ولا باقي منهم غير السيره والحواديت وكان ياما كان.

إشي فارس فوارس بالسيوف والنيل، واشي يقاوح التيار وقد الزبل، واشي زينا.

طب واحنا مين؟

ما احنا الفوارس واحنا اللي بنقاوح التيار بحق وحقيق، بنى آدم أشد من الصخر لكن قلبه رقيق. نحن لبعضنا يا ناس، نحب ونحس وندفي بعض، نجتمع في الدار، نقيد النار، نتسلى بعد الفطار، نضحك ونبكي، نحدت ونحكي عن الشطار.

ومن الشطار مافيش أشطر من الشاطر حسن يا ولاد، لما أتولد امه ماتت وابوه الملك قال «فرحة كبيره وحزن كبير، حبيبي يا ابني، إن كنت ما اقدرش أعوضك عن حنان الأم مش كتير أبداً أعيش عازب بقية العمر دا ياما قالوا وعادوا عن مراة الأب، من قبل التاج على راسي، الكلمة دي حلقة في وداني: كل حبي لابني»

هنيا لك يا شاطر حسن كل حب الوالد وعز الملوك لكن أنت من صغر سنك لك هم أكبر. مُغرَم بالفروسية، تحب الرمح في الخلا الواسع والقزْح فوق القنا والصهلله في الريح، جل من أنشاك

لك قلب زي الحمامة صهللت في الريح

كبْدك يا كبد اليتامى بالمحبّه جريح

فارس يا شاطر حسن!

ولا فارس إلا بمهرته. وكان سرج الشاطر حسن حياته بالنهار وأحلامه بالليل على مهره من أكرم الخيل، حورية زيّ اللي كانت بترعَى في الجنّه اسمها فردوس سودا سواد الليل بتلمع لمعة الأبنوس، غير شى في قورتها هلال أبيض وتُهْت أنا، يااهل الغنا والحظ، عدوا لي محاسنها، دي كانت مُهره

كانت مهره

مالهاش شهرة

إلا هلال أبيض ع القوره

 

كانت مهره كلها إسود
المِسْك مكحلها بمرود
لما انفكّت من ع المِدْود
زيّ الريح راحت منطوره

 

كانت مهره…

من أول نظره اللي يشوفها
حيقول أسَرتنى بمعروفها
ترميها الأرض وتلقفها
زىّ الجنّيه المسحوره

 

كانت مهره…

 

تسبق ولا حدش يسبقها
ولا ترضى لحد يعرقها
غير اللي مربيها وساقها
ويجيب لها لبن العصفوره

 

كانت مهره…

ينزل م القصر الصبحيه
يحضن رقبتها بحنيه
يعصرها وتتلفت هيه
ما كأنش هي المعصوره

 

كانت مهره…

وعلى الهلال الأبيض كان الشاطر حسن يبوس كل ما يصبح عليها الصبح أول ما يصْحَى وكل ما يمسّى عليها الليل قبل ما ينام لكن لا الربيع بيدوم.. ولا يدوم السلام!

راحت أيام – وجتْ أيام. شاطر حسن على مهرته تشيله خميلة وتحطه خميلة والملك بيرعاه من بعيد، لما طال قعاده في قلب القصر وحداني، وكل مرايه في القصر ترد له شيبته، طال الكلام بينه وبين نفسه قال «ولا طير في الدنيا وبيحن لوليف» قال «يا حليف الشوق، ومش حتعيش قد اللي انت عشته، ركك على الطير اللي تعجبك ريشته، يبقى زي الصبح لعينيك إللي كلت، ويدفي قلبك بحق السنين إللي ولت»

قال الملك «الليله دي لما يرجع الشاطر حسن أجس خيمه»

رجع الشاطر حسن من رحلة الصيد والفروسيه وسلم مهرته على البوابه للسايس، والعافيه هابله يا ولاد، خد سلالم القصر قزح في كل قزحه عشر سلالم، على آخر دَرَجَه من السلم كان أبوه مستنّيه وعلى وشه ابتسامه حلوه وفارد إيديه، خد الشاطر حسن بالحضن وباسه من قورته وحط إيده على كتفه واتمشى بيه، نزلوا سلالم القصر، دخلوا من باب الجنينه، قعدوا قعده لينه بين زهور الفل والياسمين، شربوا شراب التين، أتشجع الملك وجمد قلبه وقال للشاطر حسن على الحكاية وما فيها، قال له «أمرك يابا» وضحك الشاطر حسن وقلبه حزين.

فيه مثل بيقول: الغيره لو دخلت قصر تقلبه زنازين. الملكة الجديده بعد شهرين بدأت تاكلها الغيرة من الشاطر حسن، قالت «يا دادا الولد واخد منى قلب الراجل وعقله».

قالت لها «ما تحمليش الهم يا ست الستات، أنا من بكره أخبز لك لوحين رقاق وانشفهم في الشمس وتفرشيهم تحت المرتبه وتنامي وتتغطي باللحاف وتزعقي بالقوي

يجي لك الملك مذعور

تبصي في عينيه وتتقلبي فوق المرتبه من هنا ومن هنا، علشان الرقاق يطقطق وكل ما يطقطق الرقاق تقولي آه يا عضمي اللي بيتكسر، آه يا عضمي اللي بيتكسر، على جنبك اليمين آه يا عضمي اللي بيتكسر وعلى جنبك الشمال آه يا عضمي اللي بيتكسر. يا حسرة الملك أن ما كان يتحسر ويجيب لك الحكما من السند والهند يوصفوا لك الدوا ألوان. مافيش فايده.

أتقدم أنا للملك، وأقول له أنا جاني هاتف في المنام،

ما اعرفش إن كان إنس والا جان، ورن صوته في وداني زي الطبل، قال اصحي يا حزنانه على ستك، الدوا عندك في حوزتك: قلب مهره ينشوي، بس مهره كلها إسود في إسود، والهلال أبيض بيضحك بين عينيها.

الملك حيلف ومهما يلف، مش حيلاقي غير مهرة الشاطر حسن وإن كان بيحبك بصحيح يدبحها ويشوى قلبها، وشاطر حسن يتقهر عليها من كتر ما بتحبه ويحبها، ونفسه تتصد عن القوت، ويفضل يخس.. يخس، لحد ما يموت، ولا حد يسمع لنا خبر ولا حس!»

هس.. ! هس..!

المهْره في الإسطبل واقفه مطرطقه ودانها، تسمع دبيب النملة اللي بتفارق مكانها، سمعت كلام الدادا استعجبت. ضربت حافرها في البلاط نور، وشراره طارت صحت الشاطر حسن من عز نومه، قام، ومش عارف سبب صحيانه من بدري، رجليه على الإسطبل وبتجري – إلتقى فردوس واقفه مشمرة، وعينيها الوسعين نجفة منوره، خبى وشه وبده يتقهقر ورا، إلا والمهره تقول له بصوت حنين «تعالى ما تخافش يا شاطر حسن!»

