تدني وضعية المرأة في صناعة الإعلان

Posted: 28 يناير 2015 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , ,

 

الإعلان عن السلع ووصفات الطهي والموضات الجديدة عملية لها تاريخ، وقد ظهرت الحاجة إليه بشكل ملح مع نشوء الرأسمالية والصناعة لترويج البضائع المنتجة، وتطور بشكل كبير مع انتشار الصحف والمجلات وإعلانات الشوارع، ثم أصبح هو الموضوع المسيطر بالصوت والصورة مع مطلع الإذاعة وانتشار التليفزيون، حتى أضحى جزءا من نسيج حياتنا اليومي مع ظهور الفضائيات التي تحوي العديد من القنوات على الأقمار الصناعية المختلفة، للدرجة التي باتت فيها الإعلانات هي المعروض الأساسي وبينها فواصل من مشاهد المسلسلات والأفلام والبرامج وبالذات التوك شو التي انتشرت هي الأخرى بشكل كبير وملفت.

الرأسمالية وتسليع البشر

منذ سيطرة الرأسمالية كنمط إنتاج في المجتمعات، وقيم كالتبادل والسوق والاستهلاك أصبحت هي النغمة السائدة في حياتنا، حتى أصبح المجتمع في الآونة الأخيرة عبارة عن سوبر ماركت كبير يباع فيه كل شيء “من الإبرة للصاروخ”. المشكلة لم تقف عند هذا الحد وهي تحويل البشر إلى مجرد مجموعة من المستهلكين لسلع تنتج بأعداد لا تحصى من الأصناف ومعايير الجودة المختلفة لتناسب اختلاف الأذواق وتفاوت الدخول بين المستهلكين نظرا للتفاوتات الطبقية الرهيبة بينهم، ولكن وصلت المشكلة إلى حد تسليع البشر أنفسهم، تارة في استخدامهم بأجسادهم كمادة خام وعناصر في صناعة الإعلان عن باقي السلع الاستهلاكية بأشكالها وأنواعها المختلفة، ليرسم الإعلان صورة ذهنية معينة في عقلية المستهلك عن كيفية استخدام السلع من خلال عروض الموديلز، وتارة أخرى في استخدامهم بأجسادهم أيضا ولكن هذه المرة كمادة للتحقير والتقليل من الشأن بوصفهم مسخ أو مثيرين للشفقة أو للضحك، عندما يتم تصوير متوسطي الحال أو غير المهتمين بشكلهم ومظهرهم أو حتى قليلي الذكاء كعناصر لا تقوى على استخدام السلع المعروضة لأنها تخص ميسوري الحال والأذكياء والمهندمين والأكثر جمالا، يحدث كل ذلك دون أدنى اكتراث لإنسانيتهم وكم المهانة التي تلصق بهم كبشر جراء عملية التشيؤ التي تلحق بهم.

ليس هناك فارق -بالنسبة لنمط الإنتاج والتسويق السلعي الرأسمالي- بين بيع هؤلاء لأجسادهم وبيع العمال لقوة عملهم بعد عرضها على أصحاب الأعمال في سوق العمل. وليس هناك فارق بين العمال الفقراء قليلي الحيلة والحال وبين أقرانهم الذين يستخدمهم الإعلان كمادة للسخرية، كما أنه ليس هناك فارق بين عروض الفتيات والشباب لأجسادهم في الإعلانات لترويج سلع كالملابس الداخلية وصابون الاستحمام وحتى سلع عادية الاستخدام وبين عارضي أجسادهم في الكازينوهات الليلية وبيوت الدعارة، فكلها تؤدي لنفس الغرض وهو تحوِيل أجساد البشر لسلع أو مادة لعرض سلع أخرى من أجل إتمام عملية البيع، وبالتالي تحقيق الربح المستهدف.

