فيكتور سيرج.. الثوري الجامح

Posted: 1 ديسمبر 2014 in مختارات سياسية, خبرات نضالية
الوسوم:, , , ,
ترجمة محمود عبد المنعم 
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية
 المقال منشور باللغة الإنجليزية في يوليو 2012 بمجلة الاشتراكي الشهرية البريطانية

كان فيكتور سيرج فوضويا التأم مع الثورة الروسية والبلاشفة. وفي وقت لاحق، أخذ يناضل ضد الستالينية والفاشية للحفاظ على التراث الثوري الحقيق حيا. في هذا المقال يلقي جورج بايتزيس نظرة على حياة فيكتور سيرج غير العادية ويستخرج منها الدروس المستفادة لنا بالنسبة لوقتنا الحاضر.

كان فيكتور سيرج (1880 – 1947) واحداً من أهم الكتاب الثوريين في القرن الماضي. عندما توفى، ترك وراءه مجموعة من الكتب والمقالات والروايات والقصائد التي عكست ما يقرب من 50 عاماً من النشاط الثوري والمشاركة في اللحظات المحورية للحركة الاشتراكية. إلا أن اليسار البريطاني ظل يتجاهل كل ذلك إلى حد كبير حتى قام بيتر سيدجويك بترجمة مذكرات فيكتور سيرج “مذكرات ثوري” عام 1963. توجد الآن طبعة جديدة ونهائية غير مختصرة لمذكراته لتمنح لنا الفرصة لتقديم سيرج لجيل جديد من الاشتراكيين لاختبار مدى ملائمة كتاباته للأحوال الراهنة.

كان سيرج دائما قليل الحظ في الشهرة. وُلِدَ في بلجيكا لأسرة فقيرة من المنفيين الروس المعارضين للقيصر. عاش وحيداً منذ أن بلغ 15 عاماً، ورفض كل أشكال التعليم الرسمي وعمل في الطباعة. أمضى سيرج عامين في مستعمرة فوضوية في الغابات شمالي فرنسا، حيث التقى بنخبة من النشطاء الفوضويين والمنظرين آنذاك. في باريس، كان سيرج، كمحرر لجريدة “الأناركية”، يستخدم أسماءا صحفية مثل: الضال، والخطير، والعنيد. لكنه كان ينتقد نزعات التدمير الذاتي والانعزالية لدى العديد من رفاقه، مثل “الغير شرعيين” التي وصف سيرج أعضائها بأنهم يعانيون من الرغبة في الانتحار الجماعي. في عام 1912، حُكم على سيرج بالحبس خمس سنوات مع الأعمال الشاقة بتهمة مزاولة أنشطة إرهابية متعلقة بعصابة “بونو”، عندما تحدت مجموعة من “الغير شرعيين” جبروت الدولة الفرنسية. حُكم على سيرج بأنه مُذنب لأنه رفض أن يقدم معلومات للشرطة.

عندما غادر سيرج السجن عام 1917 شارك في انتفاضة عمال برشلونة التي سرعان ما هُزمت. ثم هرب إلى فرنسا ولكن اعتُقل لمدة عام كمشتبه به على أنه “بلشفي” قبل أن يُسمح له بالسفر إلى روسيا الثورية. وصل سيرج إلى روسيا في يناير 1919، وانضم إلى البلاشفة، وشارك في الدفاع عن بتروجراد ضد جيوش الثورة المضادة. هذا هو موضوع روايته الرائعة “المدينة المحتلة” بالإضافة إلى عدة مقالات مُجمعة بعنوان “ثورة في خطر”. عمل سيرج في خدمات النشر والترجمة في الأممية الشيوعية الثالثة (الكومنترن)، وعمل مع العديد من القادة الرئيسيين للثورة الروسية والحركة العمالية الأممية. يقدم سيرج في كتاباته تصويرات دقيقة عن لينين وتروتسكي وزينوفييف، وأيضا عن المناضلين الذين التقاهم عند المتاريس أو في خضم المعارك. وكان سيرج أيضا وسيطا بين البلاشفة في روسيا والفوضويين الأممين، وغالبا ما تدخل لدى السلطات السوفييتية نيابة عن المعارضين، خصوصاً عن أولئك الذين سقطوا بالخطأ في يد الشرطة السرية – التشيكا.

“خلال هذا الصيف، لعام 1921، كوّنت صداقات قوية ودائمة مع العديد من الرفاق بالخارج.. انجذبت نحو أولئك ذوي الأرواح الحرة، نحو أولئك الذين دفعتهم الرغبة في خدمة الثورة دون تعصيب أعينهم. بالفعل كانت “الحقيقة الرسمية” آخذة في النمو، وهو ما بدا لي أكثر الأشياء كارثية يمكن تخيلها”.

أرسلت الأممية الشيوعية سيرج إلى ألمانيا، حيث شهد هزيمة الحزب الشيوعي الألماني والأممية في انتفاضة 1923. تصف مقالات سيرج في ذلك الوقت، والتي جُمعت تحت عنوان “شاهد على الثورة الألمانية”، الآثار التي تركتها الأزمة الاقتصادية على العمال وأسرهم – التضخم الكبير والفقر اللذان كانا عبئا يوميا على الجماهير.