قال «يا مهره أنت بتتكلمي؟!»

قالت «… وباغني!»

آه يا ويل الظالمين
آه يا ويل الظالمين

 

يا حَسَن يا اللي مربيني
يا شفايفه اللي تحبيني
يا هلالي وضي جبيني
مين حيبكي عليكم مين

 

آه يا ويل الظِالمين

 

ما افتكرش إن مُتّ حاداوى
ما افتكرش لقلبي حَداوي
غلّبتني خيانة الغاوي
قلبتني شمال ويمين

 

آه يا ويل الظالمين

 

قلبي غير قلبك ما حيشفى
هات إيديك الإتنين على كتفي
يا حسن شاطر ويا ولفي
يا حسن شاطر وحزين

آه يا ويل الظالمين

 

مش بإيديك لازم نشقى
قلبي قلبك مهما حنلقى
يا ابن يوم وارد ع المسْقى
العكاره بقى لها سنين

 

آه يا ويل الظالمين

 

فيها إيه نسبق أيامنا
الطريق مفتوح قدامنا
حربنا توصل لسلامنا
والصحارى للبساتين

 

آه يا ويل الظالمين

 

شاطر حسن قال «يا مهره بلاد الله يا خلق الله»

والمهره زي البراق طارت تشق الريح، والأرض ما تمسش حوافرها. والبلاد بتفر من تحتها كما حب سبحه في إيد نبي. المهره والشاطر حسن كما صبيه وصبي، سرقوا الحجاز واليمن، سرقوا المكان والزمن، رمت بعينها، رمى بعينه، لمح، لمحت، شبك منشور. والشمس زي اليوسفي المقشور في مرايه من دم وعرق بحرين.

يرحمنا رب كريم من حُسْن ما في الدنيا، حتى في الشقا والفقر!

والمهره وقفت بالشاطر حسن بين السما والبحر، قالت «لبعيد وشطينا – في قرى الصيادين وحطينا – لو تفهم قصدي تقول علينا ما وطينا».

المهرة قالت «بص يا شاطر حسن وحقق وحكّم العقل بميزان، دول اللي نطّقوا البحر زي أنت ما خليتني أنطق. العرق والزفاره وعبل الأيام على الجلاليب، والقلب زي الحليب!»

قالت المهره «تبدل بدلة الملك بجلابية صياد» شاطر حسن فتح عينيه وقرا في كتاب الحواري والقرى.

والمهره طارت بالشاطر حسن

شاطر حسن فرحان بتعبه ما بيخلصش من عجبه، مَرْوح على قلبه بألف جناح، والجو بيشعلل عرق وسلاح – حديد في حديد. قال «يا مهرة شطينا لبعيد». قالت «لبعيد وشطينا، في كور الحدادين وحطينا، لو تفهم قصدي تقول علينا ما وطينا».

بين السندال والوتد، شاطر حسن زي اللي من جديد أتولد قالت المهره «تليق طاقية الحداد على راسك» شاطر حسن لبس طاقية الحدّاد على جلابية الصّياد، واتوكّل.

بقوة حدّادين

وصبر الصيادين

شاطر حسن متطبع

فوق المهره ومتربع

والدم في خده بينبع

والدنيا تهون على مين

غير الفقرا المساكين

المهرة قالت «نده لي صاحب الخاتم قبل ما أفارقك يا شاطر حسن أدي شعرتين من خُصْلتي ما تعينهمش من على بزك الشمال، وكل ما تعوزني إدعكهم بين صوابعك، تلاقيني قدامك»

مسكين يا ناس اللي يقضي اللي وحدانى!

الفجر شقشق وفرحت العصافير وجناينى قصر الملك رايح على جنينته، عتر في جسم على السلالم، قال «إصحي يا نايم، إصحى يا مسكين، باين عليك الغربه والبهدله، قرب ساعدني في ري الورد يا ولدي، واللقمه اللي فيها بر تكفي اتنين!».

راح معاه الشاطر حسن، دخلوا الجنينه، دله على العش اللي حينام فيه، وقال له روح بقى يا ابني، لف في الجنينه واتفرج عليها بس ما تغيبشي

شاطر حسن مشي في الجنينه يتفرج لحد ما وصل تحت قصر الملك، سمع ورا ضهره ضحكه زي سلاسل الفضه ولما بص وراه شفته انجرحت من العضه، ورف قلبه كما بيرف جفن العين.

أتَرِنّ بنت الملك الأميره ست الحسن بتلعب ويّا دادتها والعين صابتها ولا قدرت تحوش العين!

ولا قدرت تحوش العين!

والحب أعمى ما يعرفشي أمير وغفير، ويا أسعد الأيام اللي انقضت بسلام في حضن الورد، لو كان يدوم السلام.

فات شهر، شهرين، حط البين على القصر. الملكة بتموت يا أهل الغوت والعصر، والحكما قالوا شفاها من لبن لبوه. مين اللي يغلب ويحلب لبوه في عرينها؟! الملك بينوح على الملكة وست الحسن بتنوح على أمها، وزعق المنادي وقال:

عاوزين جدع صبوه يحلب لبوه في عرينها

وأميرة القصر تبقى عروسته ويزينها

اتلمت الخيالة والشجعان. وقفوا بخيولهم قبال القصر في الميدان، مستنظرين الإشاره وتبدأ الرحله، وكل فارس يمني نفسه بالفوز، ويا بخت مين فاز وحاز قلب ست الحسن.

قال الشاطر حسن «حاخد الحماره العرجا يا عمي واجيب اللبن» قال له «لبن إيه يا حسن؟! انت اتجنيت يا جنايني!» قال «ما حد غيري اللي حيجيب لبن اللبوه بس ادعي لي يا عمي» قال «بالسلامه يا حسن».

ركب الشاطر حسن على الحماره، لحد ما لف الشجر وادّارى، نزل ودعك الشعرتين، إلا وفردوس قباله تمط له الشفتين في غمضة عين حسن الجنايني – حسن شاطر – حسن خيال – طاير يجيب لبن اللبوه!

منين يا ولاد؟

وادي الأسود كان في سابع مملكه. بينه وبين العمار سبع صحارى، ومسوّراه الجبال من كل جانب زي الحرس بسلاح ، إن بني آدم لاح على مدد الشوف يسمره الخوف ويسقط قلبه بين رجليه.

ولا بطل من الأبطال ولا صاحب شهامه من الشطّار قطع من الغبرا على الوادي إلا وشهقت الغزلان على بعد ألفين ميل، حين الأسد زمجر وحين طقْطقت الخوذه والدرع واتعجَن الزرَد بين المخالب زىّ القشّ المبلول.

