كولونتاي كما لم نعرفها من قبل

Posted: 24 سبتمبر 2014 in مختارات سياسية, خبرات نضالية
الوسوم:, , ,
* المقال منشور باللغة الإنجليزية في 27 أغسطس 2014 بموقع “العامل الاشتراكي” – الولايات المتحدة
ترجمة ضي رحمي 
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

ألكساندرا كولونتاي 1910
للأسف، معظم التقدميين والراديكاليين اليوم لم يسمعوا قط عن كولونتاي. وهي واحدة من بين كثيرات من الثوريات اللواتي لم يُقدَّرنّ حق قدرهن رغم إسهاماتهن العملية والنظرية الهامة للحركة الاشتراكية والنسوية أوائل القرن العشرين. إن سيرتهن الذاتية وكتاباتهن تستحق أن تُقرأ وأن تُبحث وأن تُناقش على نحو أكبر بكثير مما يحدث بالفعل.

في كتابها “ألكساندر كولونتاي: سيرة ذاتية” الذي أعادت دار “هاي ماركت” نشره مؤخرًا، نأمل أن تعرفنا كاثي بورتر على حياة كولونتاي بشكل أكبر وأعمق وأكثر تقديرًا لصنيعها. وتأتي سيرة بورتر نتاجًا لعدد ضخم من الأبحاث الأرشيفية، التي لم تتاح إلا حديثًا، لتزوّدنا بتفاصيل مذهلة عن حياتها وعن التفاعل بين الحركات الاشتراكية والنسوية في أوائل القرن العشرين. ورغم أن قراءة هذه السيرة أمر هام لمن يرغب في معرفة المزيد عن حياة كولونتاي، إلا أن هذا ليس مكمن أهميتها الوحيد، لأن الكتاب يوفر أيضًا وصفًا تفصيليًا ورصدًا بسيطًا وحيًا للحركة الثورية الروسية، أثناء ازدهارها وأفولها، وفقًا لرؤية ووجهة نظر واحدة من أكثر الثوريات شهرة وبروزًا.

وُلدت ألكساندرا ميخيلوفا دومونتوفيتش عام 1872 لأبوين من أسرة محافظة وثرية. عُرفت بأنها طفلة خجولة لكن جريئة في نفس الوقت، وكان للتفاوت الكبير بين ظروف نشأتها الميسورة والأوضاع البائسة من حولها تأثيرًا عميقًا عليها. وعند بلوغها الـ 20 من العمر، وأثناء قضاء الأسرة عطلة في برلين، تسللت بعيدًا عنهم حيث تعرفت لأول مرة على البيان الشيوعي. لقد أظهرت كولونتاي تعطشًا مبكرًا للقراءة ولمعرفة التاريخ وأخذت في التهام الأدبيات السياسية أينما وجدتها.

تزوجت ضد رغبة والديها وهي صغيرة السن، ومن هنا جاء اسم كولونتاي حيث كان لقب عائلة زوجها المهندس الذي كان يعمل في مجال أنظمة التهوية داخل المصانع. ومن هنا تسنى لكولونتاي أن تشهد الأوضاع التي أدت لاندلاع موجات الإضرابات اللاحقة خلال فترة تسعينيات القرن التاسع عشر، بما في ذلك إضراب عاملات النسيج في بتروجراد الذي كان مصدرًا لإلهامها.

انضمت كولونتاي لنساء أخريات في متحف الوسائل التعليمية الشعبي بسان بطرسبرج، وهي مجموعة سرية من الثوار والراديكاليين الذين سعوا لاستغلال المكان في إقامة الحلقات النقاشية، وجمع التبرعات وإعطاء دروس لعمال المصانع بهدف دعم الإضرابات. وتحت ستار دروس علم النبات، تمكنوا من تمرير الأدب الثوري جنبًا إلى جنب مع العينات النباتية، وحوّلوا الجلسات العلمية لمناقشة أحدث الدوريات الاشتراكية.