المسألة باختصار أن الرأسمالية تنظر للبشر ليس بوصفهم بشرا يستحقون حياة كريمة تليق بإنسانيتهم، ولكن كجزء من المواد الخام لتجهيزها لعملية البيع في السوق فقط من أجل مراكمة الأرباح، أو التضحية بهم حين يكون الهدف من ذلك الربح أيضا. يحدث ذلك بدم بارد في إنتاج أدوات الدمار التي يموت بسببها ملايين من البشر في حروب لا ذنب لهم فيها ولن يحصدوا منها أي شيء يذكر، لا يكتفي المتربحون بذلك فيمكنهم قتل ملايين آخرين بتجويعهم أو بتركهم فريسة لأمراض يفترض أن تجاوزها الزمن من خلال الامتناع عن توفير الطعام والعلاج لهم، في وقت تطور العلم والطب فيه بشكل مذهل وأصبح هناك وفرة في المنتجات ولكن يتم التخلص منها حتى لا تنخفض أسعارها في السوق العالمي، في الوقت الذي ينتظر فيه ملايين الجوعى في العالم الثالث وبالذات في أفريقيا ما يسد رمقهم.. فالأولوية فقط للربح أيا كان مصدره وليس للبشر وحقهم في الحياة.

الأساس الاجتماعي لدونية المرأة

تعد المرأة عنصرا أساسيا في فن صناعة الإعلان، ليس لأن معظم منتجات الرأسمالية متوجهة إليها بالأساس كما يدعي البعض، ولكن لأن التعامل مع المرأة بوصفها عنصر جذب وترويج هو الفكرة المسيطرة على منتجي الإعلانات ومروجي ومسوقي السلع. ولهذه الفكرة أساس في المجتمع، فهي ليست بنت أفكار شركات الدعاية والإعلان والعاملين في مجال التسويق، فالمرأة يتم التعامل معها بوصفها سلعة تخضع لمعايير السوق ونظرته لباقي السلع وطرق بيعها واقتنائها، سلعة من نوع خاص وسط بني جنسها الذين يتم استخدامهم أيضا (رجال- أطفال) كسلع أو كمادة للإعلان عن سلع.

فمنذ زمن بعيد والرجل يتعامل مع المرأة على أنها جزءا من ملكيته، وفي مجتمعاتنا الشرقية هي تحمل اسمه وتصون عرضه وشرفه، وتنجب له من يحملون اسمه وإرثه فيما بعد، وهو من يتقدم لخطبتها ويجلب لها الهدايا ويدفع مهرها ويجهز بيت الزوجية لاستقبالها، ويتكفل بها وبمصروفات بيته وأبنائه، ويعطيها مؤخرا وصداقا ونفقة حين يطلقها، ومن حقه أن يتزوج عليها وهي على ذمته في حين أن هذا الحق ليس مكفولا لها، وبالتالي هي وفق الأعراف المجتمعية تابعة له. ولم تختلف تلك النظرة وهذه الطقوس كثيرا حتى بعدما انطلقت دعوات تحرير المرأة ونيل حقها في التعليم المتساوي والاقتراع في الانتخابات والترشح للبرلمان والمناصب الإدارية والوزارية، ومن ثم خروجها للعمل وتقاسمها معه أعباء الحياة لتصبح شريكة له يفترض بها أن تكون متساوية معه في الحقوق والواجبات.

وما زالت المرأة تعامل معاملة المواطن غير المكتمل في الميراث والشهادة أمام النيابة والقضاء، وتتلقى أجرا يقل عن نظرائها من الرجال لقاء نفس العمل، بل تستبعد من أعمال بحجة أنها حكر على الرجال فقط، أو يتم استدعائها لأعمال بعينها لأنها الأقل أجرا ومشاكسة مع أصحاب الأعمال أو لأسباب جنسية محضة، ويتم التحرش بها في الطريق العام والمواصلات وأماكن العمل والتظاهرات، والتهديد باغتصابها أو القيام بذلك فعلا في الطرقات المقطوعة وأقسام الشرطة، وتتعرض لأبشع صنوف المهانة والإذلال والاستغلال في كل مكان تقريبا، هذا غير مسئوليتها عن الأعمال المنزلية وتربية الأطفال بصرف النظر عن كونها تعمل أم ربة منزل.

هذا المقال ليس موضوعه -لأسباب بحثية وليس فقط لضيق المساحة- تفنيد الأسباب التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والموروثات الثقافية والدينية التي جعلت المرأة تابعة للرجل، وبالتالي هيمنة الأفكار الذكورية على كل جوانب الحياة تقريبا كجزء من منظومة المجتمع التراتبية، فهناك من يضطهد ويستغل على رأس الهرم لتتوالى سلسلة الاضطهادات من أعلى لأسفل حتى ينال من هم في قاعدته النصيب الأكبر والمضاعف. ولكن ربما بتتبع موضوع صناعة الإعلان يمكننا أن نتعرف على القدر المتدني الذي وصلت له المرأة في تعامل المجتمع معها كواحد من أوجه الاضطهاد لها والتمييز ضدها والتحقير من شأنها تماما كما يحدث مع الأقليات الدينية والعرقية على الرغم من كونها تمثل نصف المجتمع تقريبا.

