مقالات لينين حول: ما هو الوضع الثوري؟ 2 – مظاهرة الأول من مايو والبروليتاريا الثورية

Posted: 27 نوفمبر 2014 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
فلاديمير لينين
الأعمال الكاملة ، المجلد 19 ، ص ص 218 – 227 ، دار التقدم موسكو 1977 . الطبعة الإنجليزية . (أرشيف لينين على الإنترنت)
ترجمة: سعيد العليمي

لقد مضى عام على وقوع أحداث اللينا ، والصعود الأول الحاسم لحركة الطبقة العاملة منذ إنقلاب الثالث من يونيو . وإحتفل المائة السود أتباع القيصر، وملاك الأرض ، ورعاع الموظفين الرسميين والبورجوازية بالذكرى الثلاثمائة للنهب ، أى بغزوات التتار ، وإلحاق العار بروسيا من قبل آل رومانوف . كما إنعقد الدوما الرابع وبدأ ” أعماله ” ، رغم أنه لم يعد يؤمن بها ، وقد فقد لحد بعيد حميته الأولى المناهضة للثورة . حاصر التشوش والضجر المجتمع الليبرالى ، الذى يطلق نداءات الإصلاح بفتور بينما يعترف فى نفس الآن بعدم عملية أى شئ قريب حتى من الإصلاح .


والآن تأتينا مظاهرة الأول من مايو للطبقة العاملة الروسية ، التى أجرت ” بروفتها ” الأولى فى ريجا ، ثم واصلت بمظاهرة حازمة فى سانت بطرسبورج فى الأول من مايو ( التقويم القديم ) ، وقد أسهمت هذه المظاهرة فى إنقشاع جو الكآبة القاتمة وكأنها صاعقة / عيد صاخب . لقد تصدرت مهام الثورة الوشيكة المقدمة مرة أخرى بكل عظمتها ، تقودها قوى الطبقة المتقدمة التى تبرز فى تصد شجاع أمام المئات من الثوريين القدامى الذين لم يهزمهم أو يكسرهم إضطهاد الجلادين ولا إرتداد الأصدقاء ، وأمام ملايين الناس من الجيل الجديد من الديموقراطيين والإشتراكيين . 


لقد بدا قبل الأول من مايو بأسابيع وكأن الحكومة قد فقدت فطنتها ، بينما بدا السادة أصحاب المصانع وكأن لم يكن لديهم أبدا أية فطنة على الإطلاق . لقد تبين أن الإعتقالات وعمليات التفتيش قد قلبت أحياء العمال فى العاصمة رأسا على عقب. ولم تتخلف المقاطعات عن المركز .لقد دعا أصحاب المصانع المنزعجون لمؤتمرات وتبنوا شعارات متناقضة ، حينا يهددون العمال بالعقاب وبإغلاق المصانع ، وحينا يقدمون تنازلات مقدما ويذعنون لوقف العمل ، وحينا يحرضون الحكومة على إرتكاب الأعمال الوحشية ، وحينا يلومون الحكومة ويدعونها لإدراج أول مايو فى عداد الإجازات الرسمية . 


ولكن رغم أن الشرطة قد أظهرت حمية قصوى ، ورغم أنها ” طهرت ” الضواحى ، ورغم أنها قامت بالإعتقالات يمينا وشمالا وفقا لآخر ” قوائم المشبوهين ” ، فلم يكن لذلك أى فائدة . لقد سخر العمال من الغضب العاجز لعصابة القيصر والطبقة الرأسمالية وهزأوا من ” بيانات “الحاكم المتوعدة التى يرثي لها ، وكتبوا قصائد ساخرة وتداولوها باليد أو تبادلوها شفاهة ، وأصدروا وكأن ذلك من مورد مجهول دفعات طازجة من “المنشورات ” الصغيرة سيئة الطباعة، موجزة وواضحة ، ومنورة للغاية ، تدعو للإضرابات والمظاهرات ، مذكرة الناس بشعارات الإشتراكيين الديموقراطيين الثورية القديمة غير المبتورة ، الذين قادوا فى عام 1905 هجوم الجماهير الأول على القيصرية والملكية .


