قبول الآخر بين ثقافة التحايل والممانعة

Posted: 7 أكتوبر 2014 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , ,

يحلم الكثير منا بعالم إنساني، يكون فيه البشر سواء في الحقوق والواجبات، دون أي تمييز يجعل لشخص أو فئة ما سطوة على آخرين. وفي هذا السياق، ومنذ قدم البشرية، والجدل دائر حول ثقافة قبول الآخر المختلف معي والذي بدوري مختلف معه، ربما فيما تبنيناه اختيارا من أفكار ومعتقدات وتوجهات من ناحية، ومن ناحية أخرى في أشياء لسنا مسئولين عنها بشكل كامل أو جزئي مثل لون البشرة والجنس والجنسية والعرق والديانة والوضع الاجتماعي.

أعداء الآخر.. أعداءً للإنسانية

في اعتقادي أن مسألة العيش في عالم واحد معا وبشكل متساو تفترض في الأساس رفض كل ما هو معاد للإنسانية، فقبول الآخر لا يعني بأي حال قبول بشر يحضون على الكراهية والعنف وطمس الآخرين من خلال استغلالهم واضطهادهم وتأجيج الحروب ليكونوا ضحاياها. ففكرة قبول الآخر ليست معممة بأي حال، فهناك من يعملون ليل نهار على تقويض هذه الثقافة بكافة الأساليب والطرق، وبالتالي وبالتعريف أعداء الآخر هم من تحركهم مصالحهم المباشرة الأنانية، حتى لو لم يكونوا هم أصحاب فكرة رفض الآخر فهم مستفيدون من رفضه ويعملون على بقاء الأوضاع كما هي واستمرارها.

فالإنسانية ليست حاصل جمع البشر في كل مكان، بل تعبير عن قدرة هؤلاء على الاستمرار في الحياة وتطويرها لتصبح في خدمة مصالحهم الجماعية دون منافسة شريرة، دون أن يستأثر أحد أو فئة بنتاج هذا التطوير وحرمان الأغلبية منه، أو اختلاق الأزمات وتحميل قطاع من البشر أسبابها ونتائجها ومن ثم الدخول في نزاعات وحروب قد تصل إلى إبادة قسم من السكان عبر تزكية النعرات القومية، أو لإعادة اقتسام ثروات أو مناطق نفوذ، أو حتى إعادة إعمار نتيجة ما خلفته الحروب.

إذن الإنسانية في حاجة لنبذ أعدائها لأنهم ببساطة يهددون استمرارها بالمعنى المادي المباشر والملموس للكلمة، إما بإنهاكها تحت وطأة الاستغلال والتمييز، أو القضاء على أقسام منها بالقتل المباشر في حروب، أو عبر عمليات تنضح بالعنصرية وتزكي روح رفض الآخر بوصفه عدوا وليس بشرا من حقه أن يحيا ويعيش دون إيذائه ما دام لا يستخدم أساليب تؤذي نظرائه.

التحايل على قبول الآخر

هناك من يقبل فكرة التعايش مع الآخر، ولكن كمجرد تحايل على فكرة القبول نفسها ومتناقضا معها، مثلا يرى بعض الرجال أن للمرأة دورا في الحياة ولكن في بيتها دون أن تزاحمهم في سوق العمل، أو يرى البعض الآخر ضرورة لعمل المرأة ومشاركتها في تحمل أعباء الحياة دون أن تتساوى مع الرجل في الأجر والترقي الوظيفي والحصول على مناصب تصبح فيها رئيسا أو مديرا له، ودون أيضا أن يتقاسم معها المهام المنزلية المرهقة وتربية ورعاية الأبناء. ويرى البعض أنه لا مشكلة في وجود أقليات دينية وعرقية تعيش معهم في نفس المجتمع ولكن دون أن يكون لهم حصصا في البرلمان أو شغل مناصب عليا كرئاسة الدولة، أو ينسون أنهم مجرد أقليات تسري عليهم قوانين الأغلبية. باختصار هناك قبول لفكرة التعايش كنوع من التحايل على وجود مشكلة في عدم تحقق الآخر والحصول على حقوقه المشروعة، أي هناك قبول لأفكار مجردة دون اكتمالها بشكل ملموس في الواقع وهو ما يطلق عليه التمكين، أي تمكين الآخر الأقلي أو المضطهد بوصفة أقل مكانة ومنزلة (المرأة نموذجا فهي نصف المجتمع وليست أقلية) من ممارسة شعائره الدينية ومعتقداته وحقوقه الإنسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كاملة.

