تهميش المرأة كمبدعة للفن في مصر (1) أسباب مجتمعية

Posted: 2 نوفمبر 2014 in كتابات أدبية وفنية
الوسوم:, , , , , ,

من خلال خبرتي البحثية المتواضعة في مجال الأغنية المصرية، واهتمامي بها منذ الصغر كأحد الروافد الهامة والأساسية لمتعتي الشخصية، والأسهل في التعاطي والأسرع في خلق حالات شعورية متعددة على حسب الموقف والحدث الذي أمر به، تبين لي أنه بالرغم من دخول المرأة مجال كتابة الشعر العامي والفصيح والقصة والرواية والغناء والتمثيل منذ زمن بعيد، إلا أنها لم تشغل سوى مساحة تكاد تكون منعدمة في مجال كتابة الأغنية والتلحين لها، أيضا الكتابة والإخراج للسينما والتلفزيون، ومجالات فنية عدة مثل التصوير والنحت.. الخ.

سأركز في هذا المقال على مصر كنموذج لحال المساحة التي تشارك فيها المرأة في فن الأغنية فقط ككاتبة وملحنة لها، ولن أتطرق لوجود شاعرات من الوطن العربي كتبن أغنيات تغنى بها أناس من بلدانهن أو حتى لآخرين في مصر، أيضا مخرجات أو كاتبات للدراما على شاشات السينما والتلفزيون، أو في مجالات فنية أخرى كجزء من فريق العمل المنتج للفيلم أو المسلسل، أو في مجالات أخرى كالنحت والتصوير، وهذا كله حصرا للأسف يؤكد على فكرة “شبه الانعدام” التي ذكرناها في مقابل إنتاج نظرائهن من الرجال وعددهم أيضا الكبير جدا بما لا يقاس بهن.

المرأة كموضوع للفن لا كمنتج له

ظلت المرأة موضوعا للأغنية كطرف أصيل في العلاقة العاطفية التي هيمنت كموضوع للكتابة في فن كتابة الأغنية، فحضورها كحبيبة ظل هو المهيمن على معظم ما تغنى به المغنون منذ بداية عهد الأغنية، وكموضوع أيضا للتقرب والغزل والمداعبة، وأحيانا لكتابة النهايات الحزينة لعلاقات شابها الهجر والجفاء وانعدام التفاههم، وفي أحيان قليلة كأم يتم الدعاء لها أو رثائها، أو كإبنة يتم تدليلها وتعليمها بالأغنية. وشاركت المرأة في هذا العالم بظهورها الطاغي كمؤدية لهذا الفن، وكتب لها ما يقابل ما كتب عنها كرد وتبادل حميمي ومعاتب وشاكي وحالم في هذه العلاقة. ولكن ظلت المرأة ككاتبة للأغنية وملحنة لها في وضع المستبعدة ولم تظهر إلا فيما ندر.

شهد تاريخ مصر كما ذكرت د. عواطف عبد الكريم أسماء لامعة في مجال كتابة القصائد والأزجال والأشعار الغنائية والتي تغنى بها عدد من المطربين والمطربات في القرن العشرين، وهن: دولت حسن حسنى، وفاطمة عبد المنعم، ووفاء عزيز، وملك محمد، وسكينة حسن، وحورية المانسترلي، وعصمت عبد الكريم، ونجاح الغنيمى، وشريفة فتحي، وزينب محمد حسين، مؤكدة أن الأخيرتين كانتا الأكثر غزارة في الإنتاج، فقد غنى من نظم زينب محمد حسين مطربون مثل عبد العزيز محمود وعادل مأمون، في الوقت الذي لحن فريد الأطرش ورياض السنباطي وغنى سعد عبد الوهاب ونور الهدى أغنيات من نظم شريفة فتحي، علاوة على ظهور أربع شاعرات للأغنية هن الأكثر شهرة في النصف قرن الأخير: نبيلة قنديل، وعلية الجعار، وكوثر مصطفى، ونور عبد الله، هذا غير شاعرات كتبن أغنية أو اثنتين ولم يتخطوا في مجملهم خمسة شاعرات. وبشكل عام فعدد الشاعرات اللاتي يمكن رصدهن في كتابة الأغنية لا يصل في مجمله إلى 20 شاعرة غنائية، وذلك على مدار تاريخ مصر فيما يزيد عن قرن من الزمان، وهو عدد لا يقاس بعدد الشعراء الرجال في نفس المجال.