مائة ألف قد أضربوا فى الأول من مايو ، هكذا قالت الصحف الحكومية فى اليوم التالى . أما الصحف البورجوازية فقد أفادت ، مستخدمة المعلومات المبرقة ، بأنهم مائة وخمسة وعشرون ألف ( كييفسكايا ميسل ) .أبرق مراسل لسان حال الإشتراكية الديموقراطية الألمانية من سانت بطرسبورج بأن العدد قد بلغ مائة وخمسون ألف . وفى اليوم التالى نقلت الصحف البورجوازية فى مجملها رقما يبلغ 200،000 – 220،000 . والواقع أن عدد المضربين قد بلغ 250،000 !


ولكن ، بغض النظر عن عدد المضربين ، هناك ماهو أشد تأثيرا ، وأكثر مغزى – المظاهرات الثورية فى الشوارع التى قام بها العمال . قامت جموع العمال فى / وحول العاصمة بإنشاد أغان ثورية ، داعين للثورة بصوت عال وحاملين أعلاما حمراء وقاموا لعدة ساعات بقتال قوى الشرطة والأمن التى حركتها الحكومة بسعار شديد . وجعل هؤلاء العمال أشد أتباع القيصر يشعرون أن الصراع كان جديا ، وأن الشرطة لم تواجه حفنة من الأفراد منخرطين فى أمر سلافولى تافه ( 2 ) ، وأن جماهير العاصمة من الطبقة العاملة بالفعل هى التى ثارت . لقد كانت حدثا ساطعا بالفعل ، مظاهرة علنية لتطلعات البروليتاريا الثورية ، لقواها الثورية التى تصلبت وتعززت بأجيال جديدة ، بنداءات ثورية للناس ولشعوب روسيا . كان بمقدور الحكومة ورجال الأعمال أن يستمدوا العزاء العام الماضى من حقيقة أنه لم يكن من الممكن التنبؤ بإنفجار اللينا ، حتى أنهم لم يستطيعوا القيام بإستعدادات مباشرة لمكافحة نتائجه ، على أى حال ، لقد أظهرت الملكية بصيرة حادة ، فقد كان هناك متسع من الوقت للإستعداد وكانت ” الإجراءات” التى إتخذت الأشد ” قوة ” ، وكانت النتيجة أن الملكية القيصرية قد أظهرت عجزها الكامل حينما واجهت الصحوة الثورية للجماهير البروليتارية .


لقد أظهر عام كامل من النضال الإضرابى منذ أحداث اللينا ، أنه بالرغم من صرخات الليبراليين والمذعنين من تابعيهم ضد ” الخبل الإضرابى ” ، ضد الإضرابات ” النقابية ” ، ضد ربط الإضرابات الإقتصادية بالسياسية وبالعكس – لقد أظهر هذا العام أى سلاح عظيم لايمكن إستبداله للتحريض بين الجماهير ، لإثارتهم ، ولجذبهم لدائرة نضال البروليتاريا الإشتراكى الديموقراطى الذى إختطته لنفسها فى الحقبة الثورية . لم يسمح الإضراب الجماهيرى الثورى للعدو بالراحة ولا بالتأجيل . وقد ضرب أيضا مالية العدو وغاصت أمام أنظار العالم أجمع فى الوحل المكانة السياسية للحكومة القيصرية التى يزعمونها ” قوية ” . لقد مكن أقساما من العمال أكثر فأكثر من أن تستعيد على الأقل جزءا صغيرا مما تحقق فى 1905 وجذب أقساما جديدة من الشعب العامل .، حتى الأشد تخلفا ، لدائرة النضال . وهو لم يستنفد طاقة العمال ، فلطالما كان فعلا تظاهريا لفترة قصيرة ، وقد مهد الطريق فى نفس الوقت لحركة الجماهير المكشوفة الأشد وأكثر تأثيرا والأكثر ثورية فى شكل مظاهرات الشوارع . 