وانطلاقًا من تلك الدروس، نشأت علاقة مباشرة بين الثوار وعاملات المصانع. تزايدت إضرابات المصانع بشكل كبير خلال عقد التسعينيات، مما وضع الثوريين، المنظمين سرًا، في اتصال مفتوح مع المناضلين من العمال، وكان الكثير منهم من النساء. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، ظلت كولونتاي ثورية ملتزمة ومنظمة حتى نهاية حياتها.

في عام 1905، اجتاحت روسيا موجة من الإضرابات ودخلت العاملات في مجال الصراع الطبقي إلى جانب الرجال بكتل كبيرة. الإحساس بالقوة المُكتَشف حديثًا كان له أثر عظيم على وجهة نظر النساء في أنفسهن، ما ظهر في تعطشهن من أجل المساواة السياسية. كتبت كولونتاي لاحقًا في كتابها “تاريخ حركة المرأة العاملة في روسيا” تقول:

“في السنوات الثورية 1905 و1906، أصبحت العاملات على دراية بالعالم من حولهن. كنّ في كل مكان. ولو أردنا وضع سجلاً عن مشاركة النساء في تلك الحركة، أو وضع قائمة بالاحتجاجات والإضرابات التي شاركن فيها، أو الاعتراف بتضحيات نساء البروليتاريا وإخلاصهن لمباديء الاشتراكية، لتحتم علينا وصف أحداث الثورة بالتفصيل مشهدًا تلو الآخر”.

البدايات الثورية والحرب
كانت كولونتاي جزءًا أساسيًا من الحركة الثورية المبكرة، ورأت أن الظلم الواقع على النساء ومثيله الواقع على الحركة العمالية الأكبر مرتبطان بشكلٍ مباشرٍ. عُرفت كولونتاي بشكل أساسي من خلال كتاباتها حول العلاقة بين الاضطهاد الجنسي والطبقة، على الرغم من أن تلك الكتابات كانت واحدة من العديد من الإسهامات التي قدمتها للحركة الماركسية في ذلك الوقت.

في ذلك الحين كانت الحركة النسائية تتبلور دوليًا مما منح النساء مزيدًا من الثقة. لكن الحركة النسوية آنذاك، بقيادة نساء الطبقة العليا اللواتي ركزن بشكل أساسي على العمل الخيري والمطالبة بحق الاقتراع للمرأة المالكة، أثبتت أنها غير كافية لتلبية مطالب نساء الطبقة العاملة والفلاحات المختلفات تمامًا عن أولئك النسوة.

في هذا السياق، خاضت كولونتاي معركتين؛ واحدة ضد النسويات “البرجوازيات” اللاتي عارضن الحركة الثورية لأنها هددت مكانتهن داخل المجتمع الروسي، والأخرى داخل الحركة الثورية الروسية من أجل أن تتبنى المطالب الخاصة بالنساء. ونجاحها على الجبهتين يقدم لثوار اليوم وسيلة لفهم الطبيعة الطبقية لاضطهاد المرأة، ولماذا يجب أن تندمج جميع النضالات ضد كل أشكال الاضطهاد مع معركة الطبقة العاملة الأكبر من أجل التحرر الذاتي.

كتبت كولونتاي:

“ينقسم عالم النساء لمعسكرين، تماماً مثلما هو عالم الرجال؛ وهكذا، فإن تطلعات ومصالح أحد هذين المعسكرين يجعله قريباً من الطبقة البرجوازية، في حين أن المعسكر الآخر وثيق الصلة بالبروليتاريا، والتي يوفر مطلبها بالتحرر حلاً كاملاً لقضية المرأة. ورغم أن كلا المعسكرين يرفع شعار “تحرر المرأة”، إلا أن أهدافهم ومصالحهم مختلفة ولهذا فإن أساليب نضالهم تختلف أيضًا”.