الفرصة التاريخية
شهد سيرج على غدر الأحزاب الإصلاحية وتقلص قوتها، والاستقطاب السياسي بين صعود الفاشية وفشل الحزب الشيوعي الألماني في الاستفادة من الفرص التاريخية التي أتيحت له. عندما دعا الحزب الشيوعي الألماني إلى إضراب عام، لم يستوعب العمال الدعوة. من الذي كان مسؤولاً عن هذا الفشل؟ أظهر سيرج بصيرته النقدية: “الأممية كانت بيروقراطية للغاية ومترددة في الاعتراف بأن الفشل كان لنتيجة أن الحزب لم يكن قادرا على التواصل مع الطبقة العاملة”.

مع فشل الثورة الألمانية ووفاة لينين، تمكن البيروقراطيون من السيطرة على الحزب الشيوعي الروسي وشرع البلاشفة القدامى في مقاومتهم. كان زعيم المعارضة وممثلها هو ليون تروتسكي الذي أصبح هدفاً رئيسياً للتشهير به. غادر سيرج فيينا وأسرع إلى الانضمام للنضال للحفاظ على روح الثورة. استُئصلت المناقشات الداخلية تماما من داخل الحزب الشيوعي الروسي، ناهيكم عن المناقشات مع المعارضة. عمليات التصويت كانت شكلية، بل كانت اتخاذ القرارات تحصيل حاصر من خلال الأغلبية المُشكّلة حديثا؛ حيث انضم 250 ألف عضو جديد تبعوا جهاز الحزب البيروقراطي في كل شيء. كان الشعراء والمثقفون والعمال المسلحون يقدمون على الانتحار من فرط اليأس. أما الوجه الآخر للقمع فكان هو الفساد. بحلول عام 1927 طُرِدَ المعارضون اليساريون من الحزب الشيوعي الروسي ومن ثم صارت المعضلة التي واجهتهم إما الرحيل بعيدا خارج البلاد أو الاستسلام من أجل العودة لعضوية الحزب.

في عام 1928 سُجن سيرج ثم أُطلق سراحه. اضُطهدت عائلته، وفُصِلَ أصدقاؤه من وظائفهم ومُنعوا من كسب العيش أو الحصول على أي امتيازات. كان ذلك في زمن الخطة الخمسية، عندما شرعت الحكومة الروسية في برنامج التصنيع المُكثّف ومصادرة الأراضي من الملاك الصغار: “في ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية كان المواد الغذائية تُصدّر بأدنى سعر ممكن من أجل مراكمة احتياطي ذهب، فيما كانت المجاعة تعم البلاد”. إن تقديم التضحية والوفاء من أجل الخطة الخمسية يعني أن مستوى العنف والقمع كان لابد أن يكون في تصاعد مستمر لسحق المعارضة. أصبحت المعارضة شأنا فرديا دون حلول وسط – إما إقرار الخطأ أو التعرض للاضطهاد. استخدم سيرج كلمة “الشمولية” لوصف هذه الفترة من السلطة البيروقراطية المُتفشية.

الاقتراب من الموت
تعرض سيرج لتجربة الاقتراب من الموت التي غيّرت مجرى حياته. حتى ذلك الوقت، كانت حياة سيرج وكتاباته تحددهما احتياجات التاريخ، ولكنه كان يعتقد أنه لم يكتب شيئا ذا قيمة فنية راكزة عن تلك الأزمان المنسية. “إذا كانت لي فرصة للبقاء على قيد الحياة، فيجب أن أسرع وأنتهي من الكتب التي بدأت في كتابتها، لا بد لي أن أكتب وأكتب.. فكرت فيما يمكن أن أكتبه، ورسمت في عقلي مشروع لسلسة من الروايات الوثائقية عن الذكريات التي لا تُنسى”. “الروايات الوثائقية” لأن الأعمال التاريخية والصحفية لها قيودها: “إنها لا تسمح بوجود مجال كافٍ لتُظهر الأشخاص على حقيقتهم، فهي تجردهم من أحاسيسهم الداخلية وأعماق نفوسهم”. والغرض من كتابة هذه السطور هو “وسيلة للتعبير عما يدور بداخل الإنسان، وسيلة لتبادل ألأفكار والمشاعر، برهان على تدفق هائل للحياة من خلالنا، يجب أن نُصلح من الجوانب الأساسية لحياتنا من أجل مصلحة أولئك الذين سيأتون من بعدنا”. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الأعمال الأدبية، والتي تبلور شكلها في ظل الظروف التي كان يعمل فيها: “اضطررت لبنائها في قطع مستقلة يمكن أن تكتمل بشكل منفصل وأن تُنشر خارجيا بدون تسرع؛ وإن أمكن، عند الضرورة القصوى، أن تنشر كما كانت، ناقصة”.

