داعش في السياق: الليبرالية الجديدة والطائفية والثورة المضادة في الشرق الأوسط – آن الكسندر

Posted: 13 يناير 2015 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , , , ,
آن الكسندر 
ترجمة أشرف عمر 
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

بعد أربعة أعوام من الثورات العربية منذ 2011، يبدو أن الآمال التي أوقدتها انتفاضات الجماهير قد انطفأت. تضرب ليبيا وسوريا والعراق أمثلة كئيبة كـ”دول فاشلة”. بينما تقود الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً من القوى الغربية، والعرب من ورائهم، التدخل في شمالي سوريا والعراق، مبررين ذلك بنفس النغمة “الإنسانية” التي وفرت غطاءاً للاحتلال الكارثي للعراق بعد 2003. أما في مصر، فقد بعثت الديكتاتورية نفسها في شكل أكثر عنفاً ودموية حتى من الفترات الأسوأ في ظل حكم مبارك، حيث قتل ما يزيد عن ألف من مؤيدي الإخوان المسلمين في يوم واحد (14 أغسطس 2013)، واعتقال ما يتجاوز 40 ألف سجين سياسي، وخلق حالة من القداسة حول شخص المشير عبد الفتاح السيسي. وفي البحرين، لم تلن القبضة الحديدية للقمع التي حطَّمت الانتفاضة في 2011.

في خضم ذلك، على الأقل وفقاً لرؤية الإعلام الغربي للمنطقة، يصعد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، المعروف الآن بإسم “الدولة الإسلامية”. هذا التنظيم الجهادي الطائفي العنيف أحكم سيطرته على الموصل، التي تعد ثاني أكبر مدينة في العراق، في يونيو 2014، كاسراً شوكة الجيش العراقي. حازت داعش اهتمام الإعلام الغربي بأفعالها البشعة التي تتضمن قطع رؤوس أسرى مدنيين بريطانيين وأمريكيين، والوحشية الممنهجة ضد النساء والأقليات الدينية وحتى المسلمين من خلفيات تختلف عن داعش. وخلال تقدمهم عبر شمال وغرب العراق، ارتكب مقاتلو داعش العديد من المذابح وعمليات التطهير العرقي، حيث القتل الجماعي لليزيديين والسجناء الشيعة في السجون العراقية والكثير من رجال عشيرة البو نمر، وذلك على سبيل المثال لا الحصر (Chulov 2014; Human Rights Watch 2014b; Human Rights Watch 2014a).

بالطبع من المغري ومن الأسهل أن نقتصر داعش في حدود مشاهد العنف المنتشرة على الإنترنت، ونأمل أن بتجاهلها والانشغال عنها ستستهلك نفسها فتخبو جذوتها. لكن ذلك لا يتعاطى مع الكثير من الأسئلة: هل هي دولة وهابية جديدة تتشكل في القوالب التي صنعها أسلاف العائلة المالكة السعودية والأئمة الإسلاميين الذين كانوا متحالفين معهم منذ قرنين من الزمان؟ أم عصابات من المرتزقة الأجانب يقودها أمير حرب جامح الطموح؟ أم أنها تلعب دور الرابط السياسي والعسكري لتحالف جديد للنخبة السنية في العراق؟ أم شبكة متعددة القوميات من الجهاديين المغتربين؟ هل صعودها يعكس الصراع بين السنة والشيعة؟ ماذا عن الأكراد؟ ما دور الولايات المتحدة ودول الخليج وإيران في صعودها؟

هذه المقالة تقدم جهداً تمهيدياً للإجابة على بعض هذه الأسئلة. تركز المقالة على ثلاثة مهام أولية: أولاً رسم إطار نظري عام لتحليل داعش من منظور ماركسي، ثم البحث التفصيلي في السياق العراقي الخاص الذي غرست فيه داعش جذورها، وبعد ذلك تحليل العلاقة بين هزيمة الثورة السورية وتوطيد حكم نوري المالكي المستبد في العراق بعد 2008. التركيز هنا على العراق يكشف الدور الأساسي الذي اضطلعت به القيادة العراقية لداعش. أبو بكر البغدادي، الذي قاد التنظيم منذ 2010، يُقال أنه من مدينة سمراء، بوتقة الحرب الأهلية الطائفية في 7 – 2006، إلا أنه كان رهن الاعتقال الأمريكي في معسكر باكو، وأُطلق سراحه في 2009 (Cockburn, 2014b, pp. 28–9).

في النهاية، تضع هذه المقالة داعش في سياق أزمة الحركات الإسلامية الإصلاحية خلال نهوض ثورات 2011. إن الخطوط العامة في هذا التحليل متصلة ببعضها ومترابطة بشدة، فالكارثة التي ابتلعت العراق تعكس مشاريع جاري تنفيذها على الصعيدين العالمي والإقليمي، لكن حجم الكارثة يكثّف بدوره هذه المشاريع نفسها. وضعف الهيمنة الأمريكية، كنتيجة مباشرة للهزيمة العسكرية في العراق، يقف وراء الصعود النسبي لقوى إقليمية مثل إيران والمملكة العربية السعودية، كما يرسي هذا الضعف وضعاً يخلق ظروفاً مناسبة لتعزيز دويلات جديدة، مثل منطقة الحكم الذاتي للأكراد شمالي العراق. هل ستتبع داعش نفس المسار؟ تراهن قيادات داعش على التاريخ أن بإمكانهم ليس فقط تأسيس دولة جديدة، بل دولة من نوع جديد – القاعدة الأولى التي تتأسس عليها الخلافة الإسلامية. هناك الكثير من الأسباب لمناهضة داعش، وبنفس القدر هناك الكثير من الأسباب أيضاً لمعارضة استراتيجية الولايات المتحدة وحلفائها “للتعامل مع داعش” بالقصف والغارات. وفقط من خلال إحياء أشكال النضال السياسي والاجتماعي التي تربط الفقراء والمضطهَدين في المنطقة سوياً، باختلاف المعتقدات الدينية واللغة والثقافة، يمكن تقديم بديل حقيقي عن الطرفين.

نحو فهم ماركسي لداعش: تمهيد 
النقطة المرجعية التي يمكن من خلالها رسم خريطة لكل القضايا التي نناقشها هنا هي تبني الطبقات الحاكمة في المنطقة العربية لسياسات الليبرالية الجديدة وإرسائها على مدار أربعين عاماً. لا مجال هنا لفحص تطورات الليبرالية الجديدة في الشرق الأوسط بالتفصيل، لذا سنتعرض لثلاث نقاط أساسية ذات أهمية خاصة في هذا التحليل.

1- لم تستلزم الليبرالية الجديدة انسحاب الدولة من الاقتصاد، بل بالعكس، كما لاحظ الاشتراكي الثوري المصري سامح نجيب، فإن تبني سياسات الليبرالية الجديدة خلق “علاقة أعمق بين الدولة ورأس المال” (Naguib 2011, 5). عُرضت الصناعات والخدمات المربحة التي تديرها الدولة للخصخصة، بينما أُهملت أخرى وأُغلقت في النهاية، لكن هذه العملية مزجت بين الدولة ورأس المال الخاص، حيث كانت الخصخصة تعني في الأغلب بيع أصول الدولة لأبناء وبنات الأعضاء البارزين في الحزب الحاكم (Haddad 2011).

جرت أيضاً تغيرات حقيقية على مستوى الخدمات الاجتماعية، حيث حمّلت سياسات الليبرالية الجديدة نسبة أكبر من تكاليف هذه الخدمات على الفقراء، في حين حوّلتها إلى مصادر للربح في السوق. أما أولئك غير القادرين على دفع مبالغ كبيرة مقابل الرعاية الصحية والتعليم، فقد اتجهوا إلى مصادر “خاصة” أخرى؛ مثل المؤسسات الدينية والجمعيات الخيرية. وعلى نحو يثير السخرية، استفادت حركات المعارضة الإسلامية سياسياً من هذه العملية، حيث دمجت بين تقديم الخدمات الخيرية للفقراء والشرائح الدينا من الطبقة الوسطى، والدعوة للتقوى والمقاومة الثقافية “للدولة العلمانية” (Harman 1994).

وخلال الانتقال السلس إلى النظام الاجتماعي والسياسي الجديد، كثّفت هذه العملية التطور المركب واللامتكافئ في المنطقة. ازداد التفاوت بين الاقتصادات على المستوى القومي، وبين الاقتصادات وبعضها أيضاً. كما أدت إلى زيادة الاحتكاكات الناتجة عن الخلط بين مراحل مختلفة من التطور الرأسمالي. ولضيق المساحة في هذه المقالة، سنسلط الضوء فقط على نقطتين لهذا التفاوت أثبتتا أنهما هامتين بشكل خاص. أولاً الاحتكاكات التي نتجت عن التطور اللامتكافئ داخل الاقتصادات القومية، حيث امتزجت بعض المناطق في السوق العالمي وتدفق الاستثمارات على نحو أسرع من مناطق أخرى. والفجوة بين المناطق الساحلية في تونس، والمدن الداخلية الأكثر فقراً التي كانت مهد الثورة في مراحلها الأولى، لهي خير مثال على هذه المشكلة (Joyce 2013). عملية شبيهة جرت في الاقتصاد السوري، وانعكست في التطور السريع لانتفاضة 2011 في المحافظات الأكثر فقراً وضواحي المدن التي صارت موطناً لعشرات ممن هجروا الأراضي الزراعية هرباً من الجفاف بين 2008 و2010 (Maunder 2012).

النقطة الثانية، التي لا تقل أهمية، هي تزايد ثقل رأس المال الخليجي، في الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي أيضاً. بدأت تكتلات رأس المال الإنتاجي والسلعي والمالي في الاضطلاع بدور حاسم في المنطقة الأوسع؛ حيث الاستثمار في الإنتاج والخدمات، واستخدام الديون والديبلوماسية، والتهديدات أيضاً، من أجل خوض سياسات الليبرالية الجديدة بغية فتح أسواق جديدة (Hanieh 2013).

