تهميش المرأة كمبدعة للفن في مصر (3) ملحنات الأغنية

Posted: 25 نوفمبر 2014 in كتابات أدبية وفنية
الوسوم:, , , , ,

ذكرنا في الجزء الأول من مقالنا هذا أنه في مجال التلحين ووضع الموسيقى ظهر عدد ليس بكثير من الملحنات وكلهن لم ينلن الشهرة المستحقة مثل: السيدة ثروت كيجوك، وزينت محمد الجندي، ونادرة أمين، والأختان بهيجة وخديجة حافظ، وإحسان محمد شفيق، ولور دكاش، ونادية عوض وسوسن عباس، وملك محمد التي غنت ولحنت البعض من الأغاني التي قدمتها بصوتها، وحديثا واضعات موسيقى أو ملحنات لعدد ليس بالكثير من الأغنيات مثل: أميمة أمين، عواطف عبد الرحمن، دعاء عدنان، وعايدة الأيوبي. بالإضافة إلى تلحين أم كلثوم لنفسها أغنيتين في بدايتها في الثلاثينيات، وتلحين المطربة الشعبية ليلى نظمي لبعض أغانيها.

يحدث ذلك على الرغم من أنه حديثا أصبح هناك عدد لا بأس به من كليات التربية الموسيقية ومعاهدها في مصر يتخرج فيها سنويا الآلاف من الجنسين دون أن يعكس هذا ظهور لملحنات يخضن مجال التلحين للأغنية أو واضعات للمقطوعات الموسيقية، بصرف النظر عن ظهورهن كعازفات بشكل ملحوظ مؤخرا لعدد من الآلات الموسيقية في الفرق المختلفة الرسمية والمستقلة.

ملحنات قليلات وإنتاج غير كبير

خاضت أم كلثوم (30 ديسمبر، 1898 – 3 فبراير 1975) تجربة التلحين مبكرا حيث لحنت لنفسها أغنيتين في الثلاثينيات من القرن الماضي، بعدها تراجعت نهائيا تاركة المساحة لملحنين كبار يشاركونها مجدها كرياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي.

أما نادرة أمين (17 يوليو 1906- 24 يوليو 1990) والتي قامت عام 1932 قامت ببطولة فيلم “أنشودة الفؤاد” أمام العملاق جورج ابيض، والمحامي الهاوي عبد الرحمن رشدى والشيخ زكريا أحمد الذي لحن اغاني الفيلم. قامت أيضا بتلحين البعض من أغانيها.

ربما كانت بهيجة حافظ (4 أغسطس 1908 – 13 ديسمبر 1983) الملحنة والكاتبة والممثلة والمخرجة والتي بدأت في التأليف الموسيقي قبل أن تتجه للتمثيل فالإخراج المسرحي، هي الأهم والأكثر شهرة في جيل الملحنات الذهبي في بداية القرن العشرين، ومن أعمالها السينمائية التي وضعت لها الألحان والموسيقى التصويرية: “السيد البدوي، الاتهام، الضحايا، زينب، زهرة، ليلى البدوية، ليلى بنت الصحراء” وقد قامت بكتابة السيناريو والحوار للثلاثة الأخيرة.

وللفنانة ليلى نظمى التى تميزت بالغناء الشعبى تجارب في التلحين لبعض من أغانيها مثل “حماتى يا نينة”. وحديثا الملحنة أميمة أمين الأستاذة في كلية التربية، فقد قامت بتلحين نحو 70 أغنية في المجال التعليمي للأطفال، وألفت كتابا في هذا المجال بعنوان: الخبرات الموسيقية فى دور الحضانة ورياض الأطفال، علاوة على كتاب آخر بعنوان: ينابيع الأفكار الفنية لتعلم الارتجالات الموسيقية. والملحنة دعاء عدنان، التي تقوم بالتلحين والغناء في برنامج “كلمات وعبرات” الذي يذاع على قناة النيل الثقافية، علاوة على وضع موسيقى الحلقات. ود. عواطف عبد الكريم (1931 -) والتي لها مؤلفات منها في مجال الموسيقى التصويرية لمسرحيات مثل “كوبري الناموس، المحروسة، السبنسة، ولعبة النهاية، الانسان الطيب من سيزوان، ورحلة خارج السور، وغيرها”، إضافة الى قائمة بمؤلفات موسيقية للإذاعة والتلفزيون ومؤلفات للكورس وبعض أغاني أوبريت لسيد درويش ومقطوعات للبيانو وأخرى للفيولينة ومؤلفات أوركسترالية، علاوة على إنتاجها قائمة من الكتب والابحاث والمقالات، والتي تعتبر واحدة من أهم مؤرخي الفن الغنائي في مصر.