عمل سيرج بالترجمة وأرسل ما بوسعه من ترجمات إلى الخارج لكسب العيش. أُرسِلَ إلى المنفى الداخلي مع ابنه الأصغر في معسكرات الأشغال الشاقة في أورينبورج بالقرب من كازاخستان عام 1933. وصف سيرج الأعوام التي قضاها في منفاه أثناء أوقات الجوع والكتابة والانعزال عن أسرته في روسيا وأصدقائه في أوروبا. على الرغم من مراقبة الشرطة لبريده الشخصي، نجح سيرج في إرسال مخطوطاته إلى أصدقائه والتي أكسبته سمعة بينهم تسمح لهم ببدء حملة من أجل إطلاق سراحه. وأخيرا نجحوا في إطلاق سراحه في ربيع 1936 ليهرب بعد ذلك إلى فرنسا. بدأت محاكمات موسكو الإجرامية في ذلك الصيف. لو كان لا يزال سيرج في الاتحاد السوفييتي لكان قد هلك.

وصف سيرج العقد التالي من الزمان بـ”منتصف ليل القرن” إثر صعود الفاشيين للسلطة في ألمانيا وإيطاليا واليسار الذي هيمنت الستالينية عليه. قامت السلطات السوفييتية بنشر شائعات كاذبة واتهامات عن سيرج للشرطة بالخارج. وبالتالي قوطع من قبل الاشتراكيين الديمقراطيين ووجد من شبه المستحيل كسب العيش من خلال الكتابة، لذلك التفت إلى العمل بتصحيح الأخطاء المطبعية. اختفى الأهل والأصدقاء من روسيا، وأُغتيل الرفاق في أوروبا من قبل العملاء الستالينيين. كان تروتسكي قد خُدع على يد عميل روسي قام بمشاركة العلاقات السياسية والشخصية معه. وعقب احتجاج ضد واحدة من محاكمات موسكو قام به سيرج، سُحب جواز السفر السوفييتي منه وصار عديم الجنسية. كانت القضية الأخرى المؤثرة هي الحرب الأهلية الاسبانية والقبضة المميتة للستالينيين على مسارها. وأُغتيل صديق سيرج الوثيق، زعيم حزب العمال للتوحيد الماركسي، أندريس نين. وأقدم قائد الشرطة الذي قام بالاستجواب في القضية على الاستقالة، وفر القاضي الذي قام بالتحقيقات. “عمليات الاختطاف والاغتيال والإعدام رميا بالرصاص وإلقاء الثوار في السجون كانت تُبرر بشكل فظيع بأن الضحايا كانوا تروتسكيين وجواسيس وعملاء لفرانكو وهتلر وموسيليني – أعداء الشعب”.

عندما بدأت الحرب اتجه سيرج جنوباً، ورفض جميع أنواع المساعدات والاحتواء التي قُدمت له من قبل بعض اليساريين الأثرياء والمثقفين، وانتهى به المطاف في مارسيليا، كما فعل العديد من المفكرين الأوروبيين. ومع بعض المساعدة، حصل سيرج على تصريح مرور على سفينة متجهة إلى الأمريكتين، ولكنه وجد صعوبة في العثور على بلد مستعدة لاستقباله، حتى نجح أخيرا في المكوث بالمكسيك مع ابنه. وصل سيرج إلى المكسيك بعد أشهر قليلة من اغتيال تروتسكي عام 1940: “نعم، هذه ليست سوى ساعة يقضيها رجل اقترب به العمر من الموت، أحلك ساعة للطبقة العاملة…”.

إرث تروتسكي
بقى سيرج صديقاً لأرملة تروتسكي وقد كتبوا معا “حياة وموت ليون تروتسكي”. في المكسيك، أمضى سيرج السنوات الأخيرة من حياته في كتابة مذكراته “مذكرات ثوري”، وكذلك مقالاته ورواياته الأكثر شهرة مثل رواية “قضية الرفيق تولاييف”. هذه الرواية مبنية على مقتل سيرجي كيروف. بناء الرواية يعتمد على البانورامية والقصصية في الكشف على كيفية اغتيال سياسي سوفييتي بارز من قِبل أجهزة الدولة التي تعمل على القضاء على أعدائها، وفي نفس الوقت من أجل حل النزاعات الداخلية الخاصة بها. تنتهي الرواية مع التناقض الأجوف بين الاستياء المكبوت لدى العمال بالأسفل والشعور الزائف بالأمان بشأن المستقبل لدى الطبقة الحاكمة بالأعلى.

توفى سيرج فقيرا بحذائه المرقع: “في وقت مبكر، تعلمت من المثقفين الروس أن المعنى الحقيقي للحياة يكمن في المشاركة الواعية في صنع التاريخ، وكلما أفكر في ذلك، كلما تبدو أنها حقيقة عميقة. ويترتب على ذلك أن على المرء أن يُخرط نفسه بنشاط ضد كل ما يقلل من شأنه، وأن يُشرك نفسه في كل النضالات التي تميل إلى تحريره وتعظيم شأنه”.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s