لم يشهد أى بلد فى العالم ، خلال العام الماضى ، هذا العدد من البشر المضرب من أجل غايات سياسية مثلما فى روسيا ، أو مثل هذه المثابرة ، مثل هذا التنوع ، مثل هذه الحمية فى الإضرابات . يبين هذا الظرف وحده بشكل كامل تفاهة ، والغباوة الخسيسة للحكماء الليبراليين والتصفويين الذين حاولوا أن ” يكيفوا ” تاكتيكات العمال الروس فى 1912 – 13 مستخدمين مقياس الفترات ” الأوروبية ” الدستورية التى خصصت للعمل التحضيرى ولتربية الجماهير اشتراكيا وتنويرها . 


يظهرالتفوق الهائل للإضرابات الروسية على تلك التى فى بلدان أوروبا ، البلدان الأكثر تقدما ، ليس الخصائص أو القدرات النوعية لعمال روسيا ، وإنما الأوضاع الخاصة فى روسيا اليوم ، أى وجود وضع ثورى ، نمو أزمة ثورية مباشرة . حينما تقترب لحظة نمو مشابه للثورة فى أوروبا ( سوف تكون هناك ثورة إشتراكية وليست بورجوازية ديموقراطية كما هو الحال فى بلادنا ) ، سوف تشن بروليتاريا أكثر البلدان الرأسمالية تطورا إضرابات ، ومظاهرات ، وصراعا مسلحا ، ضد حماة العبودية المأجورة أشد ثورية بكثير .


إن إضراب الأول من مايو هذا العام ، مثله مثل سلسلة الإضرابات فى روسيا خلال الثمانى عشر شهرا الأخيرة ، كان ثوريا فى طابعهه بوصفه متميزا ليس فقط عن الإضرابات الإقتصادية العادية ، وإنما عن المظاهرات الإضرابية ، وكذلك عن الإضرابات السياسية التى تطالب بإصلاحات دستورية ، ، كالإضراب البلجيكى الأخير على سبيل المثال . ( 3 ) هؤلاء الذين تستعبدهم وجهة نظر ليبرالية ولم يعد بمستطاعهم أن يقدروا الأشياء من وجهة نظر ثورية ، لا يحتمل أن يكون بمقدورهم أن يفهموا هذا الطابع المميز للإضرابات الروسية ، طابع يعود تماما للحالة الثورية فى روسيا . إن حقبة الثورة المضادة وإنطلاق مشاعر الإرتداد قد خلفت وراءها كثيرا من الناس من هذا النوع حتى بين هؤلاء الذين قد يرغبون فى أن يسموا إشتراكيين ديموقراطيين . 


إن روسيا تعاين وضعا ثوريا لأن إضطهاد الأغلبية العظمى من السكان – ليس البروليتاريا فقط وإنما تسعة أعشار صغار المنتجين ، وخاصة الفلاحين – قد إشتد حتى الدرجة القصوى ، وهذا الإضطهاد المتزايد ، والمجاعة ، والفقر ، والإفتقار إلى الحقوق ، وإذلال الشعب ، وهو مايمكن أن نضيف إليه أنه لايتسق بجلاء مع حالة القوى المنتجة الروسية ، ولايتناسب مع مستوى الوعى الطبقى ومطالب الجماهير التى ثارت فى 1905 ، ولايتفق مع حالة الأوضاع فى كل البلدان المجاورة ليس الأوروبية فقط بل الأسيوية أيضا . 


لكن هذا ليس كل شئ . الإضطهاد وحده ، أيا كان فادحا ، لايدفع دائما لنشوء وضع ثورى فى البلاد . لايكفى للثورة فى معظم الحالات أن لاترغب الطبقات الدنيا فى العيش بالطريقة القديمة . بل من الضرورى ألا يعد بمقدور الطبقات العليا أن تسيطر وتحكم بالطريقة القديمة . وهذا هو مانراه فى روسيا اليوم . هناك أزمة سياسية تنضج أمام أعيننا . لقد فعلت البورجوازية كل مافى وسعها لدعم الثورة المضادة وأن تكفل ” تطورا سلميا ” على هذا الأساس المضاد للثورة . كما أعطت البورجوازية الجلادين والأمراء الإقطاعيين كل ماأرادوه من أموال ، وسبت البورجوازية الثورة وشجبتها ، ولعقت البورجوازية أحذية بوريكيفيتش وسوط ماركوف الثانى وأصبحت من خدمهما ، ووضعت البورجوازية نظريات مؤسسة على البراهين ” الأوروبية ” نظريات تسب ثورة 1905 بوصفها ثورة ” مثقفين ” ونعتتها بأنها شريرة ، ومجرمة ، وخائنة ، وما إلى ذلك . 