لا يناقش هؤلاء سبب مشاكلهم، أو وجود سوق عمل مزدحم بالعاطلين، أو كون أقرانهم في بلدان أخرى مجرد أقليات يمارس ضدهم التمييز بنفس الدرجة، كقانون للغابة وليس للمساواة بين بشر ولدوا مجردين من أية امتيازات أو تمييزات. هنا مربط الفرس، من المسؤول لنحاسبه ونزيحه خارج مشروع استمرار الإنسانية وتطورها، هل من هو مضطهد ومستبعد مثلي، أم من أوجد ويستفيد من تلك الفكرة؟ إذا عرفنا الإجابة فلنشرع فيها دون أن نحمل آخرين ليس لهم أي ذنب نتائج إجابتنا الخاطئة أو ندفع بهم كضحايا لعدم التفكير الصحيح في أصل المشكلات وطرق حلها، فضياع بشر تحت وطأة التمييز بكل أشكاله وبكل نتائجة سنظل نتحمل ذنوبه حتى لو قمنا بالتكفير عنها طوال حياتنا.

قبول الآخر وحقوق الإنسان

للأسف لا تنتشر ثقافة التحايل هذه بقبول الآخر شكلا لا مضمونا على أناس لا حول لهم ولا قوة في اختيار ما يتبنونه من وعي وأفكار، حتى لو كانت مجرد تعايش مع آخر مختلف معي، بقصد إبعاد أو تأجيل فكرة التصارع معه، بل تنتشر أيضا بين صفوف مثقفين ومدافعين عن حقوق الإنسان والمرأة وأقليات دينية أو عرقية. فالدفاع عن حقوق مضطهدين لا يعني بالضرورة أن نوجه سهام النقد لمضطهدين مثلهم في نفس المجتمع على أنهم من قاموا بصنع وتنفيذ عملية الاضطهاد، ولا يعني تغيير أوضاع المضطهدين الاكتفاء بكتابة التقاير الدولية وإقامة المؤتمرات والتنديد والشجب دون ممارسة فعل قوي لإيقاف عملية الاضطهاد تلك. إن من يحيون على تلك الممارسات مجرد ناس يريدون أن يخلدوا للنوم مرتاحي الضمير وفي أفضل الأحوال أصحاب نوايا طيبة. فنيل المضطهدين لحقوقهم لن يأتي بكتابة تقرير أو تدشين فعالية دولية، بل بإزاحة أسباب اضطهادهم من جذور بنية المجتمع بوصفه قائما على التمييز والاستغلال والاضطهاد. صحيح أن تلك الأنشطة تفضح وتكشف مدى الاضطهاد الذي يمارس على أقليات أو فئات مستضعفة، ولكن دون أن تترجم نفسها في فعل حقيقي للتغيير ستظل مجرد مقولات يتشدق بها المدافعون عن حقوق الإنسان أو مجرد حبرا سال على ورق لن يستفيد منه المضطهدون أنفسهم أصحاب القضية والمتضررين منها.

المشكلة الأهم في تقديري هي التعميم والتجريد، فعلى سبيل المثال المنادوون بوقف الحروب والامتناع عن الانجرار وراء دعواتها، يدخلون تحت نفس اللافتة حروب التحرر الوطني، وهي حروب تقودها الشعوب للتخلص من الاستعمار أو لعدم الوقوع تحت طائلته دفاعا عن حريتها واستقلالها، وبالتالي فلا يجوز رفض الحرب على إطلاقها. أيضا رفض اضطهاد أي فئة لا يعني أن هناك منهم من يستفيد من هذا الاضطهاد، فديانة أو عرق أو جنس صاحب ثروة أو منصب كبير لا يعنون بالضرورة أنه يقع تحت أي اضطهاد، لأن منصبه وثروته يجعلانه من أصحاب القرارات والسياسات في إدارة المجتمع ومن ضمنها إدارة عملية الاضطهاد حتى لو بشكل غير صريح، والمرأة الغنية التي تضطهد خادمتها أو خادم منزلها الرجل أو العاملين الذكور في شركتها، لا يمكن وضعها تحت تصنيف المرأة المضطهدة في المجتمع، بل هي من يمارسه بفضل نفوذها وثروتها. وبالتالي فالاضطهاد والاستغلال والاستبعاد والتهميش عمليات تدار من أعلى لأسفل لا العكس، ربما يمارسها من هم يتشاركون الدرك الأسفل في قاع المجتمع ضد بعضهم البعض، ولكن لا يعني هذا أنهم مسؤولين عن هذه العملية بشكل مباشر، هم فقط يحصلون من خلالها على فتات في حياتهم لا تؤدي إلى ترقيتهم إلى موقع متميز بالقياس لباقي مكونات المجتمع، ولا تعني سوى التأكيد على فكرة تمثيل عملية الاضطهاد الكبرى التي تحدث ضدهم في المجتمع من خلال إسقاطها على واقعهم الصغير البائس، كما يحدث في اضطهاد الرجل الفقير لزوجته من نفس طبقته وظروفه الاجتماعية.