لم تلغِ الليبرالية الجديدة العلاقات السياسية والاجتماعية للطور السابق من الرأسمالية بأكملها، بل قد اندمجت فيها في مزيج جديد غير مستقر. وبعد 11 عاماً من الغزو الأمريكي، يظل الاقتصاد العراقي تحت سيطرة الدولة، وكما يقول البنك الدولي متحسراً في “تقييم مناخ الاستثمار العراقي – 2012″: “للقطاع الخاص دور محدود، ومحفزات التوسع ليس لها وجود” (Cordesman and Khazai 2014, 227). لكن هذا لا يعني أن تطبيق الليبرالية الجديدة على الاقتصاد لم يكن لها تأثير، بل قد أعادت تشكيل المجتمع العراقي وسياساته بشكل كبير. هذه العملية أضعفت الدولة وراء واجهة حزب البعث من خلال العقوبات التي فُرضت على العراق في التسعينيات، ثم حطمتها جزئياً وأنشأت نظاماً مستبداً جديداً بعد 2003 تديره ميليشيات وأحزاب طائفية.

2- المحور الثاني في هذا التحليل هو الطرح الذي قدمه كارل ماركس للإجابة على سؤال من أين تأتي الأفكار؟

سواء كنا نتفحص معتقدات دينية، أو أيديولوجيات طائفية، أو أبعاد سياسية لحركات إسلامية معينة، لابد أن ينفصل التحليل الماركسي عما هو مُسلَّم به بأن الأفكار تحيا من نفسها بمعزل عن الواقع المادي. في حالة الشرق الأوسط، بعض المحللين يذهبون حتى للقول بأن المعتقدات الدينية للشعوب التي تعيش هناك تحدد الواقع المادي، لذا فإن الدين يمكن فهمه فقط من خلال “الضغائن القديمة” (Burleigh, 2014; Conant 2014). ليس غريباً ولا مصادفةً أن مقاتلي داعش يستخدمون استعارات وصيغاً مشتقة من علم الأحياء أو علم الأوبئة للتعبير عن الأفكار التي يحملوها. يصف أليستاير كروك داعش، في مقالة قرأها كثيرون، بأنها “تشوُّه” في “الجين الوهابي”، على نحو مختلف عن الأيديولوجيا التي ابتدعها محمد بن عبد الوهاب، الإمام العربي في القرن الثامن عشر، وأتباعه في سياق التحالف الطويل مع سلالة آل سعود (Crooke 2014).

المشكلة في مثل هذه الأطروحات أنها دائماً خاطئة في هذا الموضوع؛ كروك بالطبع كان صائباً في أن “الوهابية” التي نثرتها السياسة السعودية الرسمية قد تبنتها مجموعات صارت تهدد الحكم السعودي نفسه. لكن من خلال تصوير أن الأفكار هي القوة الدافعة للتاريخ، فمثل هذه الأطروحات تحجب وتشوّه الطرق التي يتغير بها المجتمع. وكما يوضح كريس هارمان فإن “تصرفات البشر ليست مستقلة عن الظروف التي يعيشون في ظلها. لكن هذا لا يعني أنهم يمكن اختزالهم فقط في الظروف المحيطة. البشر ينخرطون دوماً في تغيير العالم المادي الموضوعي من حولهم، بالتفاعل معه بطريقة تغيره وتغيرهم هم أنفسهم” (Harman 1986, 11).

التاريخ الفعلي للعراق مختلف تماماً عن الصورة المُبسّطة التي يقدمها الإعلام. المجتمعات القبلية والعرقية والدينية ليست، ولم تكن، منفصلة عن بعضها. على سبيل المثال، كان الزواج بين السنة والشيعة شائعاً في منتصف القرن العشرين. وكان الإسلام (السني والشيعي) عابراً للاختلافات اللغوية بين العرب والأكراد والتركمان، بينما كانت هناك تحالفات قبلية بين رجال السنة والشيعة (Batatu 2004; Zangana and Ramadani 2006, 60). زد على ذلك أن تلك “المجتمعات” كانت منقسمة وفقاً للطبقة الاجتماعية – كبار ملاك الأرض ورجال الأعمال وكبار رجال الدولة يدعون أنهم يمثلون الجميع، بينما تختلف مصالحهم تماماً عن مصالح أغلبية المجتمع.

وهكذا فإن الانقسامات الاجتماعية الأفقية، بالأخص تلك المبنية على العلاقات الاجتماعية التي تتشكل خلال عملية الإنتاج، تقدم صورة أكثر صحة عن المجتمع العراقي، بعكس الانقسامات الرأسية المبنية على الانتماءات الدينية أو القبلية. فعشرون عاماً من الحرب والحصار والعقوبات قد خلقت قاعدة مادية جديدة للوعي الطائفي. رجال الدين الذين بإمكانهم مضاعفة تأثير خطبهم ومواعظهم الدينية من خلال السماح للعائلات باستخدام مولّدات الكهرباء الخاصة بالمساجد، أو زعماء القبائل الذين يستخدمون صلاتهم بموظفي الحكومة لتوفير فرص عمل لمؤيديهم، هؤلاء خلقوا علاقات اجتماعية تعمل على ربط طبقات مختلفة ببعضها، برغم تناقض العلاقات “الحقيقية”.

لا يمكن حساب قوة أو ضعف هذه العلاقات الاجتماعية بمعزل عن حال علاقات اجتماعية أخرى، في مجتمع تفتته الحرب الأهلية، حيث يترك الملايين منازلهم، وحيث يُعتبر الحصول على وظيفة يقدمها زعيم قبيلة أو ميليشيا طائفية مسألة حياة أو موت بالنسبة للأفراد وعائلاتهم. في سياقات مثل هذه، تتضاءل الفرص أمام العمال في اختبار التضامن الطبقي في الممارسة العملية.

وبالمثل، لا يمكن أن نبدأ في فهم الحركات الإسلامية من الأفكار التي يرددونها، بل من محتواها الاجتماعي، وبعبارة أخرى؛ من العلاقة بين الأعضاء والقادة والانقسامات الطبقية في المجتمع. تنطوي الحركات الإسلامية الكبيرة، مثل الإخوان المسلمين، على تناقضات اجتماعية في هياكلها، بمصالح طبقية للقيادات تخالف في الأغلب طموحات أعضائها من الطبقة العاملة وفقراء المدن والشرائح السفلى من الطبقة الوسطى (Harman 1994; Naguib 2006). أما داعش، فلها سمة مختلفة تماماً كحركة؛ فهي تنظيم عسكري نخبوي تجذرت خلال التنافس بين الكتل الطائفية في العراق أثناء الاحتلال الأمريكي. هذا ما سنبحثه بالتفصيل أسفل المقالة. لكن هذا لا يعني أن التنظيم غير قادر على الاستفادة من التطلعات المتناقضة للناس من طبقات اجتماعية مختلفة في التغيير الاجتماعي، وكذلك من هزيمة أو تهميش قوى أخرى ظهرت لتحقيق هذه التطلعات. على سبيل المثال، انتعشت داعش إثر عرضها حماية السنة من الاضطهاد الممنهج على أيدي الأحزاب الشيعة الطائفية في قيادة الدولة العراقية. إلا أن المشروع الطائفي لداعش، بهيكلها العسكري ورفضها أي برامج للتغيير السياسي أو الاجتماعي الذي يبتغيه الناس العاديون، يعني أن الاشتراكيين الثوريين لا يمكن أن يروا هذا التنظيم من نفس المنظور الذي يرون به حماس أو حزب الله أو قوى إسلامية مسلحة أخرى. داعش لا تقدم حتى مساراً منحرفاً للتعبير عن المآسي الاجتماعية والسياسية الحقيقية التي تعاني منها جماهير الناس العادية، بل تسد هذا المسار تماماً.

3-  المحور الثالث هو التحليل الماركسي للإمبريالية في المنطقة، وبالأخص التأثير الكارثي للتدخل الأمريكي في العراق. وكما قدم أليكس كالينيكوس شرحاً مطولاً سابقاً هنا في مجلة “الاشتراكية الأممية” وفي مقالات أخرى، فإن فشل هذا “المشروع المتغطرس” له نتائج عميقة على المستويين الإقليمي والدولي (Callinicos 2014a, 19; Callinicos 2014b; Callinicos 2009). وكما ذكرنا أعلاه، فقد أدى التمدد الإمبريالي للولايات المتحدة في العراق، مع إعمال الليبرالية الجديدة في المنطقة، إلى إنشاء مراكز وأطراف متعاركة على مستويات عدة. وقد أتاح الضعف النسبي للهيمنة الأمريكية الفرصة أمام القوى المحلية للمناورة ضد بعضها البعض، كما وفّر مساحات تصعد فيها أطراف جديدة غير متوقعة مثل داعش. علاوة على أن المزيد من التدخل الإمبريالي لـ”حل” المشاكل التي أنتجتها تدخلات سابقة – سواء من خلال الغارات الجوية أو الغزو البري – لن يؤدي إلا إلى التأكيد على مزاعم داعش بالدفاع عن الشعب تحت سلطتها، أو تمهيد الطريق لصعود حركات شبيهة خلفاً لها. وبرغم أن لا مجال هنا لفحص العلاقة بين الإمبريالية في الشرق الأوسط وصعود العنصرية والإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن هذه العمليات متصلة ببعضها بشدة لتغذي حالة الاغتراب لدى بعض مجندي داعش من الأجانب.

