“فرانكشتاين في بغداد” لـ”أحمد سعداوي”: من المجرم الحقيقي؟

Posted: 19 أكتوبر 2014 in كتابات أدبية وفنية
الوسوم:, , , ,

عبر Flash Back صنع بحرفية وسلاسة يأخذنا الكاتب أحمد سعداوي في روايته البديعة “فرانكشتاين في بغداد” الحائزة على جائزة بوكر للرواية العربية هذا العام (2014) في رحلة أشبه بالدوامة لشخوص يحمل كل منها موضوعه الخاص والذي يتقاطع -بالضرورة- مع موضوعات الآخرين لينسجوا جميعا عملا فنيا محكما من حيث البناء الروائي، وطبيعة وأدوار الشخصيات، وتسلسل الأحداث، ومن ثم وحدة الحكاية نفسها كواقع حي ملموس بكل مشاكله وآلامه.

يتصدر الرواية تقريرا نهائيا بعنوان: سري للغاية، يحتوي على قرارات من شأنها غلق ما يسمى بـ”دائرة المتابعة والتعقيب” المسئولة عن ملفات تعقب المجرمين والكشف عنهم، ومصادرة الرواية التي سنقرأها في الصفحات التالية والتوصية بإعادة اعتقال مؤلفها. وتبدأ الرواية في سرد تفاصيلها والتعرض لشخوصها طوال 17 فصلا دون أدنى إشارة لهذا المؤلف مرة ثانية سوى في الفصل قبل الأخير الذي يحمل وظيفته (المؤلف) لنفاجأ بأن هذا التقديم كان بداية خيط العمل، وأن هذا المؤلف هو من قام بالاتصال بأبطال العمل، وأن الرواية المصادرة هي تلك التي نقرأها الآن. هكذا تستند الرواية منذ الأسطر الأولى فيها على عنصر المفاجأة الذي يلعب دورا أساسيا طيلة الوقت في بناء الحبكة وتطورها وتطويعها، فكل الحكايات والمواقف لا يمكنك أن تخمن إلى أين ستصل، فعناصر جديدة يدخلها الكاتب في عملية السرد وفي الخيط الدرامي بسلاسة ومرونة تجعلك تنقلب أنت وتخميناتك رأسا على عقب، فيهيأ إليك أنك تدور في فلك جديد غير الذي كنت تنتوي الإبحار فيه من صنع خيالك، كمفردة تم إدخالها في العمل دون أن تدرك تحولك هذا، وفي الحقيقة أنك ما زلت تدور في نفس الفلك دون أن تدري ولكن بمعطيات جديدة وإدخال عناصر تحرف الأحداث عن المسارات المتوقعة لتأخذ مسارات جديدة، وبالتالي تعبر الرواية في كل فصولها وسيرورتها عن طزاجة مستمرة لا تنضب من أحداث وتفاصيل وحكايات.

تبدأ الرواية بانفجار، وما أكثر الانفجارات الانتحارية والسيارات المفخخة في بغداد كسائر مدن العراق المكلوم بفعل ديكتاتورية جثمت على أنفاسه وانتهت باحتلال بغيض، تركه لتنهش أجزائه بعضها البعض. وتظهر في أول مشهد أهم شخصية في الرواية وهي العجوز” إيليشوا أم دانيال”، تلك السيدة المباركة التي عاشت طيلة حياتها متمسكة ببيتها القديم في انتظار ابنها ليعود بعد أن قيل أنه قتل في الحرب العراقية-الإيرانية. هناك أيضا “هادي العتاك” وهو شخص مخادع وسكير، يعمل رغم نقوده القليلة في شراء التحف والآثاثات من البيوت القديمة لإعادة بيعها بعد تجديدها، علاوة على أنه حكاء ماهر يستخدم حيله وقدراته ببراعه في نسج الحكايات ليسامر رواد مقهى “عزيز المصري” صديقه الحميم الذي يرتاده بشكل دائم.

بعد الانفجار الذي راح فيه عدد من الأبرياء يذهب العتاك ليبحث عن جثمان صديق له، وعندما فشل في التعامل مع أجزاء بشر متناثرة هنا وهناك قرر أن يجمع بعض تلك الأشلاء ليكون جسدا واحدا مشكل من عدد من الضحايا، أطلق عليه “الشسمة” أي (اللي شو اسمه/الذي لا اسم له)، وسرعان ما دبت الحياة في هذا المخلوق الجديد ليبدأ رحلة انتقام من كل ما تسبب في قتل الضحايا التي يتشكل جسده من أعضائهم. ويتعرف على العتاك صحفي ناشئ طموح “محمود السوادي” يقيم في فندق فقير في نفس حي البتاوين الذي يقطنه العتاك وتقريبا معظم شخصيات الرواية، ويحكي له ضمن حكاياته حكاية الشسمة، هذه الحكاية التي تجذب انتباه السوادي، فيعير العتاك مسجلا ليجري حوارا مع الشسمة، لينقلة في قصة صحفية تثير حفيظة مسئولي الأمن الذين يريدون البحث عن هذا “المجرم” الخطير وإلصاق كافة التهم له وتحميله وز كل الانفجارات وعمليات الاغتيال التي تحدث.