روس الجبال قالت «جوى أحر من الصيف وأبرد م الشتا. رملي زي الشوك وحجارتي زي النار، يا ما بلعتْ بطني من الخيول المُطهّمَه البيض والزُرْق، والبنيه والبُلْق ومن عليهم صفوة الخياله وصناديد الأمم!

«وانت يا مُهره غطيس، عليك ميّت والا عريس؟!» قالت «على قورتي هلال الفراديس وعلى ضهري الجناينيّه وصيّادين البحر والحدّادين، إسمهم شاطر حسن!».

ولا حَدّ شاف وادي الأسود ولا حدّ شاف الشاطر حسن على مُهرته بعد ما شقّوا الفوارس صفّين، وعدّوا السبع ممالك من السبعة أبْواب زرقوا من الغْبرا زي السهم لما يرنّ. والأرض بالإنس همدت والسما بالجنّ، ولا عين تفتح إلا عين الشمس، ولا صوت.. إلا دعا القلقان «يا ريتنا كنا لسه في امبارح».

المهره ما دريتش بالهلع، المهره زهزهت بالشاطر حسن أبو على، شالت الجبال وحطتها، طلت على الوادي هبطت زيّ السيل، إتاخرت مغاور الأسود، وعرفة المهره هاجت زي بحر الليل.

شاطر حسن قال «السيف اللي في إيدي ما يجبش الدم، أنازل أشد من فيكم ملك أو وزير ببطن إيدي، إن فرسني فرسني، وأن فرسْته تحُقّ عليكم كلمتي.

اتنحنح ملك الغابة ما تعرفش كشر والا اتاوب والا ضحك، قال “ما بين الغربه والتربه إلا فجر بني آدم. الشرط مقبول! وتعالى بالسيف لو حبّيت يا شاطر!».

كل الأسود خدوا جانب، والمهره خدت جانب. قال «صنعتك إيه يا شاطر؟» قال «باسقي ورد الجناين واصرع سباع الفلا!» فز الأسد، طوله طول الشاطر حسن مرتين. لكن الحيلة صناعة بنى آدم، في غمضة عين كان الشاطر حسن قاس المسافة والعواقب، وبخطوه لا زادت عُقله ولا نقصت اتفادى فزة الأسد. هيفتْ! وراح كل جسمه طايش في الهوا.

قال له «ما كانش الهوا على بال لو تقدر على النسمه جرحها يا ابو الأشبال!»

اتْملختْ عضلات الأسد من نطرتها ع الفاضي، ما لحقش يسمع ولا يتلفت وراه، شاطر حسن كان مخاوي رقبته بالدراعين، الأسد يتلوى وشاطر حسن على أنفاسه.

كل الأسود حمحمت من الغيط، فردوس ما حبتش تفرح قبل ما يرتاح لها قلب.

شاطر حسن اللي أصلب من عروق الصخر كان أمرن من عود الخرزان: الأسد يقب لفوق يقب معاه، يغطس لتحت يغطس معاه، يتمايل، يتحايل، يمين، شمال، يحط يحط معاه، فضل يعافر بالساعات لا قدر ينطر الشاطر حسن ولا يتخلص من قبضته. لما اتخنق من القهر راح زاعق زعقه.

الحمد للهّ! دا احنا هنا في أمان يا ولاد –

الجبال اتقلقلت والمُهره فردوس جفلت من تحت جلدها لكن ما لحقتش تخاف على الشاطر حسن كان الأسد ريّح وسلم.

نريح احنا كمان يا ولاد؟ والا نقول زي الشاطر حسن ما قال:

الحمد لله أنا الشاطر حسن يا ولاد
نزلت وادي الأسود وبهمتي يا ولاد
صبحت ملوك الغابات زي النبات يا ولاد
إسقي النبات يا جنايني

 

موّالي أخضر وقلبي دقته خضْرا
ومهرتي من سواد الليل وانا فارس
هلالها زي الهلالي في تونس الخضرا
وحافرها ناعم على بساط العجم فارس
أنا اللي كفي تكفي وصنعتي حاضْره
وانا بالعمل والكلام حرب وسلام فارس

 

كرّيت على المهره عدّيت الممالك سبع
كما سهم رامي ومرامي في عرين السبع
لما ملكته عفيته رق منه الطبع
قال حكمتك يا جنايني

 

أنا قلت رَضْعة لبن من بزّ بكْريّه
مربوطه بحبالْ مع الأشبالْ بكربه
واللي قطعها الضنى شابت وبكريّه
يا أمهات الأسود بالحُسْني حالبكُمْ
انقص ظُفري كما انقصّت مخالبكمْ
أنا اللي تلقوني وقت الحرب غالبكُمْ
تلاقوني وقت السلام زي الرضيع ودّاد

 

الأوله أنا من عز اللبن راضع
التانية عبيت حفاني وبالشفا راجع
التالته فُتنا البيبان بنعدى في السابع
يااهل الهوى لولا ستّ الحسن ما طاوع قلبي الأصابع ولا عمري طاوعت خيال
ولا كنت خيال ولا شاطر حسن يا ولاد

 

شاطر حسن لما وصل عند الشجره اللي رابط فيها الحماره نزل من على مهرته وباسها من الهلال الأبيض، وطبطب على خدها، وقال لها وهو يبص في عينيها «مع السلامه يا فردوس». قالت المهره «تسلم لفردوس يا شاطر حسن» وبص مالقاهاش قدامه.

شاطر حسن ركب الحماره العرجا لحد ما وصل الجنينه ودخل على الجنايني، راح الجنايني فازز من مطرحه مش مصدق عينيه وقال «إيه اللي معاك يا حسن؟».

شاطر حسن قال «معاي لبن لبوه»

قال الجنايني «ويش عرفنا يا بطل إنه لبن لبوه؟»

فكر الشاطر حسن شويه وقال «تبقى الملكة ماتخفش!»

الجنايني خد اللبن وطار على الأوده اللي راقده فيها الملكه،

دخل جَرى لا إذنك ولا دستور.

الملك كان قاعد حاطط إيده على خده، والحكما حواليه بيواسوه ومش راضيين يقولوا له إن الملكه حتموت بعد رُبْع ساعه إن ما شربتش لبن لبوه.. والملكه مسكينه نايمه في سريرها جلد على عضم.. وصفار الموت بيلعب على وشها ويا عيني عليك يا ست الحسن، العين حزينه وناحت في الرموش مواويل.. والبق مرر، من كتر ما شرقت بدموعك في حضن الليل.

