مقالات لينين حول: ما هو الوضع الثوري؟ 4 ـ انهيار الأممية الثانية (مقتطف)

Posted: 3 ديسمبر 2014 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
فلاديمير لينين
الأعمال الكاملة ، المجلد 21 ، ص ص 212- 217 ، دار التقدم ، موسكو ، 1964 . (الطبعة الانجليزية)
ترجمة: سعيد العليمي

2
لكن ربما دعم الإشتراكيون المخلصون قرار بازل متوقعين أن الحرب قد تخلق وضعا ثوريا ، بينما خذلتهم الأحداث ، التى أبانت أن الثورة مستحيلة ؟


حاول كونوف بمثل هذه السفسطة أن يبرر ( فى كراس هل إنهار الحزب ؟ وسلسلة من المقالات ) هجرته إلى معسكر البورجوازية . وإننا لنجد “براهين” مشابهة فى شكل تلميحات لدى كل الإشتراكيين الشوفينيين الآخرين تقريبا ، وعلى رأسهم كاوتسكى . لقد ثبت أن الأمل فى اندلاع الثورة كان وهما ، والحال ، ليست مهمة الماركسي أن يقاتل من أجل الأوهام . هكذا يجادل كونوف. غير أن هذا الستروفى (119 ) لايقول شيئا عن ” أوهام ” من وقعوا على بيان بال . غير أنه يسعى مثل كل رجل مستقيم ، الى أن يلقى اللوم على اليساريين المتطرفين ، أمثال بانيكوك ورادك !


لنبحث فى جوهر الحجة القائلة بأن واضعى بيان بال قد توقعوا بإخلاص إندلاع الثورة ، ولكن الأحداث خذلتهم . يقول بيان بال : 1 –أن الحرب سوف تخلق أزمة إقتصادية وسياسية ، 2 –أن العمال سيعتبرون إسهامهم فى الحرب جريمة ، وفعلا اجراميا أى ” قتل باطلاق النار المتبادل من أجل أرباح الرأسماليين ، ومن أجل الشرف الامبراطورى ، والمعاهدات الدبلوماسية السرية “، وأن الحرب ” ستثير الحنق والتمرد ” بين العمال ، 3 – ان واجب الإشتراكيين استغلال هذه الأزمة ومزاج العمال من أجل ” إثارة الشعب والتعجيل بسقوط الرأسمالية ” ، 4 – يمكن لكل ” الحكومات ” بلا إستثناء – أن تشن الحرب ” مخاطرة بنفسها” فقط ، 5 – أن الحكومات” تخاف الثورة البروليتارية “، 6 – أنه على الحكومات ” أن تتذكر” كومونة باريس ( أى الحرب الأهلية ) ، وثورة 1905 فى روسيا الخ .. وكل هذه الأفكار واضحة تماما ، وهى لاتنطوى على ضمانة باندلاع الثورة ، إنما تشدد على تشخيص دقيق للوقائع والاتجاهات . فإن من يعلن بشأن هذه الأفكار والحجج ، أن توقع الثورة كان وهما ، لايتخذ من الثورة موقفا ماركسيا ، إنما يتخذ موقفا ستروفيا ، موقفا بوليسيا مرتدا .


مما لايقبل الجدل عند الماركسي أن الثورة مستحيلة دون وضع ثورى ، اضف الى ذلك أن كل وضع ثورى لايؤدى بالضرورة إلى الثورة . فما هى اذا ماتحدثنا بصفة عامة أعراض الوضع الثورى ؟ لن نخطئ بالتأكيد إذا أشرنا إلى الأعراض الأساسية الثلاثة التالية : (1 ) عندما يستحيل على الطبقات الحاكمة الإحتفاظ بحكمها دون أى تغيير ، حينما تكون هناك أزمة بشكل او بآخر ، داخل “الطبقات العليا” ، أزمة فى سياسة الطبقة الحاكمة ، تؤدى الى انشقاق يتفجر منه إستياء الطبقات المضطهدة وحنقها . فلكى تندلع الثورة ، لايكفى عادة ” ألا تريد الطبقات الدنيا” بعد الآن أن تعيش بالطريقة القديمة ، بل يجب أيضا ” ألا تستطيع الطبقات العليا ” أن تعيش بالطريقة القديمة . 2 – عندما تتفاقم حاجة الطبقات المضطهدة وتشتد معاناتها أكثر من المعتاد . 3 – أن تتعاظم لحد ملحوظ ، نتيجة للأسباب المشار إليها عاليه ، فعالية الجماهير التى تستسلم للسرقة بدون شكوى فى “زمن السلم ” ، ولكن التى تجذبها ، فى أزمنة العاصفة ، سواء ظروف الأزمة كلها أم ” الطبقات العليا ” نفسها ، إلى القيام بنشاط تاريخى مستقل .