شرعت كولونتاي في العمل على مبادرة طموحة للتنظيم حول مطالب العاملات. وفي حين أنها مؤمنة بأن النضال من أجل الاشتراكية يوفر “الحل الكامل لقضية المرأة”، لكنها آمنت أيضًا بضرورة العمل في أوساط النساء، لمكافحة التمييز الحالي وظروفهن المعيشية السيئة.

وغالبًا ما كانت تُقابل هذه المبادرات بشكل عدائي داخل الحركة الاشتراكية، من أولئك الذين يخشون من تنظيم مستقل للنساء يهدد بطبيعته وحدة الطبقة العاملة، وفي سياق النسوية البرجوازية تشكل تهديدًا حقيقيًا للصراع الطبقي القائم، وهذا أمر مفهوم. إلا أن الحركة الثورية لم تكن بمنأى عن التحيز الجنسي المتفشي في المجتمع الروسي آنذاك، ولذلك ظلت قضية استقلال التنظيمات النسائية من أهم المعارك التي حاربت من أجلها كولونتاي نظريًا وعمليًا طيلة حياتها.

أول مبادرة هامة كانت بتأسيس البلاشفة والمناشفة – المتحدين حديثًا – لجمعية “المرأة العاملة للمساعدة المتبادلة” التي كانت تقع عن قصد بالقرب من مقر نقابة عمال الغزل والنسيج. كانت استجابة النساء مذهلة وساحقة، حيث حضرت مئات النساء الاجتماعات والمحاضرات والمناسبات الثقافية. قدم هذا نموذجًا هامًا للعمل السياسي المنفصل الممكن بين النساء العاملات. بدعم من الأحزاب الاشتراكية، وعداء واضح من الحركات النسوية البرجوازية، بدأت كولونتاي الإعداد لمواجهة سياسية بين المجموعات في الفترة التي سبقت عقد المؤتمر القومي للمرأة.

كتبت كولونتاي “الأساس الاجتماعي لقضية المرأة” كسجال للنشر والتوزيع قبل المؤتمر، على أمل أن تستخدمه وفود العاملات والفلاحات للدفاع عن المواقف الماركسية أثناء عقد منتدى قومي، لكن، للأسف لم يُنشر الكتيب في الوقت المناسب. واليوم لا يزال هذا العمل من ركائز الفهم الماركسي لجذور اضطهاد المرأة وسبل محاربته. وفي خضم الترتيبات التنظيمية للمؤتمر، أصدرت الشرطة الروسية أمرًا باعتقال كولونتاي، بناءًا على كتابتها لكتيب سابق يدعو إلى الاستقلال الثوري في فنلندا، ما أجبرها على الاختباء، ثم لتقضي التسعة أعوام اللاحقة في المنفى بألمانيا.

تميزت كولونتاي تاريخيًا بمساهماتها للحركة الاشتراكية حول قضية اضطهاد المرأة، في حين لم تنل إسهاماتها المتعلقة بمعارضة ورفض الحرب العالمية الأولى الشهرة الكافية. في ألمانيا، أثناء اندلاع الحرب، شهدت كولونتاي التصويت العاصف الذي أجراه الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني – SPD (الذي أصبحت إحدى عضواته فيما بعد)، والذي أسفر عن دعم الحزب للحرب. كانت صدمة، بعدها اجتاح الغضب والارتباك حول الموقف من قضية الحرب الحركة الثورية جميع أرجاء العالم.

تصويت الحزب الاشتراكي الديمقراطي بدعم الحرب كان بمثابة نقطة تحول في مسار الحركة الثورية، أثار تساؤلات بعيدة الأثر حول طبيعة الإمبريالية والأممية والاشتراكية، وحول طابع التنظيم الثوري الواجب بناءه. ونتيجة لرفض كولونتاي الفوري والصلب لدعم الحرب أصبحت في اتصال مباشر مع الزعيم الثوري الروسي فلاديمير لينين. وتبادلوا المراسلات الكتابية حول طبيعة الحرب وموقف الثوريين الروس منها.