محمود هذا غلبه طموحه لأن يرتقي سلم الصحافة فيصبح مساعدا لأفاق يتخذ من المجلة التي يعمل بها مجرد Camouflage للتغطية على أعماله غير الشرعية، وسيكون طموحه هذا سببا في غرقه في دوامة الإفلاس وفقد عمله واتهامه بالسرقة بعد أن فر رئيسه “باهر السعيدي” تاركا له حملا ثقيلا يحمله وحده. هناك أيضا رئيس “دائرة المتابعة والتعقيب” العميد “سرور مجيد” الرجل الذي يبحث عن مجد في الدوائر الأمنية العليا بعد أن تم استثنائه من عمليات اجتثاث عناصر حزب البعث القديم بعد سقوط بغداد ومحاكمة رموز النظام السابق، وهو صديق مقرب للسعيدي ويستعين بمجموعة من المنجمين لمعاونته على قراءة المستقبل وتعقب “المجرمين” وعلى رأسهم الشسمة.

الرواية مليئة بالشخصيات المحورية والشخصيات المساعدة، وكلها رغم المساحات التي خصصت لها في الحكي تلعب أدوارا هامة في سير الأحداث، فهناك “فرج الدلال” نموذج المستفيد من عمليات التهجير القسري، فهو يشتري العقارات وبالذات النافع منها والأثري القديم، أو ينتزع ملكيتها عبر التزوير لأناس هجروا منازلهم لوفاتهم أو فارين من جحيم الحرب الأهلية، وهو من سيشتري في نهاية الرواية منزل أم دانيال وفندق العروبة من “أبو أنمار” الذي كان يسكنه محمود ورفاقه في العمل الصحفي. وهناك الأب الآثوري الشاب “يوشيا” الذي كان يقيم القداس الذي تحضره العجوز أم دانيال، وكوسيط -من خلال هاتفه المحمول- بينها وبين بناتها الذين هجروا لأستراليا، والشماس العجوز “نادر شموني” الذي يتكلف بمراعاة العجوز وقضاء حاجتها. وهناك “نوال الوزير” صديقة السعيدي والتي أبهرت محمود وفتنته للدرجة التي بات يحلم بها ويتمنى لقائها حتى حدث ذلك بعد الرحيل النهائي للسعيدي واكتشافه أنها كانت تعرفه لقضاء مصالحها. وهناك زينة فتاة المتعة التي رافقها محمود في حجرته بفندق جديد أرقى من العروبة في ظل بحبوحته المالية والتي كان يستخدمها للشبه الكبير بينها وبين نوال التي هام بها وتمنى مضاجعتها. وهناك كبير المنجمين وفريقه العامل في دائرة المتابعة والتعقيب، والمجانين الثلاثة والفيلسوف والسفسطائي الذين امنوا بالشسمة وبرسالته في الانتقام من قتلة الأبرياء وساعدوه، للدرجة التي جعلوا منه المخلص أو المهدي المنتظر، وأم سليم البيضة جارة العجوز وزوجها المتأمل للعالم من خلال شرفة منزله، وهناك أصدقاء محمود الصحفيين حازم عبود، وفريد شواف وزيد مرشد وعدنان الأنور.

تدور الرواية في عالم غرائبي بعض الشيء ولكنه وثيق الصلة بالواقع، فالعجوز أم دانيال تتحدث دوما مع صور القديس “ماركوركيس/ماري جرجس” وقطها العجوز “نابو” وتنتظر عودة ابنها الشهيد في حرب لم تكن لهم فيها ناقة ولا جمل، ويزورها الشسمة كأم لضحية ويتحدث معها وتعتبره دانيال ابنها العائد. الشسمة نفسه تكوين غرائبي أنتجه شخص يمتلك صفات وسمات غرائبية. الدوائر الأمنية نفسها تعتمد في خططها ومعلوماتها على فريق من المنجمين يقرأون الطالع. عوالم وشخصيات غرائبية لأنها تعيش كابوس في مجتمع متحلل يسوده العفن ويقتل فيه مئات من البشر يوميا بلا أي ذنب اقترفوه، مجتمع يتصارع فيه الكل من أجل اقتسام كعكة شهية كالعراق.

في الرواية أيضا مشاهد شديدة الروعة على مستوى الحكي والحوار، أهمها على الإطلاق مونولوج الشسمة عندما حكى قصته مدافعا عن أهدافه النبيلة من خلال المسجل الذي أعطاه الصحفي للعتاك الذي كان يزوره الشسمة كأب روحي له، فهو من قام بصنعه عبر تجميع أشلاء لضحايا متفرقين في جسد واحد. أيضا مشاهد صراع الشخوص مع أنفسهم وتفكيرهم فيما يخبئ لهم القدر من مصائب أو أمال، تكرر هذا لمحمود السوادي والعجوز أم دانيال، والعميد سررو، والعتاك نفسه. ورغم استخدام العامية العراقية المحلية أحيانا في الحوارات بجانب استخدام العربية الفصيحة أيضا، والذي أضعف تلك الحوارات بعض الشيء لصعوبة الألفاظ والمفردات المستخدمة، وكان أحرى به أن يعتمد لغة واحدة وموحدة للقراءة، فإنها أضفت حيوية على الشخصيات بوصفهم أشخاص عاديين.