وأخيرا المطربة عايدة الأيوبى (15 مارس 1964 -) التى تميزت بأغانيها الشبابية الى حد ما في أوائل التسعيينات بعد أن أصدرت ألبوم بعنوان “على بالي”، ثم ارتدت الحجاب واعتزلت الغناء بعد ظهورها بسنوات قليلة قبل أن تعود مرة أخرى عام 2009 بأغاني دينية ووطنية مثل “بحبك يا بلدي” من كلماتها وألحانها كإهداء لشهداء ثورة 25 يناير. أما آخر أعمالها الفنية فكانت أغنية “يا الميدان” و”اتجنن” مشاركه مع فرقة كايروكي. وقد أصدرت عايدة ثلاثة ألبومات فقط طوال رحلتها الفنية تتضمن أغنيات من كتابتها وتلحينها، لم تثبت فيهم في رأيي تميزها وانفرادها في هذا المجال بسبب تقليدية الكلمات والألحان الموضوعة لها، علاوة على غيابها عن الساحة الفنية لفترة طويلة كانت قد جرت مياها كثيرة أثنائها في نهر الأغنية الذي لا يتوقف عن السريان، وظهور مطربات جدد احتلت الساحة ولم يعد لها مكانا فيها سوى بالتميز الذي أخفقت في بلوغه.

نظرة ذكورية للمرأة كملحنة

بالبحث غبر الصحف ومواقع الانترت عن ظاهرة غياب النساء عن تلحين الأغنيات أو وضع مقطوعات موسيقية من تألفيهن وجدنا بعض الآراء التي تصب معظمها في تكريس هذه الوضعية وهي تهميش المرأة كمبدعة للفنون. الملحن فاروق الشرنوبي الذي بدأ كملحن ومغني لأغنيات سياسية سيرا على درب الشيخ إمام عيسى، قبل أن يتجه لسوق الأغنية بمفرداته وقوانينه الغالبة، قال عن تفسيره لهذه الظاهرة “للمرأة تكوين فسيولوجي مختلف عن الرجل، الأمر الذي أوجد بالضرورة اختلافا في جهاز الوعي عندها وهو الجهاز المسؤول عن تكوين الخيال.. وحيث أن التلحين والتأليف الموسيقي نوع من الخيال، فاعتقد أن عدم اقتحام النساء له مرتبط بمحدودية الخيال عندهن مقارنة بالرجال.. وكذلك هناك مسألة التوافق العضلي والعصبي عند المرأة والرجل..”.

أما الملحن أمير عبد المجيد فنجده لا يختلف كثيرا في رؤيته عن الشرنوبي “إن المرأة لا تملك خزينة محكمة لتخزين الثقافة الموسيقية أو لنقل هي خزينة محدودة السعة، وكلامي ليس تعميما على كل جنس النساء، لكنه يساعد في فهم ظاهرة انحسار النساء عن هذا المجال، وإذا اعتبرنا التلحين مهنة فسيكون الفشل هو المصير المحتوم، لكن التلحين موهبة من الله، وربما تكون موجودة في المرأة، لكن اختلاف طبيعتها عن طبيعة الرجل، نظرا لاختلاف الرسالة، أبعدها عن تنمية هذه الموهبة، أيضا يجب النظر للمرأة على إنها كائن عاطفي ومزاجي وربما تنعكس حالتها النفسية، إذا أصابها اهتزاز، على الأداء وهذه الظروف يتخلص منها الرجل بسرعة إذا انهمك في العمل”.