ومع ذلك ، وبالرغم من كل تضحياتها من حافظة نقودها ، وشرفها ووعيها فإن البورجوازية نفسها – من الكاديت وحتى الأكتوبريون – تعترف بأن الأتوقراطية وملاك الأرض لم يكونوا قادرين على تأمين ” تطور سلمى ” ، ولم يكن بمستطاعهم خلق الشروط الأساسية ل ” القانون ” و ” النظام ” الذى لايمكن لأى بلد رأسمالى أن يعيش بدونها بجوار ألمانيا والصين الجديدة .


يبدو للعيان أن هناك أزمة سياسية قومية شاملة فى روسيا ، أزمة تؤثر على عين أساس نظام الدولة وليس فقط جزءا منه ، تؤثر على أساس الصرح وليس المبنى الخارجى ، وليس إحدى طوابقه فحسب . بصرف النظر عن عدد الجمل السطحية التى يعرضها ليبراليونا ومصفونا والتى تنتهى بالقول بأن ” لدينا ، بفضل الله ، دستور” ، وأن الإصلاحات السياسية على جدول أعمال اليوم ( عدد محدود من الناس للغاية لايرى الصلة بين هاتين القضيتين ) ، بصرف النظر عن كم تدفق هذا الحشو الإصلاحى ، تظل حقيقة أنه مامن تصفوى أو ليبرالى يمكن أن يشير لأى مخرج إصلاحى من هذا الوضع . 


إن وضع جمهور السكان فى روسيا ، وتفاقم أوضاعهم بسبب السياسة الزراعية الجديدة ( التى كان على ملاك الأرض أن ينتزعوها بوصفها أداة خلاصهم الأخيرة ) ، الوضع الدولى ، وطبيعة الأزمة السياسية العامة التى تجسدت فى بلادنا – هذه هى جملة الشروط الموضوعية التى تجعل وضع روسيا وضعا ثوريا بسبب إستحالة إنجاز مهام الثورة البورجوازية بإتباع المسار الحالى وبواسطة الوسائل المتاحة للحكومة والطبقات المستغلة . 


هذا هو الوضع الإجتماعى ، الإقتصادى ، السياسي ، وهذه هى العلاقات الطبقية التى سببت بزوغ هذا النموذج النوعى من الإضرابات المستحيل فى أوروبا المعاصرة ، التى يحب كل صنوف المرتدين أن يستعيروا منها أمثلتهم ، ليس من ثورات الأمس البورجوازية ( التى تبرق من خلالها ومضات ثورة الغد البروليتارية ) بل من الوضع ” الدستورى ” الحالى . لكن لا إضطهاد الطبقات الدنيا ولا الأزمة فى أوساط الطبقات العليا يمكن أن تسبب الثورة ، يمكنهما أن يسببا فقط تعفن / إنحلال البلاد ، مالم يكن لدى هذا البلد طبقة ثورية جديرة وقادرة على تحويل حالة الإضطهاد السلبى إلى حالة إيجابية دافعة للتمرد والإنتفاض .