الملك رفع وشه، التقى الجنايني واقف قدامه ومادد إيده باللبن، مالحقش يسأل ولا يطقس راح خاطف اللبن خطف وقعد على حافة السرير في ريح الملكة وعان راسها على كف إيده الشمال وسقاها بُقّ بإيده اليمين. هيّ شربت من هنا.. والدمّ جرى في خدودها من هنا، وبُقّ. في بق .. في بُقّ.. كانت قايمه قاعده في سريرها والدم في خدودها عصير رمان.

القصر هاص وزاط. وحلت الفرحه مكان الحزن والضحك بعد العياط، ولا حد زاط ولا حد فرح قد ست الحسن!.. أمال!.

حبيبها جاب الشفا تسلم لها إيده

والكرم طاب يا حسن أفرط عناقيده

راحت السَكْره.. وجت الفكْره، الملك قال للجنايني «إنده لنا الفارس اللي حيبقي نسيبي ووارث تاجي وحبيبي» نده الجنايني على الشاطر حسن، دخل، بانت الحيره والدهشه على وش الملك قال «انت اللي جبت اللبن يا شاطر؟»

قال

«ولا حد غيري اللي يجبيه»

صن الملك شويه وبانت على وشه ضحكه ميته وحط إيده في جيبه طلع ألف جنيه وقال للشاطر حسن «خد دول مكافأة على شجاعتك».

شاطر حسن قال «ولا تقل الجمل مال.. يساوى شعره من شعر ست الحسن والجمال» ست الحسن واقفه تتصنت ورا الباب، وصدْرها بيعلى ويهبط، كما صدر عصفور كان طاير في عز الحر، سمعت كلام الشاطر حسن كبر في عينها أكتر وأكتر، واتهيأ لها إن قلبها وقف ساعة ما سمعت أبوها بيزعق ويقول «إمشي أخرج بره، أحسن أنده لك السيّاف»

شاطر حسن بص للملك من فوق لتحت وادى له ظهره، ومشي على أقل من مهله لحد ما وصل العشه وقعد سرحان بيفكر

فات يوم.. اتنين.. تلاثه.. شبابيك ست الحُسْن مقفله.. شاطر حسن محتار – يا ترى هي فين؟ يا ترى حتعمل إيه؟ ست الحُسن تعمل إيه؟ قعدت تنوح على حالها..

وإيش تعملي يا بنيه
إيش تعملي يا بنيه
أميره بنت ملوك
وبيحرموك الميه

 

الحب لما ناداني
ما سمعتلوش بوداني
ساعة ما ناح القمْرى
لقيت دموعي بتجري
زي العيال على حجْري
زي اليتامى وأمهم في عينيه
وإيش تعملي يا بنيه..

 

يا عيني مهما جابوا لي
من الحرير واللولي
وعمروا دواليبي
يا عيني إرمي وسيبي
ما احبش إلا حبيبي
وكفايه ليله من الليالي الجايه
وايش تعملي يا بنيّه…

 

ليه الليالي بتقْسَى
فاضل لنا إيه لسَّه
دا العمر ورده بتنْدَى
وفين أنا وفين إنتَ
يا ابن الجناين إمتي
يحويني عشك واخدمك بإيديه
وايش تعملي يا بنيّه..

 

الملك سمع غنوة ست الحسن والدنيا اسودت في عينيه قال «الفاجره» وراح منطور من على الكرسي زي ما يكون لسعته عقربه، راح لست الحُسن التقاها قاعده حزنانه والدموع بتسح من عينيها شخط فيها بعلْو حسّه وقال لها «بتعيطي عشان حتة ولد جنايني، لا أنت بنتي ولا أعرفك، أول ما يطلع النهار تنزلي له بالهدوم اللي عليك وما تورّنيش وشك تاني.. اللي مشتاق للميه ينزل لها الواطي..

شاطر حسن ما صَدق أن النهار طلع قام من نومه مسرور الفؤاد كَنس العشّه ورشها.. وخد الحصيره اللي بينام عليها نفضها في الشمس ومسك القله جلاها بالحجر، وحطّ ع الميه نقطة ما ورد ونقطة زهر وفليه، وسد خروم الحيطه بطينه بليز، واتشطف على حنفية الجنينه، وقطف صحبة ورد وحطّها على القله في الشباك.

شويتين.. وست الحُسن داخله. تبارك الخلاق العظيم. العينين عينين بقر، والوش فلقة قمر، وماشيه تتخدَّع، وفيها من البطة وفيها من الغزال، مُنْعمَه للقلب مطعمه للعين، قالت بصوت يخجل الملايكه «صباح الخير يا أعز طير يا حسن»

قال الطير «صباح الحسن يا ست الحسن والجمال» وكان الطير فارش جلابيته على الحصيره قامت قاعده، وكان الطير مراعي للأدب خلى بينه وبينها شبرين وقعد. وأتهيأ له أن ودانه طولت هي وإيديه، ومش عارف يتكلم يقول إيه والاّ إيه!.

ست الحسن بتدحرج عينها في العشه لمحت في الركن هدمتين وسخين.. قامت وإيدها على الطشت. ولما شمرت الأكمام فج من تحت باطها ريحة الياسمين.

شاطر حسن خرج الجنينه وقعد يسقي الورد لحد الشمس ما غابت، وتاهت الدنيا في بطن الليل.

ويا رب دي حكمتك.. ناس تكره الليل وتخشى دخلته. وناس ما بتصدق يخش الليل ويرخي ظلمته.

نام الشاطر حسن في ريح ست الحسن بكل أدب. ست الحسن تناوشه وتناغشه، وهو كمشان تحت اللحاف، لا يحوش ولا ينوش.

أول ليله نام الشاطر حسن بكل أدب. تاني ليله نام الشاطر حسن بكل أدب. تالت ليله.. بكل أدب!

وفضلت الأيام تروح وتيجي وفضلت الحصيره على حالها.

وفي ليله من ذات الليالي بعد ما كنت طيور المغربية، والرمله سقعت، والورد لملم كاساته، قعد الخيال يرقص على الحيطه، زي العيال يلعب على الحيطه، والليل يقول.. هو.. هو .. هو.. لحد ما راحت المسرجه في النوم.. وست الحسن صاحيه ما تعرفش عينيها خدت على الظلمه والا القمره اتسرسبت من الطاقة، ست الحسن بتطالع في وش الشاطر حسن زي اللي بتقرا في كتاب: قالت «عينيك حزينه وفيهم سر بتخبيه» قالت: «باحبك يا حسن» قال «فداك اللي بتحبيه!».

كانوا راسين على مخده واحده.. نفسين تاهوا في عذاب الليل.. وآه يا دموع!.. شاطر حسن راجل وقادر عليك، أما ست الحُسْن يا حسره.. قلب الولايا ضعيف ما بيحتملش السر.

والعين كما البز من فرط الحنان بتدر.