أما د. رتيبة الحفني عميدة معهد الموسيقى العربية فلم تبتعد كثيرا عن أراء سابقيها، إذ ترى أن “وضع المرأة الاجتماعي لا يتوافق مع هذا العمل.. فمعظم الزيجات التي تتم في مجتمعنا المصري لا تؤيد هذا المجال ولكن الأمر مختلف في الأعمال الأخرى كالموسيقى التصويرية أو الأعمال السيمفونية لأن الملحنة في هذه الحال تعطي النوتة الموسيقية للمايسترو ولا ترتبط بعمل مع الفرقة الموسيقية”.

أما الفنانة دعاء عدنان المعيدة في المعهد العالي للموسيقى العربية والتي قررت أن تسلك طريق التلحين، اعترضت على التبرير القائم على أسباب اجتماعية، قائلة “أرى أن هذا التبرير يقوم على ظروف شخصية لا يمكن إعطاؤها صفة العمومية. السبب الرئيسي يرجع إلى عدم اهتمام الفتيات بالدراسة الجادة. فمعظمهن يكتفين بالالتحاق بمعهد الكونسرفتوار أو معهد الموسيقى العربية، لكن الإعداد الصحيح لا بد من أن يتم التحضير له منذ الصغر”.

ولا تجد بثينة شريف الملحنة الإماراتية الشابة سببا واضحا لعدم وجود ملحنات عربيات بارزات على الساحة؛ وقالت “لا أرى أن هناك عائقا محددا يقف أمام دخول المرأة مجال التلحين، وليست هناك صعوبة أمام المرأة، بل بالعكس أعتقد ان التلحين مناسب للمرأة كثيرا، لأنه يعتمد على الإحساس والتذوق والمشاعر، وهي مواصفات تتمتع المرأة بقدر كبير منها، ولكن قد يكون العنصر النسائي بحاجة الى التشجيع والدعم لدخول المزيد من الملحنات في الفترة المقبلة، كما سيشكل ظهور أكثر من اسم نسائي في هذا المجال دافعا للأخريات على الإقبال، وهو أمر نحتاج إليه”.

وباستثناء الرأيين الأخيرين اللذان يحاولان الانتصار لدخول المرأة مجال التلحين، فمعظم الأراء في اعتقادي غير علمية ولا تستند إلى أسباب واضحة يمكن مناقشتها، ففكرة الموهبة وسعة أو محدودية الذاكرة والخيال والحالة النفسية والمزاجية هي أمور نسبية ويتشارك فيها بنو الإنسان بصرف النظر عن نوعهم، وحتى لو اعتقدنا بوجود فروق بين البشر فلماذا ينظر لها بوصفها نوعا من التمييز؟ في الحقيقة تلك النظرة الاستبعادية هي ذكورية بالأساس وتسعى إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه خشية المزاحمة في سوق الفن، حتى لو كانت صادرة من سيدات وفي مكانة عميدة معهد الموسيقى العربية، فالتشبع بالأفكار السائدة وترديدها جزء لا يتجزأ من قدرة تلك الأفكار على الهيمنة أو بالأحرى قدرة منتجيها على الهيمنة وفق تصوراتهم وقوانينهم وسطوتهم حفاظا على ملكيتهم وأوضاعهم في السلطة.

الحل في اعتقادي لا ينبع فقط من الإيمان بحق المرأة في خوض غمار هذا المجال فالمشكلة لن يتم حلها بالنوايا الطيبة ولا بالحديث عن حقوق المرأة كمادة للبحث عن المساواة، ولكن في عملية الخوض نفسها على أرض الواقع، وفرض المرأة لنفسها والصراع والمنافسة لإيجاد موطء قدم لها تثبت من خلاله أنها لها الحق ومتساوية، وكونها إمرأة لا ينتقص من قدرتها على إثبات جدارتها ومواهبها، وأن قوانين السوق يمكن كسرها فهي ليست أبدية تماما كالأوضاع التي أدت لتهميشها كمنتجة للفن. هذا ما تم إثباته في التاريخ من خوض المرأة لمجالات عدة في الفن والثقافة والفكر والعلوم والرياضة ونجاحها فيها، بينما كان السائد تاريخيا أنها حكرا على الرجال فقط.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s