وردًا على قرار دعم الحرب، ساعدت كولونتاي، بمشاركة الثورية الألمانية كلارا زيتكن، في تنظيم مؤتمر للمرأة حيث نجحتا في كسب الأصوات النسائية ضد القرار. ثم طلب منها لينين، الذي شاركها معارضة الحرب، كتابة كراس تحريضي بغرض ترجمته وتوزيعه دوليًا. وأملا أن يمكّنهما توزيع الكتيب، مصحوبًا بجولة دولية، من الحشد لمؤتمر زيمرفالد بديلاً عن الأممية الثانية المنهارة.

تُرجم كتيب “من يريد الحرب؟” إلى عدة لغات، ووُزِّع على الجنود. نجح الكتيب في منح كولونتاي الاعتراف الدولي ووُجهت لها دعوة رسمية من الحزب الاشتراكي الأمريكي. وهكذا بالإضافة إلى جولة في جميع أنحاء أوروبا، زارت كولونتاي الولايات المتحدة. وفي شيكاغو ومن على منصة مناهضة الحرب ألقت كلمتها بجانب يوجين دبس وبيج بل هايوود. وصفت كولونتاي دبس بأنه “جريء كالأسد، ذو عينان برّاقتان”، وقالت أنها ممتنة للغاية لمعاملته الدافئة التي تنم عن قلب كبير سخيّ. أما عن هايوود، فقالت: “عانقني كرفيق قديم. كان قويًا، راوٍ جيد للحكايات ورومانسي، ومقاتل شديد الإخلاص”.

ازدادت كولونتاي مهارة يومًا بعد يوم على مستوى الكتابة والخطابة على حد سواء، ما لم يكن شائعًا حينها؛ ففي ذلك الوقت وعلى المستوى الدولي لم يكن للنساء الحق في الاقتراع. بل وأصبحت خطيبة مفوّهة ومتحدثة باسم الحزب البلشفي في السنوات اللاحقة، وكثيرًا ما أُرسلت إلى الجبهة لتحريض الجنود على الثورة. كتب صحفي بجريدة اشتراكية سويدية، بعد سماعه لكلمة ألقتها كولونتاي، يقول:

“نحيلة، ذات ملابس سوداء اللون، عيناها تتوهجان حماسًا ثوريًا وكأنها استدعت فيهما كل مشاعرها وطاقتها التي لا تكل وشغفها اللامتناهي. وحين تصمت، يُسمع دوي تصفيق عاصف يكاد يُسقط عرش القيصر ذاته”.

كولونتاي وثورة أكتوبر
عندما اندلعت ثورة عام 1917، عادت كولونتاي على الفور إلى روسيا للمشاركة فيها. انضمت مرة أخرى للبلاشفة وكانت أول امرأة تُنتخب كعضو في اللجنة المركزية للحزب، وأول امرأة ينتخبها الجنود الثوريون في المجلس التنفيذي للسوفييتات. كُتب الكثير عن ثورة 1917 ودور النساء فيها، لكن السيرة الذاتية التي كتبتها بورتر، دون الخوض هنا في التفاصيل، تعيد إحياء هذا الحدث الهام بقدر كبير من التفصيل مما يوفر للقراء رؤية فريدة لا توجد في الكتابات الأخرى.

اُنتخبت كولونتاي كمفوض الشعب للشؤون الاجتماعية، وسرعان ما باشرت مهام عملها بالاستجابة للمطالب التي قدمتها النساء. وعلى الفور سنّت الحكومة الثورية الجديدة القوانين وأصدرت المراسيم، بما في ذلك إلغاء الألقاب والتمييز على أساس الطبقة أو الجنس، والإقرار بشرعية الزواج المدني والاعتراف القانوني بحقوق الأطفال جميعًا. لكن كانت هناك حاجة لما هو أكثر من المراسيم والقوانين، وعليه كُلفت كولونتاي بتنظيم مؤتمر للنساء بغرض حصر وتحديد مطالب واحتياجات النساء في مجتمع جديد.