النقطة المحورية الأخيرة التي يستند إليها هذا التحليل هي فهم دور العامل البشري في تحديد نتائج العمليات طويلة الأمد. يمكننا أن نعتبر أن هذه قضية ربط مستويات مختلفة للتحليل معاً؛ فأحد مصادر قوة الماركسية الثورية وتماسكها هو قدرتها على ربط الأفعال الفردية والجماعية باستخلاصات تعيننا على فهم أفضل لكيفية عمل المجتمع وسريانه. يقدم التحليل الماركسي منظور فريد إذ يتمسك بالعامل الأساسي الذي يمكنه توفير بديل حقيقي عن داعش – التدخل الفعّال لجماهير الناس العادية عبر المنطقة في نضال من أجل مطالب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، التي أضحت شعارات مميزة لثورات 2011.

العراق بعد 2003: الديمقراطية التوافقية والليبرالية الجديدة غرسا الطائفية في المجتمع 
أرسى الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 الأسس التي حوّلت الدولة والمجتمع العراقيين، تلك الأسس التي أدت بشكل مباشر (لكن على نحو غير حتمي) إلى ظهور داعش في 2014. اندمجت السياسة “التوافقية” التي تبناها المسئولون الأمريكيون فيما يتعلق بحكم العراق، مع الليبرالية الجديدة المتطرفة التي قدمها أمثال بول برايمر، الذي عُيِّن لإدارة السلطة الائتلافية المؤقتة عقب الغزو الأمريكي، لتنتج مزيجاً مسموماً في مجتمع هشّمته العقوبات والحرب والاحتلال. توقع المسئولون الأمريكيون بكل ثقة أن بإمكانهم الإبقاء على الآليات التي أرسوها في 2003 لتعمل في صالحهم وتدفع التوازن الطائفي في الاتجاه “الصحيح” من وقت لآخر كلما كان ذلك ضرورياً. لكن في الحقيقة، أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وسرعان ما فقدوا السيطرة على النظام الذي خلقوه، ولم يكن بوسعهم سوى تصويب الأمور بشكل مؤقت من خلال ضخ أموال هائلة وقوات عسكرية إضافية أثناء تمرد 8 – 2007.

من المهم أن نضع التطورات بعد 2003 في سياقها الصحيح. لم يكن المجتمع العراقي قبل 2003 متطهراً من الطائفية، فطالما كان حكم البعث يستخدم ورقة الطائفية ويحفّز الانقسامات العرقية في سعيه للحفاظ على سلطته. على سبيل المثال، كانت الدعاية البعثية تصوّر كافة مجموعات المعارضة الشيعية كـ”طابور خامس” يعمل لصالح إيران، كما تعمّد النظام نقل الكثير من السكان العرب إلى المناطق الكردية شمالي العراق لإحكام السيطرة على المدن الغنية بالنفط – كركوك والموصل. وعلى الرغم من ذلك، ظل تأثير الطائفية مثبّطاً بسبب عددٍ من العوامل، من ضمنها اختلاط العراقيين من خلفيات دينية مختلفة في التوظيف الحكومي. لقد عاشت نسبة كبيرة من الأكراد في العاصمة العراقية، بغداد، حتى في ظل حرب صدام حسين على التمرد الكردي في الشمال (Zangana and Ramadani 2006). ونذكر أيضاً أن أغلبية الجنود الشيعة العراقيين لم يخرقوا قواعد الجيش أثناء الحرب العراقية الإيرانية، حتى برغم جهود بعض القوى الشيعية لحثّهم على الانضمام إلى الإيرانيين أصحاب نفس الديانة. ناهيكم عن تراث النضالات السياسية الكبرى في الأربعينيات والستينيات، التي كان يسود فيها التنافس بين تيارات علمانية، مثل الحزب الشيوعي وحزب البعث نفسه، في إطار حركة الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية، ذلك التراث الذي ظل مؤثراً في الجيل القديم من النشطاء (Alexander 2003; Batatu 2004).

إلا أن هزيمة القوات العراقية في 1991، وحالة الإفقار الشديد التي أصابت المجتمع كنتيجة للعقوبات التي فُرضت بعد ذلك مباشرةً، قد وفرا تربة خصبة لزرع جذور الطائفية. وفي محاولته للالتفاف حول تأثير الانتفاضة التي بدأت في الجنوب، اتجه النظام العراقي للبحث عن حلفاء يفرضون سلطة عسكرية وسياسية نيابةً عن الدولة. ومن ثم أنشأ صدام حسين دائرة شئون العشائر من أجل تنظيم العلاقات بين زعماء القبائل الذين قَوَت شوكتهم بسبب ضعف الحكومة المركزية. كما قدم نفسه كزعيم سني عظيم يتحكم في المؤسسة الدينية السنية. في نفس الوقت، أخلى ضعف مؤسسات الدولة، تحت ضغط الحصار والعقوبات الدولية، الساحة ليتمدد فيها نشاط المؤسسات الدينية، حيث تقديم الخدمات الصحية والتعليم، إلخ، لنسب متزايدة من السكان اليائسين (Alexander and Assaf 2005a).

منذ البداية، حتى قبل أن تطأ أقدام المسئولين الأمريكيين أرض بغداد، كانوا قد قرروا التعامل مع العراق كبلد يتشكل من طوائف مختلفة ومتنافسة. يبدو أن هذه الرؤية للمجتمع العراقي كانت مبنية على حسابات دقيقة لنسب السكان من العرب الشيعة، والأكراد السنة، والعرب السنة، في خريطة للعراق انتشرت بشكل واسع بين المسئولين الأمريكيين في 2003 (International Crisis Group 2013, 4). لقد سعوا بكل جهدهم لإنشاء “ديمقراطية توافقية” تتوزع فيها السلطة بين ممثلين عن طوائف دينية وقومية مختلفة وفقاً لنظام الكوتة. وهكذا كان “التوازن” الطائفي – وما استتبعه بطبيعة الحال من “تنافس” طائفي – هدفاً منذ البداية في العراق تحت الاحتلال الأمريكي (Alexander and Assaf 2005a; Zangana and Ramadani 2006).

استخدمت الأحزاب السياسية، التي يرتبط مصيرها بالطائفية، واستغلت نظام الكوتة في التعيينات. وكما يوضح توبي دودج، فإن هذا النظام “قسّم الدولة العراقية وخصخصها، وسمح للنخبة السياسية العراقية بتجريف أصول الدولة لمصالحهم الشخصية ولتمويل الأحزاب التي يمثلونها” (Dodge 2014, 17).

 سبب آخر في تصاعد هذه العملية وخروجها عن السيطرة هو تعدي الليبرالية الجديدة على ما تبقى من البنية التحتية في العراق. هرع بول برايمر لسن قوانين تطرح القطاع العام والخدمات الصحية وغيرها للخصخصة. وبالرغم من تحقيق الشركات الأمريكية الكبرى أرباحاً سريعة من عقود الخصخصة تلك، إلا أن المستفيد الأول والأساسي من تفتيت وتجزئة الدولة العراقية لم يكن المستثمرين الأجانب، بل رجال الأعمال المحليين وزعماء الميليشيات وقيادات الأحزاب الطائفية الذين نجحوا في تحويل الكثير من المؤسسات إلى مصادر تدرّ الربح.

أول من استفاد سياسياً من هذه العملية كانت الأحزاب الشيعية القريبة من الولايات المتحدة، مثل حزب الدعوة، ومنافسه المجلس الإسلامي الأعلى في العراق. لقد بذلا أقصى جهودهما لحشد الشيعة على أساس طائفي لتأييد الاحتلال، في محاولة لقطع الطريق على قوى شيعية أخرى مثل حركة مقتضى الصدر التي ناهضت الولايات المتحدة. وكذلك استفاد الأكراد المتحالفون مع الولايات المتحدة، بتنصيب رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني رئيساً للجمهورية في 2005. ومن ثم أحكم الاتحاد الوطني، جنباً إلى جنب مع حزب العمال الكردستاني، قبضتهما على المناطق ذات الأغلبية الكردية شمالي العراق، تلك المناطق التي حظت باستقلال ذاتي خلال التسعينيات تحت غطاء الحظر الجوي الذي فرضته الولايات المتحدة.

لقد عكست دعوات الأحزاب الشيعية المتحالفة مع الولايات المتحدة لتماسك ووحدة المجتمع الشيعي، وأوضحت الخطر الذي تتعرض له المؤسسة السياسية الجديدة، وهو التمرد الموحد للشيعة والسنة سوياً. وحتى إن كانت أطراف مقاومة الاحتلال غير مُنسَّقة فيما بينها، فالواقع كان يقول أن هجمات المقاتلين السنة في الفلوجة جنباً إلى جنب مع مقاتلي مدينة الصدر الشيعة كانت تضع الاحتلال وحلفاءه موضع تهديد بإرباك مخططاتهم لحكم العراق. وقد أوضحت استطلاعات الرأي التي أجرتها الصحف الأمريكية الكبرى، والحكومة الائتلافية المؤقتة أيضاً، في مارس ومايو 2004، أن 80% من العراقيين، في كلٍ من المناطق السنية والشيعية، كانوا يرون القوات الأمريكية كقوات احتلال، فيما أراد 81% أن ترحل هذه القوات عن الأراضي العراقية على الرغم من حقيقة أن المناطق السنية قد تحملت وطأة الاضطهاد طويلاً (Alexander and Assaf 2005a, 27).

لقد أظهر رفض القوات الشيعية مشاركة القوات الأمريكية قمع المقاومة في الفلوجة في 2004 مشكلة سياسية، وعسكرية أيضاً (Alexander and Assaf 2005a). إلا أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد نجحوا منذ البداية في إجهاض وحدة المقاتلين من مختلف الطوائف في المناطق ذات الأغلبية السنية والشيعية. كما تمكنوا من عزل المناطق الأساسية للمقاومة العسكرية في غرب العراق، بالأخص في الفلوجة. اكتمل الأمر باستراتيجية تتلخص في تعزيز فكرة وجود مصالح شيعية مشتركة في تأمين السلطة في هياكل دولة ما بعد البعث. وقد كان تدخل آية الله علي السيستاني، الرمز الشهير في المؤسسة الدينية الشيعية، أمراً شديد الأهمية في هذا الشأن، فقد أيّد السيستاني بقوة المشاركة في الانتخابات البرلمانية عام 2005، مما جعل من الصعب للغاية على قيادات شيعية مناهضة للولايات المتحدة، مثل مقتضى الصدر، أن تؤيد دعوات مقاطعة الانتخابات التي أطلقها السنة (Alexander and Assaf 2005b).