المرأة كسلعة ومستهلك لها

في إعلان بمجلة “آخر ساعة” عام 1948 لطلاء شفاه اسمه “بيزيه” كتبت الجملة التالية “هيئي شفاهك للقبل”. فأدوات زينة المرأة عدت خصيصا لتبدو أكثر جمالا استعدادا للقاء حميمي مع الرجل كما يراها الإعلان. لم تختلف الإعلانات منذ ذلك الوقت حتى الآن في طرح نفس المضمون وإن أصبحت أكثر حداثة وإغراء، خصوصا مع انتشار الفضائيات، فالمرأة يجب أن تظهر بأزياء مغرية، ويمكنها أيضا أن تتحدث بطريقة معينة، ويصدر عنها بعض الإيماءات والإشارات واستخدام الغمزات لتصبح أكثر جاذبية وإغراء بوصفها مستخدمة لتلك السلع التي يتم الترويج لها بالإعلان. لا يتعلق هذا الكلام فقط بالسلع التي تستخدمها المرأة دون سواها، ولكن يمتد إلى إعلانات عن سلع أخرى يستخدمها البشر كافة -حسب الأذواق- دون التقيد بالنوع، مثال الشوكولاتة والحلوى.. إلخ.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمعظم إعلانات أدوات التخسيس تظهر المرأة فيها -وبالذات في المجتمعات الشرقية- كعنصر يحتاج للرشاقة كي يصبح أكثر جاذبية ورغبة من الرجال. وبالطبع الإعلانات عن الأدوات الكهربائية والمنزلية واستخدامات المطبخ ومساحيق الغسيل والسوائل المنظفة وبرامج الطبخ وصناعة الحلوى وتجهيز السفرة هي من نصيب النساء أيضا، ليس إلا لكونها ربة المنزل والمسئولة عن النظافة وغسيل الملابس والأواني والأطباق وإعداد الأطعمة والمشروبات، هذه النظرة لا تتبناها شركات الإعلانات بوصفها منتجة الأفكار والثقافة في المجتمع، ولكن هي بالأساس نظرة المجتمع نفسه للمرأة وتعبيره عن تقديره لها ولوضعها وللأدوار التي يجب أن تقوم بها في الحياة كمصدر لمتعة الرجل وإرضاء غرائزه وشهواته، وكخادمة منزلية بلا أجر لقاء أن تعيش في كنفه وتحت إمرته بمنطق المثل الشعبي “ضل راجل ولا ضل حيطة”.

وباستثناء الإعلانات الموجهة تحديدا للنساء كاستخدامات شخصية أو بوصفها مخاطبة من قبل الإعلان بوصفها ربة منزل، تأتي أغلبية الإعلانات متحدثة بلغة المخاطب كذكر، وكأن الإعلانات تؤكد على ذكورية اللغة وتجاهل الأنثى كضمير مخاطب.

إعلانات ذكورية

على سبيل المثال لا الحصر هناك إعلان شهير لمشروب “يبريل” يحث الرجل على الرجولة بقوله “استرجل واشرب بيريل”. وهناك إعلان آخر لنفس المشروب يطالب الرجال بأن يكونوا ذكورا بالمعنى الحرفي للكلمة “خليك دكر”. وآخر لـ”بيريل تيربو” يقول للرجل “صحي الدكر”. وفي إعلان جديد لـ”شيبسي” يؤكد أن شيبسي الجديد “للرجالة وبس” بعد أن قام آكل الشيبسي بقول عبارة “هاكونا مطاطا” الشهيرة لتيمون وبومبا الشخصيتين الكارتونيتين بمعنى “كبر دماغك من أي مسئولية” ردا على حماته التي اتهمته باللعب وترك ابنتها في المنزل تقوم بالمهام المنزلية. وآخر لـ”زبادو” يقول بالنص “طلع البطل اللي جواك”. وفي أكثر من إعلان لـ”سنيكرز” يظهر الشخص وهو جوعان في صورة سيدة منهكة مرة الفنانة “إنعام سالوسة” وأخرى “رجاء الجداوي” وبعد أن يأكل السنيكرز يعود لطبيعته كرجل وتظهر الجملة “انت مش انت وانت جعان”. ترى ما الهدف من هذه الإعلانات لسلع تؤكل وتشرب ولم تصنع خصيصا للرجال سوى التأكيد على النظرة الذكورية للمرأة التي تسود مجتمعاتنا، والتعامل مع الأنثى على أنها ضعيفة وأن الرجولة سمة جيدة بينما الأنوثة صفة تستدعي التحقير؟!.