بدأت مفوضية الشؤون الاجتماعية عملها بتنظيم جولات في الريف في الفترة التي سبقت المؤتمر. كان ذلك حدثًا ملهمًا، بالإضافة إلى أن المؤتمر قدم ملمحًا عن العقبات التي تواجه الثورة الروسية فيما يتعلق بتلبية احتياجات النساء. على سبيل المثال، عندما بدأ توافد النساء لحضور المؤتمر، لم يكن هناك ما يكفي من طعام أو أماكن تتسع لمبيت الجميع. وفي حين أن المخطط كان ينطوي على عقد مؤتمر لمدة 12 يومًا بحضور 80 مندوبًا، إلا أن المنظمون ذُهلوا عند حضور أكثر من 500 مندوب، بعضهن يصحبن أطفالهن، وكنّ ممثلات عن 80 ألف امرأة من عاملات المصانع، والنقابيات، وعضوات بالأحزاب السياسية المختلفة!

قوبلت الدعوات المطالبة بحماية الأمومة وتقليل ساعات العمل والمساواة في الأجر وتحرير الزواج والطلاق بالتأييد والدعم الكاملين. وكانت كولونتاي وزوجها من أوائل من وثّقوا علاقتهما وفقًا لقوانين الزواج الجديدة احتفالاً بهذا النصر. وعلى الرغم من التخبط الذي شاب التنظيم، إلا أن المؤتمر أعطى دفعة قوية للنساء المنظمات في روسيا، كما طرح بُعدًا جديدًا داخل الحزب البلشفي حول أهمية مثل هذه الأعمال. وبالإضافة للقوانين الجديدة، صدرت قرارات عن مفوضية المرأة، أو الجينودل – Zhenotdel*، حيث أُقر الحق في التنظيم المستقل للنساء، ووفّر تأسيس الجينودل الكثير من من الاحتياجات اللازمة لمثل هذه التنظيمات.
كتبت بورتر:

“سرعان ما أصبح لكل محافظة في روسيا الأوروبية الجينودل الخاص بها، وأصبحت مندوبة الجينودل ذات غطاء الرأس الأحمر شخصية شعبية، تزور النساء في منازلهن، وتتبنى الأيتام ليعيشوا معها، كما أنها مستعدة دائمًا لحمل البندقية إذا تطلب الأمر قتالاً على الجبهة”.

استمرت المناقشات داخل المؤتمر بشأن ما إذا كانت هناك حاجة لمنظمة مستقلة داخل الحزب البلشفي لتلبية مطالب النساء. رأت كولونتاي أن هذا ضروريًا، لكن اختلف معها معظم معاونيها. حيث رأى الكثير منهم أن تأسيس الجينودل داخل الحكومة الثورية بقيادة البلاشفة، كان كافيًا. استمرت المناقشات طويلاً، لكن دون اتفاقٍ أو حل طوال الفترة التي بقيت فيها كولونتاي مع البلاشفة، وكانت واحدة من عدة خلافات سياسية دفعتها في النهاية لترك الحكومة بحلول عام 1922.

عزلة وإبداع
لكن، بينما كانت خلافاتها كثيرة، إلا أنها لعبت دورًا قياديًا داخل صفوف اليسار والمعارضة العمالية، خاصة وأن جميع الخلافات تمحورت حول الصراع بين وعود وإمكانات الثورة والأساس المادي لتنفيذها في مواجهة أولئك الذين يسعون لتدمير الحكومة الثورية، وكانت قلة الموارد المخصصة للجينودل من الأسباب المباشرة لنفاذ صبرها. تكشف لنا سيرة بورتر عن مناحٍ جديدة لهذه السجالات كما توفر لمحة عن موقف الحكومة الثورية شديد الصعوبة، والحرب الأهلية وأثرها على القدرة على مواصلة السياسات الثورية، وأخيرًا الثورة المضادة الناجحة بقيادة جوزيف ستالين.