صعود القاعدة وقوات الصحوة 
خلال عامي 2004 و2005، انحسرت بشدة فرص بناء تحالفات سياسية وعسكرية عابرة للطوائف ضد الولايات المتحدة. وأحد أهم أسباب ذلك كان توطيد الإجماع الطائفي لدى الأحزاب الشيعية الرئيسية، التي اتفقت جميعها على هدف السيطرة على جهاز الدولة. هذا بالإضافة إلى عجز قوات المقاومة الشيعية للاحتلال، مثل جيش مقتضى الصدر، عن الخروج من الإطار الطائفي. عاملٌ آخر مهم أيضاً هو استراتيجية الولايات المتحدة لتحطيم المقاومة العسكرية بهجمات واسعة النطاق في الفلوجة ومدن أخرى بمحافظة الأنبار. هذه العوامل مجتمعة خلقت أيضاً فراغاً تنمو فيه فصائل سنية جهادية طائفية، مثل تنظيم القاعدة.

تأسس تنظيم القاعدة في العراق على يد إسلامي أردني (أبو مصعب الزرقاوي)، ومن ثم تعهد التنظيم بالولاء لأسامة بن لادن. في البداية، كانت التكتيكات الطائفية الوحشية لتنظيم القاعدة في العراق تحظى فقط بتأييد محدود بين العراقيين. وبرغم أن وجود القاعدة في غرب العراق كان مرتبطاً بالسمعة التي جنتها في إثبات فاعليتها ضد القوات الأمريكية، إلا أن قادة التنظيم ركزوا على إشعال الحرب الأهلية الطائفية من خلال التفجيرات التي دبروها للأضرحة الشيعية والحجاج الشيعة (Alexander and Assaf 2005a).

لقد مثّل التحالف المؤقت بين المجموعات الجهادية والمقاتلين المقاومين للاحتلال الأمريكي في غرب العراق مشكلة عسكرية وسياسية ضخمة أمام الولايات المتحدة. والانتصار في المعارك الجزئية، مثلما حدث في الفلوجة، قد خلق ظروفاً مناسبة للتمرد والمقاومة بشكل دائم ضد القوات الأمريكية ما لم يجد القادة العسكريون الأمريكيون شركاء محليين قادرين على تقويض الدعم المُقدَّم للمقاتلين. وفي 2006، بدا أنهم نجحوا في تمزيق التحالف التكتيكي بين القوات الجهادية والمجموعات المسلحة الأخرى في الأنبار.

من المهم هنا التحدث عن قوات “الصحوة” العراقية بشيء من التفصيل، إذ يكرر الآن المسئولون الأمريكيون والعراقيون نفس عناصر الاستراتيجية كرد فعل على فشلهم الكارثي في احتواء داعش في 2014. تأسست مبادرة “الصحوة” بناءاً على شراكة عسكرية بين القوات الأمريكية وعددٍ من زعماء القبائل في الأنبار، فيما تولّت القوات الأمريكية عملية تدريب وإمداد المتطوعين بالسلاح، أولئك المتطوعين الذين انضموا للقتال ضد القاعدة (Montgomery and McWilliams 2009). كانت “الصحوة” تحظى بتشجيع ودعم زعماء القبائل من الدرجة الثانية أو الثالثة، بينما فرّ الزعماء الأبرز إلى المنفى بسبب تصاعد العنف في البلاد (Al-Jabouri and Jensen). وتشير مصادر أخرى إلى أن القاعدة في العراق قد شكلت تحدياً اجتماعياً أمام سلطة زعماء القبائل، فيما جذبت إليها آخرين من المهمشين في الهيكل القبلي (International Crisis Group 2014).

التحالف بين القاعدة في العراق والمجموعات المتمردة في الأنبار كان مبنياً بشكل كبير على اعتبارهم أن القوات الأمريكية هي التهديد الأساسي لأمن السكان المحليين، فلمدينة الفلوجة خبرة مريرة للغاية مع الاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية، على سبيل المثال؛ حاصرت القوات الأمريكية المدينة واقتحمتها مرتين خلال عام 2004 وحده.

“دمر هجوم 2004 حوالي 70% من البنية التحتية في المدينة، بما يشمل 36 ألف مبنى، و8400 محل تجاري، وثلاثة خطوط أنابيب لتنقية المياه، ومحطتي كهرباء. وحينما عاد المدنيون، تعقبتهم الولايات المتحدة بالكشف عن البصمات وحدقة العين. كان كل شخص مجبراً على إشهار بطاقة أصدرتها لهم القوات الأمريكية للدخول إلى المدينة أو الخروج منها” (International Crisis Group 2014, 9).

أهدرت القاعدة في العراق مصداقيتها بشن حملات وحشية، بالقتل والترهيب، من أجل بسط سلطتها على حلفائها وعلى المناطق تحت سيطرتها. قوبلت تكتيكاتهم الطائفية بالرفض من جانب أهالي الأنبار الذين شعروا بالاغتراب والتهميش بسبب الطائفية المتنامية في الدولة العراقية، لكنهم لم يشنوا في المقابل حرباً أهلية طائفية (International Crisis Group 2014). تُظهر شهادات من الجيش الأمريكي، يفوق حجمها الـ 300 صفحة للتأريخ عن قوات “الصحوة”، كيف بذل الضباط الأمريكيون جهداً هائلاً من أجل “كسب القلوب والعقول” (Montgomery and McWilliams 2009). وهنا تصف مريم، زوجة ضابط شرطة عراقي، عمل الكابتن ستيفين، الضابطة الأمريكية التي عملت معها ومع أخريات في منظمة مجتمع مدني محلية:

“كانت ستيفين توزع الهدايا، وكنا نطلق عليها “سانتا” أو “ماما كلوز”. كانت تساعد من يريد الأمان، وتساعد النساء في إيجاد عمل. وضعت ضوابط على من تقوم بتعيينه، بحيث تستهدف حديثات التخرج العاطلات… كانت التمردات سائدة في ذلك الوقت، في حين لم تتوافر أي حصص من الغذاء أو أي إمدادات، فيما عدا عن طريق ستيفين. لقد أحضرت حمولة من 1500 حصة” (Montgomery and McWilliams 2009, 43).

أما قوات “أبناء العراق” فقد كان برنامجها يمثل محاولة لنقل نموذج “الصحوة” إلى المناطق ذات الأغلبية السنية. جنّدت القوات الأمريكية حوالي 100 ألف من المتطوعين، أغلبهم من السنة، من كافة أنحاء العراق، بمرتب شهري 300 دولار للفرد الواحد. وحينما تحسَّن الوضع الأمني، وعد القادة العسكريون الأمريكيون متطوعي “أبناء العراق” بوظائف في قوات الأمن العراقية أو في الخدمات المدنية. وفي 2009، انتقل البرنامج رسمياً إلى يد الحكومة العراقية، على الرغم من أن حكم المالكي قد رأى في “الآلاف من المسلحين السنة تهديداً استراتيجياً”، فعمد إلى حل وحدات “أبناء العراق”، مع نفي وإعدام البعض دون أحكام قضائية (Dermer 2014).

شكل كلٌ من “الصحوة” و”أبناء العراق” جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية في العراق، حيث أدى ذلك إلى تضخيم عدد الجنود الأمريكيين في العراق ليصل إلى 166 ألف بحلول 2007، وهذه القوات على الأراضي العراقية، والتمويل الضخم الذي تلقته، كانت سبباً في النجاح المؤقت “للصحوة”. وكما يوضح القائد العسكري في العراق خلال تلك الفترة، ديفيد بتروس، في اعتراف ضمني منه في مقالة مطولة وشديدة التعالي نُشرت في أكتوبر 2013، فلقد استلزم الأمر تغييراً تكتيكياً للقوات الأمريكية بعد 2007، ألا وهو استعادة السيطرة بشكل كامل على بغداد، بكل أحيائها، حيث تأسيس قواعد عسكرية محلية صغيرة نسبياً للقوات الأمريكية التي تمركزت من قبل في قواعد كبيرة بعيداً عن السكان المحليين (Petraeus, 2013).

لكن بنظرة أكثر عمقاً، نستطيع أن نتعرف على السبب الذي جعل هذا النجاح سطحياً وقصير الأمد. لم تكن “الصحوة” تمثل قطيعة مع استراتيجية “فرِّق تَسُد” الطائفية، بل لقد جسّدت الجهود الأمريكية لتحقيق توازن طائفي في صالح النخب الاجتماعية والسياسية العربية السنية في غرب العراق، بعدما أظهر مقاتلو المنطقة أنهم لن يُساقوا كالماشية تحت أي ظرف. أما العوامل التي سهّلت ذلك فكانت الأموال والوظائف والأسلحة، بينما ساعدت الأساليب الوحشية التي اتبعتها القاعدة في العراق الولايات المتحدة بالتسبب في حالة اغتراب لدى مؤيديها. لم تفعل القاعدة شيئاً لتحدي عملية طوئفة الدولة، بل على العكس؛ لقد ساهمت في المزيد من التفكك والانحلال بإنشاء مجموعات وكيانات جديدة قاصرة فقط على المسلحين السنة.