إن الدور الحقيقى لطبقة متقدمة ، طبقة قادرة بالفعل على إستنهاض الجماهير وحفزها للثورة ، قادرة بالفعل على إنقاذ روسيا من التعفن ، هذا الدور تلعبه لدينا البروليتاريا الصناعية . وهذه هى المهمة التى تنجزها بواسطة الإضرابات الثورية . هذه الإضرابات التى يكرهها الليبراليون ولايفهمها التصفويون هى ( كما تم طرحها فى فبراير فى قرار ح.ع.إ.ر ) ” واحدة من أشد الوسائل تأثيرا لتجاوز اللامبالاة ، واليأس ، وتشرذم البروليتاريا الزراعية والفلاحين ، … ولجذبهم للأعمال الثورية الأشد تناغما وتزامنا وشمولا . 
تجتذب الطبقة العاملة إلى العمل الثورى جمهور العاملين والمستغلين ، المحرومين من الحقوق الأساسية والمدفوعين إلى اليأس .فتعلمهم الطبقة العاملة النضال الثورى ، وتدربهم من أجل العمل الثورى ، وتشرح لهم كيف يجدون مخرجا ، وكيف يحققون الخلاص . والطبقة العاملة تعلمهم ليس بالكلمات فحسب ، وإنما بالأفعال ، بضرب المثال ، والمثال لايقدمه أبطال من المغامرين المنعزلين وإنما بالعمل الثورى الجماهيرى الذى يربط بين المطالب السياسية والإقتصادية .


كم هى واضحة ، كم هى جلية ، وكم هى قريبة تلك الأفكار من كل عامل شريف ملم حتى بأوليات نظرية الإشتراكية والديموقراطية ! وكيف هى غريبة عن خونة الإشتراكية والغادرين بالديموقراطية من أوساط الإنتلجنسيا الذين يسبون أو يسخرون من ” العمل السرى ” فى الصحف التصفوية مطمئنين المغفلين السذج أنهم أيضا ” إشتراكيون ديموقراطيون ” . 


إن مظاهرة بروليتاريا بطرسبورج فى الأول من مايو ، التى ساندتها بروليتاريا كل روسيا ، قد أظهرت بوضوح مرة أخرى لمن لهم عيون ترى وأذن تسمع الأهمية التاريخية الكبرى للعمل الثورى السرى فى روسيا المعاصرة . لقد أجبرت منظمة ح .ع . إ . د . ر الوحيدة فى سانت بطرسبورج ، لجنة سانت بطرسبورج ، حتى الصحف الخاصة ، قبل مظاهرة الأول من مايو وكذلك عشية 9 يناير ، وعشية الذكرى الثلاثمائة لغزو آل رومانوف وكذلك فى 4 أبريل ( 4 ) أن تلحظ أن منشورات لجنة سانت بطرسبورج قد ظهرت مرة بعد مرة فى المصانع . 


لقد تكلفت هذه المنشورات تضحيات هائلة .فأحيانا تكون غير جذابة فى مظهرها بالمرة . بعضها ، كالدعوة للتظاهر فى 4 أبريل ، على سبيل المثال تعلن ساعة ومكان المظاهرة فحسب ، فى ستة سطور، ومن الواضح أنها وضعت سرا ، وبعجلة شديدة فى محلات طباعة مختلفة وبأنماط مختلفة . لدينا أناس ( “إشتراكيون ديموقراطيون أيضا ” ) حينما يلمحون لأوضاع ” العمل السرى ” يضحكون بخبث نصف ضحكة ويزمون شفتيهم بإحتقار ويسألون : ” إذا كان كل الحزب محصورفى العمل السرى ، فكم عضو سوف يضم ؟مائتان أو ثلاثمائة ؟ ( أنظر عدد رقم 95 ( 181 ) من جريدة ليش ، لسان حال المرتدين ، فى دفاعها التحريرى للسيد سيدوف ، الذى يملك الشجاعة المحزنة لأن يكون تصفويا صريحا . ظهر مقال ليش هذا قبل مظاهرة الأول من مايو بخمسة أيام ، أى فى ذات الوقت الذى كان فيه مناضلوا العمل السرى يعدون المنشورات ! ) 


لابد أن يعلم السادة دان ، وبوتريسوف وأضرابهم ، الذين يصدرون هذه التصريحات الشائنة ، أن كان هناك آلاف البروليتاريين فى مراتبنا الحزبية بداية من عام 1903 ، و150 ألف عام 1907 ، وحتى الآن هناك الآلاف وعشرات الآلاف من العمال يطبعون ويتداولون المنشورات السرية ، بوصفهم أعضاء فى الخلايا السرية لحزب العمال الإشتراكى الديموقراطى الروسي . ولكن السادة التصفويون يعلمون أن ” شرعية ” ستوليبين تحميهم من الدحض القانونى لأكاذيبهم العفنة و” تكشيراتهم ” التى هى أعفن ، على حساب العمل السرى . 