ست الحُسنْ ، يا حسره، من بين الدموع بتقول «مش هاين عليك تكلمني يا حسن، ولا هاين تمد إيدك وتمسح دموعي، صعبان علي. دا أنا حلالك يا حسن!».

شاطر حسن قال «تحلفيني بالحلال أحلف لك، وادي إيدي على النعمه، إيدي على العيش والملح والميه الزلال إنت اللي في عينيّ إن غمضت أو فتحت قلبي ولوعتيه يا ست الحسن.. وبتسمعي لي الكلام، وأنا بودّي اسمع الدنيا. إسمك على لساني، ولا حد يعرف ينطقه زيي. وادي الأسود يشهد، والأرض اللي شايلاني والهم اللي عاصر قلبي، كلهم شهاد، وانا عايز رخام القصر يشهد لعشتنا، وتاج الملوك يشهد لطاقية الحداد والبهرج والأبهه والكبر – ألمهم في شبر، وتدوسي عليه يشهد بإن ست الحسن للشاطر حسن!»

ست الحسن مسحت دموعها.. وسمع الليل يا حبيبي وسمع الليل يا حبيبتي، وحنية بني آدم وأنفاس الرقه والهنا، وسمعها بتقول «يا جناينى أنا شايفه الدنيا كلها جناين».

شاطر حسن قال «لسه بدري. الدنيا مش قصر عالي وعشه من تحته. ما تعرفيش السور إيه اللي وراه، وما تعرفيش السوق إيه اللي فيه، أنا كنت ابن ملك، خش الغريب قصر ابوي ورماني في الغربه، دوخني كيد الممالك. واللي يعيش ياما يشوف واللي يمشى يشوف أكتر! ومافيش سلام طول ما في الدنيا كبير وصغير!».

اتنهدت ست الحسن زي ما يكون انزاح من على صدرها حِمل تقيل وقالتْ سيبنا يا حسن من سيرة الطمع والغدر وقصور الملوك. زي ما انت قاسيت أنا رخره برضك قاسيت. وابوي كان عاوز يجوزني جسد بلا روح، لولا أنت جيت. يا سلام عليك يا دنيا لما بتضحكي وآه منك لما تغلبي الإنسان، فيك من جمال الورد ورهبة الموت. شوف يا شاطر حسن، الدنيا فيها القناعه وفيها الطمع! وجنب عود القمح بيطلع الدحْريج. أوصيك يا حسن والزمان يوصيك.. تخلي بالك من الوزير اللي عامل وفي للملك وهو طمعان فيه. الوش باسم وتحت الهدْمه ناب تعبان، وعمره ما حينسىَ إنك خدتني منه، وانت اللي جبت اللبن يا جنايني يا غلبان.

«بسم الله الرحمن الرحيم!… إيه الأصوات دي يا حسن؟ بتقرب يا ترى والا بتبعد؟ أنا قلبي خايف وجسمي كله بيتنفض! دا طبل عالي حزين، كأنه في الضلمه بينادي على الشياطين.. إسمع كدا».

دقت طبول الحرب
دقت طبول الحرب

 

زعق النفير بالويل
سيح أمان الليل
وقفت شعور الخيل
حاسين بساعة كرب

 

دقت طبول الحرب
دقت طبول الحرب

 

فزعت ولايا الناس
خرجت عرايا الراس
ع الجمر يا نخاس
أنا دُست حافي الكعب

 

دقت طبول الحرب
دقت طبول الحرب

 

الموت طليق الناب
بيفرق الأحباب
الموت على الأبواب
سادد علينا الدرب

 

دقت طبول الحرب
دقت طبول الحرب

 

يا اللي أخوي الروح
علم حمام الدوح
بعد الهديل النوح
بعد النواح الندب

 

دقت طبول الحرب
دقت طبول الحرب

 

كنا سوا الاتين
ليالينا كانت زين
كانت تبكي العين
صبحت تبكي القلب

 

دقت طبول الحرب
دقت طبول الحرب

 

الفجر إدن ولا حد التفتْ لأدان، والحرب أكفر من الجوع تلهيك عن الناس وتحملك هم الناس على همك.

عين الشاطر حسن ما عرفتش النوم، مع أول خيط وكان واقف قال «يا سهر الليل سهر النهار أعظم» والتفت لست الحسن طمنها، قالت «صوتك غريب ومش غريب على وداني» قال «ما تخافيش يا ست الحسن! لو اجتمعت شياطين الإنس والجن مش حيقدروا يمسوا شعرايه من جسمك طول ما أنا حيّ!»

ست الحسن رفعت راسها من على المخده وقعدت على حيلها تبص للشاطر حسن وهو واقف في دُغميشة الصبح واتهيأ لها إنه طِوِل واعْرض والابتسامه الحنونه سايحه على وشه السمح. قالت «طول ما انت في ريحي يا شاطر حسن، الدنيا وما فيها».

شاطر حسن خرج الجنينه. كان الملك قاعد وحواليه الوزراء والقواد يتشاوروا. صوته اللي كان شاب شاخ في ليله واحده وبانت عليه الذله والمسكنه، قال «المملكه محاصره من كل جانب بجيوش ما لهاش عدد ولا حصر، بعتنا الجواسيس مارجعش منهم إلا واحد قال الخيول تردم بحر وقال استولوا في طريقهم على خمس ممالك وأكبر مملكة ما استحملتش أكتر من يوم وليله، وسقطت قلعه ورا قلعه وحصْن ورا حصْن زي ورق الشجره الناشف في ملقف هوا»

سكت الملك شويه.. وخد نفسه بصوت مسموع، قال «احنا وقعنا خلاص.. ما فيش قدامنا غير الهرب في ظلام الليل».

شاطر حسن سمع كلام الملك هز راسه من فوق لتحت وخد بعضه وخرج من الجنينه، وقف على جنب وطلع الشعرتين من على بزه الشمال، ولسه بيدعكهم كانت فردوس قصاده بتضرب الأرض بحافرها وتصهل بحنيه وتشّب على رجليها الورّانيه تعظّم الشاطر وتضرب له سلام.

قالت «من غير كلام يا شاطر حسن، عارفه اللي حتقوله وتحت سرجى بدلة الحرب السودا.. إلبسها واركب. وانا كلّ شعره في جسمي سيف بتار!».

شاطر حسن يا أشطر الشطّار! تسمح لي أنا الشاعر، أقف وقفه، واجيب ورقه، وامول حبتين أقول يا ليل ويا عين ويا ولدي، وأنا بادافع يابا عن بلدي، وانا بجمالك يا بطل مخطوف، قلبي عليك بيطوف، عيني ترقيك، لساني يحن ويقول فيك: على مهرته السودا سواد الليل، شاطر حسن إسود سواد العين – عنتر وعنتر عنترين.