الامتناع عن قبول الآخر

كما ذكرنا سلفا أنه ليس فقط من يستفيدون من رفض الآخر وتهميشه، وربما التخلص منه، هم فقط الذين يمتنعون عن تبني تلك الثقافة، فهناك في أواسط المضطهدين أنفسهم من يقبل تلك الفكرة ويدعو لها وأحيانا يحرض بها ضد الآخر ويقبل فكرة نفيه ويمارس بنفسه اضطهادا ضده. فالرجل الفقير مثلا يضهد المرأة الفقيرة وفقراء ومستضعفو ديانة أو ملة أو عرق معين يمارسون نفيا واضطهادا على الآخر المختلف معهم في العقيدة، فلماذا يحدث ذلك؟ هنا يأتي دور هيمنة الأيدولوجيا والأفكار السائدة بوصفها جزءا من بنية مجتمعية تهيمن وتؤثر في وعي السواد الأعظم ممن هم خاضعين لها، ليس حبا في تلك الأفكار أو امتثالا لقدرتها على التأثير، ولكن لأنهم لا يصنعون وعيهم بأنفسهم بشكل إرادي، ولكنهم يصنعونه عندما يرفضون السلطة المهينة عليهم في تجربة جماعية للتغيير، فليس لهم بدائل أخرى يطرحوها إلا بشكل جمعي في مواجهة أفكار ليست من صنع أيديهم.. ربما توارثوها عبر أجيال ومجتمعات ونظم فكرية سلطوية، أو تم نسجها في توقيتات بعينها لتحتل الفراغ الفكري وانعدام وجود رؤية بديلة أكثر إنسانية واحتراما للأخر بوصفه جزءا لا يتجزأ من هذه الإنسانية.

إن هذا الامتناع عن قبول الآخر بل نفيه وتهميشه وربما سحقه أو التخلص منه، ليس إذن من صنع كل من يمارسون هذا الامتناع، بل من صنع قلة تتحكم في بناء عملية الوعي في المجتمع وتملك أدواته من تعليم، وإعلام، وثقافة، ليس إلا. ومن ثم فتغيير هذه الثقافة الاستبعادية للأخر والتي تنفي وجوده ليس حقوقه فحسب، عملية لا يمكن أن تتم من خلال تغيير المناهج الدراسية، أو المسيطرين على وسائل الإعلام، أو طرق إنتاج الثقافة السائدة فقط، بل بتغيير المنظومة التي أنتجت تلك العملية برمتها والتي من قوانينها فرض السيطرة والسطوة والهيمنة على تلك الأدوات. ولكن عملية التغيير هذه ليست بالأمر الهين أو سهلة المنال، فلا يكفي مثلا القيام بحركة تغيير جزئية أو حتى جذرية دون أن تكون الكلمة العليا بعد هذا التغيير لأناس ينتمون فعلا ويتبنون عن حق رؤية الجماعة في هذا التغيير بمعناها التاريخي العام الجمعي والإنساني وليس اللحظي الآني المشوش والمشوه. وأن يتخذوا عبر أفضل الأشكال ديمقراطية وقاعدية إجراءات من شأنها أن ترى الكل في واحد، فحرية الفرد هي شرط لحرية المجموع، الفرد الذي ينظر لكل الآخرين من حوله على أنهم مثله لهم كافة الحقوق وعليهم كافة الواجبات.

وفي النهاية لن يكسب أحد إنسانتيه قبل أن يقبل عن اقتناع وأريحية ودون أي انتقاص بفكرة وجود آخر مختلف معه أو عنه، فنيل حقوقي وتحققي الذاتي وحريتي يجب أن تستمد من حصول الآخر على حقوقه وتحققه وحريته، وإلا فثنائية الآنا/الآخر ستظل تنهش في جسد الإنسانية التي لا مناص لاستمرارها وتطورها ورقيها سوى بالقضاء على أي نوع من أنواع التمييز بين الإنسان وأخيه الإنسان، سوى بتحطيم الحواجز التي تمنع أي إنسان من التفاعل مع نظيره تحت أية حجج أو ذرائع لا دخل له بها ولم يكن مسئولا عن وجودها، بل فرضت عليه إرثا أو سطوةَ.

تعليقات

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s