تناقضات المناضلة النسوية اليسارية في مذكرات إنجي أفلاطون

Posted: 13 يناير 2015 in كتابات أدبية وفنية, كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , , , , , ,

لا يمكن بأي حال إنكار موهبة الفنانة التشكيلية إنجي أفلاطون، ولا درجة نضاليتها وإخلاصها لأفكارها التي لاقت بسببها قسطا من تعسف السلطة وضياع أربع سنوات من عمرها قضتها بين أسوار المعتقلات. ولكن بقراءتي لمذكراتها “من الطفولة إلى السجن” الصادرة عن دار الثقافة الجديدة، بتقديم وتحرير صديقها سعيد خيال، في طبعتها الثانية هذا العام، اكتشفت أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يحتاج لبعض المناقشة والتحليل لأفكارها ومواقفها التي اتخذتها منهجا وهدفا لها كعضو في منظمة يسارية ومن ثم أصبحت عضوا قياديا لمنظمة الوحدة بين الشيوعيين المصريين في 8 يناير 1958 التي على إثرها تم القبض عليها مع رفاقها بهدف تصفية الحركة الشيوعية والتقدمية والوطنية كما أطلقت عليها إنجي في المذكرات.

وبالرغم من أن إنجي ولدت في 16 أبريل 1924 ورحلت في 17 أبريل 1989 (65 عاما)، إلا أن المذكرات تتوقف عند الإفراج عنها في 26 يوليو 1963، ليتبقى لنا 26 عاما كاملة، أي حوالي 40% من عمرها الإجمالي و58% من عمرها الناضج لم تكتب عنهم شيئا في مذكراتها. اعتقد أن الأمر واضح تماما فبعد خروج إنجي من السجن وحل الحزب الشيوعي المصري التي كانت واحدة من قياداته انتهى الأمر بها تقريبا، كحال معظم رفاقها الذين تحولوا إلى مجرد مثقفين تقدميين في رحاب السلطة التي اعترفوا عبر حل حزبهم في معتقلاتها بتقدميتها وسيرها قدما على طريق تحقيق الاشتراكية، نفس السلطة التي اعتقلتهم وعذبت الكثير منهم وتسببت في استشهاد زملاء لهم، لم ترق إلى مستوى العدو الطبقي والسياسي، بل أصبح جمال عبد الناصر رمز تلك السلطة في تلك الحقبة، معلما وقائدا ومحاربا للاستعمار والإمبريالية والصهيونية ومطبقا للاشتراكية.

ولدت إنجي أفلاطون لعائلة أرستقراطية تنتمي للطبقة/السلطة الحاكمة وقتئذ في عهد الملكية، وبدأت علاقتها بالفن عبر الفنان الثوري عضو جماعة الفن والحرية/ كامل التلمساني، ومن خلال أجواء الفنانين والمثقفين تعرفت على الماركسية التي رأت فيها نظرة شمولية وعلمية وإنسانية لمشكلات البشرية، والتي تربط على حد قولها “بين التحرر الطبقي من الاستغلال والوطني من الاستعمار، وربطت بين تحرر المرأة وتحرر المجتمع ككل”. ولكن هل كان ما تحمله إنجي أفلاطون من أفكار ونضال من أجلها كان متسقا مع تلك النظرة الشمولية؟.

ظلت إنجي تراودها الفكرة البرجوازية الصغيرة عن التناقض الذي وقعت فيه بين انتمائها العائلي الارستقراطي وانتمائها السياسي للفقراء من أبناء وطنها، وبصرف النظر عن تشجيع زوجها لها بهجر هذه الفكرة والتركيز على ما تعطيه في نضالها، ولكن تظل هذه المسألة محل تناقض في شخصيتها وشخصيات كثيرين مثلها، ليس لكونهم ينتمون -على غير إرادتهم- لعائلات ارستقراطية أو حتى ميسورة الحال، ولكن لتغليف رؤيتهم بنظرة أشبه لليبربالية منها للاشتراكية في مفهومهم عن قضايا المرأة وتحررها وربطها بقضايا تحرر الطبقات الفقيرة والمجتمع ككل من سطوة الاستغلال والتمييز والاستعمار.

