تحولات المثقف في مصر.. رحلة يوسف شاهين الفنية

Posted: 2 سبتمبر 2014 in كتابات أدبية وفنية
الوسوم:, , , , ,

أثار  يوسف  شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) المخرج المصري الكبير، في حياته الكثير من الجدل حول أعماله وأفكاره. فحياة  شاهين الفنية والتي امتدت لحوالي 58 عامًا، ونتج عنها 36 فيلمًا روائيًا طويلاً، وخمسة أفلام قصيرة، وفيلم واحد بالمشاركة مع آخرين، بالإضافة إلى مسرحية واحدة، لم تخل من الاختلاف والاتفاق معه ليس بوصفه مبدعًا سينمائيًا فقط، ولكن ـ وهو الأهم ـ مع ما عبرت عنه أفلامه من مضامين درامية وأفكار اعتنقها ودافع عنها في وقت ودافع عن عكسها في وقت آخر.

بدأ  شاهين حياته الفنية مع مطلع خمسينيات القرن الماضي بفيلم (بابا أمين) وأخرج خلال هذا العقد 13 فيلمًا. وفي الستينيات أخرج ثمان أفلام منهم فيلم قصير. ومثلهم في السبعينيات منهم فيلمين قصيرين. ثم ثلاثة أفلام فقط في الثمانينات. وسبعة أعمال في التسعينيات منهم فيلمين قصيرين ومسرحية واحدة (كاليجولا). وأخيرًا أربعة أفلام في العقد الأول من الألفية الجديدة منها فيلما واحدا بالمشاركة مع آخرين عن أحداث 11 سبتمبر.

من الخطأ الشديد في رأيي أن نقصر تحليل وفهم القيم الجمالية في الإبداعات الفنية المختلفة، على ترجمتها إلى مواقف أيديولوجية. لكن الصحيح أن نحلل ونفهم القيم الإبداعية في سياق كونها تعبيرا عن أيديولوجية طبقة بعينها.

بدأ  يوسف  شاهين حياته الفنية ببعض الأفلام الخفيفة مع مزيج من الأفلام ذات البعد الاجتماعي في تناولها لقضايا وهموم الناس والصراعات الدائرة في المجتمع مثل (ابن النيل 1951 ـ صراع في الوادي 1954 ـ صراع في الميناء ـ 1956 ـ باب الحديد 1958، وأخيرًا فيلم وطني عن ثورة المليون شهيد في الجزائر من خلال تناوله لشخصية المناضلة جميلة بوحيرد.

وفي الستينيات واصل شاهين الدفاع عن القضايا المجتمعية، ولكنه استمر أيضًا في العزف على نفس الوتر الوطني من خلال فيلمه (الناصر صلاح الدين 1963) والذي عكس الصراع العربي الإسرائيلي وقتها من خلال الدفع بشخصية القائد المنقذ والذي قام بتحرير بلاد العرب من الغازيين الفرنجة.

ظل هذا العزف يأخذ تنويعات مختلفة، ليس بمعناه الوطني المحض ولكن كعزف على قضية الأنا والآخر التي صبغت العديد من أفلامه بأشكال مختلفة. فتارة نجدها عنيفة في مواجهة الغزو الذي يشنه الآخر كما في فيلم (جميلة) وتارة في الدفاع باستماتة، يعقبها إمكانية صلح مع ترك الأراضي التي احتلت كما نجدها في (الناصر صلاح الدين)، ثم بعد ذلك في إمكانية التعاون مع الأصدقاء الذين يساعدون في التنمية المستقلة (الناس والنيل 1972) من خلال الدعم السوفيتي لمشروع السد العالي ماديًا وفنيًا.

ثم يعود مرة أخرى جدل الأنا/ الآخر ولكن من خلال استدعاء الحملة الفرنسية والتي أثارت جدلا واسعا بين الساسة ودارسي التاريخ في كونها حملة استعمارية، أم أن أهدافها العلمية والبحثية الاستكشافية كانت هي القضية الأساسية التي يجب التعاطي معها عند مناقشة هذا الأمر، وذلك من خلال فيلمه (وداعًا بونابرت 1985).

أقصى ما وصل إليه شاهين في تطرفه وتناقضاته حول الموقف الصحيح من الآخر تجلى في أفلام (المهاجر 1994) والذي آثار جدلا واسعًا وصفه البعض بأنه موقف مغاير من إسرائيل فنجد شاهين يقف معلنًا أنه هو المدافع عن السلام بين الشعوب والحوار بين الحضارات، وبالطبع لم يكن صدفة أن يأتي هذا الإعلان في مواكبة سلام “شجعان” مدريد وأوسلو. وانتهى هذا العزف بفيلم (الآخر 1999) والذي حاول فيه مناقشة فكرة صراع الحضارات والأديان مع عدم تقديم حل لهذا الصراع أو محاولة إعادة توصيفه كصراع من نوع مختلف.