نوري المالكي وفشل الدولة الطائفية 
السنوات التي تلت “انتصار” الولايات المتحدة في 2008 كانت بمثابة تكرار لنفس النمط الكئيب المألوف الذي ساد في الفترة بين 2003 و2006. سعت الأحزاب السنية للتفاوض من أجل مكانٍ لها في جهاز الدولة الطائفي، وتعلقت آمالهم بالتعاون مع الولايات المتحدة، كما بنوا جسراً من الثقة بينهم وبين الأحزاب الشيعية المنافسة، مثل حزب الدعوة الذي يتزعمه نوري المالكي. ثم جاءت الانتخابات البرلمانية في 2010 لتنذر بـ”إعادة التوازن” بين الكتل السياسية والطائفية داخل الدولة، حيث حظت قائمة “العراقية” بأغلبية المقاعد، تليها قائمة “دولة القانون” للمالكي.

تزعم قائمة “العراقية” البعثي السابق إياد العلوي، وكانت بمثابة تحالف حزبي عابر للطوائف يتضمن عدداً من المجموعات التي تمتعت بجذور قوية في المناطق ذات الأغلبية السنية في العراق. فيما كان رد فعل المالكي للهزيمة غير المتوقعة في الانتخابات أن ألغى النتائج وفرض حكومة تحت قيادته من قائمة “دولة القانون”. أصدر القضاة من مؤيدي المالكي أحكاماً قوّضت طلب كتلة “العراقية” بتشكيل الحكومة. وبناءاً على اعترافات الحراس الشخصيين لنائب رئيس الجمهورية السني، طارق الهاشمي، حوكم الهاشمي بتهم الإرهاب وتنظيم فرق قتل، ومن ثم حُكِمَ عليه غيابياً بالإعدام وهو أكثر السياسيين السنة في الدولة العراقية بروزاً. السياسيون السنة الكبار، مثل وزير المالية رافع العيساوي، كانوا مُستهدَفين، وقد أثار القبض على الحراس الشخصيين للعيساوي بتهمة الإرهاب في ديسمبر 2012 موجة من الاحتجاجات في غرب العراق.

في تلك الأثناء، كان المالكي يقود حملة لا هوادة فيها لتأكيد سيطرته على القوات المسلحة المنبطحة. لم يكن المالكي راضياً فقط بالتعيينات على أساس طائفي، بحيث يضمن هيمنة القيادات الشيعية في وتمركزهم في الدرجات الأعلى في الجيش. أنشأ المالكي هيكلاً قيادياً جديداً بالكامل من خلال مكتب القائد العام. وأخيراً عزّزَ ميليشيات شيعية طائفية وفرق قتل، مثل عصائب أهل الحق المنشقة عن جيش المهدي بزعامة مقتضى الصدر والتي يُعتقَد أنها تُدار، على الأقل جزئياً، من قبل المالكي. تتشابك سيطرة المالكي على الجيش العراقي، واستخدامه لمجموعات طائفية شبه عسكرية، في مكتب القائد العام الذي قام بتطهير الجيش من الضباط الذين تحركوا ضد الميليشيات الشيعية.

من المهم هنا فهم السمات الخاصة بحكم المالكي، فسوف يساعدنا هذا على استيضاح سرعة انهيار الجيش العراقي في الموصل. كان المالكي يستخدم النعرة الطائفية بشكل ممنهج لتوطيد سلطته ولتقويض منافسيه، كما مهّد الأرض للتمييز والعنف الطائفيَين. لكن سلطة المالكي كانت ذات طابع شخصي فج، معتمدةً على شبكات من معاونيه في الجيش وفي مؤسسات الدولة، بما يشمل قادة الجيش الذين فروا من الموصل قبل قواتهم (Dodge 2014; Sullivan 2013). لذلك، فقد كانت سلطة المالكي، رغم واجهتها المستبدة التي لا تطيق النقد، هشّة وعاجزة يصيبها العطب في كل مكان.

لم ينتج هجوم المالكي على المناطق السنية في العراق صراعاً مسلحاً ضد قوات الحكومة المركزية كرد فعل. بل بالعكس؛ فقد حفّز قمع المالكي والهجوم على السياسيين السنة حركة احتجاجاية شعبية أظهرت نفسها في تكتيكات ذكّرتنا باحتجاجات الشوارع والاعتصامات في الثورات العربية في 2011. شارك العشرات من الآلاف في المراحل الأولى من الاحتجاجات التي بدى أنها دفعت شرائح اجتماعية أوسع للتحرك في المدن الغربية، مثل الرمادي والفلوجة، الأمر الذي فوجئ به السياسيون أنفسهم. وقد تبلورت شعارات المتظاهرين في إنهاء التمييز الطائفي ضد السنة، كما تحدت استخدام المالكي للقمع تحت غطاء “مكافحة الإرهاب” (International Crisis Group 2013). حظت تلك الاحتجاجات على الأقل بدعم من بعض الرموز السياسية العراقية، مثل مقتضى الصدر الذي أصدر سلسلة من البيانات المؤيدة، لكنه لم يتجاوز الدعم الشفهي للحركة (Assaf 2013a).

جاءت بعد ذلك الهجمة الشرسة لاعتصام في مدينة الحوجة لتسفر عن مقتل 50 متظاهر على يد قوات الأمن العراقية، ولتصبح نقطة التحول الأخيرة في طريق الصعود السريع للقاعدة التي أشعلت موجة من التفجيرات الطائفية كرد فعل (International Crisis Group 2013, i).

جرت دائرة الأحداث في عالم يتغير بشكل كبير منذ 2007. وكما ناقشنا أعلاه، فإن هجوم الثورة المضادة على انتفاضات 2011 تتضمن صعود خطير للنعرة الطائفية عبر المنطقة (وتلعب أنظمة الخليج دوراً محورياً سواء في حشو الشبكات الاجتماعية بدعاية طائفية مناهضة للشيعة أو في تمكين آخرين من القيام بذلك). لم تقتصر قضية الطائفية في المنطقة على مستوى الخطاب، بل أنها بحلول 2012 و2013 قد اتخذت شكلاً آخر وهو تدخل قوى إقليمية في الصراع المستعر في سوريا، حيث دعم السعودية وقطر ودول خليجية أخرى لقوى إسلامية في مواجهة حزب الله والقوى الشيعية المدعومة من إيران وقوات نظام الأسد. وقد كان للأخير أسبقية في دفع الميليشيات الطائفية، مثل فرق الشبيحة التي يأتي أعضاؤها من الطائفة العلوية، لكن مثل هذه المحاولات لهزيمة الثورة قد تعثّرت، فيما تركزت استراتيجية النظام على تحويل المعركة إلى حرب أهلية طائفية حيث تحريض العلويين وأقليات أخرى ضد الأغلبية السنية، وجلب الدعم الإقليمي من إيران على هذا الأساس. أدت هذه العملية في النهاية إلى تهميش وهزيمة الكتل الثورية المسلحة واللجان المحلية التي قادت الانتفاضة في بدايتها، كما أدى تحول الثورة السورية لحرب أهلية إلى إحياء القاعدة في العراق، وخلقت مساحات لعمل الجهاديين بعيداً عن متناول أي دولة، كما أسرعت من عملية محو الحدود العراقية السورية، مما وطّد العلاقات المشتركة بين المجموعات الجهادية في سوريا والعراق، حيث يجتاز المقاتلون والسلاح، وكذلك خبرة المعارك، المسافة من جانب إلى آخر، وتصبح سوريا منطقة داخلية للجهاديين العراقيين الذين صاروا على الفور قوة عسكرية مؤثرة في الصراع السوري وانطلقوا مجدداً في العراق (Cockburn 2014).

لكن التغير الأكبر كان في القوة النسبية للولايات المتحدة كطرف في الصراعات على جثة الدولة العراقية، وبشكل أوسع على موارد الشرق الأوسط. بعد 2011، لم يكن للولايات المتحدة ما كان لها من قوات على الأرض ساهمت في “انتصارها”، ليس ذلك فحسب، بل أيضاً صارت في وضع لا يمكنها فيه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وغزو العراق للمرة الثالثة خلال عقد من الزمان. لكن ذلك لم يكن ببساطة بسبب الفشل العسكري والسياسي الموضح أعلاه، بل كان انعكاساً لتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على الولايات المتحدة بعد 2008. لقد تكلّف غزو العراق قرابة التريليون دولار، علاوة على أرواح 4500 جندي (Chulov, Hawramy, and Ackerman 2014). وفي عالم تضربه أكبر أزمة اقتصادية منذ ثلاثينات القرن الماضي، ليس لدى المسئولين الأمريكيين “شيكاً على بياض” للإنفاق كما كان في الماضي حين بدت أحلام المحافظين الجدد بـ”قرن أمريكي جديد” ذات فرص واقعية.

من السجون إلى سلطة الدولة؟ 
في 2010، بدا الأمر وكأن القاعدة في العراق قد تحطمت، لكن في غضون عامين بُعث التنظيم من جديد، وبحلول سبتمبر 2013، أعلن معهد دراسة الحرب، وهو مجلس خبراء أمريكي، أن القاعدة “تنهض”، وصارت قادرة على تنفيذ عملياتها في أنحاء العراق، حيث إطلاق موجة من التفجيرات باستخدام السيارات المفخخة، تلك العمليات التي رفعت أعداد الضحايا من جديد إلى معدلات قريبة مما كانت عليه في 2008 (Lewis 2013). شهد يناير 2014 سيطرة كاملة من قبل القاعدة في العراق (والتي اتخذت حينئذ اسم داعش بعد إعلان الاندماج مع فرع القاعدة في سوريا) على أول مدينة، الرقة في الشمال الشرقي لسوريا، بعد القتال العنيف المشترك مع مجموعات جهادية أخرى، مثل شقيقتها السابقة جبهة النصرة في سوريا (Pla 2014, 27). ومن ثم وصل جموح القاعدة إلى إسقاط الموصل في 10 يونيو.