وبدون هذه التغيرات الموضوعية المستقلة ، ليس عن ارادة هذه المجموعات الفردية والأحزاب وحسب ، بل أيضا عن هذه الطبقات المنفردة ، تستحيل الثورة ، كقاعدة عامة . تسمى جملة هذه التغيرات الموضوعية وضعا ثوريا . كان هذا الوضع موجودا عام 1905 فى روسيا وفى جميع الفترات الثورية فى الغرب ، كما كان موجودا ايضا فى ستينات القرن الماضى فى المانيا ، وكذلك من 1859 الى 1861، وفى روسيا من 1879 الى 1880 ، رغم أنه لم تقع ثورات فى هذه الفترات . لم حدث هذا ؟ بسبب أن الثورة لاتتمخض عن كل وضع ثورى ، انها تندلع فقط اذا ترافق مع جميع التغيرات الموضوعية المذكورة آنفا تغير ذاتى ، أى قدرة الطبقة الثورية على القيام بأعمال ثورية جماهيرية ، قوية بما يكفى الى حد انها تكسر ( او تصدع ) الحكم القديم الذى لن “يسقط” أبدا حتى فى فترة الأزمات ، ان لم ” يعمل على الاطاحة به ” .


هذه هى وجهة نظرالماركسية بصدد الثورة التى طالما طورها جميع الماركسيين مرارا عديدة واعتبروها آراء لاجدال فيها وقداثبتتها لنا ، نحن الروس ، تجربة 1905 ، بطريقة صارخة . واننا لنتساءل : ماذا افترض بيان بازل الصادر عام 1912 فى هذا الصدد ، وماذا جرى فى 1914 – 1915؟


لقد افترض ان الوضع الثوري، الذى يوصف بايجازبأنه ” أزمة اقتصادىة وسياسية ” سوف يظهر للوجود . فهل ظهر مثل هذا الوضع ؟ بلى ، لاريب فى ذلك بتاتا . لقد ذهب الاشتراكى الشوفينى لنتش الذى يدافع عن الشوفينية بصراحة وعلانية وولاء اكثر من المنافقين كونوف وكاوتسكى وبليخانوف وشركاهم الى حد القول : ” ان ما نعاينه انما هو نوع من الثورة ” ( الصفحة 6 من كراسة : ” الاشتراكية الديموقراطية الالمانية والحرب ، برلين ، 1915 ) . فالازمة السياسية قائمة ، ومامن حكومة تثق باالغد ، مامن حكومة فى مأمن من خطر الانهيار المالى ، من ان تنتزع منها اقاليمها ، وان تطرد من بلادها ( كما جرى لحكومة بلجيكا التى طردت من بلادها ) . وتنام جميع الحكومات على فوهة بركان ، وجميعها تدعو الجماهير لاظهار المبادرة والبطولة. وقد اهتز النظام السياسي الاوروبى بكليته ، ويصعب ان ينكراحد اننا دخلنا ( وندخل متوغلين – اكتب هذا يوم اعلان ايطاليا الحرب ) فى مرحلة من الاضطرابات السياسية الهائلة . بينما كتب كاوتسكى فى 2 اكتوبر ، 1914 بجريدة نويه تسايت ) بعد اعلان الحرب بشهرين يقول انه ” مامن وقت تكون فيه الحكومة قوية بقدر ماتكون عليه فى بداية الحرب ، ومامن وقت تكون فيه الاحزاب ضعيفة بقدر ماتكون فى بداية الحرب ” ، وهذا القول ليس سوى عينة على ارتكاب كاوتسكى جريمة تزوير العلم التاريخى سعيا منه لارضاء انصار زوديكوم وغيرهم من الانتهازيين .اولا وقبل اى شئ ، لاتحتاج الحكومة فى اى وقت الى اتفاق جميع احزاب الطبقات السائدة والى خضوع الطبقات المضطهدة لهذه السيادة خضوعا “سلميا ” ، قدر حاجتها اليهما خلال الحرب . وثانيا : رغم ان الحكومة تبدو غاية فى القوة فى ” بداية الحرب” ، وخاصة فى بلد يتوقع انتصارا سريعا ، فما من احد فى العالم قد ربط اطلاقا توقع حدوث وضع ثورى بشكل حصرى مع “بداية ” الحرب ، كما لم يطابق احد بالأحرى “الظاهرى” بالفعلى .