بنطه واحده خطى سور المدينه، طاير كما البرق الأسود في النهار الأبيض. العساكر في الميدان زي ما يكونوا في حلم، رفعوا عينيهم لفوق – يا ستار! مهره نازله من السما اسود غطيس، زي مية نيل تصُبّ من الهويس.

اتغيرت الكفّه وانقلبت الآيه، الأرض قالت يا سما إنت معاىَ قالت معاك، وحمل الشاطر حسن على المعتدي، حمل الشاطر حسن على الغاصبين، قبل ما يفوقوا من الدهشه، كانت المهره في قلب المَعْمَعَه، قبل ما يشتتهم الذعر كان السيف مساويهم، بالحد اليمين ألف والحد الشمال ألفين.

في كل خطوه وكلّ غمضة عين، شاطر حسن يضرب بالحدّ اليمين ألف والحدّ الشمال ألفين لحدّ ما بعتبر العساكر على الأرض زي ردّة المَنْخل.

الملك واقف بيتفرج من بعيد ولاوي لجام الفرسه وناوي على الهَرب. شاف النجده نزلت من السما، اتنفس وطل على الوزير التقاه رافع حواجبه من الدهشه. الاتنين مثلوا على بعض الشجاعه ودفعوا بخيولهم خطوه لقدام.

المهره فردوس شبت بالشاطر حسن وصَهلت صهلة النصر، إلا وحَرْبه تزن من بين ودانها وعارفه سكّتها للشاطر حسن.

الملك والوزير اتسمروا في مكانهم، شاطر حسن كان أسرع من البرق رمى كل تقله لورا، عدت الحربة بسلام، بس طاله كعبها وخدشه فوق حاجبه اليمين خدش على صوره هلال.

ملك بلاد الغرب لما انهزم جيشه، نزل بنفسه الميدان يسبقه طيشه، على فرسه حمرا مجنونه زي النار، من فوقها تتكسر ضلوع الريح، ومن تحتها تطرقع الأرض زي علبه صفيح،

شاطر حسن شك بالحرية طير خوذة الملك، هدر زيّ الموج الغضبان وفضل يقول رايح جاي:

القتل كيفي وحلالْ
واقْلعْ شواشي الجبالْ
بحد سيفي اليمين
وحد سيفي الشمالْ

 

شاطر حسن قال «انت اللي جيت للقضا بكيفك يا ملك مغرور اشتريت الناس بالدهب لقيت سيوفهم خشب، أنا اشتريت الناس بالمعروف وانا الفايز. كيفك وحلالك القتل، كيفي وحلالي الزرع والمحبه.

أنا حد سيفي الشمالْ
كما حد سيفي اليمينْ
يقتل ملوك الضلالْ
ويولد الفدادينْ

 

اتلاقت السيوف، وردّد صداها الخلا، وسبحت الخيول بفُرْسانها زي القوارب في البحر، شاطر حسن بيدور ويلف مع الموج، الملك مش عارف يلاقيها منين والا منين، قال «أنا باحارب شاطر حسن واحد والا ألف؟» شاطر حسن قال «مش حتسمح الرد بودانك لكن حتشوفه بعينيك».

ملك بلاد الغرب ما عرفش إيه اللي زغلل في عينيه: سيف الشاطر حسن والا الشمس والا تار السبايا والرضعان والمظاليم من يوم ما ورث من ابوه التاج وفُجْر الملوك والخديعه والافْترا.

ملك بلاد الغرب ودّع الدنيا على ليل مالوش آخر. المهره فردوس وقفت على راسه وحجبت الشمس بعرضها السارح.

المهره فردوس على جبينها هلال أبيض، والشاطر حسن على جبينه هلال من دم. ضحكت لهم شمس النهار. رقصوا في شمس النهار رقص الهلال والهلال. ورنت الحدوه كما الخُلْخال. واتمايْلت المهره بحسن شاطر حسن خيال.

حسن شاطر حسن خيال
بعود فارع وقلب عيال
وسيف في يمينه بيلالي
مراية قصر في المقيال

ومهره يزينها وتزينه
هلال وهلال

يعينها زي ما تعينه
وإخلاصهم مالهش مثال

 

حسن شاطر..

لجام المهره ع الغارب
حسن لف وحسن حارب
ونورهم في السما ضارب
هلال وهلال

وانا عطشان ومش شارب
لحد ما ابشر الأجيال

 

حسن شاطر..

 

وكانت مهره جنيّه
وكانوا ملوك جنايْنيّه
ومن رقصه لأغنيّه
هلال وهلال

لمحها الطير وقال هيّه
وحطّ الإنسانيّه وشال

 

حسن شاطر..

رقصنا الليل وغنّينا
وفوق الخيل ما ونيّنا
حسن والمهره في عينينا
هلال وهلال

وستّ الحسن في جنينه
بتسقي الورد بالموّال

 

حسن شاطر…

وست الحسن.. في جنينه بتسقي الورد بالموّال وعينيها سارحه لبعيد والقلب مشغول على غياب الشاطر حسن.

يا ترى يا حسن إنت فين؟ إيه اللي حايشك؟ يا رب ترجع لطيرك، وللجنينه اللي ما لهاش حسّ من غيرك! ترجع لي يا شاطر حسن بالسلامه.

رجع الملك.. بالطبل والزمر والرقص والغنا.. اتمدت الحبال بين الشبابيك واتعلقت الزينه. والشوارع كبرت… واضيْقت الميادين، ترش فيها الملح ما ينزلشي، الناس بتاخد بعض بالأحضان، والخير طاير باللسان والقلب، انتصرنا! الحرب خلصت خلاص!

فين اللي جاب النصر؟ فين البطل؟ الفارس اللي هزم جيوش الغرب!… اللي ما حدّش عرف إسمه! اللي ما حدّش قبل لجام مهرته وعلم على سيفه وفتح الطريق قدّامه يوم النصر، قلتوا لنا إيه؟ هاتوا لنا شاعر يوصفه! قالوا على جبينه هلال من دم.

قال الملك «فين الفارس اللي ما حَمَلت زيّه أرض ولا جابت زيه ولاده؟»

قال الوزير: «صدقت يا ملك لا حَمَلت زيه أرض ولا جابت زيه ولاّده. دي كانت نجده من السما ورجعت للسما»

عدّت على الجنينه فرقه من العساكر. رحّب الجنايني قالوا «اسقينا يا عمّ» بعد ما طفوا نارهم بقُلتين قالوا «انكتب لنا عمر جديد» قال الجنايني «إيه الحكايه؟» قالوا «زي ما الملك والوزير احتموا بينا إحنا احتمينا بفارس لا عين رأتْ مثله ولا ظنّ يحلم بيه!» قال الجنايني «ودا يبقى مين؟» قالوا «ما نعرفلوش علامه إلاّ على جبينه هلال من دم!».