هذا الصعود الفائق والنجاح العسكري والسياسي يخفي وراءه المراحل المفزعة التي أدت إليه، كما يفرض تحديات لا يبدو أن داعش، في شكلها الراهن، يمكنها تجاوزها بسهولة، أو يمكنها تجاوزها أصلاً. أحد أهم هذه التحديات مرتبط بسعي داعش لبناء دولة، فعملية فرض حكم جهادي على المراكز السكانية الكبرى في سوريا والعراق يتطلب التحول من شبكات العصابات المسلحة إلى جيش نظامي تقليدي. وفي نفس الوقت عليها أن تتحول من تحصيل الجزية من أصحاب المحال المرتعبين وغيرهم، إلى تحصيل ضرائب حقيقية وضمان توفير الخدمات الأساسية لمئات الآلاف من الناس. هناك الكثير من الأسباب للشك في أن ذلك سيكون سهلاً على تنظيم صغير وعسكري نخبوي يرتكز على أشكال معينة من العنف ليضمن الامتثال لأوامره.

أحد أهم الاختلافات بين داعش والحركات الإسلامية المسلحة الأخرى التي تمكنت بهذه الدرجة أو تلك من السيطرة على سلطة دولة، مثل حماس وحزب الله، يتضح من خلال الوسائل التي بدأت بها القاعدة إحياء نفسها في العراق من جديد خلال عام 2012. وبعكس حزب الله، الذي دمج الصراع العسكري مع إسرائيل بتقديم الخدمات للناس على مدار عقود من الزمن قبل أن يشارك في حكومة ائتلافية، أعادت القاعدة بناء نفسها في 2012 عن طريق سلسلة من العمليات المنسّقة لاقتحام السجون. حققت “حملة تحطيم الجدران” بالضبط ما أُطلقت من أجله، حيث اقتحم مقاتلو داعش السجون في مختلف أنحاء العراق لاستعادة الجهاديين المخضرمين إلى قواعدهم، وقد صعّدوا هجماتهم وصولاً إلى سجن أبو غريب في 21 يوليو 2013 حيث حرّروا 500 سجين أو أكثر (Lewis 2013, 7).

في تلك الأثناء، كان مقاتلو القاعدة العراقيين ينفذون عملياتهم في سوريا جنباً إلى جنب مع جبهة النصرة – فرع القاعدة هناك. مرة أخرى، كان للخبرة العسكرية لمقاتلي القاعدة العراقيين دور فعّال في خلق فرص لنمو التنظيم في سوريا، وقد بدأوا في منافسة جبهة النصرة والقيادة العامة للقاعدة في أفغانستان. وفي 8 أبريل 2013، أعلن أبو بكر البغدادي، زعيم القاعدة في العراق منذ 2010، اندماج الدولة الإسلامية في العراق (وهو الإسم الذي أُطلق على تنظيم القاعدة في العراق منذ 2006) مع جبهة النصرة (Lewis 2013, 9). لكن ذلك أثار غضب محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، الذي رفض الاندماج وجعل أيمن الظواهري، الجهادي المصري زعيم تنظيم القاعدة، يوبّخه على ذلك آمراً فرعيّ القاعدة السوري والعراقي أن يعمل كلٌ منهما في الدولة الخاصة به (Atassi 2013).

إلا أن الأحداث غير المسبوقة في العراق أسرعت من صعود داعش بشكل كبير إلى الحد الذي حجبت فيه منظمتها الأم. بعد أيام من إعلان البغدادي الاندماج مع جبهة النصرة، هاجم الجيش العراقي اعتصام لمحتجين من السنة في الحوجة بمحافظة كركوك، مما أدى إلى مقتل 50 شخص (International Crisis Group 2013, i). هذه النهاية الدامية لاحتجاجات “الربيع السني” التي هزت غرب العراق لعدة أشهر كانت علامة على الاستقطاب في الحركة بين هؤلاء الذين يتطلعون إلى حمل السلاح وأولئك الذين يعدون للمساومة مع حكومة نوري المالكي في بغداد. هنا نضجت الفرصة من أجل تدخل داعش التي شنت سلسلة من الهجمات الطائفية، بينما هاجمت قوات الحكومة العراقية الأحياء السنية لتعتقل الكثيرين في عمليات “مكافحة الإرهاب” في محافظتي الأنبار وديالة (International Crisis Group 2013, i; Lewis 2013, 21).

في تلك المرحلة كانت داعش لاتزال مجموعة مسلحة متمردة تتجنب المناطق المدنية بعيداً عن مواطن الاحتجاجات. ولا يبدو بأي حال أن أيٍ من مقاتلي داعش انخرط في الاشتباكات مع الجيش العراقي في الحوجة، فالقوة المسلحة الأقرب إلى المطالب السياسية التي رفعها المحتجون كانت “جيش رجال الطريقة النقشبندية” (Lewis 2013, 19)، ولم تكن داعش في تلك المرحلة قد استعادت مكانتها كي تتمكن من العمل مع المجموعات المسلحة المحلية في الدفاع عن هذه المناطق. تغيرت الأمور بشكل مثير في بعد بضعة أشهر، حيث بدأت داعش تمارس سيطرتها على مناطق مدنية في العراق وفي سوريا، وفي بعض الحالات حاولت بناء أو إدارة مؤسسات حكومية. مزاعم السيطرة هذه لا تعني أن داعش قد أتت لفتح هذه المدن، فسيطرة التنظيم على الموصل كان مسبوقاً باختراق داعش للمدينة على مدار سنوات عدة (Abbas 2014).

في الرمادي والفلوجة في العراق، استغل مقاتلو داعش الفرصة، حيث قامت موجة من الاحتجاجات ضد اعتقال أحمد العلواني، القيادي السياسي السني، بتهمة الإرهاب في 30 ديسمبر 2013. اندفع المتظاهرون في الشوارع في كلتا المدينتين، فيما ظهر مقاتلو داعش إلى جانبهم رافعين أعلامهم السوداء على مباني البلدية في الفلوجة، كما حاصروا الرمادي وسيطروا على جزء من الطريق السريع المؤدي إلى بغداد (International Crisis Group 2014, 6). لقد واجهوا ردود أفعال مختلفة من القيادات السياسية والعسكرية المحلية في كلتا المدينتين، فالقيادات السياسية في الرمادي، ممن أيدوا الحزب الإسلامي العراقي بشكل كبير وكانوا على تعاون مع الحكومة في بغداد، رفضوا داعش ودعوا السكان المحليين للعمل مع قوات الحكومة لطرد داعش. أما في الفلوجة، فقد سعت القيادات السياسية والعسكرية للتفاوض من أجل سحب قوات داعش بوساطة من مجلس عسكري أسسوه حديثاً، وذلك بدلاً من ترك الأمر للجيش العراقي ليقصف المدينة ويحاول فرض سيطرته عليها من جديد (International Crisis Group 2014, 7).

لم تفعل حكومة المالكي شيئاً لتهدئة فزع سكان الفلوجة بأن يُعاد تاريخ الاعتداءات الوحشية في 2004 مرة أخرى إلى المدينة. وبينما يترقب المالكي الانتخابات في الأفق، أطلق الدعوة من أجل وحدة الشيعة من أجل كسر التمرد في الفلوجة كقضية أساسية ومحورية، فيما كثّف الجيش العراقي من ضرب المدينة المُحاصرة. أما المجلس العسكري بالمدينة، فقد أُجبر على المساومة مع داعش، حيث التعاون معهم ضد الجيش العراقي، محاولاً تقويض دورهم في إدارة المدينة شبه الخالية من السكان الآن (International Crisis Group 2014).

بدأت خبرة داعش في حكم الرقة في سوريا بمجموعات مسلحة سيطرت على المدينة حين انهارت سلطة الحكومة السورية هناك في مارس 2013 وفض زعماء القبائل تحالفهم مع نظام الأسد (Holliday 2013). بعد ذلك انتصرت داعش في صراع طويل ودامي على السلطة مع مجموعات جهادية أخرى لتؤمّن سلطتها على المدينة في يناير 2014. هناك الكثير من الإشارات على أن داعش قد ركزت تواجدها العسكري داخل سوريا في الرقة تحديداً من أجل ضمان السيطرة على المدينة (Lewis 2013, 17). وقبل السيطرة على الموصل في يونيو 2014، كان الرقة تمثل أكبر محاولات داعش في بناء أو إدارة مؤسسات حكومية. وفي دراسة تفصيلية معتمدةً بشكل كبير في مصادرها على الشبكات الاجتماعية، أعد صاحب الدراسة قائمة بمختلف المؤسسات في الرقة التي بنتها داعش أو سيطرت عليها، بما يشمل مدارس ومخابز ومؤسسات إعلامية ومحاكم، حيث يفحص مكتبٌ لحماية المستهلك الأدوية المغشوشة، وتجمع إدارة الأوقاف الضرائب والإيجارات من المحال التجارية، ومكتبٌ آخر يُحصِّل فواتير الكهرباء والماء والتليفون (Pla 2014, 35). تُقدَّم هذه الخدمات في ظل نظامٍ للحكم يستعرض أبشع ألوان العنف جهراً، حيث أحكام الإعدام التي تجري بانتظام أمام الناس على الملء، والتمثيل بجثث الضحايا، وحرق المواد “المحظورة” كالكحوليات والسجائر، واستجواب المواطنين في نقاط التفتيش عن رؤيتهم الشخصية لداعش (Pla 2014, 27–28).

تتناثر الكثير من التقارير من الموصل، لكن الحوارات الصحفية مع الأهالي في أكتوبر ونوفمبر الماضيين يطرحون أن داعش تفعيل نظام حكم شبيه بما أسسوه في الرقة. تتحدث في أحد هذه الحوارات معلِّمة، تُدعى مَيس، عن التغييرات التي طرأت على المناهج الدراسية، حيث أصدرت داعش مراسيم تمنع تدريس بعض المواد مثل التربية الفنية والبدنية، فارضةً زياً مدرسياً صارماً على التلاميذ. أما فيصل، من أهالي الموصل، فيصف العجز الهائل في المياه والكهرباء، بينما يذكر نزار أن منازل المسيحيين من أهل المدينة أُعطت لمقاتلين من داعش (BBC News Online 2014). تقارير أخرى من شبكات التواصل الاجتماعي تنقل صورة شبيهة، حيث النقص الحاد في إمدادات المياه في المدينة المُكدَّسة بالنازحين من مدن عراقية أخرى، والارتفاع الصاروخي في أسعار الوقود، والذعر واسع الانتشار من انتقام داعش من الخارجين عليها (Beauchamp 2014).