لم تتعرض كولونتاي للاغتيال، على عكس معظم رفاقها الثوريين، وبعد خروجها من الحكومة عُينت كسفيرة للحكومة السوفييتية، وكانت تلك نهاية مأساوية لحياتها السياسية ما دفع بها نحو حالة من العزلة. وتُعد كولونتاي واحدة من بين القليل من البلاشفة الذين نجوا من عمليات ستالين التطهيرية، وفيما بعد سمحت لها المسافة والعزلة التي فرضتها بينها وبين واقع النظام الستاليني بمواصلة العمل مع الحكومة الجديدة في مزيج من الاستسلام والإنكار والرغبة في البقاء على قيد الحياة.

قالت لأحد الأصدقاء: “ماذا ستفعل؟ كيف ستحاربهم؟ كيف ستحمي نفسك من الهجوم؟ عن نفسي، تقبع مبادئي في زاوية من زوايا ضميري وبقدر استطاعتي سأنحاز لما تمليه عليّ”.

كان تيار التغيير عاتيًا، وللمفارقة، كانت تلك هي الفترة التي كتبت فيها بعضًا من أفضل أعمالها. تجاوزت كولونتاي كتاباتها السابقة حول الأساس الاجتماعي لاضطهاد النساء، وذهبت لما هو أبعد حيث بدأت في الاستكشاف النظري للعلاقة بين علم النفس ونسق الإنتاج، والطريقة التي تغيرت بها العلاقات الاجتماعية والجنسية عبر التاريخ، وإمكانات بزوغ أخلاقيات جديدة قائمة على الأسس الاشتراكية. كانت تلك الكتابات، في جزء كبير منها، ردًا على رسائل تلقتها من عمال شباب كانوا يسعون لفهم الإمكانات الاجتماعية الجديدة التي اتاحتها الثورة وارتباطها بعلاقاتهم الشخصية.

في إطار هذا العمل، الذي جاء في ثلاثة أجزاء: “أطروحات حول الأخلاق الشيوعية في مجال العلاقات الزوجية والجنسية”، و”العلاقات الجنسية والصراع الطبقي”، و”افسحوا الطريق لإيروس المجنح*: رسالة إلى شباب العمال”، تنقلت كولونتاي بين عدة موضوعات، من الفهم الماركسي للعلاقة بين اضطهاد المرأة والشكل الحالي للأسرة، إلى أثر الظروف المادية على الحياة الجنسية والعلاقات الحميمة. والمدهش أن كولونتاي من خلال تلك الكتابات، كانت لا تزال يحدوها الأمل الثوري وهو الدرس الذي يمكن لثوار اليوم تعلم الكثير منه.

وكما تلخص بورتر في مقدمة كتابها:

“في نهاية حياتها، رأينا كل من المتشائمة المرتبكة في مواجهة انهيار كل معتقداتها، والمتفائلة العنيدة المؤمنة بوجود بديل للرأسمالية. واليوم، حيث يلقي التقشف بالملايين في براثن الفقر، وتتحمل المرأة العبء الأكبر من هذه الاستقطاعات، يظل تصور كولونتاي لنظام اجتماعي أفضل وللنضال الجماعي ضد الظلم تصورًا حقيقيًا وحيًا وممكنًا حتى الآن، وأشعر أنه قد حان الوقت للتعرف عليها من جديد”.

هوامش:
*الجينودل – Zhenotdel: القسم الخاص بشؤون النساء من سكرتارية اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عموم روسيا خلال عقد العشرينيات من القرن الماضي.

*إيروس: إيروس – Eros في الميثولوجيا اليونانية هو إله الحب والرغبة والجنس يعادل آمور (كيوبيد) في الميثولوجيا الرومانية، كان يُمثل بفتى جميل، من صفاته أنه يحمل سوطا أو شبكا و يلبس صندلا. (المترجمة)

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s