الحل بالتأكيد لم يكن كما ظنت الفنانة في ترك دولاب ملابسها على أحدث الموضات الفرنسية وارتداء أزياء متواضعة، ولا في تخليها عن سيارتها الستروين لصالح واحدة من طراز الفيات 128، لحل التناقض بين الانتماء العائلي القديم والطبقي/السياسي/الاجتماعي الجديد ليتحقق لها الاندماج أواسط الرفاق من العمال والفقراء المنتمين للاشتراكية من منطقة وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، ولكن في تبني منظور طبقي حقيقي لتحرر المرأة، ليس برهنه بتحرر المجتمع ككل كما يروج أنصار الماركسية الدوجمائية، والذي يجد فيه أنصار النسوية ضالتهم في نقد منظور الاشتراكية لتحرر المرأة بوصفها قضية مؤجلة لحين تحرر المجتمع بانتصار ثورته، ولكن بطرح مطالب وقضايا المرأة العاملة والفقيرة والمعيلة كأولوية وليس فقط بالتركيز على هموم وحقوق المرأة بشكل عام فتصبح النتيجة هي الدفاع عن حقوق تخص فقط المرأة البرجوازية وميسورة الحال كالحريات وحق الاقتراع.

ظهر ذلك جليا في لوحات إنجي بتصويرها للفلاحين والفلاحات في ريف مصر الفقير والعمال والحرفيين، وارتباطها بالجمعيات والمؤتمرات النسوية التي جابت العواصم الأوربية لعرض قضة المرأة المصرية وتوقها للحرية في وطن يرزخ تحت نير الاستعمار ويرنو أيضا للتحرر، وفي علاقتها بكل نماذج السيدات التي قابلتهم أثناء تخفيها هربا من حملة الاعتقالات، وبالمسجونات في المعتقل. المرأة بالنسبة لأنجي (من خلال مذكراتها) هي عنصر ومادة للرسم والحكي والخطابة حول قضاياها ومجموعات يتم حشدها في المسيرات التي يقمعها البوليس في عهد الملكية والجمهورية على حد سواء. المرأة لم تخرج عن كونها موضوعا للنضال وليست ذاتا جماعية تحصل على أقل الحقوق وتلقى صنوفا من التمييز والتهمييش والاستبعاد كمشارك في الحياة بوصفها نصف المجتمع.

وبالتالي لا تكمن أي مفاجأة في كون المناضلات المدافعات عن قضايا وتحرر المرأة ينتمين في أغلبهن لطبقات عليا في المجتمع أو مثقفات أو متعلمات في اقل تقدير. صحيح أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمرأة في مصر في نهاية النصف الأول من القرن العشرين وبدايات نصفه الثاني جعلها لم تحظ بأية حقوق سوى حق الاقتراع والترشح مع دستور 1956، ولكن كانت هناك في أواسطهن حفنة كبيرة تعد بمئات الآلوف تنتمي للطبقات العاملة والفلاحية والفقيرة والمهمشة في المجتمع لم يتم الالتفات لها ولمطالبها مثل الحق في التعليم والعمل والأجر المتساوي نظير نفس العمل والترقي الوظيفي. علاوة على تغيير قوانين تدني من وضعية المرأة كمواطنة وزوجة وأم ومعيلة.

نفس الموقف يمكن تلمسه في التفاعل مع سكان المناطق الفقيرة في انتخابات جرت عام 1956 وترشحت فيها المناضلة سيزا نبراوي بدائرة مصر القديمة في مواجهة أحمد سعيد مذيع صوت العرب المشهور ورجل عبد الناصر، فبالرغم من تفوق سيزا في معركتها الانتخابية مما جعل السلطة تلجأ للتزوير لإسقاطها وإنجاح مرشحها كما قالت إنجي، لكن لم يكتب في المذكرات شيئا يذكر عن الارتباط الحي والملموس بقضايا ومطالب أهالي الدائرة الفقراء، وجاء البرنامج الانتخابي تحت شعار وطني نسوي وبمطالب عامة مجردة لا تسمن ولا تغني من جوع.

القضية باختصار أن الحركات الوطنية والتقدمية واليسارية ظلت بمنأى عن حركة الجماهير بشكل حقيقي، فالمصنع والحقل والشارع موضوعات للدعاية والحشد في المؤتمرات والمسيرات والانتخابات دون أن يكون لهم تمثيل حقيقي في تلك الحركات أو في المطالب والشعارات والبرامج التي ترفعها وتنادي بها. صحيح أن هناك عمالا كانوا ينتمون لتلك الحركات وشاركوا في بناء منظماتها وأعطوا لعملها السياسي في بعض الأحيان طابعا ولونا جماهيريا، ولكن ظل وجودهم يقتصر على العضوية القاعدية وتركت المناصب القيادية للصفوة المتعلمة المثقفة أبناء الطبقات الأعلى من الطبقة العاملة.