أيضا في مجال التلحين ووضع الموسيقى ظهر عدد قليل أيضا من الملحنات وكلهن لم ينلن من الشهرة حظا وفيرا مثل: السيدة ثروت كيجوك وهي أول من تم رصد أعمالها من ملحنات مع بداية عهد الإذاعة بمصر، وظهرت إلى جوارها ومنذ أواخر الثلاثينات اثنتان من أهم الملحنات هما زينت محمد الجندى التى اشتهرت باسم “ملك” وهى واحدة من رواد المسرح الغنائي، حيث أنشأت فى الأربعينيات مسرحا بشارع عماد الدين وأسمته “مسرح أوبرا ملك”، ونادرة أمين التي لعبت مع الشاعرة وفاء عزيز دويتو شهيرا في الكتابة والتلحين، والأختان بهيجة وخديجة حافظ، وإحسان محمد شفيق، التى تأتي بصمتها على الغناء من تبنيها لتقديم الألحان لأصوات الأطفال والمجموعات الصوتية من النساء أو من الرجال، ولور دكاش المطربة والملحن لبنانية الأصل والتي عاشت وبزغ نجمها وتوفت في مصر، ونادية عوض وسوسن عباس، وملك محمد التي غنت ولحنت البعض من الأغاني التي قدمتها بصوته، وحديثا واضعات موسيقى أو ملحنات لعدد قليل من الأغنيات مثل: أميمة أمين، عواطف عبد الرحمن، دعاء عدنان، وعايدة الأيوبي. بالإضافة إلى تلحين أم كلثوم لنفسها أغنيتين في بدايتها في الثلاثينيات، وتلحين المطربة الشعبية ليلى نظمي لبعض أغانيها.

أيضا في الكتابة للسينما والدراما التلفزيونية والإخراج لهما، ظلت المرأة موضوعا للعديد من المنتجات الفنية وأضحت ممثلة لاستكمال عناصر الدراما، ولكنها ظلت على مدار تاريخ السينما في مصر، أي ما يزيد عن مائة عام، وتاريخ التلفزيون الذي بلغ عامه الرابع والخمسين، غائبة بشكل شبه تام عن الإخراج لهما حتى ظهرت قلة منهن في الربع قرن الأخير. وباستثناءات قليلة في الكتابة للتلفزيون في توقيتات مبكرة يظل وجودوهن شبه منعدم مقارنة بالرجال سواء بالكتابة للتلفزيون أو السينما. وأيضا ما ظهر منهن ككاتبات للسينما قليلات جدا. وبالنسبة للإخراج السينمائي لا توجد سوى عزيزة أمير ونعمات رشدي في بداية عهد السينما، ثم ظهرت في الربع الأخير من القرن العشرين إنعام محمد علي، وكاملة أبو ذكري، وأسماء البكري، وهالة خليل، وساندرا نشأت، ومنال الصيفي، ، وإيناس الدغيدي، بالإضافة لعدد من المخرجات الشابات مثل أيتن أمير، ونادين خان، وماجي مرجان، ومافي ماهر. أما عن الكتابة للتلفزيون فلا توجد سوى سكينة فؤاد، وفتحية العسال، ومريم نعوم، وغادة عبد العال. أما عن مخرجات المسلسلات الدرامية فهناك مريم أبو عوف، ورباب حسين.

صحيح أن عدد مخرجي وكتاب السينما ليسوا بحجم عدد كتاب الأغنية، ولكن يظل الفارق شاسع بين نسبة الرجال والنساء في مجالات الكتابة والإخراج للسينما والتلفزيون.

ربما سنجد الأمر في السينما مختلفا عن التلفزيون وعن الأغنية أيضا لعالمية الأولى في مقابل محلية الثاني والثالثة، وذلك لتأثرها بالتيارات العالمية في الإبداع وبمعارك خاضتها نساء في بلدان شبيهة بأوضاعنا أو متقدمة عنا انتزعت من خلالها مساحة لإثبات قدرتها على الإبداع والمنافسة في عالم تهيمن عليه -رغم تقدمية مجتمعات به- ثقافة ذكورية سلطوية، إلا أنه في مصر على سبيل المثال ظلت المرأة كمخرجة مثلا مستبعدة من هذا المجال حتى زمن قريب جدا.

