في “قبض الريح.. أيام وراحت” لـ”هشام يحيى”.. “الإنسانية صنعة الإنسان”

Posted: 4 يناير 2015 in كتابات أدبية وفنية
الوسوم:

تنطبق عبارة والد الشعراء/ فؤاد حداد “الإنسانية صنعة الإنسان” على كتاب “قبض الريح.. أيام وراحت” للصحفي/ هشام يحيى، الصادر عن دار روافد، فالإنسانية ليست إختراع من الخارج تبناه الإنسان أو هبط عليه من السماء، الإنسانية حقا نتاج تجربة الإنسان ومعايشته للواقع ولبني جنسه، وبالتالي فكل ما نطلق عليه إنساني وجميل ونبيل، أيضا ما نطلق عليه لا إنساني وقبيح ووضيع هو نتناج الخبرة الجمعية والذاتية للبشر في مشوار حياتهم المليء بالتجارب والحكايات والتفاصيل.

ليس بالضرورة أن تكون تجربتك في الحياة ذات شأن بالنسبة للآخرين، ولكنها تحمل لك ولمن عايشوها معك ذكريات وعلامات باتت محفورة في ذاكرتك وأصبحت جزءا لا يتجزأ من شخصيتك وأفكارك ومعتقداتك وتصوراتك عن العالم الذي تحياه والعلاقات التي تعيش بداخلها وتسكنك، تشكل ملامحك وتصبغ مواقفك بألوانها وتعطيها رائحة خاصة بك دون سواك.

هذا الكتاب لا يمكنك أن تراه عملا أدبيا بالمعنى الكلاسيكي المتعارف عليه، ولكنه عملا إنسانيا بامتياز بكل ما تحمله الكلمة من معاني متناقضة إيجابية وسلبية. فالأشخاص هم من لحم ودم وعظام ومشاعر ووجدان وأحاسيس، يتحركون في الحياة كيفما اتفق، لا توجد شخصية تم رسمها وفق أصول الكتابة الإبداعية، لا يوجد نسيج درامي وحبكة ونقاط ذروة وتطور للشخصيات وفق منظومة أعدها الكاتب سلفا أو قام بتطويرها أثناء عملية الكتابة، باختصار نحن أمام عمل أدبي غير تقليدي، يحكي ويروي فصول من حيوات الكاتب وأصدقائه وأسرته وأقاربه ومعارفه وجيرانه وزملاءه في العمل دون أن يستخدم أصول الكتابة الأدبية وتقاليدها وتقنياتها المنتشرين وسط المشتغلين بالكتابة الأدبية.

استخدم هشام يحيى الكتابة بالعامية كلغة ومفردات تتماشى أكثر -من وجهة نظري- مع طبيعة الحكي والحكايات نفسها، فكأنك تعيش الأحداث كما حدثت بالضبط، وتسمع التعبيرات والألفاظ التي قيلت بالفعل، المواقف بالانفعالات والوقفات والافيهات والنكات والمفارقات، والحركات. أنت في رحلة أشبه بقراءة سيناريو أو مشاهدة الفيلم نفسه مجسدا في صوت وصورة ومؤثرات صوتية. وبالرغم من الوقوع أحيانا في فخ اللغة الفصحى باستخدام ألفاظ غير موفقة لا تتماشى مع روح النص العامي وطبيعة الموضوع المكتوب، إلا أن هذه الهنات البسيطة لم تفقد النص جماله وبساطته ومتعة قراءته والسباحة معه في جمال وخصوبة وعذوبة الحكي بوصفه عنصرا أساسيا سيطر على الكتاب في فصوله الـ25 وصفحاته الـ390.

اختار الكاتب صديقا له ليحكي له حكاياته ويأتمنه عليها وما بها من “أسرار”، حكايات لا يعرفها غيره ومن عايشها معه، وبالتالي فهناك من لا يعرفها، ولكن قرر الكاتب بكتابه هذا أن نعرفها جميعا، ليس بوصفه عملية إفشاء لتلك الأسرار، فمنها ما أصبح مجرد تاريخ وذكريات، ولكنها كشاهد وتوثيق للعلاقة الحميمية التي نشأت بينه وبين صديقه الشاب الصحفي الموهوب الصغير”وليد كامل” الذي لم تمهله الحياة كي يعطيها من موهبته الكثير وتعطيه من احتياجاته ولو القليل، ففارق دنيانا بفعل المرض الخبيث الذي انتشر في دمائه، تاركا لصديقه الكاتب مرارة وحسرة على علاقة رائعة كانت أقرب لعلاقة مع النفس ومحاولة للتقرب منها ومصالحتها بعد سنوات تجاوزت النصف قرن من عمره.

وعلى الرغم من أن حكايات الصديق الراحل نفسه محدودة في الكتاب، مما قلل من إمكانية التعرف عليه أكثر كضلع أساسي في مربع الحكايات حيث يمثل الكاتب والحكايات والأشخاص المحكي عنهم الأضلاع الثلاثة الباقية، إلا أنه يمكن النظر للموضوع من زاوية فداحة خسارة الكاتب من هذا الفقد لصديق لم يعرف/ ولم نعرف عنه الكثير في وقت كان من المفترض أن تمتد بينهما مساحات الحكي المتبادلة، حتى لو كانت حياة الفقيد أقصر وأقل زخما وانفتاحا، مما جعل الكاتب حضوره بحكاياته لهما نصيب الأسد.