لقد كان الجميع يعرفون ويرون ويقرون بأن الحرب الاوروبية ستكون اشد قسوة من جميع الحروب الاخرى فى الماضى . وهاهى ذى خبرة الحرب تؤكد ذلك بشكل اعظم بمالايقاس على الدوام . فالحريق الهائل يمتد وينتشر ، وتتزعزع الاساسات السياسية فى اوروبا اكثر فاكثر . ومعاناة الجماهير مروعة ، والجهود التى تبذلها الحكومات ، والبورجوازية والانتهازيون للتعمية على هذه المعاناة تبوء بالاخفاق دائما ابدا. والارباح التى تحصل عليها بعض المجموعات الرأسمالية من الحرب ارباح فاحشة ، وتتفاقم التناقضات بحدة شديدة . وهناك حنق الجماهير المكتوم ، والتوق الغامض عند الفئات المضطهدة الجاهلة فى المجتمع لسلام شفوق “ديموقراطى” وبداية السخط بين ” الطبقات الدنيا ” – كل هذه وقائع . وكلما طالت الحرب وكلما احتدمت ، كلما رعت – ولابد ان ترعى – الحكومات نفسها نشاط الجماهير ، التى دعتها لبذل اقصى جهدها ، والى التضحية بالنفس . ان تجربة الحرب ، مثلها مثل تجربة اى أزمة فى التاريخ ، واى كارثة عظمى ، واى انعطاف حاد فى حياة الانسان ، يفقد البعض صوابهم ويحطمهم ، غيرانه ينير رؤى البعض ويصلب عوده . اذا اخذنا الامر بالتقريب ، واذا نظرنا الى تاريخ العالم ككل لوجدنا ان عدد وقوة النوع الثانى تتميز بانها — باستثناء بضع حالات فردية من انحلال وسقوط هذه الدولة او تلك – اعظم من النوع الاول .


لايمكن لعقد الصلح ان ينهى ، ” على الفور ” كل هذه المعاناة وكل هذا الاحتدام فى التناقضات ، ليس هذا فحسب ، بل انه ، على العكس ، سيجعل هذه المعاناة ، فى كثير من الجوانب ، بالنسبة لأشد جماهير السكان تأخرا حادة، مع تعاظم الاحساس بها مباشرة .


وبايجاز يتوفر الوضع الثورى فى معظم الاقطار المتقدمة والقوى العظمي الاوروبية . وبهذا الصدد ثبت تماما صحة توقع بيان بازل . يعنى انكار هذه الحقيقة ، مباشرة ام بصورة غير مباشرة ، او التزام الصمت بشأنها ، كما يفعل كونوف ، وبليخانوف وكاوتسكى وشركاهم ، الادلاء بكذبة كبري ، وخداع الطبقة العاملة ، وخدمة البورجوازية . وقد اوردنا فى جريدة” الاشتراكى الديموقراطى ” (الاعداد 34 ، 40 ،41 )* وقائع تبرهن على ان من يخشون الثورة — الكهنة المسيحيون البورجوازيون الصغار ، وهيئات الاركان العامة ، وصحف اصحاب الملايين — مضطرون للاعتراف بوجود اعراض وضع ثورى فى اوروبا .


فهل يستمر هذا الوضع لفترة طويلة ، ولأى حد سوف يبلغ فى تفاقمه ؟ هل سيؤدى الى الثورة ؟ هذا ما لانعرفه ، ولايمكن لأحد ان يعرفه . ولن تقدم الإجابة غير التجربة التى نحوزها عبر تطور المزاج الثوري ، وانتقال الطبقة الطليعية البروليتاريا الى الاعمال الثورية . فلا مجال بهذا الصدد للكلام عن أية “أوهام” ، ولا لرفضها ، لانه مامن اشتراكى قد ضمن ابدا بأن الثورة سوف تنشأ من الحرب الحالية ( لامن الحرب المقبلة ) ، ومن الوضع الثورى الحالى ( لامن الوضع المقبل ) . ومانناقشه هنا مناطه الواجب الاساسي غير القابل للجدل لكل الاشتراكيين — وهو واجب ان يكشفوا للجماهير وجود الوضع الثورى ، ويوضحوا اطاره وعمقه ، ويوقظوا وعى البروليتاريا الثورى ، وعزيمتها الثورية ، ويعاونوها على الانتقال الى الاعمال الثورية ، ويشكلوا لهذا الغرض منظمات تتلائم والوضع الثورى .


ومامن اشتراكى ذو مكانة قيادية أومسؤول جرؤ قط على ان يشعر بالشك فى ان هذا هو واجب الاحزاب الاشتراكية . وقد تحدث بيان بازل بالتحديد عن واجب الاشتراكيين هذا ، دون ان ينشر او يخلق اقل ” وهم ” : حث الشعب وايقاظه ( لاهدهدته بالشوفينية كما يفعل بليخانوف ، واكسيلرود وكاوتسكى ) ، واستغلال الازمة للتعجيل بسقوط الراسمالية ، مع الاسترشاد بنماذج الكومونة و(اكتوبر- ديسمبر) 1905 . ولذا فإن فشل الاحزاب الحالية فى القيام بهذا الواجب انما يعنى خيانتها ، وموتها السياسي ، وتنكرها لدورها ، وفرارها الى جانب البورجوازية .
ـــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش
(119 ) حول الستروفية ، انظر هذا المجلد ص ص 221 – 223 .
*انظر ص ص 92 -93، 181 -82 و 192 -93 من هذا المجلد – المحرر
المصدر : لينين ، الاعمال الكاملة ، المجلد 21 ، ص ص 212- 217 ، دار التقدم ، موسكو ، 1964 . ( الطبعة الانجليزية ) .

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s