ست الحسن سمعت كلام العساكر وسرحت في غياب الشاطر حسن، قعدت محتاره بين الحصيره والشباك.

حزنت زي العشاق، فرحت زي الأمّ لما شافت العيال رايحين جايين وعاملين هيصه جامده. إشي يزمّر واشي يطّبل واشي مطرطر على راسه طرطور واشي كافي على دماغه قصعه، واشي يحجل على رجل واحده واشي يلعب بالسيف قدام، واشي شادد جلد أرنب على حَلْق قله، واشي ينقر على عِلْه صفيح واللي إيده فاضيه يسقف واللي فيه نفس يقول:

يا ابو هلال يا ابو هلَيّل
طُلّ علينا طُلّ وميّل
يا ابو هلال يا ابو هليَّل
طُلّ علينا طُلّ وميّل

 

ست الحسن سمعت تهليل العيال ضحكت، وقفت الضحكه على خدودها لما افتكرت غياب الشاطر حسن.

والشمس غرّبت والناس في العرق والورد والفَرْحه، عايزين، عايزين الفارس، طالبينه وحابّينه، زي ما بيطْلُبوا العيش وبيحّبوا الضنى، على كلّ راس شارع وقف بَدل المنادي اتنين، على زيّ طبل مسحّراتي عالي بيْصحّي الزمان:

«إظهر وبان

يا فارس الفُرْسان

يااللي على جبينك هلال من دم

القصر مفتوح لك بلا استئذان

إظهر وبان

يااللي على جبينك هلال من دم»

ست الحُسْن سمعت هتاف المناديّه وطال انشغالها على الشاطر حسن.

لآخر الليل قعَدت تعدّ الثواني… لآخر الليل عينيها على ضلفة الباب.. وبتسَكّت في أنفاسها، وبتسَكّتِ في قلبها ودموعها عشان تسمع رجليه. انتبهت. دخل الشاطر حسن قامت جرى خدته بالحضن «إيه اللي غيبك عنىّ لحد دلوقتي».

قعد الشاطر حسن على الحصيره وقعدت في ريحه ست الحسن.. التقت وشه متعفر ولونه مخطوف وباين عليه التعب وخيط دم ناشف على خدّه اليمين.

اتاخْدت ستّ الحسن.. لا عرفت تقوم ولا تقعُد. ولمّا فاقت خدت راس الشاطر حسن على حِجْرها وعينيها في عينيه وإيدها على الجرح بهداوه خايفه ليتألم وعايزه تتكلم ومش لاقيه الكلام، بعد ما غسلت الجرح من سُكَات مسحت عليه بالطيب، مالت تحبّ عليه، شافت الجرح بيضوي زي الهلال، قالت «إنتَ..».

شاطر حسن وقف، والنور سَقط من جبينه نور العِشّه وستّ الحُسْن مبهوره تقول «إنتَ»

ساعتها ارتعش الكروان زي السهَم الحنيّن وفضل يقول «مَيَّه… مَيّه.. مَيَّه..» يسقي عطاشى الليل ست الحسن قالت «اسقيك يا شاطر حسن من حنان قلبي وتسقيك البلد اللي من الصبح مقلوبه بتدور عليك»

ست الحسن قالت «لا تجني على نفسك ولا تجني على الناس يا شاطر حسن! ولا تجني علىّ يا حسن آن الأوان، الكبار عايزين فارسهم، والصغار عايزين حارسهم، والبنات بين الجناين بينادوا لك يا عريسهم!».

الكبار عايزين فارسُهْم
والصغار عايزين حارسهم
والبنات بين الجناين
بينادوا لك يا عريسهم
يااللي نايم قومْ ولّيل
للي تحت الشمس قيّل
دا اللي راجع بالهليّل
قلبه للعُشّاق ونيسْهُمْ

 

الكبار عايزين…

خدت قلبي معاك وجبته
واللي كان غالب غلبته
يا هنا قلبك بطيبْته
والقلوب اللي تؤانسْهُمْ

 

الكبار عايزين…

 

يا هلَيّل يا مناره
تضْوي في ليل الحيارى
فُكّ أشواق العذارى
اللي في ضلوعي حابسْهُمْ

 

الكبار عايزين…

 

كل وِلف وله وليفه
والشجر خايف خريفه
والهلال زغللْني طيفه
والسنين قلبي قايسْهُمْ

 

الكبار عايزين…

البنات بين الجناين يعني ستّ الحُسْن، وعريسهم يعني الشاطر حسن، وكلام الحواديت يا ولاد ما يحتاجش لتفسير، لكن احنا بنقول عشان نوصل الحبل، والكلام يا خد ويدّي من قلوبنا لبعضها.

الملك ليلتها ميّل براسه التقيله وراح في حلم ورا حلم… يستجير من شيطان يطلع له شيطان. مره يشوف الفارس راكب على مهرته السودا والهلال يضوى على جبينه ويكبر.. يكبر.. لحدّ عينيه ما تقدرش تحوطه، ومرّه يشوف ستّ الحُسْن داخله عليه القصر ولما يهمّ عشان ياخدها بالحضن رجليه ما تشيلوش، ويشوف الجنايني مادد إيده باللبن وما يقدرش يطوله عشان يسقي الملكه، ويشوف الوزير قاعد على العرش بيضحك ويقول «جوزت بنتك من جنايني وراح الملك من عَقْبك!».

الملك طرد بإيده طيف الأحلام، وقال للحاجب «نور لنا الجنينه الليله دي علشان نحتفل بالنصر»

اترَصّت الكراسي واتمدت السفره واتنورت الجنينه، من كُتْر الأنوار، كان كل فرع شجره له على الأرض ظل واتنين وتلاته يفروا من النسمه ويتلاقوا.. والورد خف من لونه زي اللي نعسان ومش جايّ له نوم، وسمك الزينه واخد براحه في البركه وفاكر نفسه بالنهار، والطير المُغنّى متعَلَّق على الغصون بلطافه، مسحور ومستْني كلمه يمْلا الدنيا بالتغريد وتزقزق الجنّه.

قعد الملك وعلى يمينه الوزير، وعلى الجنبين الخياله والفرسان وتجّار المدينه وأكابر المملكه. شافوا الخرْفان المحمره وشمّوا ريحة النار قعدوا يملّسوا على كرشهم ويتلمظوا ويتمايلوا يمين وشمال تدّلَّع النياشين على صدرهم.

قال الوزير «الحرب صنعة ملوك» ضحك الملك على مهله وقال «شيبتي والحرب مولودين في بطن واحده». قائد المَيمْنه قال «كل التُقْل كان علينا» قائد الميسره قال «إحنا اتلقينا سبع هجمات غير الأوله وغير الأخيره» شهبندر التجار أبو سنان دهب قال «الحرب كلفتنا كتير» ما حدش جاب سيرة الفارس، ما حدش جاب سيرة البطل، استحلوا النصر واستحلوه لنفسهم.