الحكايات عادية جدا، وهذا في رأيي سر جمالها وطزاجاتها، فليس هناك حكايات مصطنعة لزوم الحبكة، أو يظهر فيها الكاتب بوصفه ملهما أو شخصا لا يخطئ أو له باع في كذا وموهوب في كيت. الحكايات كما حدثت بالفعل في الواقع دون إضافة أي رتوش لزوم التجميل أو تحسين الصورة أو وضع الكاتب. هكذا أكد الكاتب لصديقه الفقيد أكثر من مرة “أنا مش قديس”، باختصار هذه هي الحياة وهكذا وجدنا وهكذا عشنا وتصرفنا في المواقف وأخطأنا وأصابنا وفشلنا ونجحنا وظَلمنا وظُلمنا وصدقنا وكذبنا، وربما ارتكبنا ما يصل إلى حد الجرائم في حق أنفسنا والآخرين. نحن بشرا، ليس بيننا ما هو منزها عن الخطأ ولا من هو الشر بعينه، نحن مزيجا من كل الصفات الإنسانية التي صنعناها بوصفنا بشرا على مدار تاريخ البشرية، ربما يكون لأحدنا سمات مختلفة عن الآخر، أو تتغلب صفات عن أخرى في شخصيته عن الآخرين أو في فترات مختلفة من حياته، ولكن في النهاية ما صنعناه في الحياة كان بأنفسنا، حتى لو توارثناه عبر المجتمع فنحن بمعنانا الجماعي من صنع المجتمع وشكل ملامحه.. جماله بقبحه.

في حكايات الكتاب الكثيرة ومتعددة المستويات والتفاصيل يمكنك إعادة النظر في كل ما هو يبدو ثابتا، أو متفقا عليه، أو تحيطه هالات من التقديس، أو مغلفا بالأسرار. مثلا يمكنك إعادة اكتشاف دهاليز الإعلام والصحافة وعالم الفن كمناطق ينخر فيها الفساد والمحسوبية وربما العهر أيضا، كيف يمكن أن يوجد أناس تحترم مهنتهم وأناس أخرون يلوثون سمعتها وسمعتهم في وحل العلاقات والموضوعات المشبوهة، وكيف لهامة مثل الكاتب الكبير/ د. فرج فودة أن تكون لعبة من صناعة الدولة والجهات الأمنية لمحاربة الجماعات الإسلامية، كيف يتعامل أصحاب الجاه والسلطة والمال في البشر بحكم علاقتهم ونفوذهم، وكيف للعلاقات الجنسية أن تبدأ وتنتهي في حيوات الأشخاص، وكيف يعرف البشر الطريق إلى المخدرات والسهرات الحمراء، كيف يحبون ويكرهون، كيف تمضي بهم الحياة ويعيدون اكتشاف أنفسهم المرة تلو الأخرى، كيف يتذكر الناس ماضيهم بذكرياته وتفاصيله الحميمية والدفء الأسري والعاطفي وكيف يقيمون علاقاتهم العاطفية أو على مستوى الصداقة وكيف يستمرون بها أو يخسروها للأبد أو إلى حين، كيف يمكن أن يخونوا أو يثقوا أو يتهموا بالخيانة أو العمالة، كيف يرى الناس الرموز التي أمنوا بها ورفعوها إلى مصاف القديسيين وفجأة يكتشفون أنهم كانوا مجرد أغبياء أو في أفضل الأحوال حسني النية، بعد أن تنجلي لهم الحقائق.

الكتاب هو من عينة المادة الخام التي تعبر عن تجربة إنسانية عاشها الكاتب بنفسه وقرر أن يضعها على الورق لنشاركه إياها، وفي تقديري أن لهذا النوع من الكتابة جمال وأصالة حتى لو انعدمت موهبة الكاتب، وفي حالتنا تلك نجح الكاتب بموهبة الصحفي الحكاء أن ينقلنا من منطقة التجربة الذاتية إلى منطقة البراح الجماعي للبشر حين يجدون بينهم ألف شبه وشبه في الأحداث والوقائع وتفاصيل الموضوعات التي مروا بها في حيواتهم المختلفة. أنا على سبيل المثال تقمصت شخصية الكاتب أثناء القراءة وتخيلت صديقا لي أحبه جدا مكان صديقه الفقيد، للدرجة التي كنت أسمع فيها صديقي ينطق بلسانه ونبرات صوته كل الحوار المكتوب على لسان الفقيد من أول جملة إلى نهاية النص، دون أن يخطئ خيالي في أي مرة يتحدث فيها الصديقان الفقيد والذي أتمنى أن لا أفقده. أيضا كثير من الحكايات شعرت أني مررت بها في حياتي أو بقصص شديدة الشبه بينها وبين المكتوب، العلاقات العاطفية والجنسية، علاقتي بالأهل والجيران، تفاصيل أيام خدمتي العسكرية، تجربتي في العمل في أكثر من مكان، السهرات والضحكات والحكايات التي لا تنضب.

في أحد نصوصي الأدبية المتواضعة كتبت نصا عن عملية الكتابة نفسها عنوانه ومضمونه يختصر علاقتي بما أكتب وما وجدته في هذا النص البديع لهشام يحيى، والذي اعتقد أنه سيوافقني الرأي لو اتيحت له مناسبة لقراءته، العنوان هو “اكتب كي لا تكون وحيدا”. اعتقد أن الكاتب قرر بعد وفاة صديقه وابنه بالتبني أن يكتب لنا هذا الكتاب كي لا يشعر بالوحدة بعد فراق للأسف سيطول كثيرا.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s