أنظر إلى أى حد فقد هؤلاء الحقيرون الصلة بحركة الطبقة العاملة وبالعمل الثورى بصفة عامة ! إستخدم حتى مقياسهم الخاص الذى زيف عمدا ليناسب الليبراليين . لك أن تفترض للحظة أن ” مائتان أو ثلاثمائة ” عامل فى سانت بطرسبورج أسهموا فى طباعة وتوزيع هذه المنشورات السرية . 


ماهى النتيجة ؟ ” مائتان أو ثلاثمائة ” عامل ، زهرة بروليتاريا سانت بطرسبورج ، أناس لايسمون أنفسهم فقط إشتراكيين ديموقراطيين ولكنهم يعملون كإشتراكيين ديموقراطيين ،أناس مبجلون ومقدرون لذلك من جانب الطبقة العاملة الروسية بكاملها ، أناس لايهذرون حول ” الحزب العريض ” وإنما ينظمون فى الواقع الحزب الإشتراكى الديموقراطى السرى الوحيد الموجود فى روسيا ، ويطبع هؤلاء الناس ويتداولون المنشورات السرية . يضحك تصفويو جريدة ريش بإزدراء ( يحميهم رقباء ستوليبين ) على ” المائتين أو الثلاثمائة ” ، على ” العمل السرى ” وعلى أهميته “المبالغ فيها ” ، الخ . 


وفجأة ، تحدث معجزة ! وفقا للقرار الذى إتخذه ستة أعضاء من الهيئة التنفيذية للجنة سانت بطرسبورج – طبع منشور وجرى توزيعه من ” مائتان أوثلاثمائة ” – فهب من الناس مائتان وخمسون ألف هبة رجل واحد فى سانت بطرسبورج .


لاتتحدث المنشورات ولا الخطب الثورية التى ألقاها العمال عن ” حزب عمالى مفتوح ” ، وحرية تشكيل الجمعيات ، أو إصلاحات من هذا النوع ، أو عن الأوهام التى يخدع بها الليبراليون الشعب . إنهم يتحدثون عن الثورة بوصفها المخرج الوحيد . ويتحدثون عن الجمهورية بوصفها الشعار الوحيد الذي ، على النقيض من أكاذيب الليبراليين عن الإصلاح ، يشير إلى التغيير المطلوب لتحقيق الحرية ، كما يشير للقوى الجديرة للنهوض بوعى للدفاع عنها .


إن المليونين من سكان سانت بطرسبورج يسمعون ويرون هذه النداءات للثورة التى تمس شغاف قلوب كل قطاعات السكان المضطهدة والكادحة . ترى مدينة سانت بطرسبورج كلها من نموذج واقعى على نطاق جماهيرى ماهو المخرج الحقيقى وأى كذب يمثل الحديث الليبرالى عن الإصلاحات . آلاف من صلات العمال – ومئات الصحف البورجوازية ، التى تضطر أن تتحدث عن العمل الجماهيرى فى سانت بطرسبورج وإن كان فى نتف مجتزأة – تنشر عبر روسيا بأجمعها الأنباء عن حملة الإضراب العنيدة لبروليتاريا العاصمة . يسمع كلا من الجمهور الفلاحى والفلاحين الذين يخدمون فى الجيش هذه الأنباء عن الإضرابات ، وعن المطالب الثورية للعمال ، عن نضالهم من أجل الجمهورية وعن مصادرة الأراضى لصالح الفلاحين . تحرك الإضرابات الثورية وتحرض وتنير وتنظم جماهير الشعب من أجل الثورة ، ببطء ولكن بشكل مؤكد . 