التحول من عمليات حرب العصابات إلى إدارة الشئون اليومين في المدن الكبرى يمكن أن يخلق تناقضات كبيرة لدى داعش. تُعد الرقم سادس أكبر المدن السورية، ووصل عدد سكانها في 2004 إلى 240 ألف نسمة، بينما الموصل هي ثاني أكبر مدينة في العراق ويتراوح عدد سكانها من 1,5 إلى 2 مليون. من جانب، ستواجه داعش التناقضات الاجتماعية الحادة في المدن الكبيرة تحت سيطرتها كمعضلات يواجهها أي حاكم؛ كيفية تحقيق التوازن بين الإخضاع والتوافق لمنع أولئك الذين يحكمونهم من اكتشاف قوتهم الحقيقية وإسقاط النظام الذي يضطهدهم. وهكذا فإن وحشية داعش يمكن اعتبارها مسئولية وثقل تماماً كما هي أداة ووسيلة للحكم؛ فالخوف والرعب يمكن استخدامهما على الأمد القصير، لكن من الصعب الحفاظ عليهما إلى أجل غير مسمى.

ومن الناحية العسكرية، فإن سعي داعش لإنشاء دولة يفرض تحديات خطيرة. فالتحول من شبكات العصابات المسلحة إلى قوة مسلحة تقليدية ونظامية يتطلب تأسيس هياكل قيادية جديدة بتسليح مختلف وأنظمة مختلفة في التدريب، وتطبيق أشكال مختلفة من التكتيكات. كان يبدو أن مقاتلي داعش قادرين على استخدام المعدات الأمريكية التي سيطروا عليها (Chulov and Lewis 2014)، لكن النجاح السريع يمكن أن يزول سريعاً أيضاً، فعلى المقاتلين أن يستخدموا الموارد للتعامل مع السكان. وعلى الرغم من كل ذلك، ليس من المؤكد أن حكم داعش يمكن أن ينهار تحت ضغط تناقضاته الداخلية، فهناك الكثير من العوامل الجارية هنا، تتضمن تأثير التدخل الغربي، فبجانب الأنباء عن الغضب والبؤس السائدين في المناطق تحت سيطرة داعش، هناك أيضاً العديد من التقارير التي تفيد بأن القصف الأمريكي يدفع مجموعات مسلحة أخرى للوقوف إلى جانبها بحثاً عن الحماية. هناك أيضاً تقارير تقول أن المزيد من مقاتلي الجيش السوري الحر وبعض المجموعات الإسلامية في سوريا يرغبون في التحالف مع داعش كلما ازداد القصف الأمريكي (Mahmood 2014).

الثورة والثورة المضادة وأزمة الإصلاحية الإسلامية
السياق الأخير لصعود داعش هو أزمة الإصلاحية الإسلامية مع نهوض الثورات في 2011 والثورات المضادة التي تلتها. كانت الانتفاضات الجماهيرية التي جابت المنطقة في مطلع 2011 مشحونة بالآمال، والمخاطر أيضاً، بالنسبة للتنظيمات الإسلامية الكبرى، مثل النهضة في تونس، أو الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، حيث بدا نجاح الاحتجاجات والإضرابات في خلخلة هياكل السلطة كفرصة تاريخية لقيادات هذه التنظيمات للتفاوض من أجل أماكن لهم داخل الدولة لتجاوز حدود المكاسب المتوسطة التي جنوها خلال سنوات من العمل الانتخابي الصبور والبطيء. إلا أن التنظيمات الإسلامية الإصلاحية الكبرى التي فازت في الانتخابات وشكلت الحكومات، بالأخص الإخوان المسلمين في مصر، وجدت نفسها محصورة بين الحركة الجماهيرية من أسفل التي كانت لا تزال حية من جانب، وهيكل النظام القديم القائم من جانب آخر.

لم يتمكنوا من احتواء الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية من أجل استعادة الاستقرار الذي يتوق له المستثمرون وصفوف عديدة من الطبقة الوسطى، وبنفس القدر لم يتمكنوا من تحدي القلب الصلب للماكينة البيروقراطية العسكرية للدولة، وبالتالي انتقلوا في غضون سنة واحدة من الانتصار إلى المأساة. إطاحة الجيش المصري بالرئيس الإخواني محمد مرسي في 3 يوليو 2013 تبعتها مذابح مهولة لمؤيديه في اعتصاماتهم في القاهرة والجيزة، وهجوم عنيف من الثورة المضادة لمحو أي أثر لثورة 2011. لم يستهدف هذا الهجوم الإخوان المسلمين وحدهم، بل جميع القوى التي تجمعت سوياً في الانتفاضة ضد مبارك؛ النشطاء اليساريين والليبراليين، والعمال المضربين، والإسلاميين خارج الإخوان المسلمين ممن تمسكوا بمطالب الثورة الأساسية في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.

وعلى المستوى الإقليمي، حظت الثورة المضادة بزعامة عبد الفتاح السيسي بتأييد الدول التي تمثل رؤوس الأموال في الخليج. لقد فضلوا إعادة تنصيب نظام مبارك القديم عن العمل مع الإصلاحيين الإسلاميين مثل جماعة الإخوان المسلمين. هنا أدى التطور المركب في المنطقة إلى تكثيف الثورة المضادة وتوطيدها؛ فبدون الثقة بأن الموارد المالية الهائلة للمملكة السعودية وقطر تقف من ورائه، أكان السيسي ليجرؤ على ارتكاب جرائم بشعة بهذا الحجم؟ ونلاحظ هنا أن الحكام الوهابيين للمملكة السعودية اتخذوا قراراتهم فقط على أساس تقييمهم للخيار الأكثر أماناً لهم في تهيئة الظروف المناسبة لاستثماراتهم، وليس بناءاً على صلتهم الأيديولوجية المفترضة بالتيارات الإسلامية.

أما في سوريا، فتأتي الثورة المضادة من جانبين؛ نظام “علماني” مستبد يشعل في الحقيقة حرباً أهلية طائفية كاستراتيجية أساسية للحفاظ على بقائه، والجانب الآخر هو داعش التي صعدت تدريجياً لتتجاوز كافة الفصائل المعارضة للأسد من أجل فرض سلطتها على المناطق المُحرَّرة كما أوضحنا أعلاه.

أدت هزيمة التيارات الإسلامية الإصلاحية، من الأنظمة المستبدة التي تستعيد عافيتها، إلى نهوض بدائل جهادية معينة. ويعج تاريخ الإسلام السياسي في مصر بالكثير من الأمثلة الشبيهة بحركة البندول. سيد قطب، الذي ألهمت أفكاره بوجوب التمرد ضد الاستبداد أجيالاً من الجهاديين، كان إصلاحياً سلك المسار الإرهابي لأن توطيد حكم جمال عبد الناصر في مصر جعله يؤمن بأن لا يمكن الوثوق في الدولة القائمة ولا في حركة شعبية من أسفل لتحقيق شكل المجتمع الذي أراده.

تقاطعت الهزيمة الكارثية للحركات الإسلامية الإصلاحية على مستوى المنطقة بالديناميكيات الداخلية في المجتمع العراقي، لتقدم داعش إلى جماهير أوسع، إلى درجة أنها صارت تنافس القيادة التاريخية للقاعدة في اجتذاب أولئك الذين يبحثون عن تنظيمات قوية وناجحة يبدو أنها قادرة على تحدي الإمبريالية والديكتاتورية. تُعد داعش جاذبة لهم في سياق هذه الهزائم، إذ تطرح تفسيرات خاطئة، وتؤسس لروايات جديدة عن التضحية، وتقدم أهداف أخرى لتوجيه غضبهم ويأسهم نحوها – الشيعة والمسيحيين والنساء “غير المعتدلات”. ديناميكيات أخرى من الإحباط والاغتراب تصب في صالح داعش وتجذب لهم المجندين من أوروبا، حيث يتصاعد الغضب تجاه العنصرية والإسلاموفوبيا في سياق التدخل الإمبريالي الدائم في الشرق الأوسط.

إلا أن هذا لا يعني أننا سنشهد تنظيمات شبيهة بداعش عبر منطقة الشرق الأوسط. فكما أوضحنا في هذه المقالة، فقد تفاعلت الديناميكيات الخاصة في العراق منذ 2003 مع هزيمة الثورة السورية لتسفر عن مساحة تنافس بين القوى الإقليمية، كما ولّدت أطراف سياسية وعسكرية جديدة مثل داعش نفسها، في الجزيرة العربية وفي أرضها الداخلية التي تربط بين العراق وسوريا وتركيا وكردستان. هذه الظروف ليست متوافرة في غالبية المنطقة، والأكثر أهمية من ذلك هو أن البلدان الأخرى في المنطقة لديها خبرات أكثر ثراءاً في أشكال النضال من أسفل، والتي تعد بديلاً حقيقياً عن داعش.

هذا هو السبب أيضاً في أهمية فهم تأثير 2011 كنقطة فاصلة وقاطعة مع الماضي. فقد بدت الأزمة الثورية كانفجار للتوترات المتراكمة بين الأبعاد الاجتماعية والسياسية للانتقال من رأسمالية الدولة إلى الليبرالية الجديدة (إن جاز لنا هذا التعبير للواقع الذي يتسم بالفوضى والتعقيد)، ورفض هذه العملية برمتها. من المهم هنا التفريق بين فكرة أن 2011 كانت لتخلق إمكانية لبناء النقيض من الليبرالية الجديدة، أي استعادة أنظمة رأسمالية الدولة التي يتوق لها اليسار القومي والستاليني، وأن 2011 كانت فرصة لفتح الطريق أمام شكل مختلف للمجتمع بأكمله.