هناك مثل آخر: في لافتات بمحافظة الإسكندرية وعلى الطرق السريعة كتب “المراية للسواقة مش للسبسبة.. سوقي عدل” متحدثة مع الإناث في مقابل “‘ياعم سيب الموبايل.. سوق عدل”، و”عزيزى: الغرزة مش هتنفعك.. سوق عدل” في إطار حملة للحد من حوادث الطرق. واضح طبعا الفارق في اللغة حين يخاطب الإعلان/التحذير الذكور وحين يخاطب النساء. فالمرأة هي كائن ينصب اهتمامه على نفسه ومظهره من وجهة نظر منتجي الإعلان، فكأن الهدف من قيادة السيارة هو النظر في المرآة للتأكد من أن كل شيء على ما يرام في وجهها قبل توجهها لأي لقاء أو للعمل لتبدو في وضع ملفت لانتباه الرجال، أو كأنها مجرد مختلة عقليا لا تعبأ بالسيارات من حولها ولا بحياتها التي تعرضها للخطر نتيجة النظر في المرآة لـ”السبسبة”.

في نفس الوقت تتعامل بعض الإعلانات مع الرجال بوصفهم الجمهور المستهدف في عملية الشراء، وبالتالي يتم استخدام عنصر الذكور فيها مثل إعلانات السيارات والشقق والمنتجعات السياحية، بما لا ينتقص من وجود المرأة كعنصر مكمل في الإعلان، كزوجة تذهب مع زوجها لتفقد مسكن جديد أو تجلس بجواره في سيارته الفارهة، أو تتجول بالمايوه على شواطئ المنتجعات، أو في مجموعات نسائية تلتف حول بطل الإعلان، ولا مانع من بعض الإيماءات والإشارات لجمالها كجزء من جمال السلعة المروج لها كما يحدث في إعلان “موسى كوست”.

هذا الوضع المذري في الحقيقة يعبر بوضوح عن نظرة دونية للمرأة في المجتمع، ليس بوصفها فقط سلعة تستخدم لترويج سلع أخرى إرضاء لرغبات وشهوات الرجل، أو بوصفها المسئولة عن اختيار سلع للاستخدام المنزلي بأنواعه، ولكن بوصفها في منزلة ووضع أقل.. أي سبة ولعنة يجب إزدرائها واحتقارها والتقليل من شأنها ونعتها بأسوأ الأوصاف.

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن القضاء على النظرة الدونية للمرأة مسألة لا يمكن لها أن تتم إلا في المجتمع نفسه، فالقضاء على الهيراركية الطبقية، وتقبل التنوع في الجنس على أنه شيء مكمل لطبيعة الحياة وطرق العيش فيها، معركة لن تدار إلا باصطفاف قوى لها مصلحة في إلغاء التمييز بين البشر رجالا ونساءً، اصطفافا يبني منظوره حول أفكار تقدمية ثورية تحارب في كل مكان (الأسرة، المنزل، العمل، الدراسة، الشارع، ممارسة الهوايات) التمييز بوصفه معادي للإنسانية وقدرتها على الاستمرار والتعايش المتساوي بين البشر بوصفهم بشرا لا يميزهم عن بعضهم شيئا سواء كان التمييز المقصود جنسيا أو دينيا أو عرقيا أو طبقيا.

Advertisements
تعليقات
  1. مجدي دعاس كتب:

    مقال جميل جدا.رغم كونه وصفي وليس تحليلي لموقع المرأة الطبقي والاجتماعي. أشكرك جزيل الشكر .وأريد أن أسأل …هل لديك نسخة من كتاب الحيل والحروب عند العرب. أرجو الاهتمام والرد.

    إعجاب

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s