يمكن تلمس حال هذه الحركات في عملية الحل التي أعلنها قياديو الحزب الشيوعي من محبسهم، فبعد قرارات يوليو 1961 التي أعلنها جمال عبد الناصر ووصفها بـ”القرارات الاشتراكية”، دارات نقاشات داخل المعتقلات بين قيادات الحزب وانتهى الأمر في النهاية بقرار حل الحزب لتبدأ مراحل الإفراج عنهم حتى عام 1964، ليخرج من وافقوا على الحل ليندمجوا في تنظيمات عبد الناصر السياسية ويحصلون على مكافآت بتعيينهم وزراء ورؤساء تحرير صحف، ومن لم يوافقوا على الحل لم يجدوا غير الشارع في انتظارهم بعد فقد أعمالهم أو التنكيل بهم.

أصل المشكلة في تقديري لم تكن في غياب حركة جماهيرية واسعة وقوية، بالعكس شهدت الأربعينيات صعود حركة عمالية لم تشهد مثيلا لها على مدار تاريخ مصر منذ نشوء الطبقة العاملة، وأفرزت هذه الحركة حركة نقابية قوية قاعدية، وساهم عناصر من قياديها الطبيعيين في تكوين منظمات يسارية في ذلك الحين، وتكونت العديد من المنظمات اليسارية، المشكلة تكمن في تقديري في علاقة اليسار بالجماهير ومطالبها وقضاياها وحركتها ورؤيتها للتغيير.

ولهذه الفكرة -أي علاقة اليسار بالجماهير- تاريخ في ممارسة وطرق بناء اليسار لنفسه وتنظيماته عبر تاريخه، فبالرغم من الظروف التاريخية التي سنحت لفصائل يسارية للارتباط بالحركة الجماهيرية إلا أنه ظل –اليسار- بعيدا عن إمكانية لعب دور لتحريك الحالة الثورية والزخم الحاصل في اتجاه انتصار جماهيري بعيدا عن الأطروحات الليبرالية والوطنية والدينية والقومية التي سادت الحياة السياسية وقتها، على الرغم من قواه النضالية التي تعاظمت مع الحركة الشيوعية الثانية في منتصف الأربعينيات (فترة نضال إنجي أفلاطون) وذلك لأسباب تتعلق بـ: 1) طبيعة التنظيمات السرية مما أدى لعدم تفاعلها الكامل مع النضالات الجارية، 2) عدم مراجعة أفكارها وبرامجها ذات المنحى الوطني وتغليب القضية الوطنية على الصراع الطبقي، ومن ثم لم تكن هناك إشكالية في التحالف مع قوى وطنية حتى لو مثلت عدوا طبقيا، 3) اتباعها سياسة التبعية للاتحاد السوفييتي ومعسكر أوروبا الشرقية مما ظهر في مواقف اتخذت بالتبعية كتأييد فصائل يسارية لقرار تقسيم فلسطين بناء على اعتراف الاتحاد السوفييتي بدولة إسرائيل، 4) الانقسام الشديد في الحركة لدرجة وصلت بها تنظيمات اليسار لـ35 تنظيما في فترتي الأربعينيات والخمسينيات.

إن اليسار الذي رأى في الجماهير أداة وليس هدفا في حد ذاته.. والذي رأى في قرارات عبد الناصر في التأميم ومصادرة قسم من أراضي كبار ملاك الأراضي تطبيقا للاشتراكية، يتجاهل بكل وضوح أن الجماهير هي صاحبة وقوى التغيير في أي مجتمع وأن الاشتراكية لا يمكن أن تعطى كمنحة من أعلى من الحاكم بل بخلق تنظيمات ديمقراطية وقاعدية لإدارة الإنتاج والمجتمع عبر ثورة تشرك فيها الجماهير بوصفها قائدا وليس بالنيابة عنها في خروج حفنة من الضباط الوطنيين تمردا على أوضاع طبقتهم الوسطى المحلية التي ترى في الاستعمار العدو الأول والأخير وليس قوى الاستغلال الطبقية وأحد تجلياتها بشاعة هو الاستعمار أيا كان شكله.

باختصار شاب توجه معظم قوى اليسار في هذه الفترة وما تلاها وحتى الآن، نظرة فوقية في التغيير لعبت دورا مهما في استبعاد الجماهير كعنصر أساسي وهدف للتغيير، بل في تأجيل عملية التغيير الجذري نفسها بقبول فتات لا ترتقي حتى للإصلاحية في أسوأ صورها.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s