وحتى برغم ارتفاع الموجة الثورية والتهديد الذي وقعت تحته الأنظمة الحاكمة عبر المنطقة بأضخم انتفاضات شعبية منذ عقود طويلة، إلا أنه كان هناك طريقاً طويلاً كي تتحقق هذه الفرصة إلى واقع. لكن النقطة الأساسية هنا أن ثورات 2011 طرحت إمكانية تحقيق مسارات أخرى للمستقبل غير الليبرالية الجديدة. والأكثر أهمية هو أن تدخل الملايين من الناس العادية الذين فجروا الأزمة الثورية في المقام الأول كان هو السبب وراء رفض هذه الثورات المسار الذي سلكته العقود السابقة. الملايين تظاهروا في الشوارع، وخاضوا الإضرابات، واحتلوا أماكن العمل، ونظموا اللجان الشعبية، واقتحموا زنازين التعذيب، وقد فعلوا كل ذلك على نحو لم يتوقعه إلا قليلون. لم يكن انفجار الأزمة في 2011 حتمياً، ولم يتعلق الأمر برمته سوى بالنضال الجماهيري من أسفل.

وليس على سبيل المصادفة أن هذه النضالات كانت منذ البداية رافضة بحق للطائفية شكلاً ومضموناً. هيمنت اللافتات والشعارات والهتافات الرافضة للطائفية على ميدان التحرير في مصر خلال الانتفاضة ضد مبارك، وكان مميزة للمراحل الأولى للانتفاضتين في البحرين وسوريا. حفّزت الموجة الثورية أيضاً حركة جماهيرية ضد الطائفية لأول مرة في لبنان منذ عقود. ولم يكن كل ذلك مؤقتاً، بل تعبيراً عن المضمون الطبقي للثورات؛ أي الانقسمات الأفقية التي توحد العمال والفقراء عبر المنطقة في وجه الليبرالية الجديدة والإمبريالية.

مصادر ومراجع: 
Abbas, Mushreq. 2014. ‘Can Islamic State Keep Control of Mosul?’. Al-Monitor, November 14.
Achcar, Gilbert. 2013. The People Want: A Radical Exploration of the Arab Uprising.
Alexander, Anne. 2003. ‘Daring for Victory: Iraq in Revolution 1946-1959’.International Socialism Journal 2 (99): 83–102.
———. 2014. ‘Capital and Resistance in the Middle East’. International Socialism Journal 2 (143).
Alexander, Anne, and Simon Assaf. 2005a. ‘Iraq: The Rise of the Resistance’.International Socialism Journal.
———. 2005b. ‘The Elections in Iraq’. International Socialism Journal.
Alexander, Anne, and Mostafa Bassiouny. 2014. Bread, Freedom, Social Justice: Workers and the Egyptian Revolution. London: Zed Books.
Al-Jabouri, Najim, and Sterling Jensen. ‘The Iraqi and AQI Roles in the Sunni Awakening’. Prism 2 (1).
Al-Rasheed, Madawi. 2010. A History of Saudi Arabia. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press.
Assaf, Simon. 2013a. ‘Once Again, Fallujah’. Socialist Review, February.
———. 2013b. ‘Hezbollah’s Sectarian Turn’. Socialist Review, July.
Atassi, Basma. 2013. ‘Qaeda Chief Annuls Syrian-Iraqi Jihad Merger’. Al-Jazeera Online, June 9.
Batatu, Hanna. 2004. The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq: A Study of Iraq’s Old Landed and Commercial Classes and of Its Communists, Baʻthists, and Free Officers. Saqi.
BBC News Online. 2014. ‘Islamic State: Diary of Life in Mosul’. BBC, November 21.
Beauchamp, Zack. 2014. ‘“Water Is Available Two Hours a Day Only”: What an ISIS-Run City Looks like’. Vox. October 21.http://www.vox.com/2014/10/21/7027487/mosul-isis-iraq.
Burleigh, Michael. 2014. ‘Iraq Analysis: Ancient Hatreds Tearing Apart the Middle East’. Mail Online, June 13. http://www.dailymail.co.uk/news/article-2656734/Ancient-hatreds-tearing-apart-Middle-East-How-1-400-year-old-feud-Shia-Sunni-Muslims-flared-life-fall-dictators-like-Gaddafi-Saddam-threatens-swallow-Iraq.html.
Callinicos, Alex. 2009. Imperialism and Global Political Economy. Cambridge, UK; Malden, MA: Polity Press.
———. 2014a. ‘The Multiple Crises of Imperialism’. International Socialism Journal2 (144): 17–34.
———. 2014b. ‘Nemesis in Iraq’. International Socialism Journal 2 (143).
Choonara, Joseph. 2011. ‘The Relevance of Permanent Revolution: A Reply to Neil Davidson’. International Socialism Journal, no. 131 (Summer).http://www.isj.org.uk/?id=745.
Chulov, Martin. 2014. ‘ISIS Kills Hundreds of Iraqi Sunnis from Albu Nimr Tribe in Anbar Province’. The Guardian, October 30.
Chulov, Martin, Fazel Hawramy, and Spencer Ackerman. 2014. ‘Iraq Army Capitulates to Isis Militants in Four Cities’. The Guardian, June 12.
Chulov, Martin, and Paul Lewis. 2014. ‘Isis Jihadis Using Captured Arms and Troop Carriers from US and Saudis’. The Guardian, September 8.
Cockburn, Patrick. 2014. The Jihadis Return: ISIS and the New Sunni Uprising. OR Books.
Conant, Eve. 2014. ‘Iraq Crisis: “Ancient Hatreds Turning Into Modern Realities”.’National Geographic, June 18.http://news.nationalgeographic.com/news/2014/06/140618-iraq-shiite-sunni-isis-militants-maliki-borders/.
Cordesman, Anthony, and Sam Khazai. 2014. Iraq in Crisis. Draft, January 2014. Center for Strategic and International Studies.
Crooke, Alistair. 2014. ‘Middle East Time Bomb: The Real Aim of ISIS Is to Replace the Saud Family as the New Emirs of Arabia’. Huffington Post. September 2.
Dermer, Philip ‘PJ’. 2014. ‘The “Sons of Iraq,” Abandoned by Their American Allies’. Wall Street Journal, July 1, sec. Opinion.http://online.wsj.com/articles/philip-dermer-the-sons-of-iraq-abandoned-by-their-american-allies-1404253303.
Dodge, Toby. 2010. ‘The Ideological Roots of Failure: The Application of Kinetic Neo-Liberalism to Iraq’. International Affairs 86 (6): 1269–86.
———. 2014. ‘Can Iraq Be Saved?’. Survival 56 (5): 7–20.
Haddad, Bassam. 2011. Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resilience. Stanford University Press.
Hanieh, Adam. 2013. Lineages of Revolt: Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East. Haymarket Books.
Harman, Chris. 1986. ‘Base and Superstructure’. International Socialism Journal 2 (32).
———. 1994. ‘The Prophet and the Proletariat’. International Socialism Journal, no. 64 (Autumn). http://www.marxists.org/archive/harman/1994/xx/islam.htm.
———. 2006. ‘Hizbollah and the War Israel Lost’. International Socialism Journal 2 (112).
Herring, Eric, and Glen Rangwala. 2006. Iraq in Fragments: The Occupation and Its Legacy. London: Hurst.
Holliday, Joseph. 2013. The Opposition Takeover in Al-Raqqa. Backgrounders. Institute for the Study of War.
Human Rights Watch. 2014a. ‘Iraq: ISIS Abducting, Killing, Expelling Minorities’.HRW.org. July 19.
———. 2014b. ‘Iraq: ISIS Executed Hundreds of Prison Inmates’. HRW.org. October 30.
International Crisis Group. 2013. Make or Break: Iraq’s Sunnis and the State. 144. ICG Middle East Report. International Crisis Group.
———. 2014. Iraq: Falluja’s Faustian Bargain. 150. Middle East Report. International Crisis Group.
Joyce, Robert. 2013. ‘The Regional Inequality Behind Tunisia’s Revolution’. Atlantic Council. December 17.
Lewis, Jessica. 2013. Al-Qaeda in Iraq Resurgent. 14. Middle East Security Report. Institute for the Study of War.
Mahmood, Mona. 2014. ‘US Air Strikes in Syria Driving Anti-Assad Groups to Support Isis’. The Guardian, November 23.
Maunder, Jonathan. 2012. ‘The Syrian Crucible’. International Socialism Journal 2 (135).
McDowall, David. 2003. A Modern History of the Kurds. London: I.B. Tauris.
Montgomery, Colonel Gary, and Chief Warrant Officer Timothy McWilliams, eds. 2009. Al-Anbar Awakening: Volume II Iraqi Perspectives. Quantico, Virginia: Marine Corps University Press.
Naguib, Sameh. 2006. Al-Ikhwan Al-Muslimun: Ru’iya Ishtarakiyya. Markaz al-dirasat al-ishtarakiyya.
———. 2011. The Egyptian Revolution. London: Bookmarks.
Pla, Gabriel Garroum. 2014. ‘Rebel Governance amid Civil War: A Black Flag in Raqqa’. MSc Politics, SOAS.
Sullivan, Marisa. 2013. Maliki’s Authoritarian Regime. 10. Middle East Security Report. Institute for the Study of War.
Trotsky, Leon. 1992. The History of the Russian Revolution. New York [u.a.]: Pathfinder.
Zangana, Haifa, and Sami Ramadani. 2006. ‘Resistance and Sectarianism in Iraq: Interviews with Haifa Zangana and Sami Ramadani’. International Socialism Journal 2 (109): 57–68.

 

 

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s