لكن العيال المتبعترين في الجنينه ضاربين على السور من الناحْيتين كانوا لسه بيغنوا على السقفه:

يا ابو هلال يا ابو هليل
طُلّ علينا طُلّ ومّيل
يا ابو هلال يا ابو هليّل
طُلّ علينا طلّ وميّل

 

شاطر حسن كان غاسل جلابية الصياد ومزهرها وعاوج الطاقيه على الجرح وخافيه، وواقف على باب العشه يستْروَح نسيم الليل، ست الحسن طلعت له.. يا ليله من غير قمر، طلع القمر بني آدم. ست الحسن وقفت جنب الشاطر حسن.. الطيف جنب الطيف، ست الحُسْن التقت نفسها بتغّني ويّا العيال وتقول «يا ابو هَليّل، طلّ ومَيل» شاطر حسن سكران من النشوه يا دوب بيسمع لها ويا دوب بيضحك، فاهمين الدنيا ومش فاهمين، حاسّين بالناس ومش حاسّين، من غير ما يتشاوروا كانت إيدها شابكه في إيده وماشيين في الجنينه.

من بعيد شافهم الوزير، ضربت في راسه النار، طقّ الشرَر من عينيه، زعَق في الشاطر حسن «قرَّب يا فالح» شاطر حسن قال «فالح وفلاَح»

سكتت الجنينه مرّه واحده، يا دوب الورد قال آه، والعيال وقّفوا، ونسمة البحر هدّت ، والملك بلع ريقه، وكل الحاضرين تاهوا، وسواد عينيك يا ست الحسن رجّعهم.

شاطر حسن والوزير، الراس في الراس، شاطر حسن قال في نفسه «آخر الصبر أصعبه» وبص للوزير وقال «آخر المرّ أطيبه» وكان صوت الشاطر حسن أهدى من الفجر لما يناغش آخر الليل، الوزير ما طاقش الكلام، مدّ إيده قبل ما تنشلّ ولطم الشاطر حسن على راسه، رجعت الطاقيه لورا، ونوّر الجبين نوّر الهليّل، وعلى الهليّل قامت الجنينه كلها، شاطر حسن بص للوزير قال «زي ما بازرع الخير لازم اقلع الشرّ واخلَّص الدُنيا منك» ورفع الشاطر حسن يمينه، الوزير زي اللي في جدار اصطَدَم، ما دريش
ولا عمره حيدرى!

النسمه هلت والجنينه اتنهدت. وقالوا «إسمك إيه يا شاطر؟» ست الحسن قالت «اسمنا الشاطر حسن!».

والعصافير والورد والأطفال كلهم عاوزين يغنوا ويسمعوا حدوته الشاطر حسن، وانت في سواد عيونك يا ست الحسن أجمل ما في العصافير والورد والأطفال، وحتى أبوك الملك وحتى الأكابر والخياله والتجار صبحوا طيبين من كُتر الخجل، وعاوزين يغنوا – ومش قادرين!

شاطر حسن التفت وقال «ما يقدر يغني إلا صاحب ضمير، ولا يعرف يتهنى إلا اللي قلبه هَني، مهما اتعذب ومها قاسى ومهما شاف الهوان برضه كريم.

«شوفوا الهليل على جبيني اللي أصله جرح. مكتوب عليه ما يلمش قبل ما تلم كل الجراح.

«أنا اتعلمت يا ولاد في أربع مدارس.

«إسمي الشاطر حسن ونقبي الجنايني، واتعلمت من فلاحة الأرض إن أصغر ما في الدنيا أكبر ما في الدنيا: البذْره. بس ترويها بالعرق.

«وأنا لابس جلابيه الصيّادين واتعلمت منهم إزّاي بقارب صغيَّر أغلب البحرين، ما دام معايَ الصبر»

وجمع الشاطر حسن وقال: «أنا اتعلّمت يا ولاد من الجناينيه والحدادين وصيادين البحر. وانا اتعلمت يا ولاد من سواد الليل» ودعك الشاطر حسن الشعرتين، حطت المُهره على يمينه.

ورقصت فردوس على الوحْده، وشهد الملك والخياله والفرسان بإن ست الحسن للشاطر حسن.. واتحاوطوهم الأطفال وسقفوا وردوا على كبيرهم:

الشاطر لابس يا ولاد
جلابيه صياد صيّاد
وطاقيّه حّداد حّداد

 

الشاطر اللي لا بسهم
اتّلْمذ في مدارسهم
واتمَلَّي من كراريسهم
ولا يوم عن مَبْدأهم حاد

 

والشاطر..

 

والمهره بترقُص رقصه
وتخطّي الخطْوه الناقصه
وعينيها للناس باصَّه
وغرَضها التسقيف يزداد

 

والشاطر…

 

ست الحُسْن هناك سابقه
مناخيرها زي النبْقه
ما بتعرفش تقول لأه
وعينيها مليانه وداد

 

والشاطر…

الليله ليلة الحنّه
والفرْحه اتحبَست بيْننا
بتقرب سنه بسنه
واللي اتقال يرجع يتعاد

 

والشاطر…

 

قال لك مين اللي اتقدّم
قال لك كداب الزفّه
واللي اتأخر يا معلّم
قال اتأخرت الدَفّه
حتى الشمس بتتخفَّفى
والفجر بيرجع بميعاد

 

والشاطر…

ودي حكمة الشاطر حسن يا ولاد وما دام حتْحلَى النهايه عن البدايه، نعيش راضيين.

شاطر حسن قال «المسامح كريم. زمان أبوي بيتندّم على غلطته»

وركب الشاطر حسن على المهره وخد قدامه ست الحُسْن.. وغفر لأبوه ومراة ابوه وللدادا وحكم في المملكتين بالعَدْل، لا قعد على عرش ولا لبس تاج، ولا قرينا في الكتب ولا سمعنا في الأخبار كلمه وحشه في حق الشاطر حسن.

وأن قُلْنا يا ولاد الأدب فضّلوه على العلم، نقول المحبه فضلوها على الأدب. ست الحُسْن والشاطر حسن حبوا في بعض أيام وليالي، وعاشوا في تبات ونبات، وخلّفوا صبيان وبنات ومش هاين علىّ أقول توته توته، فرْغت الحدوته وكل رمضان وانتم بخير، يعيده علينا باليمن والبركه ويجمع العرب على كلمه واحده وقلب واحد، يؤيدهم المَوْلى وينصُرْهم الناصر، ونبقى كلنا شطار زي الشاطر حسن يا ولاد.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s