يعبر ” المائتان أو الثلاثمائة ” من ” أناس العمل السرى ” عن مصالح وإحتياجات الملايين وعشرات الملايين ، إنهم يخبرونهم بالحقيقة عن وضعهم اليائس ، ويفتحون أعينهم على ضرورة النضال الثورى ، ويلهمونهم الإيمان به ، يزودونهم بالشعارات الصائبة ، ويبعدون هؤلاء الناس عن تأثير الشعارات البورجوازية الإصلاحية الطنانة الكاذبة تماما . وتحمل دزينة أو إثنتان من التصفويين المنتمين للإنتليجنسيا ، ممن يستخدمون النقود التى جمعت فى الخارج من أوساط التجار الليبراليين لخداع العمال غير المستنيرين ، هذه الشعارات لأوساط العمال .


لقد كشف إضراب الأول من مايو مثل كل الإضرابات الثورية فى 1912- 13 المعسكرات السياسية الثلاث التى تقسم روسيا المعاصرة . معسكر الجلادين وأمراء الإقطاع ، الملكيون والشرطة السرية . وقد فعل مافى وسعه من فظاعات غير أنه عاجز بالفعل أمام جماهير العمال . معسكر البورجوازية ، كل من فيه ، من الكاديت إلى الأوكتوبريين ، يصرخون ويئنون ، يطالبون بالإصلاحات ويظهرون أنفسهم بمظهر الأغبياء بظنهم أن الإصلاحات ممكنة فى روسيا . معسكر الثورة ، المعسكر الوحيد الذى يعبر عن مصالح الطبقات المضطهدة . 


كل العمل الأيديولوجى ، كل العمل السياسي فى هذا المعسكر يقوم به الإشتراكيون الديموقراطيون السريون فقط ، من قبل هؤلاء الذين يعرفون كيف يستغلون كل فرصة شرعية بروح الإشتراكية الديموقراطية المرتبطان ببعضهما بشكل لاينفصم مع الطبقة المتقدمة . لايمكن لأحد أن يقطع مسبقا ماإذا كانت الطبقة المتقدمة ستنجح فى قيادة الجماهير نحو ثورة منتصرة . لكن هذه الطبقة تقوم بواجبها – تقود الجماهير نحو هذا الحل – رغم كل الترددات والخيانات من جانب الليبراليين ومن هم ” أيضا إشتراكيون ديموقراطيون ” . تتعلم كل العناصر الحية والحيوية فى الإشتراكية الروسية والديموقراطية الروسية من مثال النضال الثورى للبروليتاريا وحده ، وتحت قيادتها . 


لقد بينت مظاهرة الأول من مايو للعالم كله أن البروليتاريا الروسية تتبع بثبات مسارها الثورى ، الذى لاخلاص لروسيا التى تختنق وتتحلل حية بمعزل عنه . 

هوامش 


(1 ) أنظر هذه الطبعة ، المجلد 18 ، ص 457 – المحرر 
(2 ) يشير هذ لمظاهرات سلافوفيل التى نظمتها العناصرالقومية الرجعية فى سانت بطرسبورج فى 17 ، 18 ، و24 (30 ، 31 مارس ، و6 أبريل ) 1913 بمناسبة الإنتصارات الصربية البلغارية على الأتراك خلال الحرب البلقانية الأولى . لقد حاول الرجعيون إستخدام الصراع القومى التحررى لشعوب البلقان فى صالح التوسعيين ، سياسات القوى العظمى لروسيا القيصرية فى الشرق الأدنى . 
(3 ) إن الإضراب الذى أشير إليه هنا حدث فى بلجيكا من 14 حتى 24 أبريل ( التقويم الجديد )1913 . لقد كان إضرابا عاما للبروليتاريا البلجيكية هدفه المطالبة بإصلاح دستورى – تقرير حق الإقتراع العام . شارك فى الإضراب من أكثر من مليون عامل بلجيكى حوالى 400،000 إلى 500،000 . لقد نشر ت أخبار تطورات الإضراب بإنتظام فى جريدة البرافدا ، كما طبعت أيضا إسهامات العمال الروس فى دعم الإضراب . 
(4 ) صادف الرابع من أبريل الذكرى الأولى لإطلاق النار على عمال مناجم الذهب فى اللينا ، لقد شهد إضرابا ليوم واحد لعمال سانت بطرسبورج الذى شارك فيه أكثر من 85،000 من الشعب . 

 

 

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s