التهميش وقوانين السوق الذكوري

ليس هناك ما يفسر في هذا السياق غياب المرأة ككاتبة أو مخرجة للسينما أو كاتبة وملحنة للأغنية سوى التهميش المتعمد لها من أن تبرز ويبزغ نجمها، فالمرأة في مصر وعالمنا العربي ما زالت تعامل كمواطن منقوصا منه العديد من الحقوق، وبالذات التي يمكن أن تميزها في مجالات عدة حال الحصول عليها. فعلى سبيل المثال بالرغم من أن العادات والتقاليد المحافظة في مجتمعاتنا تميل إلى ذهاب المرأة لطبيبة أمراض نساء بدلا من طبيب رجل، في نفس الوقت يتم التضييق عليها في دخول هذا القسم في كلية الطب، ولم نشهد أنها نالت لقب أستاذة ورئيسة لهذا القسم في تاريخ كليات الطب في مصر، هذا التناقض يفسر نفسه في استئثار الأطباء الذكور وبالذات الكبار منهم بهذا التخصص، لأن صعود المرأة في هذا المجال سيعني ببساطة حرمان هؤلاء الذكور المتربعين على عرش هذه المهنة من زبائنهم من النساء لتفضيلهن وقتها الذهاب لطبيبة بدلا من طبيب، وبالتالي سيضطرون وقتها لتخفيض أسعارهم لمزاحمة الطبيبة الأنثى. إنها المزاحمة إذن وقوانين السوق لكل مهنة، وبالتالي فإحكام القبضة على آليات السوق وإزاحة المرأة منه أو تهميشها في أفضل الأحوال مصلحة للرجل وتقليل لفرص المزاحمة على الأقل من فئة تمثل نصف المجتمع، ومن ثم فالمرأة يفضل أن تكون مطربة أو ممثلة لتكمل دائرة التجاوب العاطفي في العلاقة، ويا حبذا لو كانت مصدرا للإغراء والتسليع كما يحدث الآن في الفيديو كليب وأفلام السينما الرخيصة، وهي موديلز وجذابة في الإعلانات، لكنها لا يجوز أن تكون مبدعة كشاعرة أو واضعة للألحان والموسيقى أو كاتبة ومخرجة لعمل فني، واعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي في محدودية دور المرأة في الكتابة والتلحين شبه المنعدم.

إن الحق في خوض غمار عملية التأليف والتلحين للأغنية وكتابة السيناريو والحوار والإخراج التلفزيوني والسينمائي، بل أيضا ظهورها في فريق العمل الدرامي وكمبدعة لكافة أنواع الفنون الأخرى، لا يمكن أن ينظر له بالنسبة للمرأة على أنه عملية ستحدث من تلقاء ذاتها، ففي أعتى الدول تقدمية وانفتاحا ومساواة وديمقراطية، لم يتم هذا الأمر بشكل كامل حتى الآن، وأن ما حدث من بزوغ نجمات في هذه العوالم كان نتاج تجربة طويلة من الصراع والنضال لانتزاع مكانة جنبا إلى جنب أقرانهن من الرجال، فلا يمكن بأي حال تخيل أن يتخلي الرجال طواعية عن هذه المنافسة الشرسة والتسليم بحق النساء في وضع أقدامهن بجوارهم. لا يعني كلامي هذا أن المعركة تدور بين رجال ونساء بالأساس، بالعكس تدور بين قطاع مهمش ومظلوم في المجتمع ضد هذا المجتمع الذي يسحق هذا القطاع وقطاعات أخرى تحت مسميات عديدة تخدم في النهاية وضعية الانقسام وتحرف الصراع فيه إلى مناطق غير صحيحة بإبراز ذكوريته في مقابل الحق في المساواة.

سيظل الفن عموما وفي مصر على وجه الخصوص (كتابة وتلحين للأغنية، كتابة وإخراج للسينما والتلفزيون، المشاركة في فريق العمل فنيا، التصوير والنحت) يحتاج لمواهب جديدة من شاعرات وملحنات ومؤلفات ومبدعات يمتلكن الحس المرهف والتجربة الثرية والقدرة على استيعاب الواقع والتطور الحاصل في العمليات الإبداعية على اختلاف أنواعها، لتغزو هذه المواهب الواقع المتجدد والمتقلب دوما في عالم الفنون كافة، بحثا عن مساحة من المشاركة الفعالة والإسهام الجدي والتطوير، جنبا إلى جنب محاولة خلق حالة من المساواة بين الرجل والمرأة كشريكين في صنع الحياة ومباهجها وعلى رأسها الفن بمختلف اتجاهاته وأنواعه.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s