لم تخل أيضًا الأفلام التي تناولت سيرته الشخصية (إسكندرية ليه؟ 1979 ـ حدوتة مصرية 1982 ـ إسكندرية كمان وكمان 1990 ـ إسكندرية.. نيويورك 2004) من محاولة مناقشة نفس الإشكالية. فالغرب مساحة للتحقق وحرية الرأي والتعبير وفي نفس الوقت أداة للهيمنة والسيطرة والاستعمار الفكري. والسؤال هو لماذا تراوحت مواقف شاهين بين رفض الآخر/ الغرب أحيان وقبوله أحيانًا أخرى؟ الإجابة من الممكن أن نجدها في مفهوم تحولات المثقف في مصر.

فشاهين الذي كان محسوبًا بصورة أو بأخرى على اليسار المصري عانى مثل نفس هذا اليسار من التقلبات الفكرية وعدم فهم طبيعة الصراع في العالم، وتحويله من صراع طبقي إلى صراعات وطنية بالأساس، تختلف فيما تصل إليه في نهاية التحليل عما يصل إليه أمثال القوميين الإسلاميين على أنه صراع ديني وعند العروبيين على أنه صراع دول وقوميات (لا يخلو من البعد الديني أيضًا) أو عند التنويريين الذين اعتبروه صراع بقاء بين قوى الظلام وقوى التنوير.

ينتمي شاهين ومعظم اليسار الشيوعي في مصر لمفهوم التنويريين. فمن بعد مقتل السادات في 6 أكتوبر 1981 وصعود نجم الحركات الإسلامية الراديكالية بدأ هؤلاء التنويريون في تصويب سهام معركتهم ضد هذه الجماعات بدلا من الدولة والنظام أعداء الأمس، بل وصل إلى حد التحالف أحيانًا مع هذا العدو القديم ضد العدو الجديد.

سنجد هذا فيما أصدره الكُتاب من سلسلة “المواجهة” التنويرية بدعم من الدولة بعد حادث تفجير مقهى وادي النيل بوسط القاهرة في مطلع التسعينيات وحرب الدكاترة رفعت السعيد رئيس حزب التجمع حاليًا،  و سيد القمني ومن قبله فرج فودة، ضد ما سموه بالمتأسلمين/ الإرهابيين/ الظلاميين، سنجده بشكل واضح وجلي في فيلمه (المصير 1997) والذي وصل فيه بن رشد حماية لحرية الفكر والتعبير إلى وضع يده في يد الخليفة ضد الأصوليين الذين يكفرون كل شيء. هكذا تحول الآخر من الغرب إلى الإسلامي الظلامي.

انتمى شاهين وأمثال من اليساريين والتنويريين إلى مشروعات أيدولوجية ارتبطت بشكل أساسي بمشروع الدولة المصرية في الحقبة الناصرية، والتي استطاعت استيعاب المثقفين واليسار في مشاريعها دفاعًا عن تنمية مستقلة في مواجهة العدو المتربص بنا. ولكن بعد انهيار الحلم والمد القومي الذي نفخ في ناره عبد الناصر، أصبح هؤلاء بلا مشروع تقريبًا، لأنهم استلهموا أفكارهم من صورة الدولة عن الناس وليس من واقعهم هم.

كان من السهل جدًا على الدولة أن تعيد استيعاب هؤلاء مرة أخرى ولكن في معركة جديدة ضد الإرهاب ودفاعًا عن المدنية، وظل الناس ليسوا فقط بعيدين عن حسابات هؤلاء، ولكن اضطروا لدفع الثمن مرتين، مرة ثمن خيانة هؤلاء المثقفين لهم ومرة أخرى ثمن تحالفهم مع الدولة مما دفعها إلى تمتين نفسها أكثر في مواجهة الناس.

هكذا يمكننا فهم تحولات يوسف شاهين من مدافع عن حق العمال في تشكيل نقابتهم في فيلم (باب الحديد 1958) وعن حق الفلاحين في أراضيهم (الأرض 1970) ومن نقد طبيعة المثقف ومشروعاته الفوقية ودفاعه عن مفهوم شعبي للحياة والتغيير من خلال الناس نفسها كما طرح في فيلم (الاختيار 1970)، (العصفور 1974) و(عودة الابن الضال 1976) إلى مدافع عن دور المثقفين في حماية المجتمع بالتحالف مع الدولة التي رفضها شاهين وحاربها طيلة حياته ورفض رقابتها على الفن وحرية الرأي وتكميم الأفواه كما طرح في (العصفور) ومعركة النقابات المهنية في فيلم (إسكندرية كمان وكمان).

أخيرًا.. وعلى الرغم من الاختلاف مع يوسف شاهين ونقد تقلباته وتحولاته، يظل  أحد عمالقة ورموز السينما البارزين ليس في مصر فقط ولكن في العالم بجوار هامات كبرى في الفن السابع أثرت حياتنا.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s