اعتقد أن الرواية تطرح بعمق وبساطة في آن واحد علينا سؤالا هاما: من هو المجرم الحقيقي في هذه الأحداث؟ هل هي الديكتاتورية التي خلقت صراعا راح يعتمل تحت السطح حتى انفجر مدويا بعد سقوطها بين فرق سياسية ودينية وعصابات لقت ضالتها في هذا الصراع وهذه العفونة المتحللة، أم الاحتلال الذي عمل على تزكية هذه الصراعات والاستفادة منها بشكل أو بأخر حتى ترك البلاد تغوص في مستنقع مظلم من الدماء، بعد أن قام بالعمل على تفكيك هذا المجتمع وتفتيت مكوناته، أم الجهات الأمنية التي كانت تبحث عن كبش فداء تحاول عن طريقه صرف النظر عن ضعفها المهني وكونها طرفا في هذا الصراع ومستفيدا منه، أم الجماعات التي قامت بقتل مئات الآلاف من الأبرياء في عمليات وتفجيرات مفخخة في حرب ضروس طائفية تخلو من أي مطلب إنساني، أم المرابون والسماسرة الذين استفادوا من هذا الصراع في إعادة تدوير المباني والعقارات والأشياء الثمينة بإعادة بيعها لتحقيق مكاسب مادية، أم الضحايا أنفسهم والشسمة الذي تشكل جسده من أشلائهم، وفي توقيتات أخرى من أجساد مجرمين عتاة حين تعذر استبدال أعضائه التالفة بأجزاء لها طزاجة الموت القريب، فأصبحت معركته دائمة ومستمرة لسلسة من الانتقام من القتلة لا نهاية لها؟.

في الحقيقة لا أرى مجرما حقيقيا بالمعنى التجسيدي للكلمة، لا يوجد فرانكشتاين كما عنون باهر السعيدي قصة محمود ليشبع رغبة ومقصد الجهات الأمنية في البحث عن مجرم يعيش كمصاص لدماء لا ترويه ويطلب المزيد منها باستمرار. أما إذا كنا نبحث عن مجرم بالمعنى المسئول عن كل تلك الكوارث بما فيها قتل الأبرياء فهو مزيج من بعض هؤلاء: الديكتاتورية والاحتلال والمرتزقة والطائفية. ولكن هذه الإجابة لا تروق للجهات الأمنية التي قررت في النهاية بعد انفجار جديد أتى على حي البتاوين ودمر بيت أم دانيال بعد أن اقتنعت بالرحيل بعودة حفيدها دانيال في صورة ابنها عندما كان في عمره وغاب غيبته الطويلة، وفندق العروبة الذي اشتراهم الدلال، فالإجابة كانت جاهزة وكأنهم وجدوا ضالتهم فيمن اخترع الشسمة نفسه ونسج حكايته، المجرم هو هادي العتاك المحتال (الكلاوجي) ككبش ثمين فداءً لعجز هذه الأجهزة عن لعب دورها في تعقب المجرمين الحقيقين، فألصقت به كل التهم وجعلت منه المجرم الذي تبحث عنه “العدالة”، وذلك بعد أن تشوه وجهه واصبح مخيفا ليليق بوصف المجرم.

في الحقيقة كلنا بهذا المعنى “شسمة”، كلنا يبحث عن ثأر لدماء أريقت بلا ثمن، عن حقوق الضحايا الذين يموتون أو يفقدون كل شيء نتيجة حروب لا دخل لهم بها، نتيجة صراعات لم يكونوا يوما طرفا فيها رغم انتمائهم لفرق وديانات وأعراق مختلفة. الشسمة في الرواية هم المفقودون، المنسيون، الجثث التي تتحول لأشلاء فلا يعرف من صاحب هذا الجزء، الشسمة فعلا هو المواطن المجهول (الذي لا اسم له) هو الوطن الممزق إلى أشلاء تنتمي له في الأصل ولا ينتمي إليها بعد تشرذمها ونسيانه، الوطن الذي يطلب ثأرا ممن حولوه لساحة حرب وشوهوا معالمه وأجهزوا عليه.

تحية للروائي الجميل أحمد سعداوي وروايته البديعة، التي تستحق القراءة من جمهور واسع، والكتابة عنها باستفاضة وبروح نقدية بناءة، وتستحق عن جدارة جائزة البوكر العربية التي في رأيي فازت بالرواية لا العكس.

تعليقات
  1. Lady.Tech قال:

    قام بإعادة تدوين هذه على Lady.Teco.

